Masukزاك
لم أستطع التوقف عن ضم لينيا إليّ. حتى بعد أن عادت… حتى بعد أن شعرت بأنفاسها الدافئة على صدري… كان جزء مني خائفًا أن تختفي فجأة لو تركتها. مرت سنوات طويلة منذ آخر مرة استطعت لمسها هكذا. سنوات من الوحدة. من الألم. من الاستيقاظ كل ليلة وأنا أتذكر كيف ماتت بين ذراعي. لكنها الآن هنا. حقًا هنا. دفنت وجهي في شعرها ببطء وأنا أرتجف قليلًا. ورائحتها… لافندر وفانيليا. نفس الرائحة التي لم أنسها يومًا مهما مر الوقت. أغمضت عيني بقوة وأنا أتنفسها وكأنني أحاول التأكد أنها حقيقية. ثم همست بصوت مكسور: — “اشتقت لكِ…” خرجت الكلمات ضعيفة بشكل مخجل. لكنني لم أعد أهتم. — “لا تتخيلين كم عانيت بدونك.” شعرت بأصابعها تلمس وجهي ببطء. رفعت عيني إليها. وكانت تنظر إليّ بنفس الطريقة القديمة… بنفس عيون الحب التي كانت تنظر بها إليّ دائمًا. حتى بعد كل هذه السنوات… ما زالت تنظر إليّ وكأنني عالمها كله. ابتسمت لينيا بتعب خفيف. ثم همست بصوت ضعيف لكنه دافئ: — “اشتقت لك كثيرًا أيضًا…” شعرت بصدري يؤلمني من شدة المشاعر. وخاصة عندما مررت أصابعها على وجهي وكأنها تحفظ ملامحي من جديد. ثم اقتربت ببطء… وطبعت قبلة خفيفة على شفتي. قبلة صغيرة جدًا. لكنها حطمت كل ما تبقى من صبري. أغمضت عيني فورًا وأنا أضمها أقرب إليّ. حتى قلبي كان يرتجف بطريقة لم أشعر بها منذ زمن طويل. سمعت ضحكة هادئة قريبة. التفتنا جميعًا. وكانت إلهة القمر تنظر إلينا بعينيها الفضيّتين الهادئتين. ثم قالت بصوت ناعم: — “لقد أصلحت ما كان يجب إصلاحه.” تحرك ضوء القمر حولها بهدوء بينما أكملت: — “أما الباقي…” نظرت إلينا جميعًا. إلى هرلين. إلى هيفان الفاقد للوعي. إليّ أنا ولينيا. ثم ابتسمت بخفة. — “فأصبح بين أيديكم الآن.” وببطء… بدأ جسدها يتحول إلى ضوء أبيض ناعم. اختفى الضوء تدريجيًا داخل القمر. ومع آخر لمعة… اختفت تمامًا. ساد الصمت للحظات. لكن هذه المرة… لم يكن صمتًا مخيفًا. بل هادئًا. وكأن عالم الأرواح نفسه أصبح أكثر دفئًا بعد رحيلها. ثم فجأة شعرت بجسد لينيا يتجمد قليلًا بين ذراعي. رفعت رأسي نحوها باستغراب. لكنها لم تكن تنظر إليّ. بل خلفي. اتبعت نظرتها… ورأيت هرلين. كانت جالسة على الأرض وهي تضم هيفان بقلق. وعيناها مليئتان بالدموع والتعب. تجمدت لينيا تمامًا وهي تنظر إليها. وكأنها ترى انعكاس نفسها. حتى أنا شعرت بالذهول للحظة. التشابه بينهما كان مرعبًا فعلًا. نفس الشعر. نفس الملامح. حتى طريقة النظر. لكن رغم ذلك… كان لكل واحدة منهما شيء يميزها. بدأت لينيا تقترب ببطء. وهي تنظر إلى هرلين وكأنها لا تصدق بعد. أما هرلين… فوقفت ببطء هي الأخرى. وعيناها كانتا ترتجفان بالمشاعر. توقفت لينيا أمامها مباشرة. وقرب القمر الفضي فوقهما… بدتا وكأنهما انعكاسان لنفس الروح. رفعت لينيا يدها ببطء. ولمست خد هرلين بخفة. ثم همست بصوت مرتجف: — “أنتِ… أختي.” شهقت هرلين بخفة. وبدأت دموعها تنزل فورًا. هزت راسها وهي تقول:" اجل.... أنا هي." أما لينيا… فابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة. — “كبرتِ كثيرًا…” ارتجفت شفتا هرلين. ثم فجأة… عانقت لينيا بقوة. وكأنها تخشى أن تختفي منها أيضًا. حتى لينيا تشبثت بها فورًا. وكلتاهما بدأتا تبكيان بصمت… بعد سنوات طويلة فرّقتهما الحياة والموت بين العالمين. ثم فجأة تنهد هيفان وبدأ يستعيد وعيه. —"هيفان." قالت هرلين وهي تمسك وجهه كي تتأكد أنه بخير. _"ماذا حدث." —"لقد أفقدك الحارس وعيك..لكن لا تقلق لم تصبح هرلين أرمله." قلت وأنا انضر إلي هيفان بابتسامة ساخراً. لكن فجأة.—" _"أخ " ظربتني لينيا في معدتي . "لا تقول ذلك." قالت وهي تنظر إلي بتلك الطريقة التي تعني أني فعلت شيء خطأ. —"ماذا كنت امزح فقط." قلت وأنا أنظر إليها. "ربما من الأفضل أن نذهب من هنا الآن وسوف تتشاجرون كما تريدون." قالت هرلين. وجميعنا وفقنها الرأي. لكن الأهم أني أخير شعرت أني عدت إلي الحياة. لقد عادت لينيا إلي وهذا الأهم من كل شجار سخيف سوف اخوضه ضد هيفان.من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تارة أخرى. حتى انتهى جزء كبير من العمل. فجلسنا أخيرًا قرب أحد الجدران الحجرية المطلة على الساحة. تنهد خالي وهو ينظر إلى الجنود. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "يذكرني هذا بأيامنا." التفت نحوه باهتمام. "أيامكم؟" ضحك بخفة. "أنا ووالدك وهيفان." أصبحت مهتمًا فورًا. نادراً ما كانوا يتحدثون عن تلك الأيام. فأسندت ظهري إلى الحائط وقلت: "احكِ لي." ابتسم أيان. وبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الماضي. "عندما كنا في صغار وحصلنا على ذئابنه اجبرنا على الذهاب الى المعسكر كنا نقضي وقتنا في معسكرات التدريب." "خصوصًا أنا وهيفان." ضحكت فورًا. "أستطيع تخيل الكارثة." ضحك هو الآخر. "بل كانت كارثة حقيقية." ثم تابع: "كان المدربون يوقظوننا قبل شروق الشمس." "نجري لعشرات الكيلومت
من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "اقترابك من إيفان." سكتت لحظة، ثم أجابت: "كنت أتحدث معه فقط." "فقط؟" أومأت برأسها. "نعم." "لكنّك كنتِ قريبة جدًا." هزّت كتفيها بلا اكتراث: "لم أنتبه." أغمضتُ عينيّ للحظة. هذا الجيل سيصيبني بالجنون. تقدمتُ خطوة نحوها، لكن قبل أن أتكلم، فُتح الباب فجأة. دخلت لينيا. نظرة واحدة منها كانت كافية لتدرك الموقف. قالت بهدوء: "زاك." "يكفي." نظرت بيني وبين لافندر، ثم أضافت: "سأتولى الأمر." كنت على وشك الاعتراض، لكنها أوقفتني بنظرة واحدة. نظرة تعني أن النقاش انتهى. خرجتُ من الغرفة بصمت. لكن طول الوقت كنت اسمع تذمر لافندر وتوبيخ لينيا. لاحقًا، كنت مع لينيا في غرفتنا. الغضب ما زال يسيطر عليّ. قلت بانفعال: "لا أحد يفهم خطورة الوضع." "لا أحد يدرك أن اقترابه
من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ