LOGINأيان
لم أنم جيدًا تلك الليلة. كان هناك شيء خاطئ في هذا المعبد. شيء يجعل حتى ذئبي داخلي متوترًا طوال الوقت. استيقظت قبل الجميع تقريبًا، بينما كان ضوء الصباح الرمادي يتسلل عبر الأعمدة الحجرية المكسورة. نهضت بهدوء وأنا أراقب هرلين النائمة قرب هيفان. حتى وهي نائمة، كان هيفان يضمها نحوه بغريزة واضحة. ابتسمت بخفة. ثم خرجت من القاعة الكبيرة لأستنشق بعض الهواء. الخارج كان باردًا بشكل مزعج. والضباب يغطي المكان كله تقريبًا. بدأت أتمشى حول المعبد بحذر، بينما أنظر إلى الرموز القديمة المحفورة على الجدران. لكن فجأة… توقفت. كان هناك شيء غريب خلف المعبد. اقتربت أكثر، وأنا أزيح بعض النباتات اليابسة عن الأرض. ثم اتسعت عيناي بصدمة. باب. أو… شيء يشبه الباب. كان نصفه مدفونًا تحت الأرض، وعليه نفس الرموز الغريبة الموجودة داخل المعبد. ركعت فورًا أمامه وأنا ألمس سطحه الحجري البارد. حتى ذئبي داخلي زمجر بتحذير. شعرت بطاقة غريبة تخرج منه. وكأن شيئًا خلفه… حي. رجعت بسرعة إلى الداخل. وكان الجميع قد استيقظوا تقريبًا. زاك كان يقف قرب النار، بينما هيفان يساعد هرلين لتجلس. وفور ما رآني هيفان، عقد حاجبيه. — “ماذا حدث؟” تنفست بسرعة قبل أن أقول: — “وجدت شيئًا خلف المعبد.” بعد دقائق… كنا جميعًا واقفين أمام الباب الحجري المخفي. اقترب زاك منه ببطء. ولأول مرة منذ وصولنا… رأيته يبدو متوترًا فعلًا. رفع يده ولمس إحدى الرموز، وفجأة توهجت بلون أحمر خافت. ثم قال بصوت منخفض: — “هناك تعويذة ختم.” نظرت إليه هرلين بقلق. — “ماذا يعني هذا؟” أجاب وعيناه مثبتتان على الباب: — “يعني أن شيئًا ما موجود خلفه… وتم حبسه.” شعرت بقشعريرة تمر في جسدي فورًا. أما هيفان فسأل ببرود: — “وهل نستطيع فتحه؟” صمت زاك لحظة قبل أن يهز رأسه. — “لكن يجب كسر الختم أولًا.” بدأنا نتناقش حول الطريقة. حتى والدتي كانت قد أعطتنا بعض الأحجار السحرية تحسبًا لأي شيء. لكن فجأة— سمعنا صوتًا. تجمدنا جميعًا. صوت احتكاك غريب… ثم صوت شيء ثقيل يتحرك داخل المعبد. استدار هيفان فورًا. حتى هيف داخله زمجر بجنون. أما أنا فشعرت بيدي تتحولان إلى مخالب دون وعي. ثم خرج الشيء من الظلام. وشعرت بأن معدتي انقبضت. كان… مسخًا. جسده ضخم ومشوّه، وكأنه مكوّن من عدة أجساد ملتصقة ببعضها. جلده أسود متشقق. ومخالبه طويلة وحادة بشكل مرعب. أما وجهه… فلم يكن يشبه أي شيء حي. شهقت هرلين بخوف. بينما همس زاك بصدمة: — “مسخ الأرواح…” وفجأة— هاجمنا. تحرك هيفان أولًا وتحول مباشرة إلى ذئبه الأبيض الضخم، بينما اندفع زاك نحوه بسرعة مرعبة. أما أنا فسحبت سيفي فورًا. المخلوق كان سريعًا بشكل مخيف. ضرب إحدى الأعمدة فتحطمت بالكامل. حتى الأرض اهتزت تحتنا. حاولت مهاجمته من الخلف بينما كان هيفان يعض ذراعه الضخمة، لكن المسخ صرخ بصوت مرعب ودفعه بعنف نحو الحائط. — “هيفان!” صرخت هرلين. أما زاك فاستغل الفرصة وغرس سيفه داخل كتف المخلوق. لكن المسخ أمسكه ورماه بقوة هو الآخر. ثم فجأة… التفت نحو هرلين. وشعرت بالذعر يضربني فورًا. كان سريعًا جدًا. صرخت: — “هرلين انتبهي!” وفي اللحظة التالية، ضرب الأرض بمخالبه. شيء يشبه الزجاج الأسود انفجر بكل الاتجاهات. رأيت الشظايا تتجه نحو هرلين مباشرة. بدون تفكير… ركضت نحوها. وسحبتها نحوي بينما أدير ظهري للشظايا. ثم— شعرت بألم حاد يخترق بطني. تجمدت أنفاسي. سمعت هرلين تصرخ برعب: — “أيان!” نظرت للأسفل ببطء… وكانت قطعة زجاج سوداء مغروسة في جانب بطني. الدم بدأ ينزل فورًا. ركبتاي ضعفتا قليلًا، لكنني بقيت ممسكًا بهرلين حتى لا تسقط. — “أخي!” كانت تبكي فعلًا الآن. حتى جوليا داخلها كانت تصرخ بجنون. أما أنا فحاولت أبتسم رغم الألم. — “أنا… بخير…” لكن حتى أنا عرفت أن الجرح عميق. جلست على الأرض بصعوبة بينما هرلين تمسك بي وهي ترتجف. حاولت لمس الزجاجة لتسحبها… لكنني أمسكت يدها فورًا. — “لا!” نظرت إليّ بخوف. أما أنا فتنفست بصعوبة وقلت: — “إذا سحبتيها الآن… سينزف أكثر.” كانت دموعها تنزل وهي تهز رأسها. — “كل هذا بسببي…” — “لا تقولي هذا.” همستها وأنا أحاول طمأنتها رغم الألم. وفي الخلفية… كان صوت القتال يهز المعبد بالكامل. هيفان وزاك أصبحا أكثر شراسة بعد إصابتي. حتى الهواء حولهما امتلأ بطاقة مخيفة. وفجأة— سمعنا زمجرة هيفان المرعبة. ثم غرس أنيابه داخل عنق المسخ، بينما زاك قطع رأسه بسيفه الأسود دفعة واحدة. ساد الصمت. وجسد المسخ سقط أخيرًا على الأرض بلا حركة. لكنني بالكاد استطعت التركيز. لأن رؤية هرلين وهي تبكي بتلك الطريقة… أوجعتني أكثر من الجرح نفسه.من وجهة نظر أفيني. مع مرور الأيام، بدأت أشعر أنني أصبحت أكثر اعتيادًا على حياتي الجديدة داخل مملكة نايت فورد. الغريب أنني لم أعد أشعر بذلك الخوف الشديد كلما كنت أقف بالقرب من الملك لايرس كما في الأيام الأولى. صحيح أنني ما زلت أتوتر كلما اقترب مني أو تحدث معي، لكنني أصبحت أحب الأوقات التي أرافقه فيها أثناء شربه للشاي أو عندما يقرأ كتبه بصمت بينما أقوم بترتيب مكتبه. بل إنني بدأت أكتشف أن هناك جانبًا مختلفًا منه لا يعرفه الكثيرون. كان هادئًا أكثر مما ينبغي، وكأنه يحمل فوق كتفيه أشياء لا يستطيع إخبار أحد عنها. وفي ذلك اليوم، وبعد يوم طويل من العمل، عدت أخيرًا إلى غرفتي وأنا أتمنى فقط أن أغط في النوم حتى صباح الغد. لكن بعد دقائق قليلة، سمعت طرقات خفيفة على الباب. "ادخلي." فتحت صوفي الباب وهي تحمل معها إبريقًا صغيرًا من الشاي وبعض الحلوى التي أحضرتها من مطبخ القصر. ابتسمت لها وهي تجلس بجانبي فوق الأريكة الصغيرة الموجودة في الغرفة. "يبدو أنك متعبة اليوم." ضحكت بخفة وأنا أتنهد. "الملك كان مشغولًا طوال اليوم، لذلك كان عليّ أن أركض خلفه في نصف أنحاء القصر." ضحكت صوفي قليلًا قبل أن
من وجهة نظر أفيني. بصراحة، منذ حادثة الصباح وأنا لا أفهم ما الذي يجري مع الملك لايرس. أقصد، كيف يمكن لشخص أن يغضب لمجرد أنني تحدثت مع أحد الحراس لمدة دقيقة واحدة فقط؟ ثم يقول لي بكل هدوء إنني "ملكه" ما دمت أعمل لديه؟ حتى الآن لا أعرف إن كان هذا أمرًا طبيعيًا بالنسبة لملوك نايت فورد أم أن ملكنا فقط غريب الأطوار قليلًا. على أي حال، قررت أن أتوقف عن التفكير بالأمر، لأنني إذا حاولت فهمه أكثر فمن المحتمل أن أصاب بالجنون قبل أن أجد طريقة للعودة إلى منزلي. حل الليل أخيرًا، وكان موعد العشاء قد حان. رتبت الطاولة كما أفعل كل يوم، وتأكدت من أن الشاي بدرجة الحرارة التي يفضلها، وأن جميع الأطباق موضوعة في أماكنها الصحيحة. ثم وقفت في مكاني المعتاد بالقرب من الحائط أنتظر وصوله. خمس دقائق... عشر دقائق... ثم خمس عشرة دقيقة أخرى. رفعت رأسي قليلًا نحو الساعة المعلقة على الحائط وأنا أعبس بخفة. "هذا غريب." عادةً لا يتأخر عن موعد العشاء أبدًا. حتى صوفي أخبرتني منذ أيام أنه أكثر شخص منظم عرفته في حياتها. لذلك، وبعد أن تأكدت من أن الطعام سيبرد قريبًا، قررت أن أذهب للاطمئنان عليه. طرقت باب جناح
من وجهة نظر أفيني. مر أسبوع كامل، ثم تبعه أسبوع آخر دون أن أشعر كيف مضى الوقت. الغريب في الأمر أنني بدأت أعتاد هذا العالم شيئًا فشيئًا. في البداية كنت أظن أنني سأهرب في أول فرصة تتاح لي، لكن مع مرور الأيام بدأت أشعر بالفضول تجاه مملكة نايت فورد أكثر فأكثر. كانت مملكة جميلة ومختلفة تمامًا عن نورفاي. فإذا كانت نورفاي تشبه الشتاء الأبدي والثلوج البيضاء، فإن نايت فورد كانت تشبه الليل الهادئ. حتى القصر الملكي بني من حجارة سوداء تتزين بخطوط فضية جعلته يبدو وكأنه خرج من إحدى القصص الخيالية. أما بالنسبة لعملي... فقد أصبح جزءًا من روتيني اليومي. أستيقظ قبل شروق الشمس، وأساعد في تجهيز ملابس الملك، وأتأكد من أن طعامه جاهز في موعده، وأرافقه أحيانًا أثناء اجتماعاته المهمة حتى أحضر له ما يحتاج إليه. وخلال هذين الأسبوعين اكتشفت الكثير من الأشياء عنه. أولها أن اسمه هو "لايرس". بصراحة، تفاجأت قليلًا عندما أخبرتني صوفي باسمه، لأنه بدا اسمًا مناسبًا له بطريقة غريبة. وثانيها أنه ليس مخيفًا كما كنت أعتقد. أعني... نعم، هو مرعب عندما يغضب على ما يبدو، لكنني لم أره يغضب ولو مرة واحدة منذ وصولي إل
من وجهة نظر أيفني. إذا كان هناك شيء واحد تعلمته خلال أول يوم لي في هذا العالم، فهو أن العمل خادمةً لدى ملك اليكان أصعب بكثير من النجاة من تدريبات والدي إيفان في طفولتي. بل وأكثر رعبًا بقليل من غضب جدي زاك عندما كنت أسرق قطع الحلوى الخاصة به. بعد أن قبل الملك أن أعمل لديه، خرجت أنا وصوفي من جناحه الخاص، وما إن أغلق الباب خلفنا حتى أطلقت الزفير الذي كنت أحبسه طوال الوقت. نظرت إليَّ صوفي بفخر وكأنني نجحت في اجتياز اختبار دخول الجيش الملكي. "أهنئك." رمشت عدة مرات باستغراب. "على ماذا؟" "لقد نجوتِ." "..." "هناك ثلاث خادمات بكين خلال أول خمس دقائق من مقابلته." بصراحة، لا أعلم إن كان عليّ الشعور بالفخر أو بالخوف أكثر. وبعدها بدأت رحلتي الحقيقية مع العمل. اكتشفت أن الملك شخص منظم بشكل مرعب. فكل شيء في جناحه مرتب بدقة شديدة، حتى الكتب الموجودة داخل مكتبته كانت مرتبة بحسب أحجامها وألوان أغلفتها! كما اكتشفت أنه لا يحب الفوضى إطلاقًا. خلال الصباح، كان عليَّ تحضير طاولة الإفطار، ثم الانتظار بجانب الباب حتى ينتهي من تناول طعامه في حال احتاج إلى شيء. وبالمناسبة... كا
من وجهة نظر أفيني. إذا كان هناك شيء تعلمته خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، فهو أن القدر يكرهني. حقًا، لا أجد تفسيرًا آخر لما يحدث معي. فأنا انتقلت إلى عالم آخر، وكدت أُعدم قبل أن أستيقظ، وأصبحت خادمة لدى ملك مرعب يقتلع الأشجار عندما يغضب، والآن أنا أقف أمام المرآة منذ الفجر أحاول ألا أموت في أول يوم عمل لي. استيقظت قبل شروق الشمس كما طلبت مني صوفي، وما إن انتهيت من غسل وجهي حتى دخلت الغرفة وهي تحمل بين يديها فستانًا بسيطًا لكنه جميل للغاية. كان بلون العسل الفاتح تتداخل معه خيوط بيضاء ناعمة عند أطرافه، كما أن تصميمه كان أنيقًا بشكل لا يليق بخادمة عادية. "ألستِ متأكدة أنه خاص بالخادمات؟" سألتها بتردد. ضحكت وهي تعطيني الفستان. "بالطبع! الملك يكره الأشخاص غير المرتبين، لذلك حتى خدم القصر يجب أن يكونوا في أفضل مظهر لهم." بدأت أشعر أنني أعمل لدى شخص مهووس بالكمال قليلًا. بعد أن ارتديته وساعدتني صوفي في ترتيب شعري، خرجنا متجهتين نحو جناح الملك. طوال الطريق كانت تعطيني تعليمات جديدة جعلتني أتساءل إن كنت سأتمكن من تذكر اسمي في النهاية. "أولًا، لا ترفعي رأسك أمام الملك." "حسنًا.
من وجهة نظر الكاتب. حلَّ الليل أخيرًا فوق القصر الملكي، وكانت أفيني ما تزال جالسة قرب النافذة وهي تنظر إلى القمرين المعلقين في سماء هذا العالم الغريب. ورغم جمال المنظر، لم تستطع منع نفسها من التفكير في عائلتها وفي ما إذا كانوا بخير الآن. قطع صوت طرقات خفيفة على الباب شرودها. "أدخلي." دخلت صوفي وهي تحمل صينية كبيرة مليئة بالطعام الساخن، وكان يعلو وجهها تعبير جاد لم تره أفيني منذ استيقاظها. وضعت الصينية فوق الطاولة ثم جلست بجانبها. "حسنًا، لقد حان الوقت للحديث الجدي." رمشت أفيني باستغراب. "عن ماذا؟" تنهدت صوفي قبل أن تقول: "عن كيفية بقائكِ على قيد الحياة ابتداءً من الغد." ساد الصمت داخل الغرفة للحظات. "هل الأمر بهذا السوء؟" "أسوأ." شعرت أفيني أن حياتها أصبحت أكثر صعوبة مع كل دقيقة تمضي في هذا العالم. أخذت صوفي نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ بالشرح. "أولًا، استيقظي قبل شروق الشمس. الملك يستيقظ مبكرًا جدًا ويكره الأشخاص الكسالى." "حسنًا." "ثانيًا، لا توقظيه من نومه." "هذا طبيعي." "ثالثًا، لا تلمسي أغراضه الخاصة." "مفهوم." "رابعًا، لا تسأليه عن البركة المقدسة مهما حدث." هن
لينيا لم أكن أظن أنني سأرى هذا اليوم مجددًا. حتى بعد عودتي… ما زال جزء مني يشعر أن كل شيء حلم طويل سأستيقظ منه فجأة. لكن كلما نظرت إلى زاك… عرفت أن هذا حقيقي. لأنه كان ينظر إليّ بنفس الطريقة دائمًا. وكأنني الشيء الوحيد المهم في هذا العالم. خلال الحفل بقيت يده ممسكة بيدي أغلب الوقت، وكأنه ي
الرواي بعد عودتهم إلى مملكة نورفاي، بدا وكأن القصر بأكمله عاد للحياة من جديد. الخدم كانوا يتحركون بسرعة في كل مكان، والحراس يتحدثون بحماس عن عودة الأميرة المفقودة، وحتى الهواء داخل القصر بدا أخف من السابق. أما الملك الفريد… فلم يستطع إخفاء سعادته رغم هيبته المعتادة. منذ سنوات طويلة لم يره أحد
هرلين استيقظتُ مع أول خيوط الصباح الهادئة. كان ضوء الشمس الخافت يتسلل بين الأشجار ويدخل إلى المعبد القديم ببطء، بينما صوت العصافير ملأ المكان بعد ليلة طويلة بدت وكأنها حلم. رمشت بتعب خفيف. ثم شعرت بشيء دافئ يحيطني. ابتسمت فورًا عندما رأيت ذراع هيفان ملتفة حول خصري بقوة حتى أثناء نومه. وكأنه خا
هرلين خرجنا أخيرًا من عالم الأرواح. وما إن صعدت آخر درجة من ذلك الدرج الطويل حتى شعرت وكأنني أتنفس من جديد. الهواء البارد الحقيقي. رائحة الغابة. وصوت الرياح بين الأشجار. كل شيء بدا مختلفًا الآن. أكثر دفئًا. أكثر حياة. التفتُّ خلفي ببطء نحو لينيا، وما زلت غير مصدقة أنها تمشي معنا فعلًا. ل







