LOGINالراوي
مر اسبوع كامل منذ حادثة الغابة أسبوع حاولت فيه هرلين إقناع نفسها أن قلبها لا يتسارع كلما رأت هيفان.. وفشلت تماماً. أما هيفان،فكان يحاول إقناع نفسه أن مراقبتها في كل مكان في القصر أمر طبيعي. لكنه فشل هو أيضا. ومع اقتراب عيد ميلاد الملك الفريد ،تحول قصر نورفاي إلي فوضه ضخمة من التحضيرات. الخدم يتحركون في كل مكان ،الزينة الجلدية تعلق على الجدران ،وروائح الطعام والحلويات تملأ الممرات. في وسط كل تلك الفوضى... كانت هرلين تركض من مكان إلى آخر وهي تحمل صناديق لزينة الصغيرة. —"اسرعي هرلين!" —"الورود إلي القاعدة الرئيسيه!" —"الشموع أين اختفت ؟!" تنهدت بتعب وهي تحاول ترتيب كل شيء بنفس الوقت. لكن المشكلة الحقيقية لم تكن العمل... بل تلك العيون الزرقاء آلتي كانت تشعر بها تتبعها طول الاسبوع. في كل مره كنت ترفع راسها... تجده ينظر إليها. من بعيد. بهدوءه المعتاد. وكأن شيئا ما يجذبه نحوها دون توقف. أما جوليا... فكانت تستمتع بالأمر أكثر من ما يجب. —"أنه يراقبنا مجددا." —"اعرف!" —"وانت سعيدة بذلك." —"لست سعيدة!" لكن احمرار وجهها قال عكس ذلك تماماً. استدارت بسرعة وهي تحمل بعض الأقمشة المطرزة ،محاولة التركيز على العمل بدل التفكير به... لكنها اصطدمت فجأة بجسد صلب. شهقت بخفوت قبل أن تفقد توازنها. إلا أن ذراعاً قوية امسكتها بسرعة. تجمدت هرلين فوراً. لأن الرائحة وحدها كانت كافية لتعرفه. رفعت عينيها ببطء... لتجده أمامها مباشرة. هيفان. وكان قريب جداً. قريب بشكل جعل أنفسها تختفي للحضه. حاولت التراجع بسرعة ،لكن يده استقرت خلفها على الحائط قبل أن تتمكن من الهرب ،محاصرا إياها بينه وبين الجدار دون قصد واضح. توقفت أنفسها تماماً. أما هيفان... فبقي ينضر اليها بصمت. عيناه الزرقاوان انتقلتا ببطء نحو عينيها الفضيتن ثم شفتيها الزهرية، وكأنه نسي ما كان يريد أن قوله أصلا. حتى القصر الصاخب حولهما بدأ وكأنه اختفى فجأة. كل شيء أصبح هادئاً بشكل خطير. قلب هرلين بدأ ينبض بعنف لدرجة أنها خافت ان يسمعه. —"أنه قريب جداً..." همست جوليا داخل رأسها بتوتر وحماس. لكن هيفان لم يتحرك. بل أقترب أكثر ببطء... حتى أصبحت أنفاسه الباردة تلمس وجهها. اتسعت عينا هرلين فوراً ،بينما شعرت بحرارة هائلة تصعد إلى وجنتيها. هل كان...؟ وفجأة — —"آنسة هرلين!" قفزت هرلين بفزع عندما ظهرت إحدا الخادمة من أخر الممر ،تحمل مجموعة من الأشرطة الحريرية. ابتعد هيفان فوراً بخطوة إلي الخلف ،بيتما كانت الخادمة تنظر بينهما بتوتر واضح وكأنها شعرت أنها قطعت شيئا مهم جداً. أما هرلين... فكانت متأكدة أن قلبها سيتوقف من شدة الخجل. ................... بعد أن أبتعدت هرلين بسرعة مع الخادمة ،بقي هيفان واقفاً في الممر للحظات طويلة دون أن يتحرك. ملامحه بقيت باردة كعادتها... لكن داخل صدره ،كان الانزعاج يزداد بشكل مزعج. خصوصاً بعد أن قاطعته تلك الخادمة. تنهد بضيق وهو يمرر يده خلال شعره الابيض قبل أن يعود أخيرا إلى لقاعة الرئيسية. ومع حلول الليل ،تحول قصر نورفاي إلي مشهد ساحر. الثريات الكريستالية اضاءت القاعة العملاقة،والشموع انعكست فوق الجدران الجليدية اللامعة،بينما عزقت الموسيقى الهادئة في كل مكان احتفالاً ،بعيد ميلاد الملك ألفريد. امتلأت القاعة بالنبلاء والمحاربين وقادة القطعان . لكن كل الأنظار توقفت فجأة عند مدخل الدرج الكبير. لأن هرلين ظهرت أخيراً... ارتدت فستاناً طويل بلون فضي ناعم يشبه ضوء القمر فوق الثلج ،بينما انسدل شعرها الفضي فوق كتفيها بخفة. بدت... جميلة بشكل جعل القاعة كلها تصمت للحضة. حتى هيفان تجمد مكانه فور رؤيتها. وشعر بشئ حاد يتحرك داخل صدره عندما لاحظ كيف بدأ الجميع يحدق بها. رجال كثريون. كثير جداً. زمجر هيف داخل عقله بأنزعاج:— "أنهم ينظرون إليها كثيرا." شدد هيفان قبضته حول كأسه بصمت. وكأن ذلك أسوأ عندما بدأ الرقص. لأن احد الذئاب الشابة اقترب من هرلين مبتسماً وطلب منها الرقص أمام الجميع. تردد للحظة... ثم وافقت بخجل. وهنا تحديداً بدأ مزاج هيفان ينهار بالكامل. ظل يراقبها طول الرقصة ،بينما كانت تبتسم بخفة لذلك الذئب ،ويداه تكادان تحطمان الكأس الزجاجي بين أصابعه. حتى أيان لاحظ الأمر وهمس ساخراً:"أنت على وشك قتل شخص الليلة." لكن هيفان تجاهله تماماً. وبدلاً من ذلك.... بدأ يشرب. كأساً بعد اخر. حتا اختلط الغضب بذلك الشعور المجنون الذي لم يعد يعرف كيف السيطرة عليه.من وجهة نظر أفيني. مع مرور الأيام، بدأت أشعر أنني أصبحت أكثر اعتيادًا على حياتي الجديدة داخل مملكة نايت فورد. الغريب أنني لم أعد أشعر بذلك الخوف الشديد كلما كنت أقف بالقرب من الملك لايرس كما في الأيام الأولى. صحيح أنني ما زلت أتوتر كلما اقترب مني أو تحدث معي، لكنني أصبحت أحب الأوقات التي أرافقه فيها أثناء شربه للشاي أو عندما يقرأ كتبه بصمت بينما أقوم بترتيب مكتبه. بل إنني بدأت أكتشف أن هناك جانبًا مختلفًا منه لا يعرفه الكثيرون. كان هادئًا أكثر مما ينبغي، وكأنه يحمل فوق كتفيه أشياء لا يستطيع إخبار أحد عنها. وفي ذلك اليوم، وبعد يوم طويل من العمل، عدت أخيرًا إلى غرفتي وأنا أتمنى فقط أن أغط في النوم حتى صباح الغد. لكن بعد دقائق قليلة، سمعت طرقات خفيفة على الباب. "ادخلي." فتحت صوفي الباب وهي تحمل معها إبريقًا صغيرًا من الشاي وبعض الحلوى التي أحضرتها من مطبخ القصر. ابتسمت لها وهي تجلس بجانبي فوق الأريكة الصغيرة الموجودة في الغرفة. "يبدو أنك متعبة اليوم." ضحكت بخفة وأنا أتنهد. "الملك كان مشغولًا طوال اليوم، لذلك كان عليّ أن أركض خلفه في نصف أنحاء القصر." ضحكت صوفي قليلًا قبل أن
من وجهة نظر أفيني. بصراحة، منذ حادثة الصباح وأنا لا أفهم ما الذي يجري مع الملك لايرس. أقصد، كيف يمكن لشخص أن يغضب لمجرد أنني تحدثت مع أحد الحراس لمدة دقيقة واحدة فقط؟ ثم يقول لي بكل هدوء إنني "ملكه" ما دمت أعمل لديه؟ حتى الآن لا أعرف إن كان هذا أمرًا طبيعيًا بالنسبة لملوك نايت فورد أم أن ملكنا فقط غريب الأطوار قليلًا. على أي حال، قررت أن أتوقف عن التفكير بالأمر، لأنني إذا حاولت فهمه أكثر فمن المحتمل أن أصاب بالجنون قبل أن أجد طريقة للعودة إلى منزلي. حل الليل أخيرًا، وكان موعد العشاء قد حان. رتبت الطاولة كما أفعل كل يوم، وتأكدت من أن الشاي بدرجة الحرارة التي يفضلها، وأن جميع الأطباق موضوعة في أماكنها الصحيحة. ثم وقفت في مكاني المعتاد بالقرب من الحائط أنتظر وصوله. خمس دقائق... عشر دقائق... ثم خمس عشرة دقيقة أخرى. رفعت رأسي قليلًا نحو الساعة المعلقة على الحائط وأنا أعبس بخفة. "هذا غريب." عادةً لا يتأخر عن موعد العشاء أبدًا. حتى صوفي أخبرتني منذ أيام أنه أكثر شخص منظم عرفته في حياتها. لذلك، وبعد أن تأكدت من أن الطعام سيبرد قريبًا، قررت أن أذهب للاطمئنان عليه. طرقت باب جناح
من وجهة نظر أفيني. مر أسبوع كامل، ثم تبعه أسبوع آخر دون أن أشعر كيف مضى الوقت. الغريب في الأمر أنني بدأت أعتاد هذا العالم شيئًا فشيئًا. في البداية كنت أظن أنني سأهرب في أول فرصة تتاح لي، لكن مع مرور الأيام بدأت أشعر بالفضول تجاه مملكة نايت فورد أكثر فأكثر. كانت مملكة جميلة ومختلفة تمامًا عن نورفاي. فإذا كانت نورفاي تشبه الشتاء الأبدي والثلوج البيضاء، فإن نايت فورد كانت تشبه الليل الهادئ. حتى القصر الملكي بني من حجارة سوداء تتزين بخطوط فضية جعلته يبدو وكأنه خرج من إحدى القصص الخيالية. أما بالنسبة لعملي... فقد أصبح جزءًا من روتيني اليومي. أستيقظ قبل شروق الشمس، وأساعد في تجهيز ملابس الملك، وأتأكد من أن طعامه جاهز في موعده، وأرافقه أحيانًا أثناء اجتماعاته المهمة حتى أحضر له ما يحتاج إليه. وخلال هذين الأسبوعين اكتشفت الكثير من الأشياء عنه. أولها أن اسمه هو "لايرس". بصراحة، تفاجأت قليلًا عندما أخبرتني صوفي باسمه، لأنه بدا اسمًا مناسبًا له بطريقة غريبة. وثانيها أنه ليس مخيفًا كما كنت أعتقد. أعني... نعم، هو مرعب عندما يغضب على ما يبدو، لكنني لم أره يغضب ولو مرة واحدة منذ وصولي إل
من وجهة نظر أيفني. إذا كان هناك شيء واحد تعلمته خلال أول يوم لي في هذا العالم، فهو أن العمل خادمةً لدى ملك اليكان أصعب بكثير من النجاة من تدريبات والدي إيفان في طفولتي. بل وأكثر رعبًا بقليل من غضب جدي زاك عندما كنت أسرق قطع الحلوى الخاصة به. بعد أن قبل الملك أن أعمل لديه، خرجت أنا وصوفي من جناحه الخاص، وما إن أغلق الباب خلفنا حتى أطلقت الزفير الذي كنت أحبسه طوال الوقت. نظرت إليَّ صوفي بفخر وكأنني نجحت في اجتياز اختبار دخول الجيش الملكي. "أهنئك." رمشت عدة مرات باستغراب. "على ماذا؟" "لقد نجوتِ." "..." "هناك ثلاث خادمات بكين خلال أول خمس دقائق من مقابلته." بصراحة، لا أعلم إن كان عليّ الشعور بالفخر أو بالخوف أكثر. وبعدها بدأت رحلتي الحقيقية مع العمل. اكتشفت أن الملك شخص منظم بشكل مرعب. فكل شيء في جناحه مرتب بدقة شديدة، حتى الكتب الموجودة داخل مكتبته كانت مرتبة بحسب أحجامها وألوان أغلفتها! كما اكتشفت أنه لا يحب الفوضى إطلاقًا. خلال الصباح، كان عليَّ تحضير طاولة الإفطار، ثم الانتظار بجانب الباب حتى ينتهي من تناول طعامه في حال احتاج إلى شيء. وبالمناسبة... كا
من وجهة نظر أفيني. إذا كان هناك شيء تعلمته خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، فهو أن القدر يكرهني. حقًا، لا أجد تفسيرًا آخر لما يحدث معي. فأنا انتقلت إلى عالم آخر، وكدت أُعدم قبل أن أستيقظ، وأصبحت خادمة لدى ملك مرعب يقتلع الأشجار عندما يغضب، والآن أنا أقف أمام المرآة منذ الفجر أحاول ألا أموت في أول يوم عمل لي. استيقظت قبل شروق الشمس كما طلبت مني صوفي، وما إن انتهيت من غسل وجهي حتى دخلت الغرفة وهي تحمل بين يديها فستانًا بسيطًا لكنه جميل للغاية. كان بلون العسل الفاتح تتداخل معه خيوط بيضاء ناعمة عند أطرافه، كما أن تصميمه كان أنيقًا بشكل لا يليق بخادمة عادية. "ألستِ متأكدة أنه خاص بالخادمات؟" سألتها بتردد. ضحكت وهي تعطيني الفستان. "بالطبع! الملك يكره الأشخاص غير المرتبين، لذلك حتى خدم القصر يجب أن يكونوا في أفضل مظهر لهم." بدأت أشعر أنني أعمل لدى شخص مهووس بالكمال قليلًا. بعد أن ارتديته وساعدتني صوفي في ترتيب شعري، خرجنا متجهتين نحو جناح الملك. طوال الطريق كانت تعطيني تعليمات جديدة جعلتني أتساءل إن كنت سأتمكن من تذكر اسمي في النهاية. "أولًا، لا ترفعي رأسك أمام الملك." "حسنًا.
من وجهة نظر الكاتب. حلَّ الليل أخيرًا فوق القصر الملكي، وكانت أفيني ما تزال جالسة قرب النافذة وهي تنظر إلى القمرين المعلقين في سماء هذا العالم الغريب. ورغم جمال المنظر، لم تستطع منع نفسها من التفكير في عائلتها وفي ما إذا كانوا بخير الآن. قطع صوت طرقات خفيفة على الباب شرودها. "أدخلي." دخلت صوفي وهي تحمل صينية كبيرة مليئة بالطعام الساخن، وكان يعلو وجهها تعبير جاد لم تره أفيني منذ استيقاظها. وضعت الصينية فوق الطاولة ثم جلست بجانبها. "حسنًا، لقد حان الوقت للحديث الجدي." رمشت أفيني باستغراب. "عن ماذا؟" تنهدت صوفي قبل أن تقول: "عن كيفية بقائكِ على قيد الحياة ابتداءً من الغد." ساد الصمت داخل الغرفة للحظات. "هل الأمر بهذا السوء؟" "أسوأ." شعرت أفيني أن حياتها أصبحت أكثر صعوبة مع كل دقيقة تمضي في هذا العالم. أخذت صوفي نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ بالشرح. "أولًا، استيقظي قبل شروق الشمس. الملك يستيقظ مبكرًا جدًا ويكره الأشخاص الكسالى." "حسنًا." "ثانيًا، لا توقظيه من نومه." "هذا طبيعي." "ثالثًا، لا تلمسي أغراضه الخاصة." "مفهوم." "رابعًا، لا تسأليه عن البركة المقدسة مهما حدث." هن
هيفان دخلت غرفتي وأغلقت الباب خلفي بقوة لم أعتدها. الصوت ارتدّ في الجدران الحجرية وكأنه يعكس ما بداخلي. لم أكن بحاجة لأن أسأل نفسي لماذا خرجت من القاعة. كنت أعرف الإجابة جيدًا… وهذا ما جعل الأمر اسوأ. خلعت قفازي ببطء ثم اقتربت من الشرفة، وفتحتها على الهواء البارد القادم من جبال سيلفرا.
هرلين دخلنا إلى سيلفرا وكان كل شيء فيها مختلفًا عن نورفاي… أقل برودة، وأكثر دفئًا بطريقة غريبة. لكن رغم الترحيب الكبير من الحراس والنبلاء، لم أكن أرى شيئًا بوضوح. كنت فقط أحاول ألا أضيع بين كل هذه الوجوه. حتى وقع نظري عليه. شخص واحد فقط… جعل كل الضوضاء حولي تختفي فجأة. كان يقف بين الحر
هرلين استيقظتُ ببطء مع أول خيوط الصباح الباردة، بينما كانت النار التي أشعلناها الليلة الماضية قد تحولت إلى جمرات هادئة. رمشتُ عدة مرات وأنا أرفع رأسي قليلًا من فوق الغطاء الدافئ، ثم توقفت فورًا عندما رأيته. هيفان كان نائمًا على الجهة المقابلة قرب النار، وذراعاه معقودتان بخفة بينما انسدل شعره
هرلين بعد صدمة الفطور، لم أستوعب فعلًا أنني سأغادر نورفاي مع هيفان… إلا عندما بدأت الخادمات بتحضير حقائبي ونقلها. ومنذ تلك اللحظة، وجوليا لم تتوقف عن الصراخ داخل رأسي. — “سنسافر معه!” — “اهدئي…” — “لوحدنا تقريبًا!” — “جوليا!” لكن بصراحة… أنا أيضًا كنت متوترة بطريقة غريبة. بعد ساعات






