Mag-log inالراوي.
فتحت عينيها ببطء... كان أول ما رأته سقفًا خشبيًا قديمًا، تتدلى منه حزم أعشاب يابسة، تفوح منها رائحة مرّة امتزجت برائحة المطر والرطوبة. رمشت عدة مرات. رأسها كان يؤلمها بشدة... وحين حاولت أن تتحرك، شدّ شيء معصميها. تجمدت. أنزلت نظرها بسرعة... كانت يداها مربوطتين بحبال ناعمة إلى جانبي السرير الخشبي. "...!" حاولت الجلوس، لكن الحبال منعتها. بدأ قلبها يخفق بعنف. أين هي...؟ آخر ما تتذكره... أنها استعادت ذاكرتها... ثم... شخص أمسكها من الخلف... وقطعة قماش... ثم الظلام. ازدادت أنفاسها سرعة وهي تحاول فك الحبال، لكن بلا فائدة. صرير... انفتح باب الكوخ ببطء. دخل رجل طويل القامة، يرتدي معطفًا أسود طويلًا. كان شعره الأسود يصل إلى أسفل أذنيه، وعيناه بلون أخضر رمادي بارد، يحمل في يده صينية طعام. ما إن وقعت عيناه عليها حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة. ابتسامة جعلت القشعريرة تسري في جسدها. اقترب بخطوات بطيئة. هي تراجعت قدر استطاعتها حتى التصق ظهرها برأس السرير. "لا... لا تقترب." توقف أمامها مباشرة. ثم قال بصوت هادئ بشكل غريب: "اهدئي... صغيرتي." مد يده ببطء، لكنها ابتعدت قدر الإمكان. ابتسم أكثر. "لقد اشتقت إليك." ارتجفت. "من... من أنت؟" نظر إليها طويلًا... وكأنه لا يصدق أنه يراها أمامه أخيرًا. ثم همس: "الآن... لن يأخذك أحد مني." رفع يده وأزاح خصلة شعر سقطت على وجهها. ارتعشت وهي تدير رأسها بعيدًا. "...لن تكوني مع ذلك الذئب الجليدي مرة أخرى." اتسعت عيناها. "...إيفان؟" ابتسم ابتسامة صغيرة. "نعم." "اتركني!" حاولت سحب نفسها بعيدًا، لكن الحبال منعتها. "أنت مخطئ!" صرخت بصوت مرتجف: "أنا لست الشخص الذي تبحث عنه!" ظل يحدق بها. ثم ضحك ضحكة قصيرة، هادئة. "ما زلت تحاولين الاختباء..." هز رأسه ببطء. "حتى بهذا الاسم." اقترب أكثر. "لكن مهما غيرتِ اسمك... أو شكلك..." توقفت أنفاسها. "...كنت سأجدك." شحب وجهها. "أنا أعرف." قالها بثقة مخيفة. "أنت لافندر." تجمد الزمن حولها. كيف...؟ كيف عرف...؟ هي نفسها لم تعرف الحقيقة إلا قبل ساعات! ابتعد قليلًا وهو يبتسم. "ظننتِ أن ذلك الطوق سيخدع الجميع؟" بلعت ريقها بصعوبة. "لا..." همست وهي تهز رأسها. "أنت مخطئ..." لكنه قاطعها بهدوء. "ليس مهمًا كم مرة تنكرين." نظر إليها بعينين امتلأتا بشيء يشبه الهوس. "أخيرًا... عدتِ إلي." شعرت بالاختناق. رفعت رأسها وقالت بقوة حاولت أن تجمعها: "إذا عرف إيفان..." توقفت لحظة. "...فلن يتركك." ساد الصمت. ثم... ضحك. ضحكة منخفضة، لكنها جعلت جسدها يرتجف. "إيفان؟" كرر الاسم وكأنه يسخر منه. "لن يجدك." نظر من نافذة الكوخ نحو الغابة الكثيفة. "حتى لو بحث ألف سنة..." ثم عاد ينظر إليها. "...لن يصل إلى هذا المكان." أمسك صينية الطعام ووضعها على الطاولة القريبة. "تناولي الطعام." أدارت وجهها. "لا أريد." انتظر عدة ثوانٍ. "لافندر." قالها بنبرة هادئة. "كلي." هزت رأسها بعناد. "لن آكل." تنهد بخفة. ثم جلس على طرف السرير. التقط الملعقة. وغرف قليلًا من الحساء. "افتحي فمك." أبعدت رأسها. "قلت لا." ظل صامتًا للحظة. ثم قال بنبرة حزينة على نحو غريب: "ما زلت عنيدة..." ابتسم. "...تمامًا كما كنت." حاولت أن تبعد يده، لكنه أمسك الملعقة بثبات، وانتظر بصبر حتى استسلمت من شدة الإرهاق والجوع. تناولت بضع لقيمات بصمت... والدموع تحرق عينيها. كانت لا تأكل لأنها تريد... بل لأنها أدركت شيئًا واحدًا. إذا أرادت الهرب... فعليها أن تبقى قوية. أما الرجل... فكان يراقبها بابتسامة هادئة، وكأنه يرى حلمًا انتظره سنوات طويلة. ولم تكن تعرف... أن خلف تلك الابتسامة، كان يخفي أسرارًا قد تغيّر كل ما عرفته عن ماضيها.من وجهة نظر زاكلم أفهم سبب تبدّل ملامح إيثان فجأة.قبل لحظات كان يقاتلني...والآن كان يحدق نحو السماء، وكأن الدم هرب من وجهه.تبعته بنظري.بعيدًا...خلف غابة مملكة دارك...ارتفع عمود هائل من الضوء الفضي، شقّ السماء حتى بدا وكأنه يصل إلى القمر نفسه.هبّت الرياح بقوة.وتمايلت الأشجار بعنف.أما إيثان...فهمس بصوت بالكاد سمعته:"لا...""لا... مستحيل..."قطبت حاجبي."إيثان... ماذا يحدث؟"لكنه لم يجب.فجأة ركض بأقصى سرعته نحو القصر."إيثان!"انطلقت خلفه مباشرة.كان يركض وكأنه يهرب من كابوس.اخترق ممرات القصر القديمة، ثم نزل درجات حجرية لم أرها منذ أكثر من خمسٍ وعشرين سنة.رائحة الرطوبة ملأت المكان.والجدران القديمة كانت مغطاة برموز سحرية باهتة.استمر بالنزول حتى وصل إلى باب حجري ضخم.رفع يده المرتجفة...ودفعه.صدر صوت احتكاك ثقيل، وانفتح الباب ببطء.دخلت خلفه...وتجمدت في مكاني.في منتصف القاعة...كان هناك ختم سحري دائري محفور في الأرض.لكن...كان محطّمًا.الشقوق امتدت في كل اتجاه.والطاقة الفضية التي كانت تتدفق منه بدأت تختفي شيئًا فشيئًا.همس إيثان وهو ينظر إليه بصدمة:"انكسر الحاجز..."
من وجهة نظر زاك كنت أحدق فيه... في وجه صديقي القديم. أو... الشخص الذي كان يومًا صديقي. كم مرة وقفنا في هذا المكان ونحن نتدرب بالسيوف؟ كم مرة ضحكنا هنا؟ وكم مرة وعدنا بعضنا ألا يفرقنا شيء؟ تنهدت ببطء. "إيثان..." "ما زال بإمكانك التراجع." ابتسم. ابتسامة صغيرة... لكنها كانت فارغة. "التراجع؟" رفع سيفه قليلًا. "أنا تراجعت مرة واحدة في حياتي..." "وكانت أكبر غلطة ارتكبتها." ساد الصمت. ثم اندفع كلانا في اللحظة نفسها. ارتطم السيفان بقوة، وارتد كل منا خطوة إلى الخلف. كان كما أتذكره... بل أقوى. أسرع. أكثر هدوءًا. لكن عيناه... كانتا مليئتين بالحزن أكثر من الغضب. دار حولي ببطء. "هل تعرف..." قال وهو لا يرفع نظره عني. "كنت أظنك أخًا." ابتلعت ريقي. "وأنا أيضًا." توقف. ثم ضحك ضحكة خافتة. "وهذا هو سبب كرهـي لك." --- هبّت الرياح بقوة. وتطايرت أوراق الأشجار بيننا. وقف كل منا يراقب الآخر. كما لو أننا لا نبحث عن ثغرة... بل عن بقايا الشخص الذي عرفناه يومًا. قال فجأة: "أتذكر أول مرة التقينا؟" ابتسمت رغم نفسي. "كنتَ تحاول سرقة التفاح." رفع حاجبًا. "بل كنت جائعًا.
من وجهة نظر زاك تلك الليلة... لم أنم. بقيت في المكتبة وأنا ماذلت غارق في أفكاري. في النهاية.... عدت إلى غرفتنا بصمت، فوجدت لينيا تنتظرني. ما إن رأتني حتى نهضت. لم تسأل أين كنت. ولم تسأل لماذا كانت عيناي مثقلتين بذلك القدر من التعب. اقتربت فقط... وأمسكت يدي. ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم قادتني نحو السرير. استلقت بجانبي، ووضعت رأسها فوق صدري. سمعت زفيرها الهادئ... بينما كنت أحدق في سقف الغرفة. مرّت لحظات طويلة قبل أن تهمس: "زاك..." "همم؟" رفعت يدها ولمست وجهي برفق. "كل ما أتمناه..." توقفت، ثم ابتسمت بحزن. "...أن تعود لافندر." "وأن نجلس جميعًا حول مائدة واحدة." "أنت... وأنا... وهي...ولوكا..." ارتجف صوتها. "...وننسى كل هذا الألم." أغمضت عيني. وضممتها إليّ أكثر. "سيحدث." قلت ذلك... لكنني لم أكن أعرف إن كنت أواسيها... أم أحاول إقناع نفسي. --- مع شروق الشمس كان الضباب يغطي المكان. وقفت تحت شجرة البلوط القديمة. المكان لم يتغير. الصخرة نفسها. البحيرة نفسها. حتى النسيم... ما زال يحمل الرائحة ذاتها. مرّت دقائق... ثم.
من وجهة نظر زاك لم أستطع أن أشيح نظري عن الورقة. كانت بين أصابعي... لكنها شعرت وكأنها أثقل من جبل. "تعال وحدك غدًا عند شروق الشمس... إلى المكان الذي دفنّا فيه وعدنا." أعدت قراءة الجملة مرة... ثم مرتين... ثم للمرة العاشرة. لم تتغير. لم تكن خدعة. ذلك المكان... لا يعرفه سوى شخصين. أنا... وهو. أطبقت يدي على الورقة حتى تجعدت. "لماذا الآن...؟" همست بها. "بعد كل هذه السنوات..." رفع رأسي نحو السماء. القمر كان مكتملًا. تمامًا... كما كان في الليلة التي افترقنا فيها.بقيت واقفاً لمدة طويلة دون أن أشعر.إلي أن شعرت ببعض قطرات المطر الخفيف.مر نسيم الهواء البارد على وجهي.نضرت إلي الأفق لم يكن هناك سوى الفراغ. تنهدت ببطء. ثم بدأت أعود نحو القصر. كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. كانت الذكريات تلاحقني بلا رحمة. ضحكته... صوته... تحدياتنا بالسيوف. ووعدنا الصغير. "إذا افترقنا يومًا... سنعود دائمًا إلى هذه الشجرة." أغمضت عيني للحظة. "وأنت..." "...كسرت ذلك الوعد." --- وصلت إلى القصر بعد منتصف الليل. كان كل شيء هادئًا. الممرات خالية. والشموع تحترق بنورها الخافت. ظننت
من وجهة نظر زاك لم أعد أسمع شيئًا مما يدور حولي. المعالجون... الحراس... أصوات النقاش... كلها أصبحت بعيدة. عيناي بقيتا معلقتين على تلك الورقة المطوية داخل يدي. "اشتقت إليك..." همست بيني وبين نفسي بصوت يكاد لا يُسمع: "مستحيل..." ذلك الخط... وذلك الرمز... لا يمكن أن يكونا لشخص آخر. شعرت فجأة بيد دافئة تستقر فوق كتفي. التفت ببطء... كانت لينيا. كانت تنظر إلي بعينيها الحمراوين الممتلئتين بالقلق. ابتسمت ابتسامة صغيرة، بالكاد ظهرت. اقتربت أكثر، ثم رفعت يدها ولمست خدي برفق. "زاك..." همست. "أنت لست بخير." أغلقت عيني للحظة. "أنا..." تنهدت بصعوبة. "...سأكون بخير." هزت رأسها برفض. "لا تكذب علي." وضعت كلتا يديها على وجهي. "سنجدها." ابتسمت بحنان رغم الدموع التي لم تجف من عينيها. "لافندر قوية... إنها ابنتنا." "...وأنا متأكدة أنها تنتظرنا." لأول مرة منذ ساعات... شعرت بشيء يخفف ذلك الثقل داخل صدري. مددت ذراعي ببطء... وضممتها إلي. دفنت وجهي بين خصلات شعرها الفضي. رائحتها... رائحة المطر والورد الليلي... كانت دائمًا قادرة على تهدئ
من وجهة نظر زاك كانت الغابة هادئة... هادئة أكثر مما يجب. حتى أصوات العصافير اختفت. لم يبق سوى وقع أقدامنا فوق الأوراق اليابسة. كان إيفان يسير رغم شحوب وجهه، بينما لوكا لا يبتعد عنه خطوة واحدة. أما أنا... فكان شعور ثقيل يضغط على صدري. كلما توغلنا أكثر... كلما أصبحت الرائحة مألوفة بطريقة أكرهها. همس لوكا داخل رأسي: "أبي... هناك شيء ليس طبيعيًا." أجبته: "أعرف." توقفت فجأة. رفعت رأسي ببطء. على جذع شجرة عملاقة... كان هناك رمز منحوت بخطوط دقيقة. توقف نفسي. "..." اقتربت منه دون شعور. مددت يدي ولمست الحفر القديم. همست بصوت بالكاد خرج: "مستحيل..." استدار الجميع نحوي. قال هيفان بقلق: "تعرف هذا الرمز؟" لم أجب. كنت أحدق فيه فقط. ذلك الرمز... كنت أنا وشخص واحد فقط نستخدمه عندما كنا صغارًا. علامة... لا يعرفها أحد. انخفض بصري. فرأيت ورقة بيضاء مثبتة بخنجر صغير أسفل الشجرة. نزعتها بسرعة. فتحتها... وبدأت أقرأ. > "عزيزي زاك..." > "أتمنى أنك تشتاق إلي كما اشتق إليك." > "وأتمنى... أنك لم تنسني." > "لكنني متأكد... أنك لم تنس." ارتجفت يدي. وسقطت الورقة قليلًا. هم
من وجهة نظر أنجلي منذ أن استيقظت... وأنا أشعر بأن شيئًا ليس طبيعيًا. كلما نظرت إلى الطوق الموضوع فوق الطاولة... عاد التوتر ليقبض على صدري. صورتي الحقيقية. الفتاة ذات الشعر الأسود. العيون الحمراء. الأنياب. والذكريات الغامضة التي بدأت تظهر. كل ذلك جعل رأسي يؤلمني. "ما الذي يحدث لي...؟" هم
من وجهة نظر إيفان بقيت أنظر إلى الطابق العلوي لعدة ثوانٍ. أما أمي... فكانت شاردة هي الأخرى. لكن بعد لحظات تنهدت. ثم قالت بهدوء: "ربما كانت أنجلي تصنع بعض خلطات الأعشاب." عقدت حاجبي. "خلطات أعشاب؟" هزت كتفيها. "رائحتها قوية أحيانًا." لكن شيئًا في صوتها أخبرني أنها لا تصدق ما تقوله. وأظن
من وجهة نظر إيفان كان الليل قد حل تمامًا فوق مملكة سيلينورا. أما أنا... فكنت أسير في ممرات القصر بهدوء. وأفكر. في الرسالة التي وصلتني. وفي الشخص الذي يحاول قتلي. وفي أنجلي. تنهد إيف داخل رأسي. "أنت تفكر بها مجددًا." تجاهلته. "أنت مهووس." "اصمت." ضحك الذئب بسخرية. لكن فجأ
من وجهة نظر أنجلي أخيرًا... انتهت التحضيرات. بعد ساعات طويلة من ترتيب المعبد وتجهيز الشموع والزهور والأقمشة البيضاء الخاصة بطقس نهر القمر... بدأ التعب يتسلل إلى جسدي. تنهدت وأنا أضع آخر سلة من الزهور قرب الأعمدة الرخامية. إيفونا تمددت على أحد المقاعد وهي تئن. "إذا طلب مني أحد أن أحمل زهرة وا







