LOGINالراوي
أغلقت أنجلي عينيها للحظة وهي تحاول أن تهدئ أنفاسها. كانت تسمع صوت النار المشتعلة في الموقد... وصوت الريح وهي تضرب جدران الكوخ الخشبي. أما الرجل... فكان يجلس بهدوء على الكرسي المقابل لها، يراقبها بصمت. ذلك الصمت... كان يخيفها أكثر من أي كلمة. "لماذا تحتجزني هنا." قالت وهي تنضر إليه،وهي تحاول الصمود رغم ارتجاف جسدها. "عندما يحين الوقت سوف تعرفين." قال بهدوء دون أن ينزل عيناه عنها،مما جعل قشعريرة تسري في جسدها. "لكن أنا حتى لا أعرفك." لكنه لم يجب فقط نضر إليها بنفس الهدوء. لكن..... بعد دقائق، نهض بهدوء واتجه نحو النافذة. فتحها قليلًا. دخل هواء بارد حمل معه رائحة أشجار الصنوبر والمطر. ابتسم دون أن يلتفت إليها. "أتذكرين..." تجمدت. "...كم كنت تحبين المطر؟" رفعت رأسها نحوه ببطء. "قلت لك... أنت مخطئ." استدار إليها. "أنا لست لافندر." اقترب منها مرة أخرى. لكن هذه المرة توقف على بعد خطوات. "إذاً..." قالها بهدوء. "قولي لي..." "ما اسمك؟" "...أنجلي." ابتسم. "واسمك الحقيقي؟" شعرت بانقباض في صدرها. "..." لم تجب. لأنه يعلم. يعلم الحقيقة بالفعل. تنهد وكأنه فهم سبب صمتها. "لا بأس." "لا داعي أن تجيبي." ثم رفع يده، وأخرج من جيبه سلسلة فضية قديمة. تعلّق بها حجر بنفسجي صغير. توسعت عيناها. شعرت أن قلبها توقف. لا تعرف لماذا... لكنها كانت تشعر أن هذه السلسلة مألوفة بطريقة مؤلمة. لاحظ نظرتها. ابتسم ابتسامة صغيرة. "ما زلتِ تتذكرينها..." همست بسرعة: "لا..." "أنا لا أعرفها." نظر إلى السلسلة بحنان غريب. "كنتِ تحملينها دائمًا." وقد اضعتيها في ذلك اليوم عندما كنت في تدريب في الغابة." "وبكيت من أجلها كثيرا." ثم أعادها إلى جيبه. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. من يكون هذا الرجل...؟ وكيف يعرف عنها كل هذا؟ قطع أفكارها وهو يقول: "ستبقين هنا بضعة أيام." رفعت رأسها بسرعة. "ماذا؟!" "لا." هز رأسه بهدوء. "حتى ينتهي كل شيء." "أي شيء؟!" لكنه لم يجب. بل اتجه نحو الطاولة، وأخذ وعاءً صغيرًا فيه دواء عشبي. اقترب منها. هذه المرة، لم يمد يده نحوها. بل جلس أمامها على الأرض حتى أصبح بمستوى نظرها. "جرح معصمك." نظرت إلى يديها. كانت الحبال قد تركت أثرًا أحمر على جلدها. قال بهدوء: "إذا لم أضع الدواء..." "...سيلتهب." ترددت. لكن الألم كان واضحًا. مدت يدها ببطء. أخذ يدها بحذر شديد... وكأنها قطعة زجاج قد تنكسر. بدأ يضع المرهم برفق. كانت أصابعه ثابتة... ونظراته لا تفارق وجهها. همست بخوف: "لماذا تفعل هذا؟" رفع عينيه إليها. ولأول مرة... اختفت الابتسامة. وقال بصوت منخفض امتلأ بالتعب: "لأنني وعدتك." عبست. "متى؟" ابتسم بحزن. "أنتِ لا تتذكرين." عاد الصمت. ثم نهض بهدوء. وفك الحبل عن إحدى يديها فقط. اتسعت عيناها. نظر إليها وقال: "لن تهربي." "ليس لأنك مقيدة..." " بل لأن هذا المكان لن يستطيع أحد الوصول إليه." ثم اتجه نحو الباب. وقبل أن يخرج... توقف. وقال دون أن ينظر إليها: "ارتاحي." "غدًا..." "...سأخبرك لماذا لم أتركك تموت ذلك اليوم." انغلق الباب خلفه. وبقيت أنجلي وحدها. وضعت يدها على صدرها. عقلها كان يدور بعشرات الأسئلة. لكن سؤالًا واحدًا كان يطغى على كل شيء... "أي يوم يقصد...؟ وهل يعرف شيئًا عن ماضي لافندر أكثر مما تعرفه هي نفسها؟" وفي الخارج... كان الرجل يقف تحت ضوء القمر، يحدق في السماء بصمت. ثم همس لنفسه بابتسامة غامضة: "اعذرني يا إيفان..." "هذه المرة..." "...لن أعيدها إليك."من وجهة نظر زاكلم أفهم سبب تبدّل ملامح إيثان فجأة.قبل لحظات كان يقاتلني...والآن كان يحدق نحو السماء، وكأن الدم هرب من وجهه.تبعته بنظري.بعيدًا...خلف غابة مملكة دارك...ارتفع عمود هائل من الضوء الفضي، شقّ السماء حتى بدا وكأنه يصل إلى القمر نفسه.هبّت الرياح بقوة.وتمايلت الأشجار بعنف.أما إيثان...فهمس بصوت بالكاد سمعته:"لا...""لا... مستحيل..."قطبت حاجبي."إيثان... ماذا يحدث؟"لكنه لم يجب.فجأة ركض بأقصى سرعته نحو القصر."إيثان!"انطلقت خلفه مباشرة.كان يركض وكأنه يهرب من كابوس.اخترق ممرات القصر القديمة، ثم نزل درجات حجرية لم أرها منذ أكثر من خمسٍ وعشرين سنة.رائحة الرطوبة ملأت المكان.والجدران القديمة كانت مغطاة برموز سحرية باهتة.استمر بالنزول حتى وصل إلى باب حجري ضخم.رفع يده المرتجفة...ودفعه.صدر صوت احتكاك ثقيل، وانفتح الباب ببطء.دخلت خلفه...وتجمدت في مكاني.في منتصف القاعة...كان هناك ختم سحري دائري محفور في الأرض.لكن...كان محطّمًا.الشقوق امتدت في كل اتجاه.والطاقة الفضية التي كانت تتدفق منه بدأت تختفي شيئًا فشيئًا.همس إيثان وهو ينظر إليه بصدمة:"انكسر الحاجز..."
من وجهة نظر زاك كنت أحدق فيه... في وجه صديقي القديم. أو... الشخص الذي كان يومًا صديقي. كم مرة وقفنا في هذا المكان ونحن نتدرب بالسيوف؟ كم مرة ضحكنا هنا؟ وكم مرة وعدنا بعضنا ألا يفرقنا شيء؟ تنهدت ببطء. "إيثان..." "ما زال بإمكانك التراجع." ابتسم. ابتسامة صغيرة... لكنها كانت فارغة. "التراجع؟" رفع سيفه قليلًا. "أنا تراجعت مرة واحدة في حياتي..." "وكانت أكبر غلطة ارتكبتها." ساد الصمت. ثم اندفع كلانا في اللحظة نفسها. ارتطم السيفان بقوة، وارتد كل منا خطوة إلى الخلف. كان كما أتذكره... بل أقوى. أسرع. أكثر هدوءًا. لكن عيناه... كانتا مليئتين بالحزن أكثر من الغضب. دار حولي ببطء. "هل تعرف..." قال وهو لا يرفع نظره عني. "كنت أظنك أخًا." ابتلعت ريقي. "وأنا أيضًا." توقف. ثم ضحك ضحكة خافتة. "وهذا هو سبب كرهـي لك." --- هبّت الرياح بقوة. وتطايرت أوراق الأشجار بيننا. وقف كل منا يراقب الآخر. كما لو أننا لا نبحث عن ثغرة... بل عن بقايا الشخص الذي عرفناه يومًا. قال فجأة: "أتذكر أول مرة التقينا؟" ابتسمت رغم نفسي. "كنتَ تحاول سرقة التفاح." رفع حاجبًا. "بل كنت جائعًا.
من وجهة نظر زاك تلك الليلة... لم أنم. بقيت في المكتبة وأنا ماذلت غارق في أفكاري. في النهاية.... عدت إلى غرفتنا بصمت، فوجدت لينيا تنتظرني. ما إن رأتني حتى نهضت. لم تسأل أين كنت. ولم تسأل لماذا كانت عيناي مثقلتين بذلك القدر من التعب. اقتربت فقط... وأمسكت يدي. ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم قادتني نحو السرير. استلقت بجانبي، ووضعت رأسها فوق صدري. سمعت زفيرها الهادئ... بينما كنت أحدق في سقف الغرفة. مرّت لحظات طويلة قبل أن تهمس: "زاك..." "همم؟" رفعت يدها ولمست وجهي برفق. "كل ما أتمناه..." توقفت، ثم ابتسمت بحزن. "...أن تعود لافندر." "وأن نجلس جميعًا حول مائدة واحدة." "أنت... وأنا... وهي...ولوكا..." ارتجف صوتها. "...وننسى كل هذا الألم." أغمضت عيني. وضممتها إليّ أكثر. "سيحدث." قلت ذلك... لكنني لم أكن أعرف إن كنت أواسيها... أم أحاول إقناع نفسي. --- مع شروق الشمس كان الضباب يغطي المكان. وقفت تحت شجرة البلوط القديمة. المكان لم يتغير. الصخرة نفسها. البحيرة نفسها. حتى النسيم... ما زال يحمل الرائحة ذاتها. مرّت دقائق... ثم.
من وجهة نظر زاك لم أستطع أن أشيح نظري عن الورقة. كانت بين أصابعي... لكنها شعرت وكأنها أثقل من جبل. "تعال وحدك غدًا عند شروق الشمس... إلى المكان الذي دفنّا فيه وعدنا." أعدت قراءة الجملة مرة... ثم مرتين... ثم للمرة العاشرة. لم تتغير. لم تكن خدعة. ذلك المكان... لا يعرفه سوى شخصين. أنا... وهو. أطبقت يدي على الورقة حتى تجعدت. "لماذا الآن...؟" همست بها. "بعد كل هذه السنوات..." رفع رأسي نحو السماء. القمر كان مكتملًا. تمامًا... كما كان في الليلة التي افترقنا فيها.بقيت واقفاً لمدة طويلة دون أن أشعر.إلي أن شعرت ببعض قطرات المطر الخفيف.مر نسيم الهواء البارد على وجهي.نضرت إلي الأفق لم يكن هناك سوى الفراغ. تنهدت ببطء. ثم بدأت أعود نحو القصر. كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. كانت الذكريات تلاحقني بلا رحمة. ضحكته... صوته... تحدياتنا بالسيوف. ووعدنا الصغير. "إذا افترقنا يومًا... سنعود دائمًا إلى هذه الشجرة." أغمضت عيني للحظة. "وأنت..." "...كسرت ذلك الوعد." --- وصلت إلى القصر بعد منتصف الليل. كان كل شيء هادئًا. الممرات خالية. والشموع تحترق بنورها الخافت. ظننت
من وجهة نظر زاك لم أعد أسمع شيئًا مما يدور حولي. المعالجون... الحراس... أصوات النقاش... كلها أصبحت بعيدة. عيناي بقيتا معلقتين على تلك الورقة المطوية داخل يدي. "اشتقت إليك..." همست بيني وبين نفسي بصوت يكاد لا يُسمع: "مستحيل..." ذلك الخط... وذلك الرمز... لا يمكن أن يكونا لشخص آخر. شعرت فجأة بيد دافئة تستقر فوق كتفي. التفت ببطء... كانت لينيا. كانت تنظر إلي بعينيها الحمراوين الممتلئتين بالقلق. ابتسمت ابتسامة صغيرة، بالكاد ظهرت. اقتربت أكثر، ثم رفعت يدها ولمست خدي برفق. "زاك..." همست. "أنت لست بخير." أغلقت عيني للحظة. "أنا..." تنهدت بصعوبة. "...سأكون بخير." هزت رأسها برفض. "لا تكذب علي." وضعت كلتا يديها على وجهي. "سنجدها." ابتسمت بحنان رغم الدموع التي لم تجف من عينيها. "لافندر قوية... إنها ابنتنا." "...وأنا متأكدة أنها تنتظرنا." لأول مرة منذ ساعات... شعرت بشيء يخفف ذلك الثقل داخل صدري. مددت ذراعي ببطء... وضممتها إلي. دفنت وجهي بين خصلات شعرها الفضي. رائحتها... رائحة المطر والورد الليلي... كانت دائمًا قادرة على تهدئ
من وجهة نظر زاك كانت الغابة هادئة... هادئة أكثر مما يجب. حتى أصوات العصافير اختفت. لم يبق سوى وقع أقدامنا فوق الأوراق اليابسة. كان إيفان يسير رغم شحوب وجهه، بينما لوكا لا يبتعد عنه خطوة واحدة. أما أنا... فكان شعور ثقيل يضغط على صدري. كلما توغلنا أكثر... كلما أصبحت الرائحة مألوفة بطريقة أكرهها. همس لوكا داخل رأسي: "أبي... هناك شيء ليس طبيعيًا." أجبته: "أعرف." توقفت فجأة. رفعت رأسي ببطء. على جذع شجرة عملاقة... كان هناك رمز منحوت بخطوط دقيقة. توقف نفسي. "..." اقتربت منه دون شعور. مددت يدي ولمست الحفر القديم. همست بصوت بالكاد خرج: "مستحيل..." استدار الجميع نحوي. قال هيفان بقلق: "تعرف هذا الرمز؟" لم أجب. كنت أحدق فيه فقط. ذلك الرمز... كنت أنا وشخص واحد فقط نستخدمه عندما كنا صغارًا. علامة... لا يعرفها أحد. انخفض بصري. فرأيت ورقة بيضاء مثبتة بخنجر صغير أسفل الشجرة. نزعتها بسرعة. فتحتها... وبدأت أقرأ. > "عزيزي زاك..." > "أتمنى أنك تشتاق إلي كما اشتق إليك." > "وأتمنى... أنك لم تنسني." > "لكنني متأكد... أنك لم تنس." ارتجفت يدي. وسقطت الورقة قليلًا. هم
من وجهة نظر أنجلي بعد ساعات طويلة من التحضيرات... أخيرًا حان وقت الاحتفال. وقفت أمام المرآة وأنا أعدل آخر جزء من فستاني. كان بلون أزرق عميق. كلون البحر عندما تعكس عليه أشعة الشمس. ينسدل بنعومة حتى كاحلي. ومزين بخيوط فضية رقيقة تلمع كلما تحركت. رفعت خصلة من شعري خلف أذني. وأطلقت تنهيدة صغير
من وجهة نظر أنجلي بعد أن عدنا إلى القصر... كانت سيلينورا كلها في حالة حركة. الخدم يركضون بين الممرات. الحراس يبدلون مواقعهم. والعمال يعلقون الزينات الفضية الخاصة باحتفال إلهة القمر. حتى الحدائق الملكية كانت مليئة بالأشخاص الذين يعتنون بالأزهار استعدادًا للضيوف. تنهدت وأنا أنظر حولي.
من وجهة نظر أنجلي تسللت أشعة الشمس الدافئة عبر النافذة. وسقطت فوق وجهي مباشرة. أصدرت تذمرًا صغيرًا وأنا أسحب الغطاء فوق رأسي. لا. لا أريد الاستيقاظ. كان السرير دافئًا جدًا. والنوم ألطف بكثير من مواجهة الصباح. "أنجلي." سمعت صوت أمي من الخارج. فتظاهرت أنني لم أسمع شيئًا. "أنجلي استيقظي حال
من وجهة نظر إيفان قبل ساعات قليلة من الانطلاق... وجدت نفسي أقف أمام قبر لافندر. كالعادة. مرّت خمس سنوات. خمس سنوات كاملة. ومع ذلك... ما زلت أزور هذا المكان كلما سنحت لي الفرصة. انحنيت بهدوء ووضعت بعض الورود البنفسجية أمام الحجر الأبيض. النوع نفسه الذي كانت تحبه. أصبحت عادة. عاد