INICIAR SESIÓNالفصل ٥٠خرج يحيى من باب القصر كالمجنون، ممتلئاً بأسئلةٍ تحرق أحشاءه، وما إن وضع قدمه في الخارج حتى اصطدم بجدة منار، التي كانت تقف أمام الباب متكئة على عكازها الخشبي، وعيناها تقدحان شرراً. نظرت إليه بنظراتٍ اخترقت روحه وقالت بصوتٍ متهدج: ماذا فعلتم بحفيدتي يا يحيى؟ أين أبوك وأمك؟ أين الجبناء الذين لا يواجهون إلا الضعفاء؟أمسك يحيى بيديها المرتجفتين محاولاً تهدئتها: يا جدتي، أرجوكِ لا تقلقي، حدث سوء تفاهم كبير، ومنار غضبت ورحلت، وكنت في طريقي الآن لأعيدها إلى البيت.. أين هي؟ هل هي بخير؟قاطعته سعاد بصرامة: دعك من أين هي، ومن ذاك الشبيه الذي تتبعه! أخبرني، ماذا حدث؟ من الذي أفرغ كل هذا الحقد في قلبها؟ ومن الذي فعل بها كل هذا الإيذاء؟في تلك اللحظة، خرجت سمر على صوت الحوار، فاقتربت منها سعاد ونظرت إليها بنظرة لومٍ جارحة: هذه أمانة نجلاء يا سمر، هل هذا هو وعدكِ بالحفاظ عليها وحمايتها؟ ماذا فعلتْ بكِ منار حتى يحدث معها كل هذا التنكيل؟ ارتفعت نبرة سعاد وتصاعدت حدتها، وأكملت وعيناها تلمعان بغضبٍ دفين: ألم يكفِها أنها تعيش مع قاتل أبويها في بيت واحد؟ ألم يكفِ سكوتي كل هذه السنوات؟ لن
الفصل ٤٩كانت منار ترتجف في قبو القصر المظلم، حيث تنبعث الرائحة الخانقة للرطوبة والغبار، وتتعالى أصوات تقطر الماء من السقف في صدى موحش. نظرت حولها، فوجدت الظلام يلتف حولها كالأفعى، وكل زاوية في هذا المكان تصرخ برعب لا يوصف. بدأت أنفاسها تتسارع، وانهمرت دموعها بحرقة لتغسل وجهها المنهك. بدأت تضرب يديها على الجدران الخشنة بقوة حتى سال الدم من أصابعها، وصرخت بكل ما أوتيت من قوة وصوت متهدج: أخرجوني من هنا! هذا ليس عدلاً! أمي.. أرجوكِ يا أمي، أين أنتِ؟ أنقذيني قبل أن أموت من الخوف!في تلك اللحظة، دوى صوت فتح قفل الباب الحديدي الصدئ، فاندفع يحيى إلى الداخل كالإعصار. وما إن وقعت عيناه على منار في تلك الحالة المزرية، حتى شعر بأن قلبه يتمزق. ركض نحوها، وما إن اقترب حتى ارتمت في أحضانه، تتشبث بقميصه وكأنها تستمد منه الحياة، وهي تنشج بانهيار: يحيى.. أرجوك، أخرجني من هذا البيت فوراً! لا أستطيع التنفس هنا، لا أطيق العيش في هذا القبو، ولا في هذا البيت الذي يملؤه الحقد. سأذهب إلى جدي وجدتي، لم أعد أحتمل هذا الجحيم. طوال هذه السنوات، كنت أبتلع ألمي وقسوته في صمت، كنت أظن أنني أحتمل من أجل عائ
الفصل٤٨حاولت سمر إخفاء توترها وقلقها بشأن سلمى، لكنها لم تستطع، فقالت وهي تبحث عن حل: سلمى لم تعد تحضر دروسها منذ فترة طويلة، وقد اتصل معلمها الخاص بوالدها اليوم وأخبره بذلك، فضلاً عن خروجها اليومي مع شاب غريب.شهقت منار من الصدمة ووضعت يديها على صدرها: كيف تجرأت على فعل ذلك؟ هي في مرحلة مراهقة حرجة يا أمي، ويجب أن ننبهها لخطورة أفعالها. هل تريدين مني أن أتحدث إليها؟أجابت سمر: لا يا منار، سأتحدث معها أنا. أنتِ تعلمين كيف أصبحت علاقتكما مؤخراً، دعي الأمر لي وسأحله. ولكنني أخبرتكِ فقط لأعرف.. هل كان لديكِ علمٌ مسبق بهذا الشاب؟كانت سلمى لا تزال على الهاتف مع كمال، تفيض عيناها بريقاً لم يعهده أحد فيها، وقالت بصوت خافت يملؤه الصدق: كمال، اليوم هو من أجمل الأيام التي مرت في حياتي، أعتذر منك بشدة عن كل سوء فهم صدر مني في البداية.تنهد كمال من الطرف الآخر، ثم أجاب بنبرة نادمة: لا داعي للاعتذار يا سلمى، ففي البدء كان تعاليّ عليكِ هو الحاجز الذي منعني من رؤية حقيقتكِ. أخبريني بصدق.. هل أنتِ نادمة على هذه العلاقة التي جمعتنا؟أجابت سلمى دون لحظة تردد: بلتأكيد لا، بل على العكس؛ لقد أصبحت جز
الفصل ٤٧كانت سلمى تراقب الموقف من بعيد، وقد بدأت شباك مكرها تحيك في رأسها خيوطاً شيطانية، فاستنتجت الكثير مما لا يُحمد عقباه. سارعت بخطواتها نحو مراد، وبصوتٍ مغلفٍ بالخبث سألته: ما الذي فعلتَه بها يا مراد حتى تصفك بكل هذا السوء؟ ما الذي سمعتُه للتو؟نظر إليها مراد بذهولٍ واضطراب، وقال: عن ماذا تتحدثين يا سلمى؟ ومن تلك التي تقصدينها؟أجابت سلمى بنبرةٍ كاذبة: «منار! فقد سمعتها تقول ليحيى -أخي- إنك تحرشتَ بها، وأنك توعدتَ يحيى بالأذى حين صدّتك. أهذا حقاً ما حدث؟تعجب مراد من فريتها، وهتف بغضب: كذبت! واللهِ ما ذكرتُ يحيى في حديثنا لا من قريب ولا من بعيد! أيُّ شرٍ هذا الذي تضمره؟ كنت أحسبها ملاكاً لا يخطئ، ولكن يبدو أن النظرات الأولى تخدعنا دائماً.. شكراً لكِ يا سلمى لأنكِ كشفتِ لي حقيقة من حولي.بذلك، نجحت سلمى في زرع بذور العداوة والشك بين مراد ومنار، ولم تكتفِ بذلك، بل عقدت العزم على أن تبذل قصارى جهدها للتفريق بين يحيى ومنار أيضاً؛ فالحقد الذي يملأ قلبها أعماها عن كل معاني القرابة والمودة.في تلك الليلة، أعلن يحيى قراره بالرحيل، قائلاً لأمه: لقد طرأ لي ظرف عملٍ طارئ يا أمي، ولا
الفصل٤٦ دفعت سلمي يده عنها بحدة وصاحت: من تظن نفسك حتى تمسك يدي بهذا الشكل؟ اتركني فوراً! تدخلت إحدى صديقات سلمى لتهدئة الموقف وقالت ضاحكة: لا تبتئس يا كمال.. كانت سلمى تخبرنا للتو أن والدها سيحضر لها سيارة خاصة العام المقبل بعد الثانوية، وكانت تشير إليك قائلة إن كمال بارع جداً في القيادة وسأطلب منه أن يعلمني السواقة.. أليس كذلك يا سلمى؟ تعجبت سلمى من ذكاء صديقتها التي أنقذت الموقف، وقبل أن تلفظ بكلمة نفي، ابتسم كمال وقال براحة: إذا كان الأمر كذلك.. لِمَ لم تقولي من البداية يا سلمى؟ إن كنتِ تريدين تعلم القيادة فليس لدّي أي مشكلة، أنا معكِ وفي خدمتكِ في أي وقت تشائين. وجدت سلمى في ذلك فرصة ذهبية لتبهر صديقاتها وتثبت كلامها، فقالت بسرعة: نعم.. بالطبع كنتُ أقصد ذلك يا كمال، لا تؤاخذني إن فهمت حديثي خطأ في البداية. وفي هذه الأثناء، كانت منار تجلس بجوار يحيى في سيارته وهو يقود وسط شوارع المدينة. قام يحيى بتعديل مرآة الرؤية الخلفية لتعكس وجهها بوضوح، وظل يختلس النظر إليها بتمعن وأريحية. لاحظت منار نظراته المركزة والتي زادت وتيرتها بشكل ملحوظ منذ ليلة أمس، فالتفتت إليه وقالت
الفصل٤٥ نظرت الصديقات إلى بعضهن بسخرية وتهكم، وقالت إحداهن: فتاة في الخامسة عشرة من عمرها تقود سيارة في الشوارع؟ أنتِ تمزحين بالتأكيد يا سلمى! ضحكت سلمى بصوت مرتفع وعلقت بتعالٍ: إن كنتن لا تصدقنني فلا بأس.. عندما تنتهي هذه المرحلة وأقود سيارتي الخاصة، سأكتفي بالإشارة إليكن بيدي هكذا وأنا أمر بجانبكن وأنتن تقطعن الطرقات سيراً على الأقدام! ثم تابعت تشير بيديها في الفضاء: أنتظركن يوم الجمعة القادم في بيتي لنقضي اليوم سوياً، وأريكن غرفتي الواسعة الشاسعة التي تطل مباشرة على البحر، فهي ممتدة كالأفق الحُر! تهامست الصديقات وضحكن بصوت مكتوم خلف ظهرها، يقيناً منهن أن سلمى تبالغ وتختلق القصص لتثير الإعجاب كالعادة. وفي حديقة القصر، كانت سمر تجلس بسلام تتناول كوباً من الشاي الدافئ وتتصفح هاتفها المحمول. تذكرت فجأة السنوات الماضية عندما كانت تتابع الأخبار عبر الجرائد الورقية، فضحكت وقالت لنفسها: يا لها من سنوات مرت كلمح البصر! أصبح كل شيء الآن حديثاً ومتطوراً. قاطعت أفكارها الخادمة منيرة وهي تقدم لها بعض الطلبات: سيدتي، هل تحتاجين شيئاً آخر؟ أراكِ تتحدثين مع نفسكِ وتبتسمين! ض







