로그인الفصل الثالث
ابتسمت "سعاد" وهي تتذكر فرحة ابنها "أمير" حين عاد إليها ليخبرها أنه وجد "نجلا" من جديد، وقالت بصوت يملؤه الرضا: "نعم… أنا أثق أن ابني أمير سيكون سعيدًا معها جدًا، ولا ينقصه سوى موافقتك على هذا الزواج." رفع "قاسم" رأسه ببطء، وأسند مرفقيه على مكتبه، وبدأ يقلب بعض الأوراق أمامه ببرود ظاهر، ثم قال بنبرة هادئة تحمل الحسم: "دعيني أفكر في الأمر مرة أخرى… فقرار الزواج ليس بهذه السهولة." شعرت "سعاد" أن قلبه بدأ يلين قليلًا تجاه الفكرة، فابتسمت في داخلها وقالت: "لعلّه يتغير… ويعرف أن حب أمير لها يفوق كل شيء." وفي تلك اللحظة، سُمِع صوت صراخ "يحي" في الحديقة. فزعت "سعاد" وركضت مسرعة نحو الصوت، وقلبها يخفق خوفًا، وما إن وصلت حتى وجدته على الأرض، ووجهه قد امتلأ بالدماء نتيجة سقوطه من فوق الأرجوحة دون أن ينتبه إليه أحد. صرخت "سمر" من الداخل تنادي زوجها "حسين" قائلة بغضب وقلق: "لماذا تركته وحده يا حسين؟ ألم أتركه معك حتى أنتهي من أعمال المنزل؟" فانفجر "حسين" في وجهها غاضبًا: "وهل أعمال المنزل شغلتكِ عنه؟ أنا ذهبت لأتحدث مع والدي في أمر مهم، ولم أعلم أنه سيتسلق الأرجوحة وحده!" ارتفع صوت الشجار بينهما، حتى دخلت "سعاد" مسرعة، وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة، وقالت بقلق: "ماذا حدث؟ لماذا كل هذا الصراخ؟ وماذا أصاب يحي؟ هل هو بخير؟ يجب أن نأخذه إلى المستشفى فورًا!" لكن "سمر" هدأت قليلًا وقالت: "لا يا أمي، لا يحتاج الأمر إلى مستشفى، سأعقم جروحه فقط." ثم نظرت إلى "حسين" بغضب، وانصرفت إلى الداخل. أما "قاسم" فكان يقف في شرفة منزله، يتأمل ما يحدث في الأسفل بسخرية خفيفة، غير مهتم بالتدخل، وقال في نفسه: "يُذكرني هذا بي يا حسين… تتهمها وتبرر لنفسك، تمامًا كما تفعل أنت الآن… لكن ماذا عن أمير؟ وماذا سيحدث له مع تلك الفتاة؟" ابتسم بسخرية خفيفة، ثم أضاف في داخله: "غارق في العشق يا أمير… ولا يدري أن هذا الزواج قد يكون نهايته." وبعد أيام من التفكير، استقر "قاسم" أخيرًا على الموافقة، ليس اقتناعًا كاملًا، بل خوفًا من أن يُقدم "أمير" على الزواج دون علمه، لكنه لم ينسَ في داخله فكرة الانتقام أو السيطرة على مجريات الأمور مستقبلًا. ومرت الأيام، حتى ذهب "أمير" إلى منزل "نجلا" مرة أخرى، ولكن هذه المرة لم يكن وحده، بل اصطحب معه والده "قاسم"، ووالدته "ثريا"، وأخاه الأكبر "حسين". تم استقبالهم بترحاب من أهل "نجلا"، وكانت فرحتها لا تسع الكون، بينما كانت نظرات "قاسم" باردة، تحمل رفضًا داخليًا واضحًا، إلا أن "أمير" تجاهل كل ذلك. وبعد جلسة طويلة، تم الاتفاق على الخطبة، ثم الزواج بعد فترة قصيرة. وفجأة، التفت "أمير" إلى والده وقال أمام الجميع: "هل تسمح لي يا أبي أن أخبرك بشيء؟" نظر إليه "قاسم" بسخرية خفيفة وقال: "أهناك شيء آخر تخفيه عني أيضًا؟" أغمض "أمير" عينيه قليلًا من التوتر ثم قال: "لقد اشتريت بيتًا منذ فترة، سنبدأ فيه حياتنا… بسيط لكنه مريح." سكت "قاسم" ولم يعلّق، لكن نظراته كانت قاسية ومخيفة، بينما تدخّل "حسين" بسرعة قائلًا: "وما المشكلة؟ هو حر." وبالفعل، تم الزواج بين "أمير" و"نجلا"، وبدآ حياتهما في منزل صغير يجمعهما الحب والهدوء. وبعد الزواج، رفض "أمير" العودة إلى منزل عائلته، تنفيذًا لما طلبته والدته "سعاد، وقال لها بلطف: "سامحيني يا أمي، أحب بيتي البسيط… فيه راحتي، ونجلا أيضًا مرتاحة فيه." ومرت الأيام، ثم عرض "قاسم" عليه العودة إلى العمل في الشركة لإدارتها، فوافق "أمير" بهدف تحسين العلاقة مع والده أولًا. كما التحقت "نجلا" بالعمل في نفس الشركة بناءً على رغبتها، ولم يعارض "أمير" ذلك، بل شجعها. وبعد فترة، جمعت "نجلا" بعض المال، وقررت شراء منزل صغير لوالديها ليكون قريبًا منها، فرفض "أمير" في البداية أن يشتريه لهم، وقال: "سأشتريه أنا لهم." لكنها رفضت قائلة: "لا… لا أريد أن يظن أحد أنني تزوجتك من أجل المال." ومرت سنة كاملة دون أن يحدث حمل، فذهبت "نجلا" إلى طبيب، لكنها فوجئت بخبر حملها بالفعل. خرج الطبيب مبتسمًا وقال: "أنتِ في الشهر الثاني من الحمل، عليكِ بالراحة التامة." تعانق "أمير" و"نجلا" فرحًا، وكادا لا يصدقان ما سمعاه. ثم ذهبا إلى منزل عائلة "أمير" ليشاركاهم الخبر، وهناك كان الجميع مجتمعين. قال "أمير" بسعادة: "أردت أن أخبركم بشيء." لكن والده قاطعه بنبرة ساخرة وهو ينظر إلى "نجلا": "تعال يا أمير… زوجة أخيك حسين حامل في طفلها الثاني، وسيمتلئ البيت بالأحفاد." ضحك "أمير" وقال: "بل سنملأ البيت يا أبي." فنظر إليه "قاسم" باستغراب: "ماذا تقصد؟" فأجاب "أمير" وهو يضع يده على بطن "نجلا": "سأصبح أبًا قريبًا يا أبي… ونجلا ستكون أجمل أم." فنهضت "سعاد" مسرعة واحتضنت "نجلا" بفرح: "الحمد لله… لقد استجاب الله دعائي." وعمّت الفرحة المكان، بينما بقي "قاسم" صامتًا، يراقب المشهد بوجه متجهم، وكأن الفرح لا يخصه. ومرت الشهور، حتى جاء وقت ولادة "نجلا"، وكانت الولادة صعبة، لكنها أنجبت طفلتها الأولى. وبعد أن استعادت وعيها، كان "أمير" بجوارها ممسكًا بيدها، وقال: "حمداً لله على سلامتك يا حبيبتي." سألته بقلق: "أنجبتُ صبيًا أم بنتًا؟" ابتسم وقال: "بنت… وتشبهك كثيرًا، قطعة من السكر مثلك تمامًا." ضحكت "نجلا" وقالت: "أتغازلني أم تغازلها؟ ابتعد عني، فأنا متعبة." فهمس في أذنها بحب: "أنتِ بهذا الشكل تزيدين عشقي لك… والآن أصبحتِ لي أكثر من أي وقت." ثم قال: "لقد اخترت لها اسمًا… ماذا رأيك في اسم 'منار'؟" ابتسمت "نجلا" وقالت: "اسم جميل… أحببته." ومرت أيام قليلة، ثم جاءت صدمة كبيرة، إذ دخلت "سمر" في ولادة مبكرة، وفقدت طفلها، بينما قرر الأطباء إنقاذ حياتها فقط. عمّ الحزن البيت كله، واختفت فرحة "منار" وسط الألم، وساد الصمت على الجميع.الفصل الحادي عشرابتسم قاسم ابتسامة باردة أرعبت كل من أمامه، ثم ترك ذراع نادية ببطء وأخذ ينظر إلى حسين بنظرات مليئة بالتحدي والاحتقار، قبل أن يقول بصوت هادئ لكنه مخيف:—نعم… هكذا تعلمت أن تتحدث معي، جميل جدًا يا حسين. يبدو أنك نسيت جيدًا من الذي صنع منك رجلًا يهابه الجميع.ثم اقترب منه أكثر حتى أصبحا وجهًا لوجه، وأكمل بنبرة قاسية:—كل ما تملكه الآن… مالك، وسيارتك، ومكانتك في الشركة… أنا من أعطيتك إياه. فلا ترفع صوتك عليَّ وكأنك أصبحت سيد هذا البيت.اشتعل الغضب داخل حسين، لكنه حاول التماسك وهو يقول:—وأنا أيضًا فعلت الكثير من أجلك… أكثر مما تتخيل.ضيّق قاسم عينيه ونظر إليه طويلًا، وكأنه فهم ما يقصده تمامًا، ثم قال بصوت خافت:—لا تجعلني أندم أني وثقت بك يومًا.ساد التوتر أرجاء المكان، بينما كانت نادية تتابع ما يحدث بصمت وابتسامة خبيثة ترتسم فوق شفتيها، وكأن الشجار يعجبها.أما سعاد، فكانت تبكي بصمت فوق مقعدها، تنظر إلى ابنيها وما وصلا إليه، وتشعر أن هذا البيت لم يعد يحمل أي شيء من الماضي سوى الخراب.وفجأة قال حسين بانفعال:—أنت السبب في كل ما حدث لنا! منذ صغرنا وأنت لا تر
الفصل العاشرلم يشعر حُسين ولا والده قاسم بأي ذنبٍ حقيقي تجاه ما فعلوه بأمير ونجلا، وكأن موتهما لم يكن سوى حادث عابر انتهى وانطفأ أثره مع الأيام. بل على العكس، جلسا بعد مرور فترة قصيرة يتحدثان عن تقسيم إرث منار، الطفلة الصغيرة التي لم تدرك بعد أنها خسرت والديها وكل ما كان يخصهما.كان أمير يمتلك منزلًا واسعًا عاش فيه أجمل أيامه مع نجلا، وسيارةً كان يعتبرها أول خطوة في طريق أحلامه، وقطعة أرض كبيرة اشتراها ليقيم عليها مشروعًا خاصًا بهما، ظل طويلًا يحدث نجلا عنه بحماس، ويتخيل معها مستقبلهما فوق تلك الأرض.جلس حسين أمام الأوراق يقلبها بعينين تلمعان بالطمع، بينما كان قاسم يتحدث ببرود شديد:—المنزل سيبقى باسم منار مؤقتًا… أما الأرض فسنتصرف فيها لاحقًا.رفعت سمر عينيها إليه بصدمة، ثم قالت بغضب:—“نتصرف فيها”؟! هذه أملاك ابنة أخيك! كيف تتحدثان بهذا الشكل وكأن الطفلة لا حق لها؟نظر إليها حسين بضيق وقال:—اخفضي صوتك يا سمر، نحن نفهم أكثر منكِ في هذه الأمور.اقتربت منه بخطوات غاضبة، وقد بدأت دموعها تتجمع في عينيها:—بل أنتم لا تفهمون سوى المال! ألم يكفكم ما حدث لأمير؟! تريدون الآن أ
الفصل التاسعبعد خروج سمر من المستشفى وعودتها إلى المنزل، ذهب إليها أمير ومعه نجلا ووالدته للاطمئنان عليها. وعندما وصلوا، لم يكن قاسم موجودًا في البيت، فدخلوا جميعًا لرؤيتها.ما إن رأتها نجلا حتى شعرت بالحزن الشديد، فقد كانت حالتها مؤلمة للغاية، كدمات واضحة وآثار الألم على وجهها، فأدمعت عيناها واقتربت منها سريعًا تمسك بيدها قائلة بحنان: سمر حبيبتي… ماذا حدث لكِ؟ كيف وصلتي إلى هذه الحالة؟لكن سمر لم تستطع التحدث، فوجهها كان متأثرًا بشدة، فقط أشارت بيدها نحو الغرفة بصعوبة وهمست بصوت ضعيف غير مفهوم:—أريد… يحي.فهمت نجلا ما تقصده، وأسرعت بإحضار يحي إليها.وعندما دخل يحي ورآها بتلك الحالة، انهار في البكاء، ثم قال بصوت طفل مكسور:—أنا أكرهه… لا أحبه.تعجب أمير من كلماته، وانحنى إليه على ركبتيه قائلاً:—من؟ من الذي تكرهه يا يحي؟أجاب يحي ببساطة وصدمة:—أبي، هو من دفعها! وفي تلك اللحظة، دخل حسين فجأة وقال بحدة:—يحي، اذهب إلى غرفتك الآن واترك أمك ترتاح. وشكرًا لمجيئكم جميعًا، تفضلوا… زوجتي مريضة ولا أريد إرهاقها.نظرت إليه سعاد بغضب شديد، واقتربت منه تضربه في صدره قائلة
الفصل الثامنوفي الصباح الباكر، قبل شروق الشمس، جاءت والده نجلا إلى منزلهم لتطمئن عليها. وما إن فتحت نجلا الباب حتى فزعت وقالت بقلق:— أمي! صباح الخير… هل حدث شيء لأبي؟احتضنتها الام سريعًا وقالت:— والدك بخير يا ابنتي، لكنني كنت قلقة عليك طوال الليل، شعرت أنكِ في ضيق.لم تتمالك نجلا نفسها، وانهارت بين أحضانها قائلة:— أمي… أنا أحتاجك جدًا، بل أكثر من أي وقت مضى.وبينما دخلوا إلى المنزل، تفاجأت والده نجلا بوجود سعاد، فقالت بقلق:— سعاد! هل أنتِ بخير؟ابتسمت وقالت:— كنت مريضة قليلًا، فجئت لأبقى هنا مع أمير ونجلا. أعلم أني قد أكون عبئًا، لكن سامحوني.اقتربت منها نجلا بسرعة وقالت:— لا تقولي ذلك مرة أخرى، هذا بيتك يا أمي.ثم قامت بتحضير الفطور للجميع، ومرّ اليوم في هدوء نسبي.وفي مكان آخر، كان قاسم يجلس مع حسين يتحدثان سرًا، يلتفت قاسم حوله بحذر كأنه يخشى أن يسمعه أحد، ثم قال:— هل سيارة أمير من يقودها؟أجاب حسين:— زوجته هي التي تقودها، لأنها تذهب بعده للعمل، وتترك الطفلة مع جدتها. وبعد أن انتقلت والدتي للعيش معهم، أصبحت الطفلة معها في البيت.قال قاسم بخبث:— متأكد من ذلك؟أجاب حسين:
الفصل السابعأرادت والدة أمير تهدئته، لكنها فشلت في ذلك، فقد كان الغضب يسيطر عليه بالكامل، يضرب الأرض بقدمه وما حوله بعصبية، ويصيح بانفعال شديد:— ماذا فعلتُ له؟ لماذا يعاملني هكذا؟ ألم يكفه أنني تركت له البيت حتى أعيش في هدوء بعيدًا عنه، بلا طمع في مال أو غيره؟ ألم يكفه ما فعله بزوجتي من توريط وإهانة؟ أقسم أنني سأعرف كل ما يُدبّره قريبًا!اقتربت نجلا منه محاولة تهدئته، قائلة بقلق:— أبوك لا يخاف الله، ولن أسامحه على أي شيء سيفعله. أهذا قدري أن أعيش معك في قلق دائم؟ لا أستطيع تقبل ذلك، هذا تفكير شيطاني.ثم أضافت وهي تبكي:— هل هذا جزائي أنني أحببتك وتزوجتك؟تنهد أمير محاولًا كظم غيظه، وقال بصوت منخفض:— يا أمي، لماذا لا تذهبين إليه وتكلمينه؟ ربما يتركني وشأني أنا وعائلتي. اذهبي إليه وحاولي أن تفهمي ما الذي يريده.ارتعشت عيناها بالبكاء، ووضعت يدها على وجهه بحزن قائلة:— لقد ذهبت إليه يا بني، وعندما واجهته بما سمعت، ضربني وطردني من المنزل، وقال لي ألا أعود مرة أخرى. لم أجد أمامي إلا أن ألجأ إليك وقت ضعفي.احتضنها أمير بقوة وقال بانفعال:— هل جُنّ؟ لن أبقى ساكتًا وأنا أراكِ بهذا الشكل.
الفصل السادسوظلت سمر تتحدث مع امير بشأن ما رأوه سوياً. في هذا الوقت تحديداً كان "حسين" يراقب المشهد من بعيد، يختبئ خلف أحد الجوانب، وقد كاد أن يفقد صوابه مما يسمعه ويراه، يريد أن يفهم ما يدور بينهم، لكن دون أن ينكشف أمره. ظل يراقب حتى انصرف الجميع، ثم تحرك سريعًا ودخل إلى منزل "نادية".فوجئ "قاسم" بدخوله المفاجئ، فاعتدل في جلسته وقال بحدة: "حسين! ماذا تفعل هنا؟ ومن أين عرفت أنني هنا؟"اقترب "حسين" منه بخطوات سريعة، وانحنى نحو أذنه هامسًا بقلق: "أمير كان هنا قبل قليل… لقد سمع كل شيء دار بينكم، ورآكم جميعًا، ثم انصرف وهو يشتعل غضبًا. ماذا حدث يا أبي؟ ماذا سمع تحديدًا؟"في تلك الأثناء، كانت "نجلا" قد استلمت الدفتر من "هبة"، وأمسكت قلمًا بيد مرتجفة، وبدأت تكتب داخله بعض الأحداث التي لم تفصح عنها لأحد من قبل، ثم توقفت لحظة ونظرت إلى "هبة" قائلة بجدية: "أأتمنكِ على هذا يا هبة… إن حدث لي شيء، لا تسلمي هذا الدفتر لأحد أبدًا… حتى لو كان أمير."تبادلت "هبة" النظرات معها بقلق شديد، وشعرت أن هناك شيئًا خطيرًا تخفيه صديقتها، فقالت بارتباك: "ما بكِ يا نجلا؟ هل تخافين شيئًا؟ تحدثي إليّ… أزيحي هذا







