로그인"الطبيب الجيد لا يخاف من أسئلة مرضاه...
بل يخاف من الأسئلة التي يطرحها على نفسه بعد انتهاء الجلسة."
لم أنم سوى ساعتين.
ولم يكن ذلك بسبب كابوس.
بل بسبب الصمت.
الغريب أن الصمت أصبح يزعجني الآن أكثر من الضجيج.
فتحت عيني قبل أن يرن المنبه.
بقيت أحدق في السقف.
ثم سمعت نفسي أقول بصوت منخفض:
"سيكون اليوم يومًا عاديًا."
ابتسمت بسخرية.
في كل مرة أقول فيها هذه الجملة...
يحدث العكس تمامًا.
وصلت إلى العيادة قبل الجميع.
أحب الوصول مبكرًا.
صمت الصباح مختلف.
إنه ليس كصمت الليل.
صمت الليل يحمل الذكريات.
لكن صمت الصباح...
يحمل الاحتمالات.
وضعت حقيبتي على المكتب.
شغّلت الحاسوب.
ثم فتحت جدول المواعيد.
ريان.
ثم عامر.
ثم...
توقفت.
حدقت في الاسم الأخير.
ربال.
موعده الأول.
أغلقت الشاشة.
لا أعرف لماذا شعرت بضيق في صدري.
ليس بسبب الاسم.
بل بسبب ذلك الشعور الذي أعرفه جيدًا.
ذلك الشعور الذي يسبق شيئًا لا يمكنك تفسيره.
طرقت السكرتيرة الباب.
"صباح الخير، دكتور."
"صباح الخير."
دخلت وهي تحمل مجموعة من الملفات.
وضعتها أمامي.
"ريان هنا"، قالت.
نظرت إلى الساعة.
ثلاث دقائق قبل الموعد.
"هذه أول مرة يسبقني فيها إلى الموعد"، قلت مبتسمًا.
ابتسمت هي أيضًا.
"يبدو أنه يحب الالتزام بالوقت."
خرجت.
دخل ريان.
جلس.
لكن كان هناك شيء مختلف فيه.
لم يبدأ بالكلام.
ولم يكن يحرك أصابعه كما يفعل عادة.
كان يحدق في الأرض.
"مرحبًا يا ريان"، قلت.
"مرحبًا."
رفع رأسه.
"مرحبًا."
"كيف كان أسبوعك؟"
هز كتفيه.
"لا أعرف."
انتظرت.
قال:
"أعتقد أنه كان جيدًا."
"تعتقد؟"
"أو ربما لا."
لاحظت أنه يتجنب النظر إلي.
قلت بهدوء:
"هل حدث شيء؟"
أخذ نفسًا عميقًا.
ثم قال:
"لقد كذبت عليك."
لم أتحرك.
قلت:
"بشأن ماذا؟"
"أخبرتك الأسبوع الماضي أنني حاولت التوقف."
صمت.
"لكنني لم أحاول حتى."
أومأت برأسي.
لم أقل شيئًا.
قال بسرعة:
"ألن تغضب؟"
"هل تتوقع مني أن أغضب؟"
"الجميع يغضب عندما أكذب."
قلت:
"أنا مهتم أكثر بسبب الكذبة من الكذبة نفسها."
نظر إلي للمرة الأولى.
"ماذا يعني ذلك؟"
قلت:
"الكذب سلوك."
توقفت قليلًا.
"لكن السبب الذي دفعك إليه... هو ما يهمني."
استمر بالنظر إلي.
ثم قال بصوت منخفض:
"كنت خائفًا."
"من ماذا؟"
"من أنك ستشعر بأنني أضعت وقتك."
شعرت بوخزة في صدري.
كم مرة قال المرضى شيئًا مشابهًا لي؟
وكم مرة شعرت أنا بالشيء نفسه تجاه أمين؟
قلت:
"ريان."
"نعم."
"إذا كنت تعتقد أن العلاج يعني ألا تخطئ..."
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
"فقد بدأنا بتوقعات مستحيلة."
ضحك قليلًا.
ثم قال:
"هل سبق أن كذبت على طبيبك؟"
...
صمتُّ.
خرج السؤال من العدم.
ورغم بساطته...
شعرت أنه أصاب مكانًا حساسًا.
بعد لحظة قلت:
"لماذا سألت هذا السؤال؟"
ابتسم ريان قليلًا.
"لأنك لم تقل لا."
لم أجب مباشرة.
لم يكن سؤاله صعبًا.
بل كان أكثر صدقًا مما توقعت.
"الجميع يكذب أحيانًا"، قلت بهدوء.
هز رأسه.
"هذه ليست إجابة."
ابتسمت.
"أنت بدأت تتعلم."
قال:
"أتعلم ماذا؟"
"أن تلاحظ متى أهرب."
ضحك.
"إذًا أنت تهرب."
تنهدت.
"أحيانًا."
نظر إلي باستغراب.
"اعتقدت أن الأطباء النفسيين لا يفعلون ذلك."
قلت:
"كنت أعتقد الشيء نفسه عندما كنت في الجامعة."
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال ريان:
"وهل أنت محبط؟"
ابتسمت.
"من نفسي؟"
"من المهنة."
قلت:
"من الفكرة."
اقترب قليلًا.
"أي فكرة؟"
"أن المعرفة تجعل الإنسان أقوى."
...
خفض ريان رأسه.
"إذًا... أنت خائف أيضًا"، قال بهدوء.
لم أقل نعم.
ولم أقل لا.
بدلًا من ذلك، سألته:
"لماذا يبدو هذا مهمًا بالنسبة لك؟"
أخذ نفسًا عميقًا.
"لأنني تعبت من الشعور بأنني الوحيد الذي يخاف."
...
تركت الجملة بيننا.
ثم قلت:
"الخوف لا يجعل الإنسان ضعيفًا."
رفع نظره إلي.
"إذًا ما الذي يجعله ضعيفًا؟"
قلت:
"أن يقضي حياته كلها وهو يتظاهر بأنه لا يخاف."
ظل ينظر إلي.
ثم ابتسم للمرة الأولى منذ دخوله الغرفة.
"كنت بحاجة لسماع ذلك."
"وأنا أيضًا"، قلت مبتسمًا.
أخرج ريان هاتفه من جيبه.
تردد.
ثم أعاده.
لاحظت الحركة.
"كنت تريد أن تريني شيئًا؟" قلت.
تردد مرة أخرى.
"لا أعرف."
"إذا لم تكن مستعدًا، فلا بأس."
"أنا خائف"، قال.
"من ماذا؟"
فتح هاتفه ببطء.
ثم وضعه على المكتب أمامي.
كانت شاشة محادثة.
الكثير من الرسائل.
كلها من الشخص نفسه.
قرأت السطر الأول فقط.
"أين أنت؟"
ثم التالي.
"لماذا لا تجيب؟"
ثم...
"إذا خرجت من المنزل، سأؤذي نفسي بسببك."
توقفت عن القراءة.
نظرت إليه.
"من هذه؟" قلت بهدوء.
ابتلع ريقه.
"أمي."
...
لم أُصدم.
لكنني لم أرد أن أفترض شيئًا.
"هل يمكنني أن أسألك سؤالًا؟" قلت.
أومأ.
"هل يحدث هذا كثيرًا؟"
ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح.
"كل يوم."
"ومنذ متى؟"
"منذ أن كان عمري خمسة عشر عامًا."
أعدت الهاتف أمامه.
"هل تشعر أنك مسؤول عن حياتها؟"
أجاب بسرعة:
"بالطبع."
"لماذا؟"
نظر إلي وكأن السؤال غريب.
"لأنها تقول ذلك."
"وهل قولها لذلك يجعله حقيقة؟"
...
صمت.
لأول مرة لم يكن لديه جواب جاهز.
"ريان..."
"نعم."
"لو أخبرك طفل صغير أنه يستطيع إيقاف المطر بيديه..."
ابتسم بحيرة.
"سأخبره أنه لا يستطيع."
"لماذا؟"
"لأنه مستحيل."
أومأت.
"إذًا لماذا تعتقد أنك تستطيع التحكم بقرارات شخص آخر؟"
اختفت ابتسامته.
بقي ينظر إلي.
شعرت أنه يحاول الاعتراض.
لكن الكلمات لم تخرج.
...
أخيرًا قال:
"لأنني إذا لم أصدق ذلك..."
توقف.
"فسأضطر للاعتراف بأنني قضيت سنوات ألوم نفسي على شيء لم يكن تحت سيطرتي."
...
لم أقل شيئًا.
كانت تلك لحظة مهمة.
في العلاج، عندما يصل المريض إلى فكرة بنفسه...
لا يجب أن تسلبها منه بشرح طويل.
فقط اتركها تتنفس.
مرت دقيقة كاملة دون أن يتكلم أحد.
ثم مسح ريان عينيه بسرعة، وكأنه يخجل من دمعة لم تسقط حتى.
ولمحاولة تغيير الموضوع قال:
"هل تعرف شيئًا يا دكتور؟"
"ماذا؟"
"في المرة الأولى التي جئت فيها إليك... كنت أتمنى أن تعطيني بعض النصائح."
ابتسمت.
"والآن؟"
"الآن... بدأت أدرك أنني كنت أبحث عن الإذن."
"الإذن؟"
"الإذن لأتوقف عن معاقبة نفسي."
...
شعرت بقشعريرة خفيفة.
ليس بسبب ريان.
بل لأن الكلمات عادت إلي كأنها مرآة.
"الإذن لأتوقف عن معاقبة نفسي."
كم مرة احتجت أنا إلى ذلك الإذن؟
وكم مرة رفضت أن أمنحه لنفسي؟
رن الجرس معلنًا نهاية الجلسة.
نظر ريان إلى ساعته.
ثم إلي.
"هذه أول مرة أشعر فيها بالانزعاج لأن الجلسة انتهت"، قال مبتسمًا.
وقفت.
"وهذه أول علامة أننا نعمل فعلًا."
ضحك وهو يمد يده لمصافحتي.
ثم قبل أن يخرج قال:
"دكتور..."
"نعم؟"
"إذا كذبت عليك مرة أخرى..."
ابتسم.
"...سأخبرك قبل أن تكتشف ذلك."
ضحكت للمرة الأولى منذ أيام.
"اتفقنا."
خرج.
أُغلق الباب بهدوء.
لكن الغرفة...
لم تعد هادئة كما كانت.
لأن الجملة الأخيرة التي قالها...
لم تكن موجهة إليه وحده.
بل كانت موجهة إليّ أنا أيضًا.
بقيت واقفًا أحدق في الباب الذي خرج منه ريان.
لا أعرف كم مضى من الوقت.
دقيقة.
ربما دقيقتان.
لكنني كنت ما أزال أفكر في جملته الأخيرة.
"إذا كذبت عليك مرة ثانية... رح أخبرك قبل ما تكتشفها."
ابتسمت دون أن أشعر.
قلت لنفسي:
"على الأقل... أحدنا بدأ يكون صادقًا."
طرقات خفيفة على الباب قطعت أفكاري.
رفعت رأسي.
دخلت السكرتيرة.
"دكتور."
"تفضلي."
نظرت إلى دفتر المواعيد.
ثم قالت:
"عامر وصل."
نظرت إلى الساعة.
تبقى سبع دقائق على موعده.
قلت باستغراب:
"مبكر اليوم."
ابتسمت.
"واضح أنه مستعجل."
ثم ترددت قليلًا.
"لكن..."
رفعت رأسي.
"لكن ماذا؟"
قالت:
"بصراحة... شكله معصب."
ابتسمت بخفة.
"هذه ليست معلومة جديدة عن عامر."
ضحكت.
"معك حق."
ثم خرجت.
أخذت نفسًا عميقًا.
عدلت ياقة قميصي.
رتبت الملفات أمامي.
وضعت قلم الحبر في مكانه المعتاد.
ثم أعدت ترتيبه مرة أخرى.
توقفت.
نظرت إلى القلم.
همست:
"غريب."
لم أكن معتادًا على إعادة ترتيب الأشياء.
رن جرس الباب.
دخل عامر.
فتح الباب بقوة أكبر من المعتاد.
ثم أغلقه دون أن ينتبه.
جلس.
ولم يقل شيئًا.
انتظرت.
دقيقة كاملة.
الصمت في العلاج ليس عدوًا.
أحيانًا...
هو بداية الحديث.
قلت بهدوء:
"يبدو أن أسبوعك لم يكن سهلًا."
رفع رأسه بسرعة.
"كيف عرفت؟"
ابتسمت.
"لأنك لم تحاول إقناعي بأنك بخير."
تنهد.
ثم قال:
"تشاجرت مع أبي."
لم أتفاجأ.
قلت:
"ماذا حدث؟"
ضحك بسخرية.
"لا أعرف."
ثم هز رأسه.
"بل أعرف."
"أخبرني."
قال:
"قال إنني سأظل فاشلًا مهما فعلت."
...
لم أقل شيئًا.
أكمل:
"المشكلة أنني لم أغضب."
نظرت إليه.
"وما المشكلة في ذلك؟"
ابتسم بمرارة.
"لأنني صدقته."
شعرت بثقل الجملة.
قلت:
"هل تصدقه فعلًا؟"
لم يجب.
بل سأل:
"هل تعرف ما هو أسوأ شيء يمكن أن يفعله الإنسان بإنسان آخر؟"
قلت:
"ما هو برأيك؟"
نظر إلي مباشرة.
وقال:
"أن يجعل صوته يعيش داخل رأسه."
...
ساد الصمت.
لم أكتب شيئًا.
ولم أرد أن أفسد اللحظة.
أحيانًا...
المريض يقول جملة تختصر سنوات من الألم.
وهذه كانت واحدة منها.
قلت بهدوء:
"هل ما زلت تسمع صوته؟"
ابتسم.
لكنها لم تكن ابتسامة.
"كل يوم."
ثم أشار إلى رأسه.
"المشكلة أنه لم يعد يحتاج أن يتكلم."
"لماذا؟"
قال:
"لأنني أصبحت أقوم بالمهمة بدلًا منه."
توقفت يدي فوق الدفتر.
هذه ليست مبالغة.
في العلاج النفسي، يحدث هذا كثيرًا.
بعض الكلمات التي يسمعها الطفل لسنوات...
لا تختفي عندما يكبر.
بل تتحول إلى صوته الداخلي.
يصير هو من يعاقب نفسه.
وهو من يهين نفسه.
حتى لو اختفى الشخص الذي بدأ كل ذلك منذ زمن.
رفعت نظري إليه.
وقلت بهدوء:
"أريد أن أجرب معك شيئًا."
قطب حاجبيه.
"ماذا؟"
ابتسمت.
"لا تقلق... ليس اختبارًا."
جلس أمامي عامر.
ذراعاه متشابكتان.
كتفاه مشدودان.
كان واضحًا أنه ليس مرتاحًا، حتى لو حاول إخفاء ذلك.
قلت بهدوء:
"متى آخر مرة سمعت فيها صوت والدك وهو يقول لك تلك الجملة؟"
رفع عينيه بسرعة.
"أي جملة؟"
"أنك فاشل."
تجمد.
ثم قال بسرعة:
"قبل يومين."
أومأت برأسي.
"وأثناء حديثك عنها الآن..."
توقفت لحظة.
"لاحظت أنك شددت يديك دون أن تشعر."
نظر إلى يديه.
ولأول مرة، انتبه أنه كان يقبض عليهما بقوة.
أرخى أصابعه ببطء.
وقال باستغراب:
"لم أشعر بذلك."
قلت بهدوء:
"لهذا طلبت منك أن تجلس براحة."
سكت لحظة.
ثم أضفت:
"أحيانًا الجسد يتكلم قبل أن نجد الكلمات المناسبة."
نظر إلى يديه مرة أخرى.
ثم قال بصوت خافت:
"وكأن جسمي يتذكر... أكثر مني."
لم أجب.
لأنه لم يكن يحتاج إلى إجابة.
كانت تلك لحظة صغيرة، لكنها مهمة.
لحظة يدرك فيها الإنسان أن الألم لا يعيش في الفكر فقط… بل يترك أثره في الجسد أيضًا.
قلت بعد ذلك:
"دعنا نجرب شيئًا صغيرًا."
نظر إلي بحذر.
"مرة أخرى؟"
ابتسمت بهدوء.
"هذه المرة لا يوجد اختبار."
أشرت إلى الكرسي.
"اجلس بطريقة مريحة أكثر."
تحرك في مكانه.
لكن توتره لم يختفِ.
قلت:
"أغمض عينيك."
تردد.
"لماذا؟"
"فقط جرب."
سكت.
ثم قال:
"أنت تحب أن تفقد الناس السيطرة، أليس كذلك؟"
ابتسمت بخفة.
"أنا لا أفقدك السيطرة."
توقفت.
"أنا أريك أين تفقدها أنت."
بقي صامتًا.
ثم أغمض عينيه ببطء.
كأنه يوافق على شيء لا يثق به.
قلت بصوت منخفض:
"تخيل أنك عدت لنفس اللحظة."
"أي لحظة؟"
"اللحظة التي سمعت فيها الجملة."
تغير تنفسه.
"أنا أكره هذا."
"أعرف."
"لماذا نفعل هذا؟"
"لأننا لا نهرب من الذكرى… نحن نغير علاقتنا بها."
بدأت ملامحه تتوتر.
"هو يقف هناك."
"من؟"
"أبي."
صوته أصبح أثقل.
"ماذا يقول؟"
صمت.
ثم قال:
"هو لا يقول شيئًا… فقط ينظر."
ارتجفت يده قليلًا.
قلت بهدوء:
"وأنت ماذا تفعل؟"
"أصمت."
"لماذا؟"
"لأنني لا أملك شيئًا أقوله."
فتح عينيه فجأة.
تنفس بسرعة.
"كفى."
"حسنًا."
لم أضغط عليه.
جلس بصمت ثقيل.
ثم قال بصوت منخفض:
"لم أحب هذا الشعور."
قلت:
"ولا يجب أن تحبه."
"لكنني شعرت أنه حقيقي جدًا."
"هذا هو الهدف."
رفع رأسه ونظر إلي.
"هل هذا يساعد فعلًا؟"
ابتسمت.
"ليس دائمًا بالطريقة التي نتوقعها."
رن جرس انتهاء الجلسة.
وقف.
لكن قبل أن يخرج، قال:
"دكتور…"
"نعم؟"
تردد لحظة.
ثم قال:
"لا أحب هذا الجزء مني."
لم أجب فورًا.
ثم قلت بهدوء:
"لهذا أنت هنا."
خرج.
وأُغلق الباب خلفه.
لكن الصمت هذه المرة لم يكن عاديًا.
كان ثقيلًا.
كأنه ترك شيئًا خلفه… لم يكن موجودًا قبل الجلسة.
إلى كل من وصل إلى هذه الصفحة...قبل أن أكتب أي كلمة شكر، أريد أن أتوقف قليلًا وأقول لكم: شكرًاشكراً لأنكم لم تكونوا مجرد قرّاء لهذه الرواية، بل كنتم جزءًا من رحلتها.عندما بدأت كتابة "كلنا مجانين"، لم أكن أريد أن أكتب قصة عن الألم فقط، ولا عن المرض النفسي فقط، ولا عن شخص يحاول اكتشاف حقيقة مخفية. كنت أريد أن أكتب عن الإنسان نفسه... عن الجزء الذي نخفيه جميعًا، عن الأسئلة التي لا نجرؤ على طرحها، وعن المعارك التي تحدث داخلنا ولا يراها أحد غيرنا.ربما رأيتم في آدم شخصًا يبحث عن أخته، أو طبيبًا يحاول فهم الآخرين، أو إنسانًا يحمل ماضيًا أثقل من قدرته على الاحتمال. لكن بالنسبة لي، كان آدم أكثر من ذلك. كان يمثل كل شخص حاول أن يبدو قويًا أمام العالم، بينما كان يخوض معركة صامتة بداخله.شكرًا لأنكم منحتموه الوقت.شكرًا لأنكم استمعتم إلى صمته قبل كلماته، وفهمتم خوفه قبل أن يفهمه هو، وبقيتم معه حتى اللحظات التي لم يكن فيها الطريق سهلًا.أريد أن أشكركم أيضًا على كل تعليق، كل رأي، كل توقع، وكل لحظة شعرتم فيها أنكم اقتربتم من الشخصيات. ربما لا تعرفون قيمة كلماتكم، لكنها بالنسبة للكاتب تشبه الضوء الذ
مر وقت طويل منذ آخر مرة شعرت فيها بالهدوء.ليس الهدوء الذي يأتي عندما تختفي المشاكل.بل الهدوء الذي يأتي عندما تتوقف عن محاربتها.عدت إلى عملي.عدت إلى عيادتي.إلى المرضى الذين كنت أستمع إليهم كل يوم.لكن هذه المرة...كنت أستمع بطريقة مختلفة.في الماضي كنت أبحث عن نفسي في قصص الآخرين.كنت أظن أنني إذا فهمت الجميع...سأفهمني.لكنني اكتشفت شيئًا آخر.أحيانًا نعرف الطريق للآخرين...ونضيع عندما نصل إلى طريقنا.جلست خلف مكتبي.نظرت إلى الكرسي المقابل.المكان الذي جلس عليه أشخاص كثيرون.أشخاص يحملون خوفهم، ألمهم، وذكرياتهم.ابتسمت.لأنني فهمت أخيرًا.لم أكن مختلفًا عنهم.رن هاتفي.نظرت إلى الشاشة.كان أمين.أجبت."نعم؟"قال:"كيف حالك؟"نظرت حولي.فكرت قليلًا.ثم قلت:"أفضل."ضحك بخفة."هذه إجابة طبيب."ابتسمت."وأنت تريد إجابة المريض؟"سكت قليلًا.ثم قال:"نعم."نظرت إلى النافذة.قلت:"ما زلت أتذكر.""وما زلت أفتقدها."توقفت."لكنني لم أعد أعيش هناك."ساد الصمت.ثم قال أمين:"هذا يكفي."أغلقت الاتصال.وبقيت وحدي.لكن للمرة الأولى...لم أشعر أن الوحدة تعني الفراغ.كانت تعني السلام.في المسا
وقفت أمام باب غرفة ديالا.للحظة...شعرت أن السنوات لم تمر.كأنني ما زلت ذلك الشاب الذي وقف هنا قبل كل شيء.يداي مترددة.وقلبي يخبرني أنني إذا دخلت...لن أخرج بنفس الشخص.نظر إليّ أمين.قال بهدوء:"يمكننا العودة."نظرت إليه.ثم إلى الباب.قلت:"لا.""هربت بما يكفي."وضعت يدي على المقبض.وفتحته.كانت الغرفة كما هي.هادئة.مرتبة.كأن صاحبتها خرجت قبل دقائق وستعود.دخلت ببطء.رأيت الكتب على الرف.الكرسي قرب النافذة.والرسم القديم الذي كانت تحتفظ به على الجدار.ابتسمت بحزن."كانت تحب أن تضع الأشياء في أماكنها."قال أمين:"وأنت كنت دائمًا تضع الأشياء في أماكن خاطئة."نظرت إليه.ضحكت قليلًا."حتى الآن تنتقدني؟"ابتسم."خصوصًا الآن."لأول مرة منذ فترة طويلة...شعرت أنني طبيعي.اقتربت من مكتبها.كان هناك صندوق صغير.ليس مخفيًا.ولا مقفلًا.فقط...موضوع أمامي.فتحته.في داخله أشياء بسيطة.صورة لنا ونحن أطفال.سوار قديم.ورسم.أخذت الصورة.أنا وديالا.لكن هذه المرة لم أشعر بالألم فقط.شعرت بالدفء.قال أمين:"ماذا تشعر؟"فكرت قليلًا.قلت:"أنني كنت أتذكرها بطريقة خاطئة."نظر إليّ."كيف؟"أجبت:"ك
لم أنظر إلى الصورة مرة أخرى.ليس لأنني لم أُرد.بل لأنني شعرت أنني إذا نظرت إليها طويلًا...سأتذكر شيئًا لا أستطيع تحمله.أخذت الصورة معي.توجهت نحو أمين.لم أتكلم.وضعتها أمامه فقط.نظر إليها.ثم رفع عيني إليّ.قال:"بدأت تتذكر."قلت:"لا.""أنا لا أتذكر."سكت قليلًا.ثم أضفت:"لكنني أشعر أنني قريب."أومأ."وهذا طبيعي."قلت:"طبيعي؟"ابتسم بحزن."نعم.""لأن الذكريات لا تعود دائمًا كصور واضحة.""أحيانًا تعود كشعور."نظرت إلى الصورة."أنا خائف."لم يبدُ أمين متفاجئًا.قال:"من ماذا؟"أجبت:"من أن تكون الحقيقة أسوأ مما تخيلت."سكت.ثم قال:"آدم...""أنت طوال سنوات كنت تخاف من السؤال الخطأ."نظرت إليه."ما هو السؤال الخطأ؟"قال:"من السبب؟"صمت."كنت تبحث عن شخص تلومه.""ديالا.""والدك.""نفسك."توقف.ثم أكمل:"لكن ربما السؤال الأهم...""ماذا حدث فعلًا؟"أغمضت عيني.ولأول مرة...لم أحاول إجبار ذاكرتي على العودة.تركتها تأتي وحدها.رأيت الباب.غرفة ديالا.الليل.صوت المطر.كنت في السابعة عشرة.وقفت أمامها.كانت تجلس على الأرض.وبيدها ظرف.قلت:"ما هذا؟"رفعت رأسها.ابتسمت.لكنها كانت ابتس
لم أنم.ليس لأنني كنت خائفًا.بل لأنني كنت أفكر.هناك فرق كبير.الخوف يجعلك تهرب.أما التفكير...فيجعلك تبقى أمام الشيء الذي يؤلمك حتى تفهمه.وضعت الورقة أمامي."أخيرًا... سمعتني."ثماني كلمات فقط.لكنها كانت أثقل من أي رسالة قرأتها.رسائل والدي كانت عن الماضي.رسائل ديالا كانت عن أسرار لم أفهمها.أما هذه...فكانت عني.في الصباح، عدت إلى أمين.لم أنتظر موعدي.دخلت مكتبه.نظر إليّ.ولم يسأل لماذا جئت.كأنه كان يتوقع ذلك.قال:"تحدث."جلست.وضعت الورقة أمامه.نظر إليها.ثم أعادها لي.قلت:"لن تسألني ماذا حدث؟"قال:"لا."استغربت."لماذا؟"قال:"لأنك لم تأتِ لتخبرني بما حدث.""أتيت لأنك تريد أن تعرف لماذا حدث."سكتُّ.لأنه كان محقًا.قلت:"أريد أن أراه."نظر إليّ طويلًا."من؟"أجبته:"أنت تعرف."قال:"آدم..."قاطعته:"لا تقل لي إنه مجرد جزء مني.""أعرف ذلك.""لكنني أريد أن أفهم."تنهد.قال:"المشكلة أنك تتعامل معه كأنه شخص يجب أن تجده.""لكنه ليس في مكان آخر.""إنه موجود في الأماكن التي لا تنظر إليها."قلت:"وهل تحدثت معه من قبل؟"ساد الصمت.كان صمتًا قصيرًا.لكنه كان كافيًا.قلت:"أمين."
لم أنم جيدًا تلك الليلة.ليس بسبب الرسائل.ولا بسبب ديالا.بل بسبب شيء أسوأ...لأنني بدأت أشك في الشيء الوحيد الذي كنت أظنه ثابتًا.نفسي.في الصباح، وقفت أمام المرآة.نظرت إلى وجهي.لم أبحث عن شيء غريب.كنت فقط أحاول أن أطمئن نفسي.قلت:"أنت متعب."لكن صوتًا داخليًا أجابني:"أم أنك تحاول تصديق ذلك؟"تجمدت للحظة.ابتعدت عن المرآة.لم تكن المرة الأولى التي أتحدث فيها مع نفسي.الجميع يفعل ذلك.لكن المشكلة لم تكن في وجود الصوت...بل في أنني شعرت أحيانًا أنه لا يشبهني.وصلت إلى العيادة.كان أمين ينتظرني.نظر إليّ بمجرد دخولي.قال:"لم تنم."ابتسمت."أصبحت تكرر هذه الجملة كثيرًا."قال:"لأنك أصبحت تعطيني السبب لأكررها."جلست.لم أرد.فتح ملفه.ثم قال:"كيف حالك اليوم؟"أجبته تلقائيًا:"بخير."رفع عينيه عن الورق.فقط نظر إليّ.ذلك كان كافيًا.تنهدت.قلت:"لا أعرف."ابتسم قليلًا."هذه إجابة أفضل."قلت:"أفضل؟"قال:"نعم.""لأن الشخص الذي يقول لا أعرف...""ما زال يبحث.""أما الشخص الذي يصر على أنه بخير دائمًا...""فغالبًا توقف عن السؤال."سكتُّ.ثم قلت:"أمين.""نعم؟""هل تعتقد أن الإنسان يمكن







