LOGINانطفأت الأنوار فجأة، وغرقت القاعة في ظلام كثيف حتى بدا وكأنه ابتلع كل شيء من حولهم. لم تعد سهى ترى سوى سوادٍ مطبق، بينما ارتفعت أنفاس الحاضرين واختلطت ببعضها في صمت ثقيل.
لم يجرؤ أحد على الكلام. ثم... طَق... عاد صوت الطرق من جديد. لكن هذه المرة لم يكن في الطابق العلوي. كان أقرب. أقرب بكثير. شعرت سهى بأن الصوت صدر من الجهة المقابلة للطاولة مباشرة. مدت يدها أمامها تتحسس المكان، لكنها لم تجد سوى حافة الكرسي. سمعت الفتاة التي تعرّفت إليها قبل قليل تهمس بصوت مرتجف: "أرجوكم... أشعلوا الأنوار." رد عليها الشاب الطويل بنبرة حاول أن يجعلها ثابتة: "اهدئي... لا أحد يتحرك." وفي اللحظة نفسها، انبعث ضوء خافت من مصباح قديم في زاوية القاعة، ثم اشتعلت بقية الثريات واحدة تلو الأخرى، حتى عاد النور إلى المكان. تنفست سهى الصعداء، لكنها سرعان ما تجمدت في مكانها. لم يكن جميع الورثة جالسين كما كانوا قبل لحظات. أحد الكراسي كان فارغًا. نظر الجميع إلى الطاولة في الوقت نفسه. قال الرجل الأصلع بقلق: "أين الرجل الذي كان يحمل العصا؟" التفتت الأنظار في أنحاء القاعة. لم يكن له أي أثر. اقتربت المرأة ذات الثوب الأسود من الباب بسرعة. "ربما خرج أثناء انطفاء الأنوار." حاولت فتح الباب. لكن المقبض لم يتحرك. دفعته بكل قوتها. بقي مغلقًا. التفتت إلى الرجل المسن بعصبية. "افتح الباب." نظر إليها بهدوء غريب. "أنا لم أغلقه." ازدادت ملامحها توترًا. "إذن من أغلقه؟" لم يجبها. ظل صامتًا وهو ينظر إلى الباب، وكأنه ينتظر شيئًا. اقترب الشاب الطويل هذه المرة، وأمسك بالمقبض بكلتا يديه، ثم حاول فتحه بقوة. لكن الباب لم يتحرك قيد أنملة. ضربه بقبضته غاضبًا. "هذا جنون." ساد صمت قصير. ثم جاء صوت خافت... صوت لم يأتِ من خارج القاعة. بل من أسفل الطاولة. سمعته سهى بوضوح. كان يشبه... أنفاس شخص. حبست أنفاسها وهي تنظر ببطء نحو الفراغ أسفل الطاولة، لكن ظلالها الكثيفة منعتها من رؤية أي شيء. ابتلعت ريقها. ورغم خوفها، انحنت قليلًا محاولة أن ترى مصدر الصوت. وقبل أن تصل بعينيها إلى أسفل الطاولة تمامًا... سمعت همسًا قريبًا جدًا من أذنها. "لا تنظري..." انتفضت واقفة، حتى كاد الكرسي يسقط خلفها. التفتت بسرعة. لم يكن أحد يقف بجانبها. لكن أكثر ما أرعبها... أن بقية الورثة كانوا ينظرون إليها باستغراب، وكأنهم لم يسمعوا ذلك الهمس أبدًا. تراجعت سهى خطوة إلى الخلف، وقد تسارعت دقات قلبها حتى شعرت أنها تكاد تسمعها. كانت ملامح الورثة تشير إلى الحيرة، لكن أحدًا منهم لم يبدُ وكأنه سمع الهمس الذي وصل إلى أذنها قبل لحظات. نظر إليها الشاب الطويل باستغراب. "هل أنتِ بخير؟" ترددت قبل أن تجيب. "سمعت... شخصًا يتحدث." تبادلت المرأة ذات الثوب الأسود نظرة سريعة مع الرجل الأصلع، ثم قالت بنبرة باردة: "لا يوجد أحد هنا غيرنا." هزت سهى رأسها. "أنا متأكدة... كان يقف بجانبي." تنهد الرجل المسن ببطء، ثم قال وكأنه اعتاد سماع مثل هذه الكلمات. "الخوف يجعل الإنسان يسمع أشياء لا وجود لها." لم يعجبها رده، لكنها لم تجد ما تقوله. في تلك اللحظة، عاد الباب المغلق يصدر صوتًا خافتًا، ثم انفتح وحده ببطء، دون أن يقترب منه أحد. تراجع الجميع خطوة. أطل الممر الطويل أمامهم، خاليًا تمامًا. قال الرجل المسن: "يبدو أن القصر سمح لنا بالمغادرة." لم يتحرك أحد. ثم خرج هو أولًا، وكأنه يريد أن يثبت لهم أن الطريق آمن. لحق به بقية الورثة على مضض، بينما بقيت سهى في آخر الصف، تلتفت بين الحين والآخر نحو الطاولة المستديرة. كان كرسي الرجل الذي يحمل العصا لا يزال فارغًا. وكأن صاحبه لم يجلس عليه أصلًا. أثناء سيرهم في الممر، قطعت الفتاة التي عرفت نفسها باسم ليان الصمت. "أين اختفى ذلك الرجل؟" رد الرجل الأصلع دون أن ينظر إليها. "ربما كان هذا جزءًا من اللعبة." توقفت سهى عن المشي. "أي لعبة؟" التفت إليها. "هل تظنين أن جدك جمع سبعة غرباء في جزيرة معزولة من أجل قراءة ورقة فقط؟" لم تجد جوابًا. لأن كلامه كان منطقيًا. واصلوا السير حتى وصلوا إلى درج واسع يؤدي إلى الطابق العلوي. وقف الرجل المسن عند أول درجة. "غرفكم في الأعلى." ثم أخرج من جيبه سبعة مفاتيح قديمة، يتدلى من كل واحد منها رقم نحاسي. بدأ يوزعها واحدًا تلو الآخر. "الغرفة الأولى..." ناول المفتاح للمرأة ذات الثوب الأسود. "الثانية..." ثم الثالثة والرابعة... حتى وصل إلى سهى. وضع المفتاح في يدها. تأملت الرقم المعلق به. 17 تجمدت في مكانها. رفعت رأسها ببطء. "هناك خطأ." نظر إليها الرجل المسن. "أي خطأ؟" رفعت المفتاح أمامه. "رقم غرفتي... سبعة عشر." ساد الصمت. اختفت ملامح الهدوء عن وجه الرجل لأول مرة منذ وصولها إلى الجزيرة. مد يده بسرعة، وكأنه يريد انتزاع المفتاح منها، لكنه توقف قبل أن يلمسه. ظل ينظر إليه لثوانٍ طويلة. ثم همس بصوت بالكاد سمعته سهى: "هذا... مستحيل." تبادل الورثة النظرات في حيرة. سأل الشاب الطويل: "ما الذي يحدث؟" لم يجبه الرجل. ظل يحدق في المفتاح، بينما بدأ لون وجهه يفقد احمراره شيئًا فشيئًا. ثم رفع عينيه إلى سهى وقال بصوت مرتجف: "لم تكن هناك... غرفة تحمل الرقم سبعة عشر." وقبل أن تستوعب سهى معنى كلماته، دوى في الطابق العلوي صوت باب يُفتح ببطء... ثم سُمع صوت امرأة تضحك. ضحكة خافتة... لكنها كانت كافية لتجمد الدم في عروق الجميع.كان الطريق إلى الدار هادئًا أكثر مما ينبغي.سُهى لم تتحدث منذ خرجت من المكان.كانت تمشي إلى جانب آدم، بينما كان كريم وباقي المجموعة خلفهما.كل شيء كان يبدو طبيعيًا.لكن داخلها لم يكن هناك شيء طبيعي.كانت تفكر في أمها.في كل كلمة أخفتها عنها.في كل مرة حاولت فيها أن تمنعها من تذكر الماضي.وفي السؤال الذي ظل يطاردها منذ بدأت ذكرياتها تعود:لماذا هربت أمها بها؟ولماذا كانت مستعدة لفعل كل شيء حتى لا تعود سُهى إلى الجزيرة؟عندما وصلوا إلى الدار، دخلت سُهى بسرعة.كانت تتوقع أن تجد أمها في مكانها المعتاد.نادتها.«أمي؟»لم يجبها أحد.تقدمت أكثر.نادتها مرة أخرى.«أمي... أنا رجعت.»بقي المكان ساكنًا.شعرت سُهى بشيء ينقبض داخل صدرها.بدأت تبحث عنها في الغرف.ثم وصلت إلى غرفتها.كان الباب مفتوحًا.دخلت.توقفت.كانت أمها مستلقية على السرير، ساكنة تمامًا.اقتربت سُهى منها ببطء.«أمي؟»لم تجب.مدت يدها ولمستها.كانت باردة.تراجعت سُهى خطوة.لم تستطع أن تتنفس.ثم لاحظت شيئًا فوق الطاولة.ظرف أبيض.كان مكتوبًا عليه اسمها.سُهى.جلست أمام الطاولة وفتحت الظرف بيدين مرتجفتين.كانت الرسالة طويلة.بدأت ت
فتحت سُهى عينيها ببطء.كانت ما تزال على الأرض، وذراعاها ترتجفان من شدة التعب. للحظات لم تستطع أن تتذكر أين هي، ثم عادت إليها صورة الغرفة، والتعويذة، والضوء الذي ظهر أمامها.حاولت أن تنهض.هذه المرة شعرت بشيء مختلف.لم تعد الغرفة تضغط عليها كما كانت من قبل.رفعت رأسها ونظرت إلى الدائرة الموجودة على الأرض.كانت مكتملة.والطريق الذي حاولت فتحه مرتين أصبح مفتوحًا تمامًا.ثم سمعت أصواتًا.لم تكن قريبة.كانت تأتي من مكان بعيد، كأنها تعبر من خلال جدار غير مرئي.أصوات كثيرة.همسات متداخلة.ثم بدأ الضوء ينتشر داخل الغرفة.تراجعت سُهى خطوة.ظهر أمامها ممر من النور، وفي نهايته ظلال تتحرك ببطء.فهمت في تلك اللحظة أن التعويذة نجحت.كانت الأرواح عالقة في ذلك العالم، والآن أصبح بإمكانها الخروج.بدأت الظلال تعبر واحدًا تلو الآخر.لم تحاول سُهى إيقافها.وقفت فقط تراقب الطريق وهو ينفتح أمامها.كل روح كانت تعبر من خلال الضوء، ثم تختفي بعد أن تخرج من العالم الذي احتجزها.لم يكن هناك صراخ.لم تكن هناك مقاومة.فقط إحساس غريب بأن شيئًا ثقيلًا كان يغادر المكان للمرة الأخيرة.ومع مرور الوقت، بدأ الضوء يضعف.آ
وقفت سُهى أمام الكيان، تحدّق فيه دون أن تتراجع.كان وجوده يملأ الغرفة بشعور ثقيل، لكنها لم تعد تلك الفتاة التي دخلت المكان وهي لا تعرف شيئًا. الآن كانت تعرف اللغة، وتعرف أن هناك أرواحًا عالقة في مكان ما بين العالمين، وتعرف أن الطريق إليها موجود أمامها، حتى لو لم تستطع رؤيته بوضوح.بقي الكيان يراقبها.قالت سُهى:«أين الأرواح التي احتجزتها هنا؟»أجابها:«لن تجديها خلف باب، بل في العالم الذي فُتح بينكم وبينهم.»لم تقل شيئًا بعد ذلك.لم تكن تريد أن تسمع منه المزيد.خفضت نظرها إلى الأرض، حيث كانت العلامات القديمة ممتدة أمامها. بعضها كان واضحًا، وبعضها الآخر بدا وكأنه يتحرك قليلًا كلما حاولت التركيز عليه.وضعت يدها فوق أول علامة.في اللحظة التي لمستها، شعرت ببرودة شديدة تسري من أطراف أصابعها إلى ذراعها.أغمضت عينيها.بدأت الكلمات تظهر في ذاكرتها واحدة تلو الأخرى.لم تكن تتذكرها مثل درس قديم.كانت تعرفها.تعرف معناها ونطقها وترتيبها.كانت اللغة التي علّمها لها والدها خلال العامين اللذين قضتهما في هذا البيت.بدأت تنطق الكلمة الأولى.ثم توقفت للحظة.سمعت صوتًا بعيدًا، كأن أحدًا يناديها من مكان
بقيت سُهى واقفة في الممر.ثلاث طرقات.ثم صمت.لم تتحرك.كانت تحدق في الظلام أمامها، وكأنها تنتظر أن يتكرر الصوت.لكن القصر عاد إلى هدوئه الغريب.لم يكن هناك شيء سوى صوت أنفاسها.وضعت يدها على صدرها، وحاولت أن تهدئ قلبها.لقد عرفت منذ لحظة دخولها القصر أن هذا المكان لم يكن ينتظرها من أجل شيء بسيط.كل الطرق التي سلكتها منذ وصولها إلى الجزيرة، وكل الاختفاءات، وكل الكلمات التي ظهرت أمامها، كانت تقود إلى حقيقة واحدة لم تكن مستعدة لمواجهتها بعد.رفعت عينيها نحو نهاية الممر.ثم بدأت تمشي.خطوة بعد خطوة.لم تكن تسمع أي صوت خلفها.وهذا أخافها أكثر من سماع الأصوات.كانت تشعر وكأن القصر يراقبها، لكنه هذه المرة لم يحاول خداعها.كأنه كان ينتظر أن تصل بنفسها.وصلت إلى نهاية الممر.هناك لاحظت شيئًا لم تره من قبل.درجًا حجريًا ضيقًا ينزل إلى الأسفل.وقفت أمامه.لم تتذكر وجوده في المرات السابقة التي كانت فيها داخل القصر.لكنها أدركت أن هذا المكان لم يكن يظهر لمن لا يعرف طريقه.فتحت الكتاب.كانت الصفحة التي ظهرت أمامها تحمل الرمز نفسه الذي رأته على الجدار.تأملته للحظات.ثم قرأت الكلمات الموجودة تحته.
تقدمت سُهى نحو الضوء.في البداية لم تشعر إلا بالبرودة.ثم اختفى الممر خلفها.فتحت عينيها ببطء.كانت واقفة أمام بوابة حديدية ضخمة.تجمدت في مكانها.لم تكن تحتاج إلى وقت طويل حتى تعرف أين هي.القصر.نظرت إلى البوابة، ثم إلى المبنى المرتفع خلفها.كل شيء كان ساكنًا.لا أصوات.لا حركة.ولا أثر لأي شخص.لكنها لم تشعر بأنها وصلت إلى مكان جديد.بل شعرت وكأنها عادت إلى مكان كان ينتظرها منذ البداية.اقتربت من البوابة.وضعت يدها عليها.كانت باردة بشكل غير طبيعي.دفعتها قليلًا.انفتحت بسهولة.توقفت سُهى.تذكرت كيف كان الجميع يحاولون فتح الأبواب في هذا المكان، وكيف كانت الأشياء ترفض أن تتحرك عندما لا تريد ذلك.أما الآن...فالبوابة فتحت لها.دخلت.خطت بضع خطوات في الساحة، ثم التفتت خلفها.لم يكن هناك أي أثر للطريق الذي جاءت منه.لا ضوء.لا جدار.لا فتحة.فقط الأشجار والظلام.تنفست ببطء.«يعني... رجعت للقصر.»قالتها وكأنها تحاول إقناع نفسها.واصلت السير.كانت الواجهة أمامها كما تتذكرها، لكن هناك شيء مختلف.المكان كان أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.وصلت إلى الباب الرئيسي.قبل أن تلمسه، انفتح وحده.تراجعت
بقيت سُهى وحدها في الغرفة.كان الكتاب أمامها، مفتوحًا على الصفحة التي توقفت عندها، بينما كانت عيناها تتحركان بين الرموز دون أن تشعر بالحاجة إلى ترجمتها.كانت تعرف معناها.لكن ما كانت تبحث عنه الآن لم يكن كلمة جديدة، ولا ذكرى أخرى.كانت تبحث عن طريق.طريق يخرجها من هذا المكان.رفعت رأسها ونظرت حولها.منذ أن وجدت نفسها هنا، كان كل شيء يشبه البيت الذي تعرفه، لكنه لم يكن ثابتًا.أحيانًا كان الممر يبدو أطول مما تتذكر.وأحيانًا كانت الأبواب تظهر في أماكن لم تكن موجودة فيها من قبل.حتى الضوء كان مختلفًا.كأن المكان نفسه لا يعرف إلى أي عالم ينتمي.عادت إلى الكتاب.قلبت عدة صفحات، ثم توقفت عند مجموعة من الرموز.كانت مرتبة بطريقة مختلفة عن بقية الكتاب.ثلاثة رموز في الأعلى، وتحتها سطر واحد.مررت إصبعها فوقها، ثم قرأت.تغير تعبير وجهها.لم تكن الكلمات تتحدث عن باب أو غرفة.كانت تتحدث عن الحد الفاصل.أعادت القراءة ببطء.ثم همست:«إذن... المخرج ليس مكانًا.»رفعت عينيها.«إنه نقطة.»بدأت تفكر في كل الأماكن التي تغيرت أمامها منذ وصولها.الممر.الغرفة.الجدران.الأصوات.ثم تذكرت شيئًا.كلما اقتربت من







