Share

الفصل الثالث 3

last update publish date: 2026-09-20 09:10:45

عادت الروح إلى ملامح ستيلّا فجأة، وكأن تلك الصفعة الباردة من وعيها المستعاد أمام المرآة قد اقتلعت كل جذور الهوان التي نبتت بداخلها طوال الأسابيع الثلاثة الماضية.

تطلعت إلى وجهها الشاحب،

وإلى عينيها اللتين،

رغم حمارهما والهالات السوداء المحيطة بهما،

أصبحتا تشعان بوميض جديد من الإصرار والعزيمة.

لم يعد هناك مكان للبكاء،

ولم تعد هناك مساحة للاستسلام لاتهامات الجيران أو شكوك المحققين.

جسدها كان يملك الحقيقة الكاملة،

وذاكرتها الحسية كانت أقوى من أن تُمحى بكلمات عابرة.

تحركت داخل الحمام بخطوات ثابتة لم تعد تترنح بالقدر نفسه.

فتحت صنبور المياه الساخنة،

ودخلت تحت دفئها المتدفق لتغسل عن جسدها النحيل آثار الضياع والتدمير الذاتي.

تلمست بشرتها تحت قطرات الماء؛

شعرت بكل إنش فيها يصرخ بأن لمسات إيان كانت حقيقية،

وأن عذريتها التي سُلبت في هذا الفراش لم تكن خيالاً أخرق.

خرجت من الحمام،

وقامت بتمشيط شعرها الأسود الطويل والمنسدل بعناية وصبر،

خصلة خصلة،

حتى عاد ينسدل بنعومة مألوفة على كتفيها كشلال من الليل.

نزعت فستان الكاروهات المتسخ والمليء ببقع الشراب،

وألقته في سلة المهملات بعنف وكأنها تتخلص من حقبة ضعفها.

ارتدت ملابس نظيفة وبسيطة؛

بنطالاً أسود مريحاً وسترة صوفية دافئة بلون رمادي داكن،

واستقرت أمام المرآة لتضع بعض المساحيق الخفيفة التي أخفت شحوب بشرتها تماماً.

أرادت أن تبدو قوية،

مستعدة لمواجهة أي حقيقة تنتظرها في الخارج.

قبل أن تغادر،

جالت بعينيها في أرجاء الشقة.

كانت النوافذ المفتوحة تسمح لهواء الخريف النقي بطرد رائحة الركود والشراب الخانقة.

توجهل لغرفتها

فتحت درفتيها وتأملت معاطفها الصوفية الثقيلة والفخمة،

وقمصان ذات الألوان المميزه المرتبة بعناية فائقة.

لمست القماش الخشن لأحد المعاطف،

وشعرت برئحته عليها ؛

كان دليلاً صارخاً لا يمكن إنكاره.

تذكرت كيف كان جسده الرياضي الضخم جداً يملأ هذه الملابس و يحتضنها،

وكيف كان طوله الفارع وبنيته العريضة يشعرانها بالهيبة والأمان المطلق،

حيث كانت بنيتها قويه و ليست ضعيفه و لم تنهزم بسهوله .

سحبت نفساً عميقاً من المعطف لتستمد القوة،

ثم أغلقت الخزانة بعزم،

وأخذت حقيبة يدها الصغيرة ومفاتيحها،

وغادرت الشقة مغلقة الباب وراءها،

لتعلن رسمياً نهاية عهد الانتظار وبداية عهد البحث.

سارت ستيلّا في شوارع المدينة الرمادية الكبيرة،

مدينة لم تر تفاصيلها لسنوات كثيره بسبب عماها،

وبدت لها الآن صاخبة،

مليئة بالحركة والوجوه الغامضة التي تسير بسرعة دون أن تلتفت لأحد.

كانت حواسها،

التي شُحذت خلال عامين من الظلام،

تلتقط كل تفصيلة بدقة؛

أصوات أبواق السيارات،

أحاديث المارة،

ورائحة الشوارع.

شعرت بالحاجة إلى بضع دقائق من الهدوء لترتيب أفكارها وتحديد خطوتها القادمة،

فتوجهت نحو مقهى صغير وهادئ يقع في زاوية أحد الشوارع الجانبية،

يتميز بواجهته الزجاجية الكبيرة وستائره الدافئة.

دخلت المقهى،

وجلست قرب النافذة المطلة على الشارع.

طلبت كوباً من القهوة الساخنة،

وأخذت تتأمل البخار المتصاعد منها وهي تسترجع في عقلها كل لحظة عشتها مع إيان،

وكل كلمة قالها لها عن حياته وعمله.

كانت تبحث في زوايا ذاكرتها عن أي خيط أو إشارة قد ترشدها إلى مكانه.

مرت ساعة كاملة وهي غارقة في أفكارها،

حتى شعرت بأن شتات نفسها قد اجتمع مجدداً،

وأنها باتت جاهزة للتحرك.

نهضت من مقعدها،

وعدلت سترتها الصوفية،

ثم توجهت نحو باب الخروج الزجاجي للمقهى بكامل تركيزها.

وفي اللحظة التي دفعت فيها الباب وخطت خطوتها الأولى نحو الرصيف الخارجي،

حدث ما لم يكن في الحسبان.

من زاوية الشارع،

كانت هناك فتاة شابة تركض بسرعة وعجلة واضحة،

عيناها تلفتان وراءها وكأنها تخشى ملاحقة شخص ما،

ولم تكن تنتبه لما أمامها إطلاقاً.

في جزء من الثانية،

حدث اصطدام جسدي عنيف وقوي بينهما.

تراجعت ستيلّا خطوتين إلى الخلف بفعل قوة الارتطام،

وكادت تفقد توازنها وتسقط على الأرض لولا أنها استندت بسرعة إلى إطار الباب الزجاجي.

أما الفتاة الأخرى،

فقد سقطت حقيبتها الجلدية الصغيرة من يدها،

وانفتحت لتتناثر بعض الأوراق والبطاقات الصغيرة على الرصيف الحجري تحت وطأة الرياح الخريفية الخفيفة.

أنا آسفة!

أنا فعلاً آسفة جداً!

هتفت الفتاة الغامضة بصوت مرتجف ومليء بالاضطراب والعجلة.

انحنت بسرعة فائقة تجمع أوراقها المتناثرة بيدين مرتعشتين.

كانت ملامحها تشي بأنها تمر بموقف عصيب وعاجل للغاية.

نظرت إليها ستيلّا بملامح جادة،

وانحنت هي الأخرى لتساعدها في جمع ما سقط.

التقطت بضع بطاقات،

ولمحت بأعينها الحادة نصوصاً مريبة مرسومة عليها.

رفعت الفتاة رأسها،

ونظرت إلى ستيلّا بعينين قلقتين وقالت بنبرة متلعثمة:

أنا ممتنة لمساعدتكِ،

وأكرر اعتذاري الشديد..

أنا في غاية العجلة الآن،

وهناك أمر طارئ لا يمكنني التأخر عنه لثانية واحدة..

لست قادرة الآن على الكلام مع الكلمات أو الاعتذار منكِ بشكل لائق..

سأعوضكِ عن هذا الإزعاج حتماً في وقت لاحق.

وقبل أن تنطق ستيلّا بكلمة واحدة،

امتدت يد الفتاة بسرعة لتضع في كف ستيلّا بطاقة عمل كرتونية صغيرة

ثم استدارت وركضت بسرعة نحو سيارة أجرة كانت تقف قرب الرصيف،

ركبتها وانطلقت السيارة وسط زحام الشارع مخلّفة وراءها غبار الطريق.

وقفت ستيلّا وحيدة على الرصيف،

وتطلعت ببرود وعدم اهتمام إلى البطاقة التي في يدها،

وظنت في البداية أنها مجرد بطاقة لشركة تجارية أو متجر عادٍ.

لكن فضولها الروائي والبحثي دفعها لقلب البطاقة وقراءة السطور المكتوبة عليها بخط صغير ودقيق باللون الفضي.

وما إن قرأت الكلمات حتى تجمدت الدماء في عروقها واعتدلت وقفتها فجأة.

يكن كارت لشركة عادية. كان مكتوباً عليه:

"فرقة الاستكشاف والدعم الخاص - نصل إليك حيث لا يوجد أثر.

وتحتها شعار صغير لبوصلة مكسورة الإبرة،

متبوعاً بعنوان يقع في أطراف المدينة المنعزلة.

الكلمات المكتوبة في الأسفل كانت توضح طبيعة عملهم بشكل غامض ومثير:

منظمة صغيرة متخصصة في البحث،

والتحري،

واكتشاف الأشياء والأشخاص الذين يعتقد الجميع أنهم غير موجودين في الواقع..

نساعدك على العثور على ما تريده،

أياً كان،

ومهما كانت الظروف محيطة بالغموض.

اشتعل رأس ستيلّا بالأفكار.

منظمة سرية صغيرة متخصصة في العثور على المفقودين الذين ينكر الجميع وجودهم؟

هل يمكن أن تكون هذه إشارة من القدر؟

هل هذه هي الجهة التي ستساعدها في إثبات أن إيان ليس وهماً؟

تملكتها رغبة عارمة في عدم إضاعة هذه الفرصة.

التفتت بسرعة نحو سيارتها المركونة قرب المقهى،

ركبتها وشغلت المحرك،

وقررت أن تتبع السيارة الأجرة التي ركبتها الفتاة،

مستعينة بذاكرتها البصرية لاتجاه السير.

سارت خلفها بحذر طوال نصف ساعة،

مارة بالشوارع المتقاطعة حتى بدأت المباني الشاهقة للمدينة تتقلص،

وتحل محلها منازل قديمة،

دافئة،

ومنعزلة نوعاً ما عن الصخب الضوضائي.

توقفت سيارة الأجرة أمام مبنى خشبي عتيق ذو طابقين،

محاط بحديقة صغيرة مهملة تحجبها الأشجار الكثيفة.

نزلت الفتاة ودخلت بسرعة عبر البوابة الخشبية للمبنى.

أوقفت ستيلّا سيارتها على مسافة آمنة،

وأخذت تراقب المكان بعينين فاحصتين من خلف الزجاج.

لم تجد حركة كثيفة،

ولم تلمح ناساً كثيرين يدخلون أو يخرجون.

كان الوضع هادئاً تماماً،

والمكان يلفه السكون من كل جانب؛

مما يجعله موقعاً مثالياً ومنعزلاً لكي يأخذ أعضاء هذه المنظمة راحتهم الكاملة في الحديث،

والبحث،

والتحري بعيداً عن أعين الفضوليين والشرطة.

شعرت ستيلّا بـارتياح غامض واقتناع تام بأن هذا المكان يضم سراً قد يغير مجرى حياتها.

أخرجت من حقيبتها مفكرة صغيرة وقماً،

وكتبت فيها عنوان المكان بدقة متناهية وصفات المبنى الخارجي.

نظرت إلى الورقة،

ثم رفعت رأسها وتطلعت نحو الشرفة العلوية للمبنى المظلم،

وارتسمت على شفتيها الشاحبتين ابتسامة غامضة،

واثقة،

ومليئة بالتحدي،

وقالت بصوت مسموع ونبرة قاطعة :سأجدك يا إيان..

مهما طال غيابك،

ومهما حاولوا إقناعي بأنك مجرد وهم..

سأجدك.

وضعت المفكرة في جيب سترتها الرمادية،

وأدارت مقود السيارة بعزم،

مقررة أن خطوتها التالية الآن يجب أن تكون مواجهة من نوع آخر؛

مواجهة ستقتلع من خلالها أطراف الخيوط الأولى التي تربط ماضيها المظلم بحاضرها الغامض.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لا شيء كان حقيقيًا   الفصل الثاني عشر 12

    انتهت لورا من توجيه ضربة خفيفة بالعصا الخشبية نحو الأرض، لتصدر رنيناً حاداً تردد صداه بين الجدران الأسمنتية الباردة للقبو. التفتت نحو ستيلّا، وعيناها العسليتين تحملان نظرة صارمة خلت تماماً من أي تعاطف ناعم. تقدمت نحو صندوق جلدي صغير مستقر في زاوية القاعة، وفتحت قفله المعدني، لتخرج منه شريطاً قماشياً أسود عريضاً وسميكاً للغاية، صُمم خصيصاً ليحجب كُل ذرة ضوء قد تتسلل إلى العينين."بصركِ المستعاد هو معجزة يا ستيلّا، وهو سلاحكِ لرؤية وجه إيان لأول مرة،" بدأت لورا حديثها بصوت حازم وجاف وهي تقترب منها، مادّة الشريط القماشي أمام وجه البطلة. "لكن في عقر دار الهيئة الفيدرالية للأمن الدولي، قد يتحول هذا البصر إلى نقطة ضعفكِ الأولى. ضباط التحقيق هناك يعشقون استخدام الأضواء الكاشفة الحارقة والمبهرة لتعمية المعتقلين وشل تفكيرهم البصري، ليجبروهم على الانهيار تحت وطأة الضياع المفاجئ. لذلك، أريدكِ أن تعودي الآن.. عودي طواعية إلى ظلامكِ القديم الذي عشتِ فيه لعامين كاملين. أريد لجسدكِ ألا يثق بما يراه، بل بما يستشعره."لم تتردد ستيلّا لثانية واحدة. رفعت رأسها الشامخ، وسمحت للورا بأ

  • لا شيء كان حقيقيًا   الفصل الحادي عشر 11

    اقتربت لورا من ستيلّا بخطوات منتظمة، ووضعت يدها على كتفها بتعاطف نسائي صلب ودعم مطلق، وتابعت بروح حماسية مشتعلة: "الرئيس لديه حق، الخطة مجنونة وانتحارية، لكنها الطريقة الحقيقية والوحيدة لإجبارهم على إظهار إيان من مخبأه. الخطة هي أن نسافر معاً، أنا وأنتِ، نحو المنطقة الحدودية الفاصلة بين دولتنا والدولة الثانية. هناك، وفي الميدان المفتوح، ستتقدمين أنتِ بمفردكِ لتتخطي الحدود الدولية عمداً وتخترقين الأسلاك الشائكة والمناطق العسكرية المحظورة، لتجبري دوريات وجنود الهيئة الفيدرالية للأمن الثاني على القبض عليكِ واقتيادكِ مكبلة إلى غرف التحقيق الخاصة بهم!"قطبت ستيلّا حاجبيها وجلست تستمع بتركيز ذهني شديد، بينما أكملت لورا رسم الخيوط العسكرية بحرفية: "عندما يقبضون عليكِ ويضعونكِ تحت أضواء التحقيق الحارقة، لن تبكي ولن تظهري ضعفاً، بل ستبتسمين بسخرية وتصدمينهم بـمعلوماتكِ عن إيان وبسلطته الطاغية ونفوذه عليهم داخل الهيئة! هذا الأمر سيرعب المحققين ويجبر قادتهم الكبار على استدعاء إيان شخصياً لمواجهتكِ لكشف كيف تسربت هذه الأسرار الفيدرالية لامرأة مدنية.. ولكن، قبل أن تذهبي إلى ذلك

  • لا شيء كان حقيقيًا   للفصل العاشر 10

    جلس رئيس المنظمة الخمسيني الوقور خلف مكتبه الخشبي العريض المصنوع من خشب البلوط الداكن، واضعاً نظارات القراءة الدقيقة على أرنبة أنفه وهو يتأمل الأوراق الطبية التي تحوي أسماء المنومات والمهدئات التي انتزعتها ستيلّا من عيادة ليو. كان الصمت يلف أركان المكتب بعد أن أنهت ستيلّا سرد قصتها كاملة، بينما كانت لورا تجلس على أريكة جانبية، وعيناها العسليتين تشعان بـعاطفة نسائية جارفة وغضب عارم لم تستطع كبحه بعد أن استمعت لحجم المعاناة والظلم النفسي الذي مرت به صديقتها الجديدة.تنحنح الرئيس بصوته العميق والأجش، وأزاح نظاراته بوقار، ثم نظر إلى ستيلّا بعينين رماديتين تحملان دهاء سنوات طويلة من العمل في الظل وقال بنبرة هادئة تفرض السيطرة تلقائياً على الأجواء: "آنسة ستيلّا.. الأسماء التي أحضرتِها من عيادة الدكتور ليو، والسيارة السوداء الضخمة التي لاحقتكِ في شوارع المدينة الرمادية، لا تترك مكاناً للشك أو التأويل. زوجكِ إيان ليس مجرد رجل أعمال غامض أو شخصية وهمية من نسج خيالكِ الباطن كما تزعم تقارير الشرطة وسجلات الجيران الباردة.. إيان ينتمي مباشرة إلى الهيئة الفيدرالية للأمن الدولي."انتفضت

  • لا شيء كان حقيقيًا   الفصل التاسع 9

    كان رئيس المنظمة يستمع إليها بملامح جادة للغاية، ولم تقاطعه أي حركة سوى ضيق حدقتي عينيه الرماديتين عندما ذكرت اسم الدواء المحظور والسيارة السوداء الملاحِقة. بدا وكأنه يربط الخيوط السرية في عقله المدرب على التحري.وفجأة، وبينما كان الصمت الثقيل يلف الغرفة بعد انتهاء كلام ستيلّا، أُمسك مقبض الباب الخارجي للمكتب، ودُفع بـعجلة واضحة. دخلت إلى الغرفة نفس الفتاة الشابة والجميلة التي اصطدمت بها ستيلّا سابقاً أمام المقهى؛ كانت ترتدي معطفاً جلدياً قصيراً، وشعرها الاشقر مبعثراً خفيفاً جراء الركض، وتحمل في يدها بعض التقارير.وما إن خطت خطوتين إلى الداخل ووقعت عيناها على ستيلّا الجالسة أمام رئيسها، حتى تجمدت في مكانها تماماً، واتسعت عيناها بصدمة ذهولية حابسة للأنفاس، وتسمرت في أرضها قائلة بنبرة مرتجفة ومتفاجئة للغاية: "أنتِ؟! من أين تعرفين هذا المكان؟! وكيف وصلتِ إلى مقرنا السري؟!"التفتت ستيلّا برأسها ببطء شديد، ونظرت إليها بعينين حادتين وباردتين، وارتسمت على شفتيها ابتماس ساخرة وقالت ببرود وثقة تامة: "من الكارت الخاص بكِ.. ذلك الكارت الفضي الذي وضعتِهِ في كف يدي على الرصيف ب

  • لا شيء كان حقيقيًا   الفصل الثامن 8

    أوقفت ستيلّا سيارتها في مكان مظلل خلف الأشجار الكثيفة المحيطة بالمنزل الخشبي العتيق. نزلت منها وأغلقت الباب بهدوء، مستنشقة هواء الأطراف البارد الذي كان يحمل رائحة أوراق الشجر الجافة والتراب المبتل. لم يكن هناك أي أثر للسيارة السوداء الضخمة التي لاحقتها قبل قليل؛ لقد نجحت مناورتها الذكية عند التقاطع في منحها بضع خطوات من الحرية، لكنها كانت تعلم أن الوقت يداهمها، وأن البقاء في العراء لم يعد خياراً آمناً.تقدمت نحو المبنى بخطوات جادة ومدروسة. كان الهيكل الخشبي المكون من طابقين يبدو باهتاً تحت أشعة شمس الخريف المتوارية خلف الغيوم، والنوافذ الزجاجية المغلقة بحرص تحجب أي وميض ضوئي من الداخل. صعدت السلالم الخشبية الصغيرة المؤدية إلى البوابة الرئيسية، ورفعت كفها، وضغطت على المقبض النحاسي لتدفع الباب بقوة ودون تردد، معلنة اقتحامها لهذا الحصن الغامض.تحركت داخل الردهة الأرضية التي كانت هادئة تماماً، متبعة حواسها التي قادتها نحو باب مكتب خشبي عريض في نهاية الممر ينبعث من أسفله ضوء دافئ. رفعت يدها ودفعت الباب بعنف ليصطدم بالجدار مصدراً ضجيجاً حاداً خرق سكون المكان.خلف مكتب عتيق وضخ

  • لا شيء كان حقيقيًا   الفصل السابع 7

    اتسعت عينا ستيلّا بصدمة حابسة للأنفاس، بينما تابع الصيدلاني تفكيك الشفرة المرعبة: "هذا المركب يعمل مباشرة على الفص الجبهي للدماغ؛ إنه يسبب طمساً مؤقتاً للذاكرة الحديثة، ويهدئ الأعصاب لدرجة التخدير التام، مما يسهل السيطرة الجسدية والنفسية الكاملة على المريض. الشخص الذي يتناول هذا الدواء بانتظام يصبح كدمية متحركة، يسهل إقناعه بأي واقع يفرضه المحيطون به، ويجعله يهلوس أو ينسى أحداثاً كاملة حدثت أمامه قبل ساعات معدودة.. أما دواء "Anxiopam" المكتوب معه، فهو مضاد للقلق يُعطى لتثبيت مفعول المنوم ومنع الدماغ من المقاومة أو الاستيقاظ المفاجئ!"وضعت ستيلّا يدها على صدرها وهي تشعر بأن الأرض تكاد تميد تحت قدميها. سنتان كاملتان وهي تبتلع هذه السموم! سنتان وإيان يحيط بها في الظلام ويطعمها هذه الحبوب بإرشادات ليو! هل كان إيان يخدر عقلا ليمحو تفاصيل معينة من حياتها؟ أم أن هناك جهة أخرى كانت تستخدم إيان والدكتور ليو معاً لإبقائها في غيبوبة مستمرة؟"شكراً لك يا دكتور،" تمتمت ستيلّا بصوت متهدج، وسحبت الورقة بسرعة ووضعتها في جيبها، واستدارت لتغادر الصيدلية قبل أن تنهار أمام العجوز الذي نا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status