ログイン"الماء..." كررتها بصوت متقطع ومبحوح، وكأن حنجرتي قد تحولت إلى صحراء قاحلة. أغمضت عيني بقوة لأهرب من سجن نظراتها العسلية التي تحاصرني في تلك المساحة الضيقة بين جسدها الفاتن وواجهة المتجر الزجاجية. كنت أحتاج للأكسجين، أحتاج للهروب من رائحة الفانيليا التي بدأت تُسكرني وتغيب وعيي المنطقي.
تراجعت راما أخيراً خطوة إلى الوراء، وسقطت يدها عن جبهتي، لتسمح لتيار من هواء السوق الساخن بالمرور بيننا، لكنه كان كافياً ليمنح رئتيّ فرصة لالتقاط ذرة هواء غير مشبعة بفتنتها. "يا إلهي، أنت تبدو وكأنك على وشك الإغماء!" قالتها بنبرة قلقة، والتفتت تبحث في الزقاق المزدحم. "تعال، هناك كشك صغير للمرطبات في نهاية الممر. استند عليّ إن كنت تشعر بالدوار." استند عليها؟ مجرد الفكرة جعلت أسناني تصطك ببعضها. لو استندت عليها الآن، سأفقد ما تبقى من ذرة عقل، وسينفجر هذا الانتصاب الوحشي الذي يمزق بنطالي ليُعلن عن فضيحتي أمام مئات المارة. "أنا بخير، أستطيع المشي،" قلتها بصرامة جافة، وتجاوزتها مبتعداً عن الزجاج البارد، أجرّ خيبتي وجسدي المتمرد. بدأت أسير نحو الكشك، وكانت مشيتي غير متوازنة، بلغت حد العرج الخفيف؛ فقد كنت أضطر للمباعدة بين ساقي قليلاً مع كل خطوة لأقلل من قسوة احتكاك قماش الجينز السميك بمركزي المحتقن بالدماء. وضعت يدي في جيبي، أضغط بقوة للأسفل في محاولة يائسة لترويض "الوحش"، بينما كانت راما تلاحق خطواتي المتعثرة بعينين قلقلتين، غير مدركة أن "دوار الزحام" المزعوم لم يكن سوى شهوة عمياء تتآكلني من الداخل. هويت على المقعد الخشبي في الساحة المظللة كجثة هامدة. دفنت وجهي بين كفيّ، أتنفس من فمي محاولاً طرد الحرارة من جوفي. كان الألم الجسدي حقيقياً ونابضاً؛ شعرت وكأن قلبي قد غادر صدري واستقر في أسفل بطني، يضخ الدماء بغضب وشراسة. كنت ألعن نفسي، ألعن المدينة، وألعن اللحظة التي وافقت فيها على الخروج معها. كيف لرجل عاش يروض الحديد في الصالات الرياضية أن يُهزم بهذه الطريقة المذلة أمام فستان أصفر وابتسامة عفوية؟ عادت راما تحمل زجاجة مياه مثلجة وبسكويتة آيس كريم ضخمة بنكهة الفانيليا والفراولة. "خذ، اشرب هذا دفعة واحدة." فتحت الزجاجة وسكبت الماء البارد في حلقي بشراهة رجل تائه في الصحراء. شعرت بالبرودة تنعش صدري المشتعل، لكنها – وللأسف الشديد – لم تصل إلى تلك البقعة المحتقنة التي لا تزال تصرخ ألماً تحت بنطالي. وقفت راما أمامي، تستند بخصرها النحيل على سياج حديدي، وأشعة الشمس تداعب شعرها الأسود. بدأت في تناول الآيس كريم بعفوية طفولية مدمرة. كان يجب أن أشيح بنظري، لكن عينيّ كانتا مسحورتين بمراقبة لسانها الذي يبرز بخفة ليلتقط القطرات الباردة، وشفتاها الممتلئتان اللتان تتلونان بحمرة الفراولة. عقلي الملوث بدأ يستبدل البسكويتة بأشياء أخرى، والآيس كريم بأفكار محرمة تجعلني أستحق الرجم. عاد الانتصاب الذي بدأ يهدأ قليلاً لينتفض بشراسة مضاعفة. قبضت يدي على زجاجة المياه حتى سمعت طقطقة البلاستيك تحت أصابعي. كنت أحتضر في مكاني، أرتجف من فرط الكبت، بينما هي تقف هناك، تمارس أبسط أفعال الحياة وتدمرني بها. فجأة، لاحظت نظراتي المثبتة عليها. ابتسمت باتساع حتى ظهرت غمازة خدها الأيمن. "يا إلهي، هل تشتهي بعضاً منه؟" ضحكت بصوتها الرنان، وخطت خطوة باتجاهي. "أنت تنظر إليّ وكأنك طفل محروم سُرقَت حلوته! لماذا لم تقل إنك تريد الآيس كريم أيضاً؟" قبل أن أنطق، كانت قد انحنت أمامي، وقربت وجهها من وجهي، مما جعل ياقة فستانها الأصفر تتدلى قليلاً لتكشف عن بياض صدرها المغري. وبحركة سريعة، قطعت قطعة من حافة البسكويتة المغطاة بكريمة الفانيليا، ومدت يدها نحو فمي. "تذوق هذا، إنه أفضل آيس كريم في العاصمة. هيا، افتح فمك!" تصلبتُ مكاني. أصابعها الرقيقة تكاد تلامس شفتي. فتحت فمي ببطء كالمسحور، فدفعت القطعة الباردة بين شفتي. وبحركة زلزلت كياني، سحبت يدها ورفعت إبهامها المتلطخ بالكريمة إلى فمها، ولعقته ببطء قاتل، مزمومة شفتيها حوله لتتذوق الحلاوة. تلك الحركة البسيطة كانت تعادل طلقة رصاص في منتصف عقلي. برودة الآيس كريم ذابت على لساني، لكنني لم أتذوق سوى طعم أنوثتها. مالت برأسها تتأملني: "رأيت؟ ألم أقل لك إنه لذيذ؟ أنت لطيف جداً عندما تخجل يا كريم. وجهك يصبح أحمر كحبة الطماطم!" لم أكن أحمر خجلاً، كنت أحمر من احتباس الدماء والشهوة التي بلغت ذروتها. وفجأة، وبدون سابق إنذار، وقفت على أطراف أصابعها لتنحني نحوي أكثر. وقبل أن أستوعب، شعرت بشفتيها الناعمتين والباردتين تنطبعان بقوة على خدي الأيمن. كانت قبلة "أخوية" في نيتها، لكنها بالنسبة لي كانت قنبلة نووية أُسقطت في مركز أعصابي. التصاق شفتيها ببشرتي المحترقة، وأنفاسها التي ضربت أذني، دفعاني إلى حافة الجنون المطلق. تيبس جسدي وكأنني ضُربت بصاعقة، والانتصاب المحبوس تحت بنطالي بلغ حداً من القوة جعلني أئن بصوت خفيض جداً، أنين مكتوم ضاع وسط ضجيج الشارع، لكنه كان يمزق حنجرتي بصدق الرغبة المحرمة. ابتعدت راما بضحكة صغيرة، ومسحت فمها بظهر يدها بعفوية: "هذه مكافأة لأنك صمدت معي في هذا الزحام دون أن تتذمر كأحمد." غمزت لي بمرح، ثم استدارت لتكمل الآيس كريم الخاص بها، تاركة إياي على المقعد الخشبي، رجلاً محطماً، يحترق ببطء في نار رغبة ستحيله حتماً إلى رماد.استيقظت راما في ذلك الصباح على سكونٍ لم تعهده من قبل؛ سكونٌ ثقيل لا يقطعه صرير قلم كريم فوق الأوراق الهندسية، ولا وقع خطواته الهادئة وهو يتجه نحو المطبخ ليعدّ قهوته المرة التي كانت رائحتها تملأ الممر كل فجر كطابعٍ للطمأنينة. كانت الشقة تبدو شاسعة بشكلٍ موحش، وكأن الجدران قد تباعدت عن بعضها البعض لتعمق إحساسها بالوحدة، وتذكرها بأن الفراغ الذي تركه رحيل "الأخ" لا يمكن ردمه بالصمت. وقفت راما في وسط الصالة، حيث كانت خيوط الشمس تتسلل عبر الستائر المخملية لترسم خطوطاً ضوئية فوق الرخام البارد، لكن الضوء بدا لها باهتاً، خالياً من تلك الحيوية التي كان يضفيها وجود كريم. تذكرت كلماته الأخيرة التي كانت تدوي في رأسها كصاعقة: "افتحي ذلك الصندوق، لا تتركيه مغلقاً للأبد". وبأيدٍ مرتعشة، سحبت الصندوق الخشبي القديم من أقصى زاوية مظلمة في الخزانة، وأصدر القفل صريراً حاداً كأنه يئن من هجرٍ طال خمس سنوات؛ رائحة جلدٍ قديم وغبار، رائحة أحلامٍ نُحيت جانباً لتفسح المجال لواقعٍ رتيب. أخرجت الكاميرا الاحترافية وعدساتها التي بدت كعيونٍ تنتظر من يوقظها من سباتها. مسحت الغبار عن جسد الكاميرا الأسود، وشعرت وكأن
لم تكن جدران غرفتي في السكن الجامعي تشبه تلك التي فارقتها في شقة أحمد؛ هنا، لا وجود لطلاء "الأوف وايت" الناعم ولا لوحات الفن التجريدي التي كانت راما تعتني بنظافتها بيديها الرقيقتين كل صباح. كانت الجدران هنا متعبة، تتآكل أطرافها بلونٍ رمادي كئيب يذكرني بلون السماء قبل هطول مطرٍ حزين، وسقفي لم يكن يخبئ الثريات الكريستالية، بل كانت تقطعه أسلاك كهربائية مكشوفة تشبه الشرايين النابضة في جسدٍ مريض.. تماماً كأعصابي التي ظلت مكشوفة أمام طيفها. استلقيتُ على سريري الحديدي الذي يصدر صريراً حاداً مع كل حركة، كأنه يصرخ اعتراضاً على وجودي. شعرتُ بخشونة اللحاف الرخيص تحت يدي، فكانت تلك الخشونة هي "الصفعة" الحقيقية التي أحتاجها الآن لأستفيق من حلم الرخام والحرير وعطر الفانيليا. كان اليوم التالي في كلية الهندسة طويلاً ومرهقاً بشكلٍ متعمد؛ فقد اخترتُ أن أجلس في المقاعد الأولى، محاصراً بالأرقام والمخططات، محاولاً إقناع عقلي بأن مستقبلي يكمن في "قوانين الاستاتيكا" و"توازن القوى". كنتُ أحاول دفن "كريم" الذي كان يرتجف أمام رائحة الأوركيد تحت أكوام من الملاحظات التقنية. لكن، وبمجرد أن يسكن الضجيج، كان طي
كان الفجر يزحف ببطء كئيب فوق جدران الشقة الصامتة، حاملاً معه برودةً غريبة لم تكن برودة طقس، بل كانت صقيع النهايات الذي يسكن العظام. وقفتُ في غرفتي أحكم إغلاق حقيبتي الأخيرة؛ كان صوت "السحاب" المعدني وهو يزحف ليغلق الحقيبة يشبه إغلاق فصلٍ كامل من حياتي قبل أن يبدأ فعلياً. لم أذق طعم النوم لدقيقة واحدة؛ قضيتُ الليل أراقب عقارب الساعة كأنني أعدُّ الدقائق المتبقية قبل لحظة القصاص.. أو لحظة النجاة من غرقٍ محقق في بحر الفانيليا. حملتُ حقائبي وخرجتُ إلى الممر بخطواتٍ حاولتُ أن تكون صامتة كي لا أوقظ أحمد، لكنني كنتُ أعلم في أعماقي أن أحداً في هذا البيت لم ينم؛ فالأرواح كانت معلقة بخيوط التوتر. وبمجرد أن اقتربتُ من الباب، انفتح باب غرفتها ببطء، وخرجت راما. كانت تبدو كطيفٍ هائم في ذلك الضوء الخابط؛ وجهها شاحب كالقمر في محاقه، وعيناها اللتان لم تعرفا الهجوع غارقتان في حزنٍ صامت يمزق نياط القلب. لم تكن تبكي، بل كانت تنظر إليّ بنظرة تساؤلٍ وجودي عميق، نظرة تبحث عن إجابة في حطام الوعود التي لم تُنطق قط، واللمسات التي كادت أن تقع. "هل هذا هو الوداع إذاً؟" همست بصوتٍ واهن، صوتٍ جرحه السهر والان
غادرتُ غرفة الطعام وصدى نشيج راما المكتوم يلاحقني كأنه صرخةٌ في وادٍ سحيق، صرخةٌ تخترق ضلوعي وتمزق ما تبقى من قناعي البارد. دخلتُ غرفتي وأغلقتُ الباب، لكن الجدران الخرسانية لم تكن كافية لعزل التوتر الانفجاري الذي زلزل أركان الشقة. كنتُ أسمع في الخارج صوت أحمد الغاضب، صوته الرجولي الخشن وهو يروح ويجيء، ووقع خطواته الثقيلة فوق الرخام كان يترجم حجم الإهانة التي طعنت كبرياءه كـ "كبير للعائلة". "هل رأيتِ؟" هدر صوت أحمد وهو يوجه الكلام لراما بحدة. "هذا هو جزاء الإحسان! نفتح له بيتنا، وتخدمينه بعينيكِ، وفي النهاية يقرر الرحيل هكذا.. دون مقدمات، وبحججٍ واهية عن المختبرات والدراسة! هل يظنني أحمق لا أفهم أن هناك شيئاً آخر خلف هذا القرار؟" لم أسمع رداً من راما، بل سمعتُ فقط صوت إغلاق باب غرفتها بقوة، دويٌّ أعلن انسحاب الملاك المنكسرة إلى صومعتها، تاركةً الرجلين يتصارعان؛ أحمد مع ذنبٍ لا يدرك منه سوى قشور "الكرامة الجريحة"، وأنا أكتوي بنار الحقيقة كاملةً تحت جفوني. بعد دقائق، لم يطرق أحمد الباب، بل دفعه بعنفٍ هزّ أركان الغرفة. كان وجهه محتقناً كدمٍ محبوس، وعيناه تلمعان بشرر الشك والعتب. وقف
كانت مائدة الغداء عامرة بكل ما لذّ وطاب، تفوح منها روائح التوابل التي أعدتها راما بعناية فائقة احتفالاً بعودة زوجها، لكن بالنسبة لي، كانت تلك الروائح تختنق برائحة "الفانيليا" التي لا تزال تسكن ذاكرتي الحسية وتطارد أنفاسي. جلسنا نحن الثلاثة في صمتٍ مريب، لم يقطعه سوى رنين أدوات المائدة المعدنية فوق أطباق البورسلين، صوتٌ كان يقع على أذني كأنه مطرقة تحطم ما تبقى من ثباتي المنهار. أحمد كان يتحدث بنشوة وثقة مطلقة عن نجاح رحلته، وعن الأرقام والصفقات التي حققها، بينما كانت راما توزع نظراتها بيننا بارتباكٍ لم تعهده من قبل، وكأنها تشعر بالكهرباء الساكنة التي تملأ هواء الغرفة لدرجة الانفجار. "أنت لا تتخيل يا كريم كيف تُدار الأمور في مراكز القرار المالي." قال أحمد وهو يقطع قطعة من اللحم ببرودٍ وثقة، وكأنه يشرح معادلة رياضية لا تقبل الخطأ. "الهندسة تشبه البنوك؛ إذا لم تكن قواعدك صلبة، سينهار كل شيء فوق رأسك. لهذا أنا سعيد لأنك تقضي وقتك هنا في هدوء لتأسيس مستقبلك." نظرتُ إلى أحمد، ثم انزلقت عيناي نحو راما التي كانت تحاول رسم ابتسامة باهتة وهي تضع طبقاً آخر أمام زوجها بيدٍ مرتعشة. في تلك اللحظ
لم يكن صوت مفتاح أحمد وهو يدور في قفل الباب مجرد إعلان عن عودته، بل كان دويّاً زلزل أركان عالمنا الهش الذي شيدناه في غيابه من خيوط الحرير والاعترافات الصامتة. كنتُ أجلس في الصالة، أدّعي الغرق في كتاب الاستاتيكا، بينما كانت راما قد استعدت منذ الفجر؛ ارتدت فستاناً بسيطاً لكنه أنيق يبرز قوامها الذي لم يغب عن خيالي لحظة، ووزعت عطر الفانيليا في أرجاء الشقة لتخنق رائحة "الوحدة" الحميمية التي تقاسمناها. انفتح الباب، ودخل أحمد حاملاً حقيبته الجلدية وهالة من الإرهاق والجدية التي تميز رجال الصفقات. وقفتُ بآلية، وشعرتُ بقلبي يقرع في صدري كأنه وحش يوشك على تحطيم ضلوعي وفضح كل ما رأته عيناي؛ من الحلمة الوردية المرتجفة في الفجر إلى ملمس الظهر العاري في غرفة القياس. أما راما، فقد اندفعت نحوه بعفوية تامة، وضمت ذراعيه وهي ترحب به بابتسامة باهتة: "الحمد لله على سلامتك يا أحمد! الشقة كانت موحشة تماماً بدونك." قبّل أحمد جبينها ببرودٍ ميكانيكي، ونظرة عينيه كانت تجوب الصالة كأنه يتأكد من سلامة "ممتلكاته"، دون أن يلحظ الوميض المضطرب والذعر المخفي في عيني زوجته. "شكراً يا راما. كانت رحلة شاقة، والاجتما