LOGINجلست هانا بالقرب من البحيرة التي اصطحبها إليها يوني، وكأن خطاها كانت تتبع نداءً لا يُسمع إلا له،
وقد بدا المكان من حولها هادئًا إلى حد يثير التأمل، إن لم يكن القلق الخفيف. كانت المياه ساكنة كمرآة ميتة تعكس السماء فقط دون حركة، حتى النسيم بدا وكأنه تراجع، خائفًا من أن يُحدث اضطرابًا في هذا الصمت الثقيل، وكأن الطبيعة نفسها قررت أن تتوقف لحظة لتراقب ما سيحدث. لقد وجدت "هانا" نفسها في وضعٍ لم تكن لترتضيه فتاة بذكائها، لولا أن الظروف الاستثنائية تبرر أحياناً الخروج عن القواعد المألوفة. كانت تحاول ترتيب أفكارها التي تبعثرت كأوراق شجر في مهب ريحٍ غامضة، ولكن الأغرب من ذلك أنها بدأت رغم دهشتها، تحاول تقبّل الأمر بقدر من الهدوء، كما لو أن عقلها قد قرر، حفاظًا على توازنه، أن يؤجل الفهم إلى وقت لاحق، كانت تحدّق في الماء، لا لترى انعكاسها، بل لتتأكد عبثًا، أنها ما زالت موجودة. أما يوني، الذي قادها إلى هذا المكان،فكان يقبع فوق صخرة كتمثالٍ بوقارٍ صامت، يراقب الماء بنظرة توحي بأنه يمتلك من الأسرار ما يكفي لإثارة ريبة أي مراقبٍ، فقد بدا راضيًا تمامًا بهذا الصمت، كأنما لا يرى في الموقف ما يستحق الشرح. تمتمتُ بشفاهٍ يابسة: "هذا محال... إن عقلي يترنح على حافة الهاوية، إن هذا الموقف يتجاوز حدود المعقول". قال بصوتٍ أجوف: "ستعتادين الأمر"، كان في صوته يقينٌ بارد، يقين لا يترك مجالًا للنقاش. لم تستطع هانا كبح جماح حدتها، فردت عليه بنبرة تشوبها سخرية مهذبة: "أعتاد؟ يبدو أن مفهومك عن الاعتياد، يا سيدي، يختلف جذرياً عن مفهومي، أنا لا أعتبر الإحتجاز في غابة مجهولة جزءاً من الروتين اليومي الذي أطمح إليه" ثم استدارت نحوه، وقد بدأ صوتها يتحول إلى توتر وتردد كلامه مره أخرى "أعتاد على ماذا؟ على أنني لست في جسدي؟ أما على أن هذا المكان… ليس حقيقيًا؟!" أما ربما لا يمكنني العودة، عن أي إعتياد تقصد؟ عن أي مصير ينتظرني؟ لكنه لم يُبدِ رغبة في التوضيح أو أي استعداد للمناقشة، الأمر الذي لم يزدها إلا حيرة، وهو ما كان كفيلًا في الظروف العادية، بإثارة جدال ومشاجرة، غير أن الظروف هنا لم تكن عادية على الإطلاق. صوت خفيف… لكنه حاد بما يكفي ليُسمع، كخدشٍ على سطح صمتٍ هش، استدارت. ظهر من بين الشجيرات زائرٌ لم يكن في الحسبان، كان قطاً أسود الصبغة كأن فروه يمتص الضوء، ليس كأي قطٍ عرفته الأرض، صغير الحجم، لكنه يتمتع بعينين خضراوين تشعان ببريقٍ لا يمكن نسبته إلى الطبيعة وحدها، لم تكن تعكس الضوء، بل أصدرتاه، كانت تنضح بلهيبٍ شيطاني زمرّدي، كأنها نوافذ تطل على جحيمٍ خاص. اقترب القط بثقة مريبة، و، وقارٍ يشبه وقار السادة في الحفلات الراقصة، وجلس بجانبها. ترددت هانا لحظة، ثم ابتسمت، وقد خفّ توترها على نحو مفاجئ وغير مفسر، ومدّت يدها نحوه بلطف ثم قالت، بابتسامة خفيفة: "أظن أنك تحتاج إلى اسم… جاكوي، ربما." وكان من اللافت أنها لم تنتظر موافقة، لا منه ولا من نفسها. بدت هذه التسمية كأنها قرار مرضٍ تمامًا له، وبدأت تمسد على رأسه بعناية، مستمتعة بهدوئه، أغمض القط عينيه، وكأن كل شيء حوله لا يعنيه، وكأن السكون الذي أتى به هو ما يستمتع به حقًا. غير أن هذا المشهد الهادئ لم يلقَ القبول ذاته لدى يوني. نهض فجأة، وقد تبدلت ملامحه على نحو ملحوظ، وقال بصوت لم يخلُ من حدّة: "هانا…" نظرت إليه باستغراب: "نعم؟" قال، محاولًا ضبط نبرته: "ابتعدي عن ذلك القط." عقدت حاجبيها، وقد بدا طلبه غير مبرر على الإطلاق: "ولِمَ؟ إنه... " قاطعها بصرامة أكبر: "قلت ابتعدي." لم يكن الطلب مهذبًا، ولا مبررًا، وهو ما جعله مرفوضًا فورًا من وجهة نظرها: "لا أرى سببًا لذلك." "لكنني أراه." قبل أن تستفسر عن سبب هذا الهياج غير المبرر، قام "يوني" بفعلٍ يصعب وصفه بأقل من "التهور الفظيع"؛ إذ استل خنجراً نصله يلمع وجرح القط. شهقت هانا، وقد اختلط في صوتها الاستنكار بالصدمة: "ما الذي تفعله؟!يا إلهي! أين ذهبت مروءتك؟ إنه مجرد كائن ضعيف!". إلا أن ما تلا ذلك كان كفيلًا بتغيير مجرى اعتراضها. فالقط… لم يسقط، بل بدأ يتحول. لم يكن التحول مجرد تغير في الشكل، بل كان أشبه بكشف، كما لو أن الحقيقة قررت أخيرًا أن تتخلى عن تنكرها غير المقنع، تحول إلى شكل بشري، عيون القط الأخضر لم تعد عيون قط، بل أصبحت بشرية، حادة، ضبابية، مخيفة. وبين لحظة وأخرى، لم يعد هناك قط. بل شابٌ شعره فاتح اللون ذو ملامح حادة وابتسامة باردة تحمل من الثقة ما يكفي لإزعاج أي شخص، نظر إلى جرحه، ومسح الدم، بلا اهتمام، كان يمسح الدم عن ذراعه ببرودٍ يحسد عليه، ونظر إلى يوني قائلاً بسخرية: "ما زلت عدوانيًا، تفتقر إلى أدب الاستقبال كما عهدتك دائماً" صوته كان كفحيح الأفاعي أما هانا، فقد وقفت صامتة، لا تملك إلا أن تراقب، وقد بدا أن دهشتها بلغت حدًا لا يسمح بالتعليق الفوري، كانت في حالة ذهول، تشاهد هذا المشاهد وهي تشعر بأنها وقعت في منتصف رواية معقدة لم تقرأ مقدمتها. ابتسم الشاب. " آه… يبدو أنني تأخرت في التعريف بنفسي." ثم انحنى قليلًا أمامها بطريقة مسرحية. رفع رأسه، وعيناه تثبتان فيها كأنهما تثبّتانها في مكانها: "اسمي… إيان." ثم أشار إلى يوني دون أن ينظر إليه: "والسيد الغاضب هناك… صديق قديم، فنحن، كما قد تلاحظين، على معرفة سابقة" شد يوني قبضته. "لماذا أتيت؟" رفع إيان كتفيه بلا مبالاة، كأن السؤال لا يستحق، ثم نظر مباشرة إلى هانا، نظرة اخترقت ثباتها. "جئت لأرى اللعبة الجديدة." تجمدت، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها، هذا الوصف، إذ لم يبدُ لها مريحًا بأي حال. اقترب خطوة. صوته انخفض، كأنه يهمس بسر: "الفتاة… التي لا تعرف بعد… أنها دخلت المكان الخطأ، كنت أتساءل متى ستصلين." قال يوني ببرود: "إذاً… أنت من أحضرها." ابتسم إيان ابتسامة خبيثة، دون أن ينكر: "بكل تأكيد، ومن غيري؟" ثم أضاف، بنبرة يغلب عليها التسلية: "ولحسن الحظ، لم يكن الأمر معقدًا، و لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا هذه المرة." نظرت هانا بينهما، مرتبكة، وقد بدا نفاد صبرها جليًا: "أعتقد أن من حقي أن أفهم ما يحدث، أنا لم أفهم شيئًا حتى الآن." ابتسم إيان أكثر قائلاً: "وهذا بالضبط… ما يجعل الأمر ممتعًا." لم يبدُ هذا الجواب مُرضيًا لذلك سألت: "ماذا تقصد؟ " قال بحماس: "أخشى أن قلة الفهم في مثل هذه الحالات… تضيف قدرًا من المتعة، وهذا هو الجمال في الأمر... الحيرة هي أولى خطوات الجنون" تدخل يوني: قائلاً "لماذا هي؟" نظر إيان إلى السماء، وكأن الإجابة مكتوبة هناك، ثم عاد بعينيه إليه وقال بهدوء: "تعرف القواعد." صمت قصير ثم قال بهدوء : "الغابة لا تبحث عن الأقوياء… ولا عن المنكسرين." نظر إلى هانا. "بل عن أولئك… العالقين في المنتصف." ابتلعَت ريقها. تابع، بنبرة أبطأ: "روح ضعيفة… لكنها لم تتحطم بعد." ثم مال قليلًا، كأن ما سيقوله سرّ، و، اقترب أكثر ثم أكمل قائلاً: "وأمنية…" صمت لحظة، ثم ابتسم قائلاً: "نقية بشكل مزعج." وكان من المؤسف أن هذا الوصف، رغم قسوته، لم يكن خاليًا من الدقة، فكلماته لم تكن قاسية فقط، بل دقيقة. قالت محاولةً الدفاع عن عقلانيتها: "أنا لم أتمنَّ شيئاً، يا سيدي. لستُ ممن يسعون وراء الأوهام". نظر إليها مباشرة. "بل فعلتِ." ارتجفت. "لم تطلبي مالًا… ولا قوة… ولا انتقام." مال برأسه قليلًا: "قلتِ فقط… " أتمنى أن أنام". ساد صمت ثقيل، حتى أنفاسها… لم تعد تبدو طبيعية. قال يوني بهدوء: "سيبدأ الحلم قريبًا." نظرت إليه بقلق: و سألت هانا، وهي تشعر بوهنٍ يسري في أطرافها "كيف سأعرف؟" لم يجب. لكن إيان ابتسم، وقال بهدوء مخيف: "حين يبدأ يا آنسة، لن تحتاجي إلى طرح هذا السؤال" وفجأة، شعرت هانا بثقل، تلاشى الصوت… الضوء… كل شيء، وسقطت أرضًا، على العشب كأنها استسلمت أخيراً لدافعٍ أقوى من إرادتها، كأن شيئًا داخلها… كان ينتظر هذا السقوط، أغلقت عينيها… دون مقاومة، نظر يوني إليها، وقال بهدوء: "لقد بدأ." جلس يوني بجوارها بوقار حزين، يراقبها. أما إيان… فرفع نظره إلى القمر، وابتسم، وقال بنبرة تحمل قدرًا من التأمل المرح: "برأيك…" التفت قليلًا نحو يوني. " هل سيكون حظها أفضل من سابقيها؟" لم يتلقَ إجابة بل ظل يوني ينظر إلى جسدها الهامد ضحك إيان بخفة، ثم قال: "معظمهم… لا يستيقظون من الحلم الأول." "والبعض…" ابتسم أكثر ثم قال، وكأنه يعلّق على أمر مألوف: "يتمنّى لو لم يستيقظ أصلًا."ارتجف جفناها، ثم انفتحا على اتساع، ليتسرّب ضوءٌ شاحبٌ كئيب إلى عينيها… ضوءٌ لا يحمل دفء الحياة، بل برودة السراديب، لم تكن في تلك الحفرة، بل كانت ممدّدة على أرضٍ صلبة، قاسية، كأنها لفظتها بعد أن كادت تبتلعها، حاولت أن تعتدل…أن ترفع جسدها عن ذلك الثقل الذي يضغط عليها من الداخل، لكن جسدها لم يستجب، كان ساكنًا… جامدًا، كأن الروح عادت قبله بلحظات، وتركت اللحم متأخرًا خلفها.لمحت يوني يجلس إلى جوارها، كان هادئًا… يراقب، و لا يوجد أي قلق في ملامحه، حاولت أن تتحرك مجددًا، لكن الشلل كان لا يزال يقيّدها، ذلك الجمود اللعين الذي يُبقي الإنسان واعيًا داخل جسدٍ لا يطيعه.اتسعت عيناها، وراحت تحدّق في الفراغ، بينما تصاعد صوت نبضها داخل أذنيها، كأنه الشيء الوحيد الذي يثبت أنها ما زالت… حيّة.مرّت لحظات، أو ربما دقائق، وهي عالقة هكذا، سجينة جسدها، ثم… بدأ الثقل يتراجع، ببطءٍ شديد، كأنه ينسحب، ارتجفت أصابعها أولًا، ثم معصمها، ثم ذراعها… حتى استعادت السيطرة أخيرًا.دفعت نفسها لتجلس، وأنفاسها مضطربة.أول ما فعلته…رفعت يدها المرتجفة إلى عنقها، لمسته بذهول، كان دافئًا، متصلًا، وس
جاءها صوت الأب ببطءٍ غير مريح: النوم… لا يأتي لمن ينتظر بل لمن يذهب، نحن لم نذهب، لذا نحن عالقون في هذه اللحظة للأبد". بدأت تشعر أن المكان يضيق، ليس بالجدران… بل بالفكرة؛ فكرة أنهم لم يُجبروا، فكرة أنهم… رضوا، فالمشكلة لم تكن في هذا المكان وحده… بل في الفكرة التي يمثلها. هنا أدركت هانا أن هؤلاء ليسوا غرباء، بل هم "نسخٌ منها"؛ هؤلاء هم من قرروا أن الحزن هو مأواهم الوحيد، فتجمدوا فيه حتى صاروا زرقاً. وفجأة، تحطم هذا السكون المفتعل بصراخ من الخار، ووجدت هانا نفسها تشهد مشهداً يفيض بالدراما القاسية. لم يكن هناك قرار واضح بالركض…لكنهم جميعًا تحركوا. وكأن شيئًا غير مرئي قد سحبهم نحو الباب، وتبعتهم هانا، في الخارج…توقّف الزمن، أو هكذا بدا لها، حينا رأت فتاةً… شديدة البياض… شعرها أحمر، بطريقةٍ لا تشبه الحيوية، بل تشبه علامة تحذيرٍ وُضعت متأخرة… وعيناها فارغتان، وفي لحظةٍ من السكون ، حيث لا حركة، لا مقاومة، لا حتى تمهيد؛ انفجر عنقها! لم يكن دماً عادياً، بل كان نافورةً، كأن يد مخفية قامت بقطعه، الدم اندفع بغزارة، تراجع الجسد خطوة ثم سقط مباشرة على الأرض، تراجعت، ثم ركضت،
فتحت هانا عينيها… أو هكذا خُيّل إليها. لم تكن متأكدة إن كانت قد استيقظت، أم سقطت في طبقة أعمق من الحلم، حيث لا فرق بين الإدراك والوهم. لم يكن هناك انتقال واضح بين النوم واليقظة، بل شعور ثقيل، كأن وعيها قد دُفع دفعًا إلى مكانٍ لا يحق له دخوله. الهواء كان ساكنًا… ساكنًا بشكلٍ غير طبيعي، حتى أن صدرها تردد لحظة قبل أن يكمل التنفس، وكأن روحها غير واثق من أخذ هذا النفس. "منزل ريفي عاديًا بما يكفي لطمأنة أي عابر سبيل… وللريبة الكافية لإزعاجه" لقد وجدت نفسها تقف أمام بيتٍ يبدو، للوهلة الأولى ريفيٍّ قديم، جدرانه شاحبة، وبابه موارب…وكأنه دعوة صامتة لانتهاك خصوصية المكان، فكان في وضعٍ لا يُفهم منه إن كان ترحيبًا أم تجاهلًا، وهو أمر كما خطر لها، يشبه كثيرًا بعض المواقف التي لا نُحسن تفسيرها إلا بعد فوات الأوان، يبعث في النفس شعوراً بالانقباض لا تفسير له، ترددت لحظة، لا عن خوفٍ حقيقي، بل عن ذلك الشعور الخفيف بعدم الارتياح الذي نحاول غالبًا تجاهله بدافع الفضول… فتغلب فضولها على حذرها، رغم أن هانا لم تشعر أنها
جلست هانا بالقرب من البحيرة التي اصطحبها إليها يوني، وكأن خطاها كانت تتبع نداءً لا يُسمع إلا له، وقد بدا المكان من حولها هادئًا إلى حد يثير التأمل، إن لم يكن القلق الخفيف. كانت المياه ساكنة كمرآة ميتة تعكس السماء فقط دون حركة، حتى النسيم بدا وكأنه تراجع، خائفًا من أن يُحدث اضطرابًا في هذا الصمت الثقيل، وكأن الطبيعة نفسها قررت أن تتوقف لحظة لتراقب ما سيحدث. لقد وجدت "هانا" نفسها في وضعٍ لم تكن لترتضيه فتاة بذكائها، لولا أن الظروف الاستثنائية تبرر أحياناً الخروج عن القواعد المألوفة. كانت تحاول ترتيب أفكارها التي تبعثرت كأوراق شجر في مهب ريحٍ غامضة، ولكن الأغرب من ذلك أنها بدأت رغم دهشتها، تحاول تقبّل الأمر بقدر من الهدوء، كما لو أن عقلها قد قرر، حفاظًا على توازنه، أن يؤجل الفهم إلى وقت لاحق، كانت تحدّق في الماء، لا لترى انعكاسها، بل لتتأكد عبثًا، أنها ما زالت موجودة. أما يوني، الذي قادها إلى هذا المكان،فكان يقبع فوق صخرة كتمثالٍ بوقارٍ صامت، يراقب الماء بنظرة تو
هانا لم تكن نائمة بعد، ولم تكن مستيقظة بالكامل… كانت روحها، كما لو كانت مسحوبة من جسدها، تبدأ رحلة إلى غابة مظلمة من الأمنيات، رحلة لا تعرف نهايتها… ولا مصيرها، إلا أن شيء واحد صار واضحًا: الكتاب لم يأتِ مجرد هدية… بل كان دعوة، وتحذيرًا، ومصيرًا حيًّا في نفس الوقت. لم تستطع هانا، على وجه الدقة، أن تحدد اللحظة التي استسلمت فيها للنوم. كما لا يشعر المرء بلحظة سقوطه في الهاوية؛ و كما لا يدرك الغريق اللحظة التي يتوقف فيها عن المقاومة. فلم يكن ذلك النوم الذي يأتي تدريجيًا، ولا ذاك الذي يُستدعى براحة، بل أقرب إلى انقطاعٍ هادئ عن الوعي، كأن عقلها وقد أُثقل بما يكفي و قرر أن ينسحب مؤقتًا، تاركًا الجسد يستسلم لما لا يستطيع مقاومته. ثم…استيقظت. لكن الاستيقاظ، هذه المرة، لم يكن عودة، بل انتقالًا. حين فتحت عينيها، لم تفزع. بل شعرت، أول الأمر، بشيء من الارتباك الهادئ. كان هناك اختلاف واضح، لكنه لم يكن صادمًا بالقدر الذي توقعت أنه ينبغي أن يكون علي
كانت الساعة تشير إلى الثالثة والنصف… تلك الساعة التي يبدو فيها الليل وكأنه كائن حي، يراقب… ينتظر. وقت لا يُحبّذ فيه للعقل أن يظل يقظًا، ولا للقلب أن يظل مشغولًا. لم تكن هانا مستيقظة فحسب… بل كانت أسيرة لشيء لا يُرى. النوم لم يعد يهرب منها… بل كأنه نُزع منها قسرًا. لم يكن هذا أمرًا جديدًا عليها؛ فمنذ ثلاثة أشهر، ومنذ فقدان والدها العزيز، أصبحت الليالي أطول مما ينبغي، وأكثر ثِقَلًا مما اعتادت، و المنزل، لم يعد منزلًا… بل قبرًا صامتًا يتنفس الذكريات. تقلبت في سريرها بهدوء، محاولة كما فعلت مرات عديدة من قبل أن تقنع نفسها بالنوم، لكن دون جدوى تُذكر، يبدو أن فراشها نفسه يرفضها. فالوسادة لم تعد مريحة كما كانت، والبطانية أصبحت ثقيلة كأنها تحبس أنفاسها. لم يكن في الأمر دراما، بل استسلام هادئ لحقيقة باتت مألوفة: أن النوم، في هذه الأيام، ليس ضيفًا يسهل استدعاؤه. نهضت واتجهت نحو الشرفة. فتحت الباب الزجاجي، فاستقبلها الهواء البارد، لطيفًا، ومنعشًا إلى حدٍّ ما، رفعت عينيها إلى السماء. بدت النجوم منتظمة وجميلة، والقمر هادئًا في مكانه كعينٍ بيضاء تحدق بلا رمش، كأن العا