로그인جاءها صوت الأب ببطءٍ غير مريح:
النوم… لا يأتي لمن ينتظر بل لمن يذهب، نحن لم نذهب، لذا نحن عالقون في هذه اللحظة للأبد". بدأت تشعر أن المكان يضيق، ليس بالجدران… بل بالفكرة؛ فكرة أنهم لم يُجبروا، فكرة أنهم… رضوا، فالمشكلة لم تكن في هذا المكان وحده… بل في الفكرة التي يمثلها. هنا أدركت هانا أن هؤلاء ليسوا غرباء، بل هم "نسخٌ منها"؛ هؤلاء هم من قرروا أن الحزن هو مأواهم الوحيد، فتجمدوا فيه حتى صاروا زرقاً. وفجأة، تحطم هذا السكون المفتعل بصراخ من الخار، ووجدت هانا نفسها تشهد مشهداً يفيض بالدراما القاسية. لم يكن هناك قرار واضح بالركض…لكنهم جميعًا تحركوا. وكأن شيئًا غير مرئي قد سحبهم نحو الباب، وتبعتهم هانا، في الخارج…توقّف الزمن، أو هكذا بدا لها، حينا رأت فتاةً… شديدة البياض… شعرها أحمر، بطريقةٍ لا تشبه الحيوية، بل تشبه علامة تحذيرٍ وُضعت متأخرة… وعيناها فارغتان، وفي لحظةٍ من السكون ، حيث لا حركة، لا مقاومة، لا حتى تمهيد؛ انفجر عنقها! لم يكن دماً عادياً، بل كان نافورةً، كأن يد مخفية قامت بقطعه، الدم اندفع بغزارة، تراجع الجسد خطوة ثم سقط مباشرة على الأرض، تراجعت، ثم ركضت، ليس هربًا…بل رفضًا للرؤية. عادت إلى الداخل، أغلقت الباب خلفها، أو ظنت ذلك، لكنهم…كانوا هناك بالداخل ينظرون إليها. بنفس الهدوء، و بنفس الابتسامات. الأم اقتربت منها ببرود لا يتزعزع، و ببطءٍ محسوب، وكأنها لا ترى في ما حدث شيئًا يستحق العجلة ثم قالت: "رأيتِها… أليس كذلك؟"قالت ذلك بنبرةٍ أقرب للملاحظة منها إلى السؤال. ثم أضافت: "لم تستطع أن تؤدي دورها كما ينبغي." اقترب الأب خطوة، صوت خطواته لم يُسمع…ومع ذلك شعرت به. وقال:"كانت قبلَكِ، كانت النسخة التي استسلمت للانتظار حتى ذبحتها الوحدة." تجمد الدم في عروقها، و علقت في صدرها صرخة مكتومة من شدة ذهول ما يحدث. "ماذا…؟" خرجت الكلمة ضعيفة، غريبة… كأنها لا تنتمي للموقف. بدأ الأطفال يقتربون، ببطء، بلا استعجال، وكأن النهاية… مؤكدة بما يكفي، ثم خرجت أصواتهم. ليست متطابقة…بل متداخلة، كأن كل كلمة جاءت من فمٍ مختلف… أو من زمنٍ مختلف. "الدور…" صوت. "جاء…" صوت آخر. "الدور…" أقرب. "يقترب…" همست الأم… وهي تنظر مباشرة في عينيها: "الدور… جاء عليكِ، لتكوني تمثالاً أزرق بيننا." وللمرة الأولى، خطر لها احتمال… لم يرق لها على الإطلاق، أن البقاء، أحيانًا، لا يكون شجاعة، بل اختيارًا بطيئًا… للجمود أو ربما الموت. لكن لم تتحرك هانا فورًا، بل وقفت مكانها…لكن جسدها لم يكن ساكنًا، أنفاسها كانت متقطعة، غير منتظمة، كأن الهواء نفسه لم يعد يُطاع، وكأن عقلها يرفض أن يقرر إن كان عليه الاستمرار… أم التوقف. نظرت حولها، ببطء، كأن الحركة السريعة قد تكسر شيئًا هشًا… ثم نظرت إليهم مرة أخرى، الوجوه، الابتسامات. العيون، وهنا تحديدًا…بدأ الخوف، ليس خوفًا مفاجئًا… بل ذلك النوع البطيء، الذي يتسلل إلى الفكر، ثم يستقر، ثم يرفض المغادرة، كأن شيئًا يمنعها من التفكير بشكلٍ كامل، لأن هناك فكرة واحدة…أكثر وضوحًا من أي تفسير، هذا المكان…لا يجب أن تبقى فيه، ارتجفت أصابعها، ثم قبضت يدها، ببطء، كأنها تحاول التمسك بشيءٍ لم يعد موجودًا، نظرت إلى الباب، كان كما هو، مفتوحًا، وهنا…وُلد القرار، ليس شجاعة، ولا خطة، بل غريزة خام بدائية، واضحة بشكلٍ لا يقبل النقاش، وهي، "الهروب"، تحركت خطوة، ثم توقفت، الأرض بدت مختلفة، أثقل، وكأنها… تلاحظها، ابتلعت ريقها، ثم، ركضت، ليس لأنها لم تعد تحتمل فكرة البقاء، بل، ربما شعرت أن النجاة في الخارج. ظنت أنها هربت، لكن الأرض… لم توافق. بل انشقت من تحت قدميها، لا بانهيارٍ مفاجئ، بل كأنها تخلّت عنها بهدوءٍ بارد، وسقطت، لم تصرخ، لم يكن هناك وقت للصوت، فقط سقوط…طويل بما يكفي لتشكّ في نهايته، كأن الجسد نفسه تأخر في إدراك ما حدث. سقطت في نفقٍ مظلمٍ تحت الأرض، كانت تلهث، و تتلفت حولها، رغم أن الخوف يلتهمها، بدأت تسير ببطء…لكن كلما تقدّمت خطوة، تحوّل الظلام إلى لونٍ أحمر، حتى الجدران… أصبحت حمراء… كأنها تنزف، سمعت صرخات رجال، صوت تعذيب… ألم… استغاثة، أغمضت عينيها للحظة، لكنها أجبرت نفسها على التقدم، لم تكن متأكدة لماذا، ربما لأن الوقوف… بدا أسوأ. ثم رأتهم، لم يظهروا دفعةً واحدة…بل تَشكّلوا. جثثٌ معلّقة في الهواء، لا يتحرك، و لا يسقط، كما لو أن فكرة السقوط نفسها قد نُزعت منه، هياكل عظمية متناثرة، فقدت ترتيبها، وأخرى…بدت وكأنها لم تُكمل تحوّلها، جماجم ملقاة على الأرض، كأنها ورود متعفنة متناثرة، شهقت، وهذه المرة، خرج الصوت كأنه يُنتزع منها، ركضت أسرع مما يسمح به الجسد، لكن كان هناك صوت، ارتطام أجنحة، وهنا، خرج سرأب من الخفافيش فجأة، يحيط بها من كل جانب، أصبحت تصرخ، وتركض بأقصى سرعة. لتصطدم بشيء وتسقط على الأرض، الاصطدام لم يكن قويًا، بل حاسمًا، كأن شيئًا وقف في طريقها… لأنه كان يعرف أنها ستصل إليه، رفعت رأسها…لتجد نفس الفتاة، الفتاة ذات الشعر الأحمر، المذبوحة العنق، لكنها هذه المرة… تنظر إليها، وتتحدث، لتقدم لها الخيار الأخير بابتسامة حزينة وصوتٍ هادئٍ مرعب: "اركضي." ارتجفت هانا."ماذا؟!" قالت الفتاة:"هناك حفرتان، وأشارت أمامها. ظهر أمام هانا حفرتان مظلمتان. قالت الفتاة:"إحداهما… توقظكِ للعودة إلى الغابة، بصخبها وألمها.. والأخرى تأخذكِ لسكينة الجحيم حيث لا وجع ولا حراك." صرخت هانا: "كيف أعرف؟!" خرج السؤال حادًا، كأنه آخر ما تملكه، لكن الفتاة لم تجب، اختفت، ليس فجأة، بل كأن وجودها لم يعد ضروريًا. سمعت أصواتًا خلفها…تقترب، صرخات… خطوات… شيء يطاردها. وقفت هانا أمام الحفرتين، وكانت تعلم أن التأخير… اختيار أيضًا، أنفاسها تتلاحق، وقلبها يكاد يخرج من صدرها، حدّقت في ظلام الحفرتين… ثم أغمضت عينيها لحظة، لكن، شعرت بشيء. فتحت عينيها ببطء، كانت هناك… هي، نسخة من هانا تقف على بُعد خطوات، نسخةٌ منها… لكن مختلفة. بشرتها زرقاء باهتة، كأن الحياة انسحبت منها منذ زمن، عيناها فارغتان… بلا بريق… بلا ألم… بلا رغبة في النجاة، تجمّدت هانا في مكانها، همست بصوت مرتجف: "من… أنتِ؟"لم تتحرك النسخة أو ترد عليها، فقط… نظرت إليها. ثم قالت بصوتٍ خافت، خالٍ من أي إحساس: "تعالي… هنا لا شيء يُؤلم" وهي تشير على حفرة بحد ذاتها، وعندما قررت هانا اختيار تلك الحفرة، نظرت إلى يدها التي بدت تتحول الى اللون الأزرق، لم تكن تريدها زرقاء، لم تكن تريد أن تكون تمثالاً للحزن. ثم، نظرت هانا إلى عينيها…لم تجد فيهما حزنًا…ولا خوفًا…ولا حتى راحة…فقط… فراغ، فراغٌ مخيف. ابتلعت ريقها، "هذا… ليس أنا. أغمضت عينيها وقفزت في الحفرة التي تفوح منها،… رائحة التراب والمطر، الحفرة الاخرى غير التي اردتها نسختها القفز فيها. ولكن وهي تسقط، "وقبل أن تختفي… كانت نسختها تبتسم، ربما لأنها اختارت خطأ! ولكن لم تكن ابتسامة باردة… لم تكن، تشبه ابتسامة تلك العائلة، وفي تلك اللحظة، أدركت هانا الحقيقة. الألم… يعني أنها ما زالت تقاوم، أما هذا السكون… فكان موتًا بطيئًاارتجف جفناها، ثم انفتحا على اتساع، ليتسرّب ضوءٌ شاحبٌ كئيب إلى عينيها… ضوءٌ لا يحمل دفء الحياة، بل برودة السراديب، لم تكن في تلك الحفرة، بل كانت ممدّدة على أرضٍ صلبة، قاسية، كأنها لفظتها بعد أن كادت تبتلعها، حاولت أن تعتدل…أن ترفع جسدها عن ذلك الثقل الذي يضغط عليها من الداخل، لكن جسدها لم يستجب، كان ساكنًا… جامدًا، كأن الروح عادت قبله بلحظات، وتركت اللحم متأخرًا خلفها.لمحت يوني يجلس إلى جوارها، كان هادئًا… يراقب، و لا يوجد أي قلق في ملامحه، حاولت أن تتحرك مجددًا، لكن الشلل كان لا يزال يقيّدها، ذلك الجمود اللعين الذي يُبقي الإنسان واعيًا داخل جسدٍ لا يطيعه.اتسعت عيناها، وراحت تحدّق في الفراغ، بينما تصاعد صوت نبضها داخل أذنيها، كأنه الشيء الوحيد الذي يثبت أنها ما زالت… حيّة.مرّت لحظات، أو ربما دقائق، وهي عالقة هكذا، سجينة جسدها، ثم… بدأ الثقل يتراجع، ببطءٍ شديد، كأنه ينسحب، ارتجفت أصابعها أولًا، ثم معصمها، ثم ذراعها… حتى استعادت السيطرة أخيرًا.دفعت نفسها لتجلس، وأنفاسها مضطربة.أول ما فعلته…رفعت يدها المرتجفة إلى عنقها، لمسته بذهول، كان دافئًا، متصلًا، وس
جاءها صوت الأب ببطءٍ غير مريح: النوم… لا يأتي لمن ينتظر بل لمن يذهب، نحن لم نذهب، لذا نحن عالقون في هذه اللحظة للأبد". بدأت تشعر أن المكان يضيق، ليس بالجدران… بل بالفكرة؛ فكرة أنهم لم يُجبروا، فكرة أنهم… رضوا، فالمشكلة لم تكن في هذا المكان وحده… بل في الفكرة التي يمثلها. هنا أدركت هانا أن هؤلاء ليسوا غرباء، بل هم "نسخٌ منها"؛ هؤلاء هم من قرروا أن الحزن هو مأواهم الوحيد، فتجمدوا فيه حتى صاروا زرقاً. وفجأة، تحطم هذا السكون المفتعل بصراخ من الخار، ووجدت هانا نفسها تشهد مشهداً يفيض بالدراما القاسية. لم يكن هناك قرار واضح بالركض…لكنهم جميعًا تحركوا. وكأن شيئًا غير مرئي قد سحبهم نحو الباب، وتبعتهم هانا، في الخارج…توقّف الزمن، أو هكذا بدا لها، حينا رأت فتاةً… شديدة البياض… شعرها أحمر، بطريقةٍ لا تشبه الحيوية، بل تشبه علامة تحذيرٍ وُضعت متأخرة… وعيناها فارغتان، وفي لحظةٍ من السكون ، حيث لا حركة، لا مقاومة، لا حتى تمهيد؛ انفجر عنقها! لم يكن دماً عادياً، بل كان نافورةً، كأن يد مخفية قامت بقطعه، الدم اندفع بغزارة، تراجع الجسد خطوة ثم سقط مباشرة على الأرض، تراجعت، ثم ركضت،
فتحت هانا عينيها… أو هكذا خُيّل إليها. لم تكن متأكدة إن كانت قد استيقظت، أم سقطت في طبقة أعمق من الحلم، حيث لا فرق بين الإدراك والوهم. لم يكن هناك انتقال واضح بين النوم واليقظة، بل شعور ثقيل، كأن وعيها قد دُفع دفعًا إلى مكانٍ لا يحق له دخوله. الهواء كان ساكنًا… ساكنًا بشكلٍ غير طبيعي، حتى أن صدرها تردد لحظة قبل أن يكمل التنفس، وكأن روحها غير واثق من أخذ هذا النفس. "منزل ريفي عاديًا بما يكفي لطمأنة أي عابر سبيل… وللريبة الكافية لإزعاجه" لقد وجدت نفسها تقف أمام بيتٍ يبدو، للوهلة الأولى ريفيٍّ قديم، جدرانه شاحبة، وبابه موارب…وكأنه دعوة صامتة لانتهاك خصوصية المكان، فكان في وضعٍ لا يُفهم منه إن كان ترحيبًا أم تجاهلًا، وهو أمر كما خطر لها، يشبه كثيرًا بعض المواقف التي لا نُحسن تفسيرها إلا بعد فوات الأوان، يبعث في النفس شعوراً بالانقباض لا تفسير له، ترددت لحظة، لا عن خوفٍ حقيقي، بل عن ذلك الشعور الخفيف بعدم الارتياح الذي نحاول غالبًا تجاهله بدافع الفضول… فتغلب فضولها على حذرها، رغم أن هانا لم تشعر أنها
جلست هانا بالقرب من البحيرة التي اصطحبها إليها يوني، وكأن خطاها كانت تتبع نداءً لا يُسمع إلا له، وقد بدا المكان من حولها هادئًا إلى حد يثير التأمل، إن لم يكن القلق الخفيف. كانت المياه ساكنة كمرآة ميتة تعكس السماء فقط دون حركة، حتى النسيم بدا وكأنه تراجع، خائفًا من أن يُحدث اضطرابًا في هذا الصمت الثقيل، وكأن الطبيعة نفسها قررت أن تتوقف لحظة لتراقب ما سيحدث. لقد وجدت "هانا" نفسها في وضعٍ لم تكن لترتضيه فتاة بذكائها، لولا أن الظروف الاستثنائية تبرر أحياناً الخروج عن القواعد المألوفة. كانت تحاول ترتيب أفكارها التي تبعثرت كأوراق شجر في مهب ريحٍ غامضة، ولكن الأغرب من ذلك أنها بدأت رغم دهشتها، تحاول تقبّل الأمر بقدر من الهدوء، كما لو أن عقلها قد قرر، حفاظًا على توازنه، أن يؤجل الفهم إلى وقت لاحق، كانت تحدّق في الماء، لا لترى انعكاسها، بل لتتأكد عبثًا، أنها ما زالت موجودة. أما يوني، الذي قادها إلى هذا المكان،فكان يقبع فوق صخرة كتمثالٍ بوقارٍ صامت، يراقب الماء بنظرة تو
هانا لم تكن نائمة بعد، ولم تكن مستيقظة بالكامل… كانت روحها، كما لو كانت مسحوبة من جسدها، تبدأ رحلة إلى غابة مظلمة من الأمنيات، رحلة لا تعرف نهايتها… ولا مصيرها، إلا أن شيء واحد صار واضحًا: الكتاب لم يأتِ مجرد هدية… بل كان دعوة، وتحذيرًا، ومصيرًا حيًّا في نفس الوقت. لم تستطع هانا، على وجه الدقة، أن تحدد اللحظة التي استسلمت فيها للنوم. كما لا يشعر المرء بلحظة سقوطه في الهاوية؛ و كما لا يدرك الغريق اللحظة التي يتوقف فيها عن المقاومة. فلم يكن ذلك النوم الذي يأتي تدريجيًا، ولا ذاك الذي يُستدعى براحة، بل أقرب إلى انقطاعٍ هادئ عن الوعي، كأن عقلها وقد أُثقل بما يكفي و قرر أن ينسحب مؤقتًا، تاركًا الجسد يستسلم لما لا يستطيع مقاومته. ثم…استيقظت. لكن الاستيقاظ، هذه المرة، لم يكن عودة، بل انتقالًا. حين فتحت عينيها، لم تفزع. بل شعرت، أول الأمر، بشيء من الارتباك الهادئ. كان هناك اختلاف واضح، لكنه لم يكن صادمًا بالقدر الذي توقعت أنه ينبغي أن يكون علي
كانت الساعة تشير إلى الثالثة والنصف… تلك الساعة التي يبدو فيها الليل وكأنه كائن حي، يراقب… ينتظر. وقت لا يُحبّذ فيه للعقل أن يظل يقظًا، ولا للقلب أن يظل مشغولًا. لم تكن هانا مستيقظة فحسب… بل كانت أسيرة لشيء لا يُرى. النوم لم يعد يهرب منها… بل كأنه نُزع منها قسرًا. لم يكن هذا أمرًا جديدًا عليها؛ فمنذ ثلاثة أشهر، ومنذ فقدان والدها العزيز، أصبحت الليالي أطول مما ينبغي، وأكثر ثِقَلًا مما اعتادت، و المنزل، لم يعد منزلًا… بل قبرًا صامتًا يتنفس الذكريات. تقلبت في سريرها بهدوء، محاولة كما فعلت مرات عديدة من قبل أن تقنع نفسها بالنوم، لكن دون جدوى تُذكر، يبدو أن فراشها نفسه يرفضها. فالوسادة لم تعد مريحة كما كانت، والبطانية أصبحت ثقيلة كأنها تحبس أنفاسها. لم يكن في الأمر دراما، بل استسلام هادئ لحقيقة باتت مألوفة: أن النوم، في هذه الأيام، ليس ضيفًا يسهل استدعاؤه. نهضت واتجهت نحو الشرفة. فتحت الباب الزجاجي، فاستقبلها الهواء البارد، لطيفًا، ومنعشًا إلى حدٍّ ما، رفعت عينيها إلى السماء. بدت النجوم منتظمة وجميلة، والقمر هادئًا في مكانه كعينٍ بيضاء تحدق بلا رمش، كأن العا