LOGIN
«يقولون إن الأحلام مجرد أوهام... لكن ماذا لو كانت الأحلام هي الحياة الحقيقية، وما نسميه واقعًا ليس إلا استراحة قصيرة بين حلمين؟»
كانت الساعة تشير إلى الثالثة والنصف بعد منتصف الليل. ركضت هانا في الشارع الخالي بكل ما تبقى لديها من قوة، وأنفاسها تتلاحق، بينما كانت تقبض على بضع عملات معدنية داخل كفها حتى كادت تحفر آثارها في جلدها. ذلك المبلغ الضئيل... كان آخر ما تملكه. ولو فقدت عملة واحدة فقط... فلن يكفي ثمن الدواء الذي تحتاجه أمها. أسرعت نحو الصيدلية، وقلبها يردد دعاءً واحدًا: "أرجوكِ يا أمي... اصمدي حتى أعود." لكن قبل أن تعبر الطريق...خرجت أمامها امرأة عجوز. كانت ترتدي ثيابًا ممزقة، وجسدها النحيل يرتجف من الوهن، وشفاهها جافة حتى بدت وكأنها لم تذق الماء منذ أيام. رفعت يدًا مرتجفة وقالت بصوت بالكاد يُسمع: "يا ابنتي... أعطني أي مبلغ." توقفت هانا للحظة، ثم هزت رأسها بأسف. "اعذريني... لا أملك شيئًا." "لا أريد الكثير... فقط ثمن زجاجة ماء." كانت تملك ثمن الماء... لكنها كانت تملك أيضًا أمًا تصارع الموت في المنزل، تنتظر تلك الجرعة الصغيرة التي قد تمنحها ساعات أخرى من الحياة. انخفض صوتها وهي تتمتم: "لا أستطيع..." لكن العجوز لم تُنزل يدها، بل قالت بهدوء غريب: "قطرات ماء... قد تنقذ حياة." ارتفع صوتها وهي ترتجف، والدموع تملأ عينيها: "وأمي؟! أمي تموت هل أتركها بلا دواء لأشتري لكِ ماءً؟! من سينقذها هي؟!" ساد الصمت، لم تغضب العجوز، ولم تُظهر أي ضيق، بل ابتسمت... لم تكن ابتسامة شخص أُهين...بل ابتسامة شخص كان ينتظر هذه الإجابة منذ زمن، ثم رفعت رأسها ببطء. وفي اللحظة التالية... اختفى البياض من عينيها، واختفى البؤبؤ، ولم يبقَ سوى سوادٍ حالك، كأن الليل استقر داخلهما. تجمد الدم في عروق هانا. قالت العجوز بصوت بدا وكأنه يأتي من مكانٍ بعيد: "كما بخلتِ عليَّ بقطرة ماء... سيبخل عليكِ النوم بالراحة." ثم مدت يدها نحوها، كفها فارغ لكنها أغلقت أصابعها ببطء، كأنها تمسك شيئًا لا تراه هانا. وقالت: "حين تنامين الليلة... لا تخافي مما سترينه." ارتخت ساقا هانا فجأة، فسقطت على الأرض، أغلقت عينيها ... وحين فتحتهما... لم تجد أحدًا. اختفت العجوز... وكأنها لم تكن موجودة قط. ابتلعت هانا ريقها بصعوبة، وأجبرت نفسها على التقاط أنفاسها. "لا... لا وقت للخوف." ثم استدارت تركض نحو الصيدلية، اندفعت إلى الداخل وهي تلهث، وألقت العملات المعدنية و أسم الدواء فوق الطاولة. "من فضلك... هذا الدواء... بسرعة" نظر إليها الصيدلي وقد أدرك هلعها، فأسرع يخرج العلبة ويسلمها لها، اختطفتها من يده، وخرجت تركض بكل ما بقي في جسدها من قوة. كانت قدماها تؤلمانها، وأنفاسها تكاد تنقطع، لكنها لم تتوقف. "اصمدي يا أمي... أرجوكِ." دفعت باب المنزل بقوة. "أمي" لم يصلها رد. ركضت إلى غرفتها، لتجد أمها ممددة على الفراش، تتنفس بصعوبة، أسرعت تفتح علبة الدواء، وساعدتها على ابتلاع الجرعة. مرت ثوانٍ بدت لها كأنها سنوات. ثم... بدأ تنفس أمها يهدأ تدريجيًا. أغمضت عينيها وهي تهمس بصوت ضعيف: "الحمد لله... ظننت أن...." انهمرت دموع هانا، وألقت بنفسها تحتضنها. ربتت الأم على يد ابنتها، ثم ابتسمت ابتسامة شاحبة وقالت بصوت متعب: "اذهبي وارتاحي قليلًا... يجب أن تستيقظي باكرًا لتسافري." هزت هانا رأسها بسرعة. "أمي... لا أستطيع. كيف أعود إلى المدينة وأترككِ بهذا الحال؟" ابتسمت الأم بحنان، رغم الإرهاق الذي يكسو ملامحها. "لا تقلقي عليّ. لقد أحضرتِ الدواء، وسأصبح بخير بإذن الله." ثم أضافت بعد لحظة صمت: "لكنكِ بقيتِ هنا في القرية أربعة أيام كاملة. لا يمكنكِ التغيب عن عملك أكثر من ذلك." أخفضت هانا رأسها في صمت. تابعت الأم بصوت هادئ: "إذا خسرتِ عملك... فمن أين سنأتي بثمن الطعام؟ والشراب؟ والدواء؟" شعرت هانا وكأن كلمات أمها تحولت إلى سكاكين تغرس في صدرها. كم كان هذا الظلم قاسيًا... أن تُجبر على ترك أمها وهي في أشد لحظات ضعفها، لا لأنها تريد ذلك، بل لأنها مضطرة للعمل من أجل تأمين أبسط مقومات الحياة. كل ما كانت تقاتل من أجله هو أن تستطيع شراء الطعام، والشراب، والدواء، قبضت يديها بقوة. كانت تكره أشياء كثيرة في هذه الحياة... لكن لم يكن هناك شيء تبغضه أكثر من الفقر... والمرض. قبّلت جبين أمها، ثم نهضت بصمت، دخلت غرفتها وهي تشعر أن هذين العدوين سرقا منها كل شيء؛ راحة أمها، وطمأنينتها، وحتى حقها في البقاء إلى جوارها. خلعت حذاءها، و ارتمت فوق السرير، كانت مرهقة إلى درجة أن التفكير أصبح يؤلمها. أغمضت عينيها، لكن...قبل أن يغلبها النوم، عاد صوت العجوز يتردد داخل رأسها. "كما بخلتِ عليَّ بقطرة ماء... سيبخل عليكِ النوم بالراحة." فتحت عينيها مذعورة، ثم، تنهدت محاولة إقناع نفسها بأن كل ما حدث لم يكن سوى أثر الإرهاق والخوف، أطفأت المصباح، واستلقت من جديد. هذه المرة...استسلمت للنوم، ولم تعرف كم مضى من الوقت، لكن حين فتحت عينيها...أدركت فورًا...أنها لم تعد في غرفتها.قال بنبرة حاسمة: "حين تكونين هنا... فأنتِ موظفة، ولستِ ابنةً، ولا قريبةً، ولا عروسًا تنتظر عرض زواج." هي على وشك خسارة عملها، ولم يعد يهمها إن حدث ذلك اليوم أو بعد أسبوع.لذلك حاولت أن تخفي ارتجاف صوتها وهي تقول: "أنا لا أخلط عملي بحياتي الشخصية... لكن والدتي مريضة، ولم أكن لأتجاهل اتصالها." لم يجبها يوسف فورًا، بقي واقفًا أمامها لثوانٍ، قبل أن يقول : "كل موظف هنا لديه ظروف، والفرق بين الناجح والفاشل... أن الأول لا يسمح لظروفه بأن تقود عمله." نظرت إليه بصمت. تأمل يوسف ملامحها للحظات... لم يرَ في عينيها محاولة لاستعطافه. بل رأى عنادًا ، جعله يشعر بإحساس مألوف، لكنه لم يستطع تحديد مصدره. عضت شفتها بقهر، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة أخفت خلفها انزعاجها. "سأحرص على ألا تتصل والدتي مرة أخرى أثناء ساعات العمل سيرضيك هذا بالتأكيد." هل تسخر منه الآن؟ قال ببرود: "أتمنى ذلك." استدار وغادر دون أن يضيف كلمة أخرى، وبعد عدة ثوانٍ، تمتمت بغضب: "لو لم أكن بحاجة إلى هذه الوظيفة...لألقيت هذا الملف في وجهه." بدأ الموظفون في مغادرة الشركة تباعًا، الشمس تميل إلى الغروب، والمدينة تغرق في ز
رفع يوسف عينيه إليه باستغراب. "أي طريقة؟" تردد تامر قبل أن يجيب: "كأنك تحاول تذكرها." ساد الصمت مرة أخرى. خفض يوسف بصره إلى الملف أمامه، لكنه لم يفتحه. كانت هناك حقيقة أزعجته...وجه هانا أيضًا... لم يكن غريبًا عليه. شعر بأنه رآها في مكان ما، لكن ذاكرته خانته. هز رأسه بقوة، ثم قال ببرود أنهى به الحديث: "مجرد تشابه." تردد تامر للحظة، ثم قال: "وهل ما زلت مصرًا على تكليفها بالشقة رقم تسعة وعشرين؟" أجاب يوسف دون أن يرفع رأسه: "وهل هناك مشكلة؟" "لم يستطع أحد بيعها منذ ثلاث سنوات." أغلق يوسف الملف بهدوء. وقال دون أي اهتمام: "إذن... فلتكن أول من يبيعها." انصرف تامر بعدما أدرك أن النقاش قد انتهى، وأغلق الباب خلفه بهدوء. وفي الطابق الثالث... اقتربت منها ريم وسألت بهدوء: "انتهيتِ من قراءة الملف؟" أغلقت هانا الملف ببطء، ثم رفعت رأسها. "هل هذا عقاب... أم محاولة لطردي؟ ولماذا لم يستطع أحد بيع هذه الشقة طوال السنوات الماضية؟" ترددت ريم قليلًا قبل أن تجيب: "في البداية كان السبب الجريمة... ثم بدأت الشائعات، يقولون إن الشقة... مسكونة." "وأنتِ تصدقين هذه الخرافا
أسبوع واحد فقط، إذا خسرت هذه الوظيفة... فمن سيدفع ثمن علاج أمها؟ ومن سيدفع إيجار شقتها في المدينة؟ هذه الشقة وحدها...قد تكون الفاصل بين استمرارها في العمل...أو فقدان الوظيفة الوحيدة التي تُطعمها، وتشتري منها دواء أمها، لن تملك حتى ثمن السفر لزيارتها. أنهى يوسف الاجتماع بإيجاز. "هذا كل شيء... يمكنكم العودة إلى أعمالكم." وقف الجميع في اللحظة نفسها، وبدأوا يغادرون القاعة في صمت. كانت هانا تجمع أوراقها بسرعة، تتمنى فقط أن تخرج قبل أن يلاحظها أحد. "الآنسة هانا." تجمدت يدها. أغمضت عينيها لثانية، ثم استدارت ببطء. كان يوسف ما يزال جالسًا في مكانه، ينظر إليها بهدوء. أما بقية الموظفين، فقد تباطأت خطواتهم دون شعور، وكأنهم ينتظرون ما سيحدث. قال بصوت هادئ لا يحمل أي انفعال: "إذا كنتِ ترغبين في الاحتفاظ بوظيفتك..." شعرت بقلبها ينقبض. وأكمل بالنبرة نفسها: "فأنصحكِ ألا يتكرر ما حدث اليوم." ابتلعت ريقها بصعوبة. ثم انحنت رأسها قليلًا وقالت بهدوء: "حسنًا، سيدي." ترددت لحظة، ثم أضافت: "كنت أعتقد أننا التقينا من قبل... لذلك تصرفت بتلك الطريقة." رفعت رأسها لتنظر إليه
«لم تكن تعلم أن أسوأ ما قد يحدث للإنسان... أن يخرج أحدهم من الحلم إلى الواقع.» توقف الزمن بالنسبة إليها، العينان نفسيهما، الملامح نفسها، ولم تعد تسمع شيئًا، لا صوت الموظفين، ولا ترحيب مدير الموارد البشرية، ولا همسات الحاضرين. كل ما رأته...كان يوني. نهضت من مقعدها فجأة، التفتت إليها صديقتها بفزع. "هانا!" لكنها لم تسمعها، خطت خطوة، ثم أخرى، ثم أسرعت نحوه، حتى توقفت أمامه مباشرة. توقفت كلمات مدير الموارد البشرية في منتصف الجملة، والتفتت عشرات الأنظار إليهما. أما الشاب...فاكتفى بالنظر إليها بهدوء، هدوء شخص يراها للمرة الأولى. أما هانا...فلم تلاحظ ذلك، ابتسمت بارتياح، وقالت بصوتٍ يكاد يخلو من التصديق: "يوني..." أمسكت بذراعه دون وعي: "لقد خرجت من عالم الأحلام أنت أيضا؟" تجمد الموظفون، حتى صديقتها التي اصبحت تتخيل مشهد ان رجال الامان حملين هانا ويلقو بها خارج الشركة. ... نظر أولًا إلى يدها الممسكة بذراعه، ثم رفع عينيه إليها ببطء، كانت عيناه باردتين... إلى حدٍ جعل قلبها ينقبض. حرر ذراعه برفق، ثم قال بصوت هادئ: "أخشى أنكِ أخطأتِ الشخص، يا آنسة." "ماذا؟ أنا هانا... ا
قطب يوني حاجبيه: "أي عجوز؟" لكن قبل أن تجيب...ظهر الكتاب مرة أخرى. وانفتح وحده، وتشكلت الكلمات الأخيرة. «ضعا بصمتيكما على الباب...» ثم ظهرت الجملة التالية. «لتعودا.» اختفت الكلمات، وعاد الصمت، اقتربت هانا ببطء، ثم رفعت يدها، وضعتها فوق الدائرة المنحوتة في منتصف البوابة، انتظرت، لم يحدث شيء، التفتت إلى يوني. وقالت:"يبدو أن الباب لا يكتفي بشخص واحد." ابتسم ابتسامة مترددة، ثم تقدم حتى وقف إلى جوارها. رفع يده، ووضعها بجوار يدها، وفور أن لامست راحتاهما الحجر...اشتعلت الدائرة بضوء أبيض ساطع. اهتزت البوابة، ودوى صوت يشبه دقات الجرس التي قادتهما إلى الكوخ، وببطء...بدأ الباب ينفتح، تراجع الاثنان خطوة إلى الخلف، وقبل أن يغمرهما الضوء... التفت يوني إليها، ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "بالمناسبة..." رفعت حاجبها. "أخبرتُكِ باسمي..." أشار إليها مبتسمًا. "...ولم تخبريني باسمك." نظرت إليه لثوانٍ، ثم قالت بهدوء:"هانا." ردد الاسم كأنه يتذوقه. "هانا..." ثم ابتسم. "اسم جميل." ارتبكت قليلًا، لكنها أخفت ارتباكها بسؤال سريع: "وأنت... حقًا اسمك يوني فقط؟" ضحك، ثم
كانت السماء تتوهج بلون أحمر قاتم، لونٌ معلق بين الغروب والفجر، كأن الزمن توقف قبل أن يختار أيهما سيأتي أولًا. لفح وجهها هواء بارد يحمل رائحة المطر والأرض الرطبة، فتسللت قشعريرة إلى جسدها،لقد كانت في غابة. غابة هائلة تمتد حتى الأفق، يغلفها ضباب كثيف، بينما تشابكت أغصان الأشجار فوقها حتى حجبت معظم السماء، استدارت حول نفسها، لا طريق، لا بشر، لا أصوات. "أين أنا؟" همست بها، لكن صوتها بدا غريبًا وسط ذلك السكون، وفجأة...شعرت بثقل بين يديها، خفضت بصرها. كان كتابًا أسود، بغلاف جلدي قديم، تآكلت أطرافه كأنه عبر مئات السنين، وقبل أن تلمس غلافه...انفتح وحده. تقلبت صفحاته بسرعة، كأن ريحًا خفية تعبث بها، حتى توقفت عند صفحة واحدة، بدأت حروف سوداء تتشكل ببطء فوق الورقة البيضاء. حرفًا...بعد حرف، حتى اكتملت الجملة. «مرحبًا بكِ في عالم الأحلام.» حدقت فيها هانا غير مصدقة. "ما هذا الجنون...؟" وما إن نطقت حتى بدأت الكلمات تتلاشى، وكأنها لم تُكتب قط، وفي اللحظة نفسها...دوّى في أرجاء الغابة صوت جرس بعيد. رنّة...ثم رنّة ثانية، ثم ثالثة. لم يكن صوتًا مرتفعًا، لكنه كان واضحًا بما يكفي



![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)



