Share

الحافة

last update publish date: 2026-04-10 01:56:20

ارتجف جفناها، ثم انفتحا على اتساع، ليتسرّب ضوءٌ شاحبٌ كئيب إلى عينيها… ضوءٌ لا يحمل دفء الحياة، بل برودة السراديب، لم تكن في تلك الحفرة، بل كانت ممدّدة على أرضٍ صلبة، قاسية، كأنها لفظتها بعد أن كادت تبتلعها، حاولت أن تعتدل…أن ترفع جسدها عن ذلك الثقل الذي يضغط عليها من الداخل، لكن جسدها لم يستجب، كان ساكنًا… جامدًا، كأن الروح عادت قبله بلحظات، وتركت اللحم متأخرًا خلفها.

لمحت يوني يجلس إلى جوارها، كان هادئًا… يراقب،

و لا يوجد أي قلق في ملامحه، حاولت أن تتحرك مجددًا، لكن الشلل كان لا يزال يقيّدها، ذلك الجمود اللعين الذي يُبقي الإنسان واعيًا داخل جسدٍ لا يطيعه.

اتسعت عيناها، وراحت تحدّق في الفراغ، بينما تصاعد صوت نبضها داخل أذنيها، كأنه الشيء الوحيد الذي يثبت أنها ما زالت… حيّة.

مرّت لحظات، أو ربما دقائق، وهي عالقة هكذا، سجينة جسدها، ثم… بدأ الثقل يتراجع، ببطءٍ شديد، كأنه ينسحب، ارتجفت أصابعها أولًا، ثم معصمها، ثم ذراعها… حتى استعادت السيطرة أخيرًا.

دفعت نفسها لتجلس، وأنفاسها مضطربة.

أول ما فعلته…رفعت يدها المرتجفة إلى عنقها، لمسته  بذهول، كان دافئًا، متصلًا، وسليمًا.

"أنا… نجوت!!؟ …" تنفست بسرعة:"هل… اخترت الحفرة الصحيحة؟"

ظل يوني صامتًا لثوانٍ.

ينظر إليها… لا بدهشة، ولا بتعاطف، بل بذلك الثبات الذي لا يكشف شيئًا،

ثم قال، بصوتٍ هادئٍ لا يحمل أي انفعال: بما أنكِ ما زلتِ تملكين القدرة على طرح الأسئلة، فهذا يشير إلى أن الحفرة التي سقطتِ فيها لم تكن نهاية المطاف.

خفضت يدها ببطء، ونظرت أمامها، وكأنها ما زالت ترى بقايا ما حدث. "لم يكن مجرد حلم…"

لم تكن تسأله، كانت تقرّر.

أجاب دون أن ينظر إليها:"لم يُخلق ليكون كذلك."

قبضت يدها فوق ركبتيها وضمتهم لها، مرّت الصور في رأسها، الوجوه الزرقاء، العيون الفارغة، السكون الذي لا يتحرك.

نظر إليها طويلًا… ثم قال بصوتٍ هادئٍ يخلو من أي تعاطف:

"عدتِ إذًا من الحافة… أخبريني، أيُّ نوعٍ من الجحيم كان بانتظاركِ هناك؟"

ابتلعت ريقها، ثم قالت ببطء، كأنها تنتزع الكلمات من صدرها:

رأيتُ فتاةً انتهت حياتها أمام عينيّ بطريقةٍ مروعة

أخذت نفسًا أعمق، وعيناها لا تزالان عالقتين بشيءٍ لم يغادرها بعد: "ورأيتُ ما هو أسوأ… رأيتُ نفسي."

رفع يوني نظره إليها، دون أن يقاطع.

قالت بصوتٍ أخفض:

"نسخةً مني… لكنها لم تكن حيّة. لم يكن فيها ألم… ولا خوف… ولا حتى رغبة، كانت تدعوني، "تعالي… هنا لا شيء يؤلم." لكنني حين نظرتُ إليها… لم أرَ راحة،"رأيتُ فراغًا لا ينتهي… كأنها لم تعد تحتاج لأن تشعر بشيء… لأنها لم تعد موجودة أصلًا، عندها فهمت… أن تلك لم تكن أنا.

لم يتكلم يوني.

فأكملت:

كان أمامي خياران… حفرتان، الأولى كانت سهلة… مغرية،لكنها كانت تشبهها

رفعت يدها، تنظر إليها، كأنها تتأكد أنها ما زالت لها:

"أما الأخرى… كانت تفوح برائحة التراب والمطر، رائحة حياة… حتى لو كانت قاسية،

نظرت إليه مباشرة:

"فقفزت فيها… وكان السقوط مؤلمًا،  وحين رأتني نسختي أسقط… ابتسمت.

ربما لأنها أدركت رغبتي في العيش… أو لأنها رأت الحقيقة التي كنت أهرب منها."

انخفض صوتها:

"كنتُ أنتظر أن يبهت حزني… أن يتبلّد قلبي حتى لا أشعر بشيء."

ابتسمت ابتسامة خفيفة، بلا دفء: كنت أظن أن هذا هو التعافي، لكنه لم يكن سوى بداية الاختفاء.

رأيتُ هناك… ماذا يفعل الاعتياد؛ يأخذ منك الشعور… ثم يأخذك معه،

الألم ليس عدوًا، بل هو… الدليل الوحيد أنني ما زلت هنا

ثم نظرت إليه بثبات وقالت:

"أنني لم أمت بعد… بالطريقة التي ماتوا بها."

تملّكتها حيرةٌ ثقيلة و قالت بنبرةٍ حاولت جهدها أن تبدو ثابتة:

"يوني… أنا لا أفهم لقد شعرتُ بكل شيء… ثقل جسدي، برودة أيدي الأطفال، وحتى ذلك التجمد الذي شلّ أطرافي. كيف يحدث هذا… بينما جسدي الحقيقي نائم بعيدًا عن هنا؟"

رمقها يوني بنظرةٍ مشبعة بالتعالي، كأن سؤالها لم يكن سوى سذاجة بشرية متوقعة.

قال ببرودٍ حاد:

"هل كنتِ تتوهمين، أنكِ مجرد طيف هلامي أو نسمة رقيقة لا قوام لها؟

هذا عالم… لا يعترف بالأوهام، لكِ هنا جسد… يخضع لقوانينه."

صمت لحظة، ثم تابع بنبرةٍ أهدأ، لكنها لا تخلو من القسوة:

"الجسد ليس إلا انعكاسًا صريحًا لما تحمله الروح.

الروح تختبئ… نعم، لكنها لا تختفي.

وكل ما تعجز عن قوله… يكتبه الجسد بدلًا عنها."

خفض نظره قليلًا، ثم أردف:

"الحزن يترك شحوبًا لا يُمحى،

والتعاسة… تترك أثرها ككدماتٍ لا يُعرف مصدرها،

أما الخمول… فليس سوى صرخة روحٍ أنهكها الانتظار."

تقلصت ملامح هانا قليلًا، ثم قالت ببرودٍ خفيف، تخفي خلفه توترها:

"إذن… هل أفهم من هذا أنك كنت تؤدي دور ‘الحارس الأمين’ لجسدي… بينما كنتُ عالقة هناك؟"

تصلبت ملامح "يوني"؛ وبدلاً من الاعتراف بقلقه الذي كان ينهش صدره، اختار الغطرسة قناعاً، وقال:

"بل كنتُ أنتظر زوالكِ تماماً. ففي هذا العالم، الجسد الذي يفشل في النجاة من أحلامه يتحول إلى جثة هامدة، وحين يتلاشى من هنا، فإنه يترك خلفه في عالمكِ جثماً بلا روح."

قالت، وعيناها لا تزالان معلّقتين به:

"أتقصد… أن الموت هنا هو النهاية المطلقة في عالمي أيضًا؟"

لم يُجب يوني.

اكتفى بأن يدير وجهه نحو الأفق، بنظرةٍ غامضة… كأن السؤال لا يستحق ردًا، أو كأن الإجابة… أوضح مما ينبغي.

تركها وحدها… تصارع الفكرة فهي باتت الآن تتفاوض على بقاء جسدها حياً في عالمين.

ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت بنبرةٍ يختلط فيها التهكم بالاضطراب:

"رائع… إذن أنا لستُ ضيفة عابرة في غابتك الموقرة، بل رهينة في مبارزة لا أعرف قواعدها، هل يُفترض بي أن أشكرك على صراحتك القاتلة… أم أعتذر لأن جسدي قد يسبب لك بعض الإزعاج إذا قرر أن يتلاشى؟"

انخفض صوتها قليلًا…وتسلل إليه صدقٌ لا يمكن إخفاؤه:

"يوني… أنا لا أنهار عند الأخبار السيئة."

توقفت لحظة، ثم أكملت:

"لكن أخبرني بشيء واحد…"

نظرت إليه مباشرة:

"هل تنتظر زوالي لأنك تخشى الفشل في حراستي… أم لأن مشهد الفناء يرضي ذلك البرود الذي تتخفى خلفه؟"

أدار وجهه نحوها ببطء…وعيناه هذه المرة لم تكونا خاليتين تمامًا

قال بصوتٍ منخفض، حاد كحقيقة لا تقبل النقاش:

"غابة الأمنيات" ليست مكاناً لتحقيق الأحلام، بل هي اختبار لصلابة الروح أمام فكرة التلاشي.

الأشجار من حولهم أصدرت صوتًا خافتًا… يشبه الهمس.

ثم، ظهر صدع، خطٌ رفيع في الهواء…كأنه شقّ غير مرئي بدأ ينفتح.

"ما هذا؟!"

لم يجبها يوني فورًا، كان ينظر إلى الشق…وعيناه هذه المرة اتسعت من القلق

قال بصوتٍ منخفض… لكنه يحمل تحذيرًا واضحًا:

"تأخّرنا."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لعنة الحلم العاشر    الحافة

    ارتجف جفناها، ثم انفتحا على اتساع، ليتسرّب ضوءٌ شاحبٌ كئيب إلى عينيها… ضوءٌ لا يحمل دفء الحياة، بل برودة السراديب، لم تكن في تلك الحفرة، بل كانت ممدّدة على أرضٍ صلبة، قاسية، كأنها لفظتها بعد أن كادت تبتلعها، حاولت أن تعتدل…أن ترفع جسدها عن ذلك الثقل الذي يضغط عليها من الداخل، لكن جسدها لم يستجب، كان ساكنًا… جامدًا، كأن الروح عادت قبله بلحظات، وتركت اللحم متأخرًا خلفها.لمحت يوني يجلس إلى جوارها، كان هادئًا… يراقب، و لا يوجد أي قلق في ملامحه، حاولت أن تتحرك مجددًا، لكن الشلل كان لا يزال يقيّدها، ذلك الجمود اللعين الذي يُبقي الإنسان واعيًا داخل جسدٍ لا يطيعه.اتسعت عيناها، وراحت تحدّق في الفراغ، بينما تصاعد صوت نبضها داخل أذنيها، كأنه الشيء الوحيد الذي يثبت أنها ما زالت… حيّة.مرّت لحظات، أو ربما دقائق، وهي عالقة هكذا، سجينة جسدها، ثم… بدأ الثقل يتراجع، ببطءٍ شديد، كأنه ينسحب، ارتجفت أصابعها أولًا، ثم معصمها، ثم ذراعها… حتى استعادت السيطرة أخيرًا.دفعت نفسها لتجلس، وأنفاسها مضطربة.أول ما فعلته…رفعت يدها المرتجفة إلى عنقها، لمسته  بذهول، كان دافئًا، متصلًا، وس

  • لعنة الحلم العاشر    الحلم الأزرق 2

    جاءها صوت الأب ببطءٍ غير مريح: النوم… لا يأتي لمن ينتظر بل لمن يذهب، نحن لم نذهب، لذا نحن عالقون في هذه اللحظة للأبد". بدأت تشعر أن المكان يضيق، ليس بالجدران… بل بالفكرة؛ فكرة أنهم لم يُجبروا، فكرة أنهم… رضوا، فالمشكلة لم تكن في هذا المكان وحده… بل في الفكرة التي يمثلها. هنا أدركت هانا أن هؤلاء ليسوا غرباء، بل هم "نسخٌ منها"؛ هؤلاء هم من قرروا أن الحزن هو مأواهم الوحيد، فتجمدوا فيه حتى صاروا زرقاً. وفجأة، تحطم هذا السكون المفتعل بصراخ من الخار، ووجدت هانا نفسها تشهد مشهداً يفيض بالدراما القاسية. لم يكن هناك قرار واضح بالركض…لكنهم جميعًا تحركوا. وكأن شيئًا غير مرئي قد سحبهم نحو الباب، وتبعتهم هانا، في الخارج…توقّف الزمن، أو هكذا بدا لها، حينا رأت فتاةً… شديدة البياض… شعرها أحمر، بطريقةٍ لا تشبه الحيوية، بل تشبه علامة تحذيرٍ وُضعت متأخرة… وعيناها فارغتان، وفي لحظةٍ من السكون ، حيث لا حركة، لا مقاومة، لا حتى تمهيد؛ انفجر عنقها! لم يكن دماً عادياً، بل كان نافورةً، كأن يد مخفية قامت بقطعه، الدم اندفع بغزارة، تراجع الجسد خطوة ثم سقط مباشرة على الأرض، تراجعت، ثم ركضت،

  • لعنة الحلم العاشر    الحلم الأزرق

    فتحت هانا عينيها… أو هكذا خُيّل إليها. لم تكن متأكدة إن كانت قد استيقظت، أم سقطت في طبقة أعمق من الحلم، حيث لا فرق بين الإدراك والوهم. لم يكن هناك انتقال واضح بين النوم واليقظة، بل شعور ثقيل، كأن وعيها قد دُفع دفعًا إلى مكانٍ لا يحق له دخوله. الهواء كان ساكنًا… ساكنًا بشكلٍ غير طبيعي، حتى أن صدرها تردد لحظة قبل أن يكمل التنفس، وكأن روحها غير واثق من أخذ هذا النفس. "منزل ريفي عاديًا بما يكفي لطمأنة أي عابر سبيل… وللريبة الكافية لإزعاجه" لقد وجدت نفسها تقف أمام بيتٍ يبدو، للوهلة الأولى ريفيٍّ قديم، جدرانه شاحبة، وبابه موارب…وكأنه دعوة صامتة لانتهاك خصوصية المكان، فكان في وضعٍ لا يُفهم منه إن كان ترحيبًا أم تجاهلًا، وهو أمر كما خطر لها، يشبه كثيرًا بعض المواقف التي لا نُحسن تفسيرها إلا بعد فوات الأوان، يبعث في النفس شعوراً بالانقباض لا تفسير له، ترددت لحظة، لا عن خوفٍ حقيقي، بل عن ذلك الشعور الخفيف بعدم الارتياح الذي نحاول غالبًا تجاهله بدافع الفضول… فتغلب فضولها على حذرها، رغم أن هانا لم تشعر أنها

  • لعنة الحلم العاشر    "القط ذو العينين الخضراوين"

    جلست هانا بالقرب من البحيرة التي اصطحبها إليها يوني، وكأن خطاها كانت تتبع نداءً لا يُسمع إلا له، وقد بدا المكان من حولها هادئًا إلى حد يثير التأمل، إن لم يكن القلق الخفيف. كانت المياه ساكنة كمرآة ميتة تعكس السماء فقط دون حركة، حتى النسيم بدا وكأنه تراجع، خائفًا من أن يُحدث اضطرابًا في هذا الصمت الثقيل، وكأن الطبيعة نفسها قررت أن تتوقف لحظة لتراقب ما سيحدث. لقد وجدت "هانا" نفسها في وضعٍ لم تكن لترتضيه فتاة بذكائها، لولا أن الظروف الاستثنائية تبرر أحياناً الخروج عن القواعد المألوفة. كانت تحاول ترتيب أفكارها التي تبعثرت كأوراق شجر في مهب ريحٍ غامضة، ولكن الأغرب من ذلك أنها بدأت رغم دهشتها، تحاول تقبّل الأمر بقدر من الهدوء، كما لو أن عقلها قد قرر، حفاظًا على توازنه، أن يؤجل الفهم إلى وقت لاحق، كانت تحدّق في الماء، لا لترى انعكاسها، بل لتتأكد عبثًا، أنها ما زالت موجودة. أما يوني، الذي قادها إلى هذا المكان،فكان يقبع فوق صخرة كتمثالٍ بوقارٍ صامت، يراقب الماء بنظرة تو

  • لعنة الحلم العاشر    الغابة التي إختارتها

    هانا لم تكن نائمة بعد، ولم تكن مستيقظة بالكامل… كانت روحها، كما لو كانت مسحوبة من جسدها، تبدأ رحلة إلى غابة مظلمة من الأمنيات، رحلة لا تعرف نهايتها… ولا مصيرها، إلا أن شيء واحد صار واضحًا: الكتاب لم يأتِ مجرد هدية… بل كان دعوة، وتحذيرًا، ومصيرًا حيًّا في نفس الوقت. لم تستطع هانا، على وجه الدقة، أن تحدد اللحظة التي استسلمت فيها للنوم. كما لا يشعر المرء بلحظة سقوطه في الهاوية؛ و كما لا يدرك الغريق اللحظة التي يتوقف فيها عن المقاومة. فلم يكن ذلك النوم الذي يأتي تدريجيًا، ولا ذاك الذي يُستدعى براحة، بل أقرب إلى انقطاعٍ هادئ عن الوعي، كأن عقلها وقد أُثقل بما يكفي و قرر أن ينسحب مؤقتًا، تاركًا الجسد يستسلم لما لا يستطيع مقاومته. ثم…استيقظت. لكن الاستيقاظ، هذه المرة، لم يكن عودة، بل انتقالًا. حين فتحت عينيها، لم تفزع. بل شعرت، أول الأمر، بشيء من الارتباك الهادئ. كان هناك اختلاف واضح، لكنه لم يكن صادمًا بالقدر الذي توقعت أنه ينبغي أن يكون علي

  • لعنة الحلم العاشر    الكتاب الذي ظهر في الظلام

    كانت الساعة تشير إلى الثالثة والنصف… تلك الساعة التي يبدو فيها الليل وكأنه كائن حي، يراقب… ينتظر. وقت لا يُحبّذ فيه للعقل أن يظل يقظًا، ولا للقلب أن يظل مشغولًا. لم تكن هانا مستيقظة فحسب… بل كانت أسيرة لشيء لا يُرى. النوم لم يعد يهرب منها… بل كأنه نُزع منها قسرًا. لم يكن هذا أمرًا جديدًا عليها؛ فمنذ ثلاثة أشهر، ومنذ فقدان والدها العزيز، أصبحت الليالي أطول مما ينبغي، وأكثر ثِقَلًا مما اعتادت، و المنزل، لم يعد منزلًا… بل قبرًا صامتًا يتنفس الذكريات. تقلبت في سريرها بهدوء، محاولة كما فعلت مرات عديدة من قبل أن تقنع نفسها بالنوم، لكن دون جدوى تُذكر، يبدو أن فراشها نفسه يرفضها. فالوسادة لم تعد مريحة كما كانت، والبطانية أصبحت ثقيلة كأنها تحبس أنفاسها. لم يكن في الأمر دراما، بل استسلام هادئ لحقيقة باتت مألوفة: أن النوم، في هذه الأيام، ليس ضيفًا يسهل استدعاؤه. نهضت واتجهت نحو الشرفة. فتحت الباب الزجاجي، فاستقبلها الهواء البارد، لطيفًا، ومنعشًا إلى حدٍّ ما، رفعت عينيها إلى السماء. بدت النجوم منتظمة وجميلة، والقمر هادئًا في مكانه كعينٍ بيضاء تحدق بلا رمش، كأن العا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status