ANMELDENهانا لم تكن نائمة بعد، ولم تكن مستيقظة بالكامل…
كانت روحها، كما لو كانت مسحوبة من جسدها، تبدأ رحلة إلى غابة مظلمة من الأمنيات، رحلة لا تعرف نهايتها… ولا مصيرها، إلا أن شيء واحد صار واضحًا: الكتاب لم يأتِ مجرد هدية… بل كان دعوة، وتحذيرًا، ومصيرًا حيًّا في نفس الوقت. لم تستطع هانا، على وجه الدقة، أن تحدد اللحظة التي استسلمت فيها للنوم. كما لا يشعر المرء بلحظة سقوطه في الهاوية؛ و كما لا يدرك الغريق اللحظة التي يتوقف فيها عن المقاومة. فلم يكن ذلك النوم الذي يأتي تدريجيًا، ولا ذاك الذي يُستدعى براحة، بل أقرب إلى انقطاعٍ هادئ عن الوعي، كأن عقلها وقد أُثقل بما يكفي و قرر أن ينسحب مؤقتًا، تاركًا الجسد يستسلم لما لا يستطيع مقاومته. ثم…استيقظت. لكن الاستيقاظ، هذه المرة، لم يكن عودة، بل انتقالًا. حين فتحت عينيها، لم تفزع. بل شعرت، أول الأمر، بشيء من الارتباك الهادئ. كان هناك اختلاف واضح، لكنه لم يكن صادمًا بالقدر الذي توقعت أنه ينبغي أن يكون عليه، فكان أول ما أدركته هو غياب كل ما اعتادت عليه، لا سقف فوقها. ولا جدران تحيط بها. ولا حتى ذلك الشعور الخافت بالألفة الذي يصاحب الأماكن المعروفة. وقفت، ببطء، كأنها تخشى أن تفسد هذا المشهد الغريب بحركةٍ مفاجئة. "وجدت نفسها واقفة في منتصف غابة." غير أن كلمة "غابة"، كما بدا لها بعد لحظات من التأمل، لم تكن كافية لوصف ما تراه، هذا الوصف، رغم بساطته، لم يُرضِ إحساسها، إذ إن الغابة التي رأتْها لم تكن كأي غابةٍ يمكن للمرء أن يمر بها أو يتخيلها. فالمكان، على جماله، لم يكن جمالًا عاديًا يمكن الاكتفاء بالإعجاب به، بل كان من ذلك النوع الذي يدعو إلى التوقف… والتساؤل. الأشجار شاهقة، على نحو يكاد يكون مبالغًا فيه، تمتد أغصانها في تشابكٍ معقّد، كأنها لا تكتفي بالنمو… بل تتعمد الامتداد لتحجب السماء، أما الزهور فكانت الألوان زاهية أكثر مما ينبغي، ليست جميلة فقط ، بل كأنها تُرى لأول مرة بعينٍ لا تنتمي لهذا العالم. أما الأوراق، فكانت تتلألأ بضوء خافت، لا يشبه ضوء الشمس ولا القمر، بل أقرب إلى وهجٍ خاص بها، وكأنها تملك حياةً مستقلة. "أين أنا؟" قالتها بهدوء. كان في صوتها ذلك النوع من الحذر الذي يرافق الإنسان حين يجد نفسه في موقف لا يملك له تفسيرًا فوريًا. ومع ذلك، لم تتلقَّ جوابًا، ليس لأن المكان خالٍ… بل لأن الصمت بدا لسببٍ لم تستطع تفسيره مقصودًا. كانت تشعر بكل شيء بوضوحٍ مدهش؛ برودة الهواء، صلابة الأرض، وحتى ذلك التوتر الخفيف الذي بدأ يتسلل إلى داخلها، ومع ذلك تأملت المشهد، وقد بدا لها، لوهلة، أنه جميل، بل… أكثر من جميل. "ما هذا المكان؟" همست، بصوتٍ أقرب إلى التأمل منه إلى السؤال، لم يكن في صوتها خوف. وكان هذا، في حد ذاته، أمرًا يستحق التوقف عنده، إذ كيف يمكن للمرء أن يجد نفسه في مكانٍ لا يعرفه، في ظروفٍ لا يفهمها، دون أن يشعر بالخوف؟ أجابت نفسها، في محاولةٍ هادئة لإعادة الأمور إلى منطقها:"ربما لأنه حلم." وكان في هذه الفكرة شيء من الراحة، فالأحلام، مهما بلغت غرابتها، تظل في النهاية آمنة مؤقتة، قابلة للزوال، لكن هذه الطمأنينة لم تدم طويلًا. خطت خطوة إلى الأمام، صدر صوت خافت تحت قدميها، صوت أوراقٍ جافة، لكن وقع الصوت كان أوضح مما ينبغي، كأن المكان يبالغ في تسجيل حركتها. توقفت، ثم التفتت ببطء، لم يكن هناك شيء محدد يمكن الإشارة إليه…ومع ذلك، لم تستطع التخلص من إحساسٍ غريب، بدأ يتشكل في أعماقها، إحساس…بأنها ليست وحدها، لم ترَ أحدًا، ومع ذلك، لم يختفِ الشعور. بل على العكس، ازداد وضوحًا. وضعت يدها على ذراعها، وضغطت بخفة، محاولة أن تثبت لنفسها أنها لا تزال في كامل وعيها. "إنه مجرد حلم…" لكن العبارة، هذه المرة، لم تكن مقنعة كما كانت قبل لحظات، إذ إن كل شيء بدا… حقيقيًا أكثر مما ينبغي، الهواء، ببرودته الدقيقة، الأرض، بصلابتها الواضحة. تابعت السير، ببطءٍ محسوب، ولم يمضِ وقت طويل حتى بدأت تلاحظ أمرًا آخر."لم تكن الغابة ثابتة." ليس بمعنى أنها تتحرك بشكلٍ ظاهر، بل كان هناك شيء خفي، دقيق، يكاد لا يُرى، في ترتيب الأشجار… ربما في امتداد الظلال… أو في المسافات بين الأشياء… كأن المكان، بهدوءٍ شديد، يعيد تشكيل نفسه لها. توقفت فجأة. "هذا… غير منطقي." قالتها هذه المرة بصوتٍ أكثر صرامة، وكأنها تحاول إعادة الأمور إلى منطقها الطبيعي، لكن ذلك لم يغيّر شيئًا، بل على العكس، بدا وكأن المكان… لا يهتم بمنطقها، وهي في أعماقها، لم تعد تبحث عن المنطق، بل بدأت تخشى… ما قد يعنيه غيابه. "هل من أحد هنا؟" خرج صوتها هذه المرة أعلى قليلًا. وفي تلك اللحظة، حدث التغير الأول. حركة خفيفة، بالكاد تُسمع، خلفها، استدارت بسرعة، وقد ارتفعت وتيرة أنفاسها دون أن تقصد، ورأته، "غزال." لكن ليس كأي غزال، هذا الوصف لم يكن كافيًا، جسده لم يكن من لحمٍ ودم، بل من ضوءٍ أزرق، متوهج، نابض، كأنه قطعة من السماء سقطت على الأرض ولم تمت، عيناه…لم تكونا عيون حيوان، بل…وعي عميق صامت، مخيف في هدوئه. تأملته في صمت، ولم تشعر بالخوف، وهذا ما أقلقها، إذ كان من الطبيعي، بل من المتوقع، أن تشعر بالخوف في موقف كهذا، لكن ما شعرت به كان شيئًا آخر… شيئًا أقرب إلى الفضول، ممزوجًا بألفةٍ غير مبررة. "ما هذا…؟" همست. اقترب الغزال منها ببطء، خطواته واثقة، هادئة، وكأنه لا يرى في وجودها أمرًا يستدعي الحذر، أو ربما…ليس جديدًا عليه هذا الموقف. وهنا، وجدت نفسها أمام صراعٍ لم تعتده، جزءٌ منها أراد التراجع فهذا، بلا شك، موقف غير طبيعي. لكن جزءًا آخر… جزءًا أكثر هدوءًا، وأكثر إصرارًا دفعها إلى البقاء. بل… إلى الاقتراب، رفعت يدها وترددت. لم يكن التردد نابعًا من خوفٍ واضح، بل من إحساسٍ غامض بأن هذه اللحظة مهما بدت بسيطةقد تكون ذات أهمية لا يمكن التراجع عنها. ومع ذلك…لم تسحب يدها، لمسته، كان دافئًا، لكن ليس دفئًا جسديًا فحسب، بل ذلك النوع من الدفء الذي يوقظ شعورًا قديمًا، يصعب تحديده، كأنها لامست شيئًا تعرفه… دون أن تتذكره، ابتسمت قليلًا لأول مرة منذ وقت طويل و أغمضت عينيها للحظة. "هل قرأتِ ذلك الكتاب؟" تجمدت، فتحت عينيها ببطء، لم يتحرك فم الغزال. لكن الصوت… كان واضحًا، واضحًا أكثر مما ينبغي. "أنت…"صوتها انكسر "تتحدث؟" يكن السؤال كاملًا، فما حدث بعد ذلك لم يمنحها فرصة لإكماله، إذ إن الضوء الذي شكّل جسد الغزال بدأ يتغير، يزداد كثافة، ثم يتلاشى تدريجيًا…حتى لم يبقَ منه شيء. وبدلًا منه… حلّ مكان الغزال شاب طويل القامة، بملامحٍ تميزت بوسامةٍ هادئة وعينين زرقاوين تحملان قدراً من الغموض يكفي لإثارة حيرة حيٍّ بأكمله. حدقت فيه، غير قادرة على استيعاب التحول. وهو لم يكترث الشاب لذهولها،و لم يبدُ عليه أي اندهاش، ولا أي استعجال، بل ظل يرمقها بنظرةٍ باردة كالموت، واقف، هادئ، كأنه لم يأتِ للتو… بل كان موجودًا منذ البداية. تراجعت هانا أكثر. ما هذا؟! يا إلهي… كيف ؟! أنت لست غزال!" نظر إليها الشاب بهدو، هدوءٍ لم يكن مريحًا، وكانت نظرته… أسوأ من كل شيء، لم تكن حادة، ولا عدائية، بل هادئة، هادئة أكثر مما ينبغي. كأنها تعرف كل ما ستقوله… قبل أن تقوله. 'هل قرأتِ الكتاب؟'كرر السؤال، بنبرةٍ لم تحمل فضولًا… ولا شكًا، بل شيئًا أقرب إلى التوقع. ترددت. لم يكن السبب جهلها بالإجابة، بل شعورها بأن الإجابة أيًا كانت قد لا تكون في صالحها. "أنا… لا أعلم." قالتها أخيرًا، لأنها لم تكن متأكدة، هل قرأت؟ أم… استجابت؟ وكان في صوتها صدقٌ لم تحاول إخفاءه. لم يعلّق فورًا، بل ظل ينظر إليها، وكأنه يزن كلماتها… أو ربما ما وراءها. ارتبكت ثم اكملت"أنا… لا أعلم أي كتاب تقصد…" "إن لم تقرئيه… فكيف دخلتِ إلى هنا؟" هل تقصد الكتاب الذي كان أمام منزلي؟ "نعم. هو ذاته." وجدته فقط… أمام منزلي كان يخرج منه نور… مثل النور الذي كان يحيط بك. "وهل تظنين… أن الأشياء تظهر أمام الأبواب صدفة؟" لكنني لم أقرأه، فقط قرأت بعض الكلمات، وشعرت بشيء غريب… كأنه يخاطبني." نظر إليها بثبات: "لأنه… كان يفعل." ارتبكت: "كيف ذلك؟!" "ماذا تمنّيتِ؟" تجمدت. "لم أتمنَّ شيئًا." مال برأسه قليلًا، "كاذبة." "أنا " قاطعها فجأة، بصوت أكثر حدّة: "الجميع يتمنّى." ثم اقترب أكثر، حتى شعرت بأنفاسه. ثم قال: "الغابة… لا تختار أحدًا عبثًا." "لكن… أنا لم أتمنَّ شيئًا…" قالتها بثقةٍ حاولت أن تتمسك بها. لكن الشاب لم يعارضها، لم يقل إنها مخطئة، بل اكتفى بالنظر، وهذا… كان كافيًا ليجعل ثقتها تهتز. سكنت للحظة. ثم تذكّرت. صوتها… قبل أن تنام. "أتمنى أن أنام…" اتسعت عيناها. "لا…" قال بهدوء: "بلى." تنهد قليلًا. ثم قال: "إذًا… لقد بدأ الأمر بالفعل." شعرت هانا بأن الخوف بدأ يتسلل إلى صدرها. "بدأ ماذا؟!" نظر حوله بين الأشجار، ثم عاد ينظر إليها. "اسمك هانا… صحيح؟" "كيف تعرف اسمي؟!" لم يجب مباشرة.بل قال بهدوء: "اسمي يوني." ساد صمت قصير. ثم تابع: "وأنتِ الآن… داخل غابة الأمنيات." عقدت حاجبيها."غابة ماذا؟" قال ببطء: "غابة الأمنيات، المكان الذي يدخل إليه كل من يتمنى أمنية من الكتاب." رفع يده ببطء، ورسم دائرة في الهواء. فتشكّلت أمامهما كرة بلورية شفافة. قال: "انظري." اقتربت هانا ببطء…ثم شهقت بفزع. رأت نفسها، جسدها… نائم في غرفتها، "من هذه؟!" قال بهدوء:"هذه أنتِ." ثم أضاف:"جسدك هناك… وروحك هنا؛وطالما ظلت روحك هنا… فلن تستيقظي أبدًا. ارتجف صوتها: "لكنني… أنا مستيقظة بالفعل!" ساد صمت قصير ثم قالت بضيق "هل يمكنني العودة؟!" ثم قال:"إذا نجحتِ ." ابتلعت ريقها."نجحت في ماذا؟" نظر إليها بجدية. "في الأحلام." "ماذا سيحدث لي؟" قال بصوت منخفض: "لا أعلم… لكن لن يكون شيئًا جيدًا." هل تظنين أن الكتاب وجدكِ صدفة؟ ثم قال، ببطء:. "أنتِ لم تدخلي الغابة." توقّف، ونظر إليها مباشرة."الغابة… هي التي اختارتكِ."ارتجف جفناها، ثم انفتحا على اتساع، ليتسرّب ضوءٌ شاحبٌ كئيب إلى عينيها… ضوءٌ لا يحمل دفء الحياة، بل برودة السراديب، لم تكن في تلك الحفرة، بل كانت ممدّدة على أرضٍ صلبة، قاسية، كأنها لفظتها بعد أن كادت تبتلعها، حاولت أن تعتدل…أن ترفع جسدها عن ذلك الثقل الذي يضغط عليها من الداخل، لكن جسدها لم يستجب، كان ساكنًا… جامدًا، كأن الروح عادت قبله بلحظات، وتركت اللحم متأخرًا خلفها.لمحت يوني يجلس إلى جوارها، كان هادئًا… يراقب، و لا يوجد أي قلق في ملامحه، حاولت أن تتحرك مجددًا، لكن الشلل كان لا يزال يقيّدها، ذلك الجمود اللعين الذي يُبقي الإنسان واعيًا داخل جسدٍ لا يطيعه.اتسعت عيناها، وراحت تحدّق في الفراغ، بينما تصاعد صوت نبضها داخل أذنيها، كأنه الشيء الوحيد الذي يثبت أنها ما زالت… حيّة.مرّت لحظات، أو ربما دقائق، وهي عالقة هكذا، سجينة جسدها، ثم… بدأ الثقل يتراجع، ببطءٍ شديد، كأنه ينسحب، ارتجفت أصابعها أولًا، ثم معصمها، ثم ذراعها… حتى استعادت السيطرة أخيرًا.دفعت نفسها لتجلس، وأنفاسها مضطربة.أول ما فعلته…رفعت يدها المرتجفة إلى عنقها، لمسته بذهول، كان دافئًا، متصلًا، وس
جاءها صوت الأب ببطءٍ غير مريح: النوم… لا يأتي لمن ينتظر بل لمن يذهب، نحن لم نذهب، لذا نحن عالقون في هذه اللحظة للأبد". بدأت تشعر أن المكان يضيق، ليس بالجدران… بل بالفكرة؛ فكرة أنهم لم يُجبروا، فكرة أنهم… رضوا، فالمشكلة لم تكن في هذا المكان وحده… بل في الفكرة التي يمثلها. هنا أدركت هانا أن هؤلاء ليسوا غرباء، بل هم "نسخٌ منها"؛ هؤلاء هم من قرروا أن الحزن هو مأواهم الوحيد، فتجمدوا فيه حتى صاروا زرقاً. وفجأة، تحطم هذا السكون المفتعل بصراخ من الخار، ووجدت هانا نفسها تشهد مشهداً يفيض بالدراما القاسية. لم يكن هناك قرار واضح بالركض…لكنهم جميعًا تحركوا. وكأن شيئًا غير مرئي قد سحبهم نحو الباب، وتبعتهم هانا، في الخارج…توقّف الزمن، أو هكذا بدا لها، حينا رأت فتاةً… شديدة البياض… شعرها أحمر، بطريقةٍ لا تشبه الحيوية، بل تشبه علامة تحذيرٍ وُضعت متأخرة… وعيناها فارغتان، وفي لحظةٍ من السكون ، حيث لا حركة، لا مقاومة، لا حتى تمهيد؛ انفجر عنقها! لم يكن دماً عادياً، بل كان نافورةً، كأن يد مخفية قامت بقطعه، الدم اندفع بغزارة، تراجع الجسد خطوة ثم سقط مباشرة على الأرض، تراجعت، ثم ركضت،
فتحت هانا عينيها… أو هكذا خُيّل إليها. لم تكن متأكدة إن كانت قد استيقظت، أم سقطت في طبقة أعمق من الحلم، حيث لا فرق بين الإدراك والوهم. لم يكن هناك انتقال واضح بين النوم واليقظة، بل شعور ثقيل، كأن وعيها قد دُفع دفعًا إلى مكانٍ لا يحق له دخوله. الهواء كان ساكنًا… ساكنًا بشكلٍ غير طبيعي، حتى أن صدرها تردد لحظة قبل أن يكمل التنفس، وكأن روحها غير واثق من أخذ هذا النفس. "منزل ريفي عاديًا بما يكفي لطمأنة أي عابر سبيل… وللريبة الكافية لإزعاجه" لقد وجدت نفسها تقف أمام بيتٍ يبدو، للوهلة الأولى ريفيٍّ قديم، جدرانه شاحبة، وبابه موارب…وكأنه دعوة صامتة لانتهاك خصوصية المكان، فكان في وضعٍ لا يُفهم منه إن كان ترحيبًا أم تجاهلًا، وهو أمر كما خطر لها، يشبه كثيرًا بعض المواقف التي لا نُحسن تفسيرها إلا بعد فوات الأوان، يبعث في النفس شعوراً بالانقباض لا تفسير له، ترددت لحظة، لا عن خوفٍ حقيقي، بل عن ذلك الشعور الخفيف بعدم الارتياح الذي نحاول غالبًا تجاهله بدافع الفضول… فتغلب فضولها على حذرها، رغم أن هانا لم تشعر أنها
جلست هانا بالقرب من البحيرة التي اصطحبها إليها يوني، وكأن خطاها كانت تتبع نداءً لا يُسمع إلا له، وقد بدا المكان من حولها هادئًا إلى حد يثير التأمل، إن لم يكن القلق الخفيف. كانت المياه ساكنة كمرآة ميتة تعكس السماء فقط دون حركة، حتى النسيم بدا وكأنه تراجع، خائفًا من أن يُحدث اضطرابًا في هذا الصمت الثقيل، وكأن الطبيعة نفسها قررت أن تتوقف لحظة لتراقب ما سيحدث. لقد وجدت "هانا" نفسها في وضعٍ لم تكن لترتضيه فتاة بذكائها، لولا أن الظروف الاستثنائية تبرر أحياناً الخروج عن القواعد المألوفة. كانت تحاول ترتيب أفكارها التي تبعثرت كأوراق شجر في مهب ريحٍ غامضة، ولكن الأغرب من ذلك أنها بدأت رغم دهشتها، تحاول تقبّل الأمر بقدر من الهدوء، كما لو أن عقلها قد قرر، حفاظًا على توازنه، أن يؤجل الفهم إلى وقت لاحق، كانت تحدّق في الماء، لا لترى انعكاسها، بل لتتأكد عبثًا، أنها ما زالت موجودة. أما يوني، الذي قادها إلى هذا المكان،فكان يقبع فوق صخرة كتمثالٍ بوقارٍ صامت، يراقب الماء بنظرة تو
هانا لم تكن نائمة بعد، ولم تكن مستيقظة بالكامل… كانت روحها، كما لو كانت مسحوبة من جسدها، تبدأ رحلة إلى غابة مظلمة من الأمنيات، رحلة لا تعرف نهايتها… ولا مصيرها، إلا أن شيء واحد صار واضحًا: الكتاب لم يأتِ مجرد هدية… بل كان دعوة، وتحذيرًا، ومصيرًا حيًّا في نفس الوقت. لم تستطع هانا، على وجه الدقة، أن تحدد اللحظة التي استسلمت فيها للنوم. كما لا يشعر المرء بلحظة سقوطه في الهاوية؛ و كما لا يدرك الغريق اللحظة التي يتوقف فيها عن المقاومة. فلم يكن ذلك النوم الذي يأتي تدريجيًا، ولا ذاك الذي يُستدعى براحة، بل أقرب إلى انقطاعٍ هادئ عن الوعي، كأن عقلها وقد أُثقل بما يكفي و قرر أن ينسحب مؤقتًا، تاركًا الجسد يستسلم لما لا يستطيع مقاومته. ثم…استيقظت. لكن الاستيقاظ، هذه المرة، لم يكن عودة، بل انتقالًا. حين فتحت عينيها، لم تفزع. بل شعرت، أول الأمر، بشيء من الارتباك الهادئ. كان هناك اختلاف واضح، لكنه لم يكن صادمًا بالقدر الذي توقعت أنه ينبغي أن يكون علي
كانت الساعة تشير إلى الثالثة والنصف… تلك الساعة التي يبدو فيها الليل وكأنه كائن حي، يراقب… ينتظر. وقت لا يُحبّذ فيه للعقل أن يظل يقظًا، ولا للقلب أن يظل مشغولًا. لم تكن هانا مستيقظة فحسب… بل كانت أسيرة لشيء لا يُرى. النوم لم يعد يهرب منها… بل كأنه نُزع منها قسرًا. لم يكن هذا أمرًا جديدًا عليها؛ فمنذ ثلاثة أشهر، ومنذ فقدان والدها العزيز، أصبحت الليالي أطول مما ينبغي، وأكثر ثِقَلًا مما اعتادت، و المنزل، لم يعد منزلًا… بل قبرًا صامتًا يتنفس الذكريات. تقلبت في سريرها بهدوء، محاولة كما فعلت مرات عديدة من قبل أن تقنع نفسها بالنوم، لكن دون جدوى تُذكر، يبدو أن فراشها نفسه يرفضها. فالوسادة لم تعد مريحة كما كانت، والبطانية أصبحت ثقيلة كأنها تحبس أنفاسها. لم يكن في الأمر دراما، بل استسلام هادئ لحقيقة باتت مألوفة: أن النوم، في هذه الأيام، ليس ضيفًا يسهل استدعاؤه. نهضت واتجهت نحو الشرفة. فتحت الباب الزجاجي، فاستقبلها الهواء البارد، لطيفًا، ومنعشًا إلى حدٍّ ما، رفعت عينيها إلى السماء. بدت النجوم منتظمة وجميلة، والقمر هادئًا في مكانه كعينٍ بيضاء تحدق بلا رمش، كأن العا