LOGINبعد أن استحمت إيليف وجففت شعرها، وضعت مكياجًا خفيفًا. كانت تشعر بحماس وطاقة إيجابية غريبة. وقفت أمام المرآة تبتسم، ثم أخذت تقفز من الفرح وتصرخ بصمت، وكأنها طفلة حصلت على شيء كانت تتمناه منذ زمن.
كانت تعرف أن عمر يحبها. فقد سمعته ذات مرة يتحدث مع زينب، وقال لها: «أنتِ أختي، لكن إيليف... لا أستطيع أن أعتبرها كذلك. لدي مشاعر تجاهها. عندما تبلغ الثامنة عشرة، سأعترف لها وسأطلب يدها للزواج. وأنا أعمل على تكوين نفسي حتى لا تحتاج إلى أحد غيري.» منذ ذلك اليوم، بقيت كلماته عالقة في قلبها. اختارت فستانًا ورديًا بأكمام طويلة، يصل إلى ما تحت ركبتيها بقليل. كان مناسبًا للون بشرتها الحنطية ولجسدها الرشيق وطولها المثالي الذي يبلغ 166 سم. ارتدت حذاءً بكعب بسيط لا يتجاوز خمسة سنتيمترات، وحملت حقيبة بيضاء تتناسب مع لون حذائها. نظرت إلى نفسها في المرآة للمرة الأخيرة، ثم خرجت من الغرفة. كان عمر يجلس في غرفة المعيشة. كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة مع قميص أسود، وقد صفف شعره بعناية. بدا نظيفًا ومرتبًا ووسيمًا بشكل لافت. وما إن وقعت عينا إيليف عليه حتى خفق قلبها بقوة. رفع عمر رأسه عندما شعر بوجودها، ثم نهض من الأريكة واتجه نحوها بخطوات هادئة. توقف أمامها، ونظر إليها بعينين تلمعان بالحنان، ثم ابتسم ابتسامة هادئة وقال: — تبدين في غاية الجمال... هذا الفستان جميل عليكِ. ابتسمت إيليف بخجل، واحمر خداها، ثم قالت: — شكرًا لك... أنت أيضًا تبدو جميلًا اليوم. ابتسم عمر، ثم أمسك يدها وتشابكت أصابعهما. — هيا بنا. خرجا من الشقة، ودخلا المصعد، وبعد أن وصلا إلى الطابق الأرضي غادرا المبنى واستقلا سيارة أجرة. بعد فترة من الطريق، وصلا إلى وجهتهما. كان أمامهما مطعم فخم يطل مباشرة على النهر، يحمل اسم مطعم وادي النيل. كان المكان محاطًا بأشجار كبيرة وحدائق مليئة بالورود، وبالقرب منه حوض أسماك يجتمع حوله الناس وهم يلقون الطعام للأسماك. أما إطلالة النهر، فكانت ساحرة بشكل جعل المنظر بأكمله يبدو كلوحة جميلة. لكن بدلًا من أن تبتسم إيليف، اجتاحها ذعر مفاجئ. التفتت إلى عمر بسرعة وقالت: — عمر! هذا المطعم يبدو غاليًا جدًا! نحن لا نستطيع حتى دفع ثمن كوب ماء هنا. لنعد، ولنذهب إلى مكان آخر. ضحك عمر بخفة، فهو يعرف جيدًا كم تحب إيليف هذه الأجواء؛ النهر، الأشجار، والطبيعة. وكان قد ادخر المال خصيصًا لهذا اليوم. قال مطمئنًا: — لا تقلقي، أستطيع أن أدفع. هيا، لندخل. ترددت إيليف قليلًا. أرادت أن تسأله من أين حصل على المال، وهل أخذه من والده، لكنها قررت ألا تسأله. دخلا المطعم وجلسا على طاولة تطل على النهر مباشرة، وفي الوقت نفسه كانت الحديقة والأشجار والناس واضحة أمامهما. كانت الإطلالة رائعة. أخذ عمر قائمة الطعام، ثم ناولها نسخة منها وقال: — اطلبي ما تشائين ولا تفكري في السعر. واختاري لي أيضًا، فأنا لا أعرف ماذا أريد أن آكل. أخذت إيليف القائمة ونظرت إليها. اتسعت عيناها عندما رأت الأسعار. كانت خيالية! أخذت تقلب الصفحات بسرعة، وفي النهاية اختارت عدة أطباق من الأرخص والمتوسط، متجاهلة تمامًا الأطباق باهظة الثمن. جاء النادل وسجل طلبهما. أما عمر، فطلب طبق مشاوي كان غاليًا بعض الشيء، لكنه لم يكن يهتم. نظرت إليه إيليف بدهشة، لكنها لم تقل شيئًا. بعد أن غادر النادل، ابتسمت له بامتنان وقالت: — شكرًا لك يا عمر. المكان جميل جدًا هنا، لكنك تكلف نفسك كثيرًا. في المرة القادمة، لنذهب إلى مكان أبسط، أفضل، حسنًا؟ نظر إليها عمر بهدوء وقال: — لا تشكريني. اعتبري هذا واجبي. وسنأتي إلى هنا دائمًا، فأنا أيضًا أحببت المكان. بعد قليل، وصلت أطباق الطعام، وكان منظرها شهيًا للغاية. نظرت إيليف إلى عمر بحماس وقالت: — ما رأيك أن نلتقط بعض الصور معًا بعد العشاء؟ ابتسم وقال: — حسنًا. ابتسمت هي أيضًا: — حسنًا. أكملا طعامهما، وتحدثا عن أمور مختلفة، وكانت الأجواء بينهما مريحة ودافئة. وبعد أن انتهيا، نهض عمر وقال: — هيا لنذهب ونتمشى قليلًا، ثم نعود ونأكل الحلوى. نهضت إيليف وسارت معه. مشيا معًا حتى وصلا إلى ضفة النهر. هناك، توقف عمر فجأة. التفت إليها ونظر في عينيها. ساد الصمت للحظات، ثم قال بصوت خافت: — إيليف... نظرت إليه وقالت: — نعم؟ تقدم خطوة، ثم أمسك يدها. كان قلبها يخفق بسرعة. قال عمر: — مهما كان ما سأقوله الآن... لن يؤثر على علاقتنا. سنبقى كما كنا، حسنًا؟ ابتلعت إيليف ريقها، ثم أجابت بصوت متوتر: — حسنًا. كانت قد خمنت ما يريد قوله. لكن الآن، اجتاحها الخوف والتوتر. ماذا لو كان يريد أن يقول شيئًا آخر؟ ماذا لو لم يعترف لها؟ وقفت أمامه تحاول أن تخفي ارتباكها، بينما كان عمر ينظر إليها وكأنه يستجمع شجاعته ليقول شيئًا ظل يخفيه لسنوات. وفي جيب بدلته... كانت العلبة الصغيرة تنتظر اللحظة التي ستغيّر كل شيء.في الجهة الأخرى من المدينة، كان سامي يجلس خلف مكتبه في غرفة شبه مظلمة.لم يكن هناك سوى ضوء خافت صادر من المصباح الموضوع إلى جواره، بينما كان الدخان يتصاعد من سيجارته ببطء ويملأ المكان.كان هادئًا بشكل مخيف.فتح الباب ودخل عدنان، وخلفه رجل في منتصف العمر، بدا عليه الارتباك الشديد.توقف الرجل أمام المكتب، بينما بقي عدنان واقفًا خلفه.رفع سامي عينيه عن الأوراق أمامه.تعلقت عيناه بالرجل للحظات، ثم قال ببرود:"أنت."ابتلع الرجل ريقه."نعم، سيدي."أشار سامي إليه بأن يتقدم.اقترب الرجل بخطوات مترددة، ثم قال بسرعة وكأنه يريد إنهاء الأمر قبل أن يتراجع:"سيدي، لقد نفذت ما طلبته مني. لم أرتكب أي خطأ."ظل سامي صامتًا.أخذ نفسًا من سيجارته، ثم أطفأها ببطء في المنفضة.قال:"هل قلت لك أن تطلق أربع رصاصات؟"ارتجف الرجل."لا، سيدي..."رفع سامي عينيه إليه."إذن لماذا أطلقت أربعًا؟"بدأ الرجل يتلعثم."الرصاصة الرابعة... كانت مجرد خدش. لم تؤذه."ضاقت عينا سامي."لم تؤذه؟"هز الرجل رأسه بسرعة."نعم. الرصاصة لم تصبه إصابة خطيرة."ساد صمت ثقيل.كان الرجل يحاول تبرير فعلته، لكن صوته المرتجف كان يفضحه.كان عد
كان الجميع ينتظرون أمام غرفة العمليات. لم يكن هناك صوت سوى وقع خطوات متوترة، وأنفاس متقطعة، وأصوات الأجهزة القادمة من خلف الباب المغلق. نظر مازن إلى والده، ثم إلى أخيه عامر. كان الاثنان في حالة حزن شديد، لكن فواز كان مختلفًا تمامًا. للمرة الأولى، رأى مازن دموع والده. الرجل الذي اعتاد أن يراه قويًا، صلبًا، لا يسمح للخوف بأن يظهر على ملامحه، كان يجلس الآن ورأسه منخفض، ويداه متشابكتان بقوة، وكأن كل قوته قد استُنزفت في تلك الساعات. رفع فواز عينيه نحو باب غرفة العمليات. تمتم بصوت مكسور: — عمر.... ارتجف صوته. — أنا وجدتك بعد كل هذه السنوات... لا تجعلني أخسرك الآن. كان عامر يجلس إلى جواره، وقد أطرق رأسه وهو يخفي دموعه. لم يستطع أن يتوقف عن التفكير في طفولتهما. عامان فقط عاشهما مع عمر، لكنهما كانا كافيين ليتركا داخله أثرًا لم يمحُه الزمن. أما فواز... فكان عمر الطفل الهادئ الودود ابنه من حب حياته ساره الذي لم يفارقه إلا يوم وفاة والدته. ضاع منه. والآن، بعدما عثر عليه أخيرًا، بعدما قرر أن يصلح كل ما أفسده الزمن، أصبح عمر بين الحياة والموت. قال عامر بصوت خافت: — أبي... سيعيش.
كان عمر يقف إلى جوار والده فواز، والمدرب عباس، وسيف وجمال، يتحدثون بهدوء، غير مدرك أن ثوانٍ قليلة تفصله عن لحظة ستقلب الحفل بأكمله إلى كابوس. كانت إيليف تقف على مسافة قريبة منه، إلى جانب زينب وليث وأحمد وبقية الحاضرين. لم يكن أحد منهم يعلم أن عينين تراقبانهم من بعيد. فوق سطح الفيلا المقابلة، استقرت فوهة بندقية قنص بين يدي رجلٍ يراقب الحفل من خلال منظاره. كان يبحث عن هدف واحد فقط. عمر. تحركت عدسة المنظار بين الحاضرين، إلى أن استقرت عليه. كان عمر مميزًا بين الجميع بملابسه البيضاء. تمتم القناص لنفسه: — وجدتك. رفع البندقية ببطء، واستقر الضوء الأحمر على صدر عمر. ثم ارتفع قليلًا... حتى استقر فوق كتفه. في تلك اللحظة، لمح سيف الضوء الأحمر. اتسعت عيناه. — عمر! لكن صوته جاء متأخرًا. دوّى صوت الرصاصة. اخترقت الرصاصة كتف عمر. تجمد جسده في مكانه، وتجمد الجميع معه لجزء من الثانية، وكأن عقولهم رفضت تصديق ما حدث. ثم دوّى صوت آخر. رصاصة ثانية. أصابت ذراعه. وثالثة... استقرت في بطنه. تعالت صرخات الحاضرين، لكن القناص لم يتوقف. أطلق رصاصة رابعة. مرت بمحاذاة رقبته، خدشت جلده، ثم
جرى الحفل على ما يرام، وكانت الأجواء مليئة بالضحكات والأحاديث والموسيقى. كان الجميع مستمتعًا بالحفل، بينما كانت جمانة تراقب إيليف بين الحين والآخر بنظرات لم تستطع إخفاء ما خلفها من ضيق. لم تكن تكره إيليف لسبب واضح، لكنها كرهت أكثر فكرة أن يقارنها أحد بها. في عقلها، لم تكن هناك فتاة تستطيع أن تضاهيها. كانت تنظر إلى فستانها بثقة، ثم إلى إيليف، وتقول في نفسها: "فستاني أجمل... وأنا أجمل منها بكثير. لا أعرف لماذا ينظر إليها الجميع وكأنها مميزة." لم تكن جمانة مستعدة للاعتراف بأن وجود إيليف بجانب عمر يزعجها أكثر مما ينبغي. --- حان وقت تقطيع الكيك. وقف عمر أمام الكعكة وسط التصفيق والتهاني، وأمسك السكين وبدأ بتقطيعها. تعالت الضحكات والتصفيق من حوله، والتقط البعض الصور، بينما كان فواز يقف بعيدًا يراقب ابنه بسعادة. بدا كل شيء مثاليًا. لكن تلك اللحظة لم تدم طويلًا... بدأت موسيقى هادئة تنساب في أرجاء القاعة، فتبدلت الأجواء تدريجيًا. نظر عمر إلى إيليف للحظات، ثم اقترب منها ومد يده إليها. قال بابتسامة: — هل تسمحين لي بهذه الرقصة؟ رفعت إيليف عينيها إليه، ثم نظرت إلى يده للحظة قبل أن
سحب عمر إيليف من يدها رغم اعتراضها، وأبعدها عن الحفل. كان يريد أن يتحدث معها بعيدًا عن أعين الجميع، وأن يبرر لها ما حدث قبل أن يزداد سوء فهمها. نظر أحمد إلى الجهة التي ذهب إليها الاثنان، وظل يتابعهما بعينيه حتى اختفيا عن الأنظار. كانت زينب قد لاحظت الموقف، فسألت بقلق: — ماذا حدث؟ أجاب أحمد ببرود: — إنهما يتشاجران. سأل ليث باستغراب: — لماذا؟ تردد أحمد للحظة، ثم قال: — ربما... عمر خان إيليف. وما إن نطق بالجملة حتى شعر بشيء غريب في داخله. تسللت إليه بهجة مفاجئة، وكأن احتمال انفصالهما قد منحه أملاً لم يكن يتوقعه. لكن زينب هزت رأسها رافضة: — مستحيل. عمر يحبها كثيرًا، وهو يحبها منذ أن كان طفلًا. لا أعتقد أنه قد يفعل ذلك. ثم التفتت إلى أحمد وسألته: — عن ماذا كانا يتحدثان أمامك؟ أجابها: — سمعت إيليف تقول له إنها لن تسامحه، وطلبت منه أن يذهب إلى حبيبته الشقراء. رفع ليث حاجبه وقال: — هل تقصد جمانة؟ أجاب أحمد: — لا أعرف. نظرت زينب إلى ليث باستغراب: — ومن هذه؟ ابتسم ليث بسخرية وقال: — رأيناها عندما ذهبنا لشراء الملابس. ويبدو أنها معجبة بعمر. ثم أض
جاء يوم عيد ميلاد عمر أخيرًا.منذ الصباح، كان فواز يشرف بنفسه على كل تفاصيل الحفل. فقد أراد أن يكون عيد ميلاد ابنه مميزًا، لذلك دعا عددًا كبيرًا من الأقارب والأصدقاء وكبار رجال الأعمال، بالإضافة إلى عدد من أصدقائه القدامى في الجيش، ومن ضمنهم المدرب عباس.أما أصدقاء عمر المقربون، فلم يكونوا كثيرين؛ كان أمجد وعائلته، وسيف وجمال.كما حضرت ريم برفقة والديها وشقيقها إبراهيم، بالإضافة إلى أحمد ويعقوب.كان الحفل كبيرًا وفخمًا، والضيوف جميعهم يرتدون ملابس أنيقة تليق بالمناسبة.وسط ذلك الجمع، كانت إيليف تخطف الأنظار أينما ذهبت.كانت ترتدي فستانها الاحمر الغامق انيقًا، أبرز طولها ورشاقتها، لكن أكثر ما أثار إعجاب الجميع كان شعرها الطويل الذي يصل إلى ركبتيها تقريبًا. اختارت اليوم أن تتركه منسدلًا، وصففته بتجعيدات بسيطة وناعمة زادت من جمال مظهرها.اقتربت منها أكثر من امرأة خلال الحفل، يسألنها بدهشة:— هل شعركِ حقيقي؟ابتسمت وأجابت:— نعم، طبيعي.— إنه مذهل! ما المنتجات التي تستخدمينها للعناية به؟ضحكت إيليف بخفة......في الجهة الأخرى، كان عمر يقف إلى جانب والده.كان يبدو في غاية الوسامة. ارتدى بدل