로그인أشرقت شمس صباح شتوي جديد، لكنها لم تكن باهتة أو باردة هذه المرة؛ بل أرسلت خيوطاً ذهبية دافئة انسابت بنعومة عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة لفيلا جيداء وياسين الجديدة. كان البيت يفوح برائحة القهوة الطازجة الممتزجة بعبير أخشاب الصنوبر، وساد أرجاء المكان ذلك النوع من السلام النقي والعميق الذي لا يولد إلا بعد انقشاع أعتى العواصف في صالة الاستقبال المطلة على حديقة غناء خالية من أية ظلال منسية ، كانت جيداء تقف عند حافة النافذة، ترتدي كنزة صوفية بيضاء مريحة، و تضم كفيها حول كوب دافئ. لم تكن نظراتها حائرة أو تائهة في سراب الماضي؛ بل كانت عيناها الواسعتان تشتعلان ببريق دافئ يفيض بالسكينة والرضا التام. لقد استعادت اسمها وهويتها، لكنها اختارت يقيناً أن تبني مستقبلها باسم "جيداء" المهندسة المستقلة التي انتزعت حريتها بعنادها المتمرد.قطع تأملها الهادئ شعورها بـ كفين كبيرتين ودافئتين تحيطان بخصرها من الخلف برقة بالغة وحنو جارف . لم تلتفت ذعراً؛ فقد كانت تحفظ هذه اللمسة عن ظهر قلب. أحكم ياسين قبضته حولها، ودفن وجهه في خصلات شعرها الطويل متنشقاً عبيرها، ثم
فتحت ندى باب شقتها الجديدة و الابتسام ة لم تفارق وجهها المشرق بعد عودتها من شهر العسل، و ما إن رأت جيداء تقف عند العتبة حتى اندفعت نحوها و تعانقتا بحرارة طوت أسابيع البعد و الغياب. تمسكت ندى بيد جيداء و قادتها نحو الداخل و هي تقص عليها بلهفة تفاصيل رحلتها ، لكن خطوات جيداء تباطأت فجأة عندما دخلت إلى صالة الاستقبال الواسعة. هناك، لم يكن زوج ندي فارس يجلس بمفرده ؛ بل كان آسر السيوفي يجلس مقابلاً له ، حاملاً كوب الشاي و ملامحه يغلفها وجوم حذر و تعب دفين التفتت ندى نحو جيداء بسرعة، و ظهر الارتباك على ملامحها و قالت بنبرة خافتة تحمل اعتذاراً صادقاً: — أنا آسفة جداً يا جيداء.. لم أكن أعلم أن فارس قد دعاه الليلة، لقد فاجأني بحضوره قبل دقائق.نظرت جيداء إلى آسر بنظرة باردة و متزنة خلت من أي غضب أو عداء، ثم التفتت نحو ندى و ربتت على كتفها ببساطة قائلة: — لا بأس يا ندى.. ليس هناك أي داعٍ للاعتذار ، الأمر طبيعي.نهض آسر من مكانه ببطء، و تلاقت عيناه بعيني جيداء، و أومأ برأسه بتحية هادئة و نبرة رخيمة حملت الكثير من الحذر:— أهلاً يا جيداء.. أتمنى أن تكوني بخي
ساد هدوء غير مألوف داخل شقة جيداء بعد ليلة بدت أطول من العمر كله. كانت أضواء المدينة تتسلل عبر النافذة الواسعة، فترسم خطوطًا باهتة فوق أرضية الصالة، بينما انتشرت رائحة القهوة التي أعدها ياسين بصمت قبل دقائق، ثم انسحب إلى الشرفة ، تاركًا الأب وابنته وحدهما لأول مرة منذ سنوات . جلست جيداء على الأريكة المقابلة. لم تعد ترتجف كما كانت في القبو. لكن داخلها كان ما يزال يعج بأسئلة لم تجد لها إجابة. أما يزيد...فجلس على المقعد المقابل لها. كانت المسافة بينهما لا تتجاوز خطوات قليلة. ومع ذلك...بدت له أطول من عشرين عامًا. ظل ينظر إليها طويلًا. يتأمل ملامحها طريقة جلوسها حركة أصابعها. حتى الطريقة التي كانت تضم بها كفيها فوق ركبتيها. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال بهدوء: — كنتِ تفعلين الحركة نفسها وأنتِ صغيرة. رفعت جيداء رأسها باندهاش. ابتسم بحنين، وأشار إلى يديها. — عندما كنتِ تشعرين بالقلق... كنتِ تضمين أصابعك بالطريقة نفسها. نظرت إلى كفيها دون أن تشعر. ثم ابتسمت ابتسامة خافتة لأول مرة. ساد الصمت من جديد. لكنه لم يكن صمتًا ثقيلًا هذه المرة. بل صمت شخصين يحاولان التعرف إ
اندفعت الأجساد الثلاثة داخل الممر السفلي الضيق، و دفع ياسين الباب الحديدي الثقيل بقوة جردت القبو من سكونه المريب . تداخلت أنوار كشافات الهواتف مع عتمة القبو الرطبة ، لتكشف عن جيداء المستندة بجسدها المنهك إلى الجدار الترابي البارد، و عالية التي كانت تقف في المنتصف و عيناها تلمعان بتوتر حاد أخفته في أجزاء من الثانية بمجرد رؤيتها لسعد و ياسين و فور دخولهم، حدث تحول مباغت؛ تلاشت ملامح الجنون والجشع من وجه عالية في رمشة عين، و ارتخت يدها لتبعد السلاح خلف ظهرها بآلية مذهلة. التفتت نحو زوجها سعد، و انفجرت بالبكاء الحار و المرير، مرتدية بكامل دهائها النرجسي و قناع الأم المثالية و الضحية المظلومة مجدداً ركضت نحوه و أسندت رأسها على صدره بنحيب مصطنع يمزق القلوب، و قالت بصوت خافت يرتجف لوعة:— سعد!.. الحمد لله أنك أتيت يا حبيبي .. أنقذني! هذه الفتاة هددتني و استدرجتني إلى هذا المكان الملعون بمساعدة ياسين و يزيد لتبتزني و تجبرني على التنازل عن أملاكي ! لقد رفعت السلاح في وجهي و أرادت قتلي احتضنها سعد بآلية و غريزة "العاشق الأعمى" التي لم تتبدل طوال السنو
لم يطمئن ياسين إلى الهدوء الذي غادرت به جيداء البناية. منذ اللحظة التي رآها تفتح باب سيارة عالية، شعر بغصه في معدته تحرك داخله ذلك ذلك الإحساس الذي طالما أنقذه من الكوارث لم يحاول إيقافها. اكتفى بأن شغّل محرك سيارته، و انطلق خلفهما من مسافة بعيدة، حريصًا ألا تلتفت عالية إلى وجوده. علي الجانب الاخر و علي المقعد المجاور لعالية، جلست جيداء صامتة. كانت تراقب الطريق بعينيها، بينما انشغلت أصابعها أسفل حقيبتها بهاتفها المحمول. بهدوء شديد، فتحت تطبيق الموقع. ثم ضغطت على زر مشاركة موقعها المباشر. تاكدت انها أرسلته إلى شخصين... ياسين...و يزيد الراوي. أغلقت الهاتف بهدوء ، و أعادته إلى حقيبتها، ثم التفتت نحو عالية التي كانت تقود السيارة بصمت غريب. لم تقل شيئًا. لكن شيئًا ما في عينيها لم يكن طبيعيًا ظل ياسين يتابع السيارة بهدوء لكن بعد دقائق... بدأ الطريق يتغير. و أصبحت الأشجار اليابسة تحيط بالطريق من الجانبين. تجهم ياسين لثواني ثم توقف قلبه للحظة عندما رأى اسم المنطقة الذي ظهر على شاشة الهاتف. الفيلا القديمة فيلا سعد الفاروق المكان الذي عاش فيه ياسين سنواته الاولي
انقشع الذكريات العنيفه شيئًا فشيئًا، و عادت جيداء إلى وعيها بصعوبة. فتحت جيداء عينيها ببطء، و شعرت ببرودة الأرض الترابية تخترق جسدها. كان الهواء في القبو ثقيلاً ، مشبعًا برائحة الرطوبة القديمة، و كأن السنوات الخمس عشرة الماضية لم تغادر هذا المكان قط. ارتجفت أنفاسها رفعت رأسها بصعوبة، و نظرت حولها. الجدران الحجرية...الباب الحديدي الصدئ... السلاسل المعلقة في الزاوية...كل شيء عاد كما كان. لم يعد الأمر مجرد صور متفرقة في رأسها. لقد تذكرت.... تذكرت كل شيء. تدفقت الدموع من عينيها دون أن تشعر، و همست بصوت مرتجف:— لقد... كنت هنا..من قبل. ابتسمت عالية ابتسامة باردة و هي تقف أمامها، ثم صفقت ببطء و كأنها تشاهد عرضًا طال انتظاره. — أخيرًا... بدأت ذاكرتك تعمل. رفعت جيداء رأسها إليها، و عيناها تمتلئان بالصدمة. — أنتِ... أنتِ من فعل هذا بي؟ تنهدت عالية بضيق، ثم جلست على المقعد الخشبي المقابل لها، و قالت بنبرة هادئة على غير عادتها: — لا تنظري إليّ بهذه الطريقة.... لا تعرفين شيئًا. صاحت جيداء بانفعال: — إذًا أخبريني! لماذا؟ لماذا فعلتِ هذا بابنتك؟ أغمضت عالية عينيها لثوان
: الفصل الثاني: حين هرب القلب إلى سجانة (تراجع جيداء بظهرها لتستند إلى باب غرفتها المغلق، أنفاسها المتسارعة بعد مواجهة آسر تعيدها رغماً عنها إلى ذلك اليوم.. قبل ثلاث سنوات.) كانت "جيداء" غا
الفصل الثامن: حكمة الصقرفي أطراف المدينة، حيث يقع القصر العتيق لـ "كبير عائلة السيوفي"، كانت جيداء تسير في الممرات الرخامية بهدوء. الجد "منصور السيوفي" لم يكن مجرد رجل ثري، بل كان هو من بنى هذه الإمبراطورية بساعديه، وكان الوحيد الذي لا يجرؤ أحد، ولا حتى آسر، على معارضة كلمته.
الفصل السادس: حرب المسافات في مكاتب "مجموعة السيوفي"، كان التوتر ملموساً. الموظفون يتبادلون النظرات القلقة؛ فالسيد آسر السيوفي منذ الصباح يوزع ملاحظاته القاسية على الجميع، ومكتب المهندسة "جيداء" كان المحطة الرئيسية لغضبه. دخل آسر إلى قسم التصميم دون س
(داخل مكتب آسر السيوفي - الطابق العلوي)طرقت جيداء الباب بهدوء، وحين سمعت صوته الرخيم يأذن لها بالدخول، استجمعت كل ذرة برود تمتلكها. دخلت المكتب الفخم الذي تطل جدرانه الزجاجية على المدينة بأكملها. كان آسر يجلس خلف مكتبه العريض، غارقاً في مراجعة بعض المخططات، ولم يرفع بصره عنها







