Masukمرّت أيام التحضير أسرع مما توقعت ديما.
بين الحصص والدفاتر وترتيب البيت، كانت تجمع دقائق صغيرة لتجهز نشاط القراءة. قصّت بطاقات، واختارت قصصًا تناسب الأطفال، ثم أعادت توزيع الأدوار حين اكتشفت أن بعضهم يخشى الوقوف أمام الناس أكثر مما يخشى القراءة نفسها. لم ترد أن يكون الصباح عرضًا مثاليًا. أرادت أن يرى الأهل أطفالهم كما هم؛ يترددون، ويسألون، ويخطئون ثم يحاولون مرة أخرى. في البيت، كانت ترتب احتياجات طلال قبل أن تنشغل بأوراقها. تجهز ملابسه، وتتأكد من إفطاره، وتترك عشاءه محفوظًا إن لم يعرف موعد عودته. لم يتغير شيء ظاهر في عنايتها به. لكنها توقفت عن اعتبار كل حركة بسيطة منه جوابًا عن الأسئلة التي لم يجب عنها. أما جود، فلم تذكر اسمها. بقي الاسم في ذهنها، قريبًا من الصورة، ومن ضحكة لم تعرفها. --- قبل النشاط بثلاثة أيام، جلست ديما إلى طلال بعد العشاء. كان يراجع بعض الرسائل، فانتظرت حتى وضع الهاتف. قالت: «سيكون صباح القراءة يوم الخميس.» أومأ. «أذكر أنك تحدثتِ عنه.» «سيبدأ في العاشرة، وينتهي قبل الحادية عشرة.» نظر إليها، منتظرًا. وضعت بطاقة صغيرة أمامه. «أحب أن تحضر، إن استطعت.» أخذ البطاقة. كانت بسيطة، كتبت اسم المدرسة في أعلاها، وتحتها عنوان النشاط وموعده. ساعد أحد الأطفال في رسم كتاب مفتوح عند الزاوية، فلم تتساوَ صفحتاه. تأملها طلال لحظة. «هذا في أثناء العمل.» «أعرف. لا أطلب أن تبقى طوال الوقت. يمكنك حضور الجزء الأول فقط.» «لم أراجع مواعيد الخميس بعد.» أحست برغبة في سحب البطاقة والقول إن الأمر لا يهم. لكن الأمر كان يهم. قالت: «أخبرني حين تعرف. سأحفظ لك مكانًا إذا كنت ستأتي.» وضعها قرب هاتفه. «سأرى.» لم تعد تلك العبارة تكفي لتبني حولها صباحًا كاملًا. أومأت، ثم عادت إلى أوراقها. بعد قليل، سأل: «ماذا سيفعل الأطفال؟» رفعت رأسها. شرحت له فكرة المجموعات، وكيف سيقرأ كل طفل جزءًا يناسب مستواه، ثم يشارك الأهل في نشاط قصير. استمع، ونظر مرة أخرى إلى البطاقة. قال: «لا تجعلي التحضير يستهلكك.» ابتسمت ابتسامة خفيفة. «أحب التحضير.» لم تضف أنها تحب أن يسأل أيضًا. --- في اليوم التالي، رفض الصبي المتردد دوره. جلس أمام الورقة، وهز رأسه كلما اقتربت منه. انحنت ديما إلى مستواه. «ما الذي أزعجك؟» «لا أريد أن أقرأ.» «يمكننا اختيار سطر أقصر.» «لا.» جلست على المقعد المجاور. لم تنظر إلى الورقة. نظرت إليه. «هل المشكلة في الكلمات، أم في وجود الناس؟» أخذ وقتًا قبل أن يجيب. «إذا أخطأت، سيعرف أبي.» «أبوك يعرف أنك ما زلت تتعلم.» حرك كتفيه. لم يكن مقتنعًا. قالت ديما: «لا يجب أن تقرأ أمام الجميع. يمكنك أن تختار كتابًا وتريه له عند طاولتك.» رفع عينيه. «فقط؟» «فقط. وإذا أردت أن تقرأ شيئًا، يمكنك ذلك.» فكر قليلًا. ثم سحب الكتاب نحوه. «هذه القصة.» ابتسمت. «اختيار جيد.» في آخر الحصة، مرّت به مرة أخرى. كان يحاول قراءة السطر الذي رفضه قبل نصف ساعة، ويضع إصبعه تحت الكلمات. لم تقل له إنها رأته. تركت المحاولة له. --- مساء الأربعاء، أعدّت ديما حقيبتين للمدرسة. وضعت في الأولى الكتب، وفي الثانية الأدوات التي ستستخدمها المجموعات. رتبت الأشياء على الطاولة، ثم راجعت قائمة الأسماء. حين نزل طلال من غرفته، كانت تثبت آخر بطاقة. قال: «لم تنتهي بعد؟» «هذه الأخيرة.» جلست معه إلى العشاء، وانتظرت حتى تناول بعض الطعام. «هل عرفت إن كنت تستطيع الحضور غدًا؟» نظر إلى هاتفه الموضوع قرب الطبق. «لدي اجتماع في الصباح.» خفّ الأمل في صدرها. «في الوقت نفسه؟» «قد ينتهي قبله.» لم تجبه فورًا. رفع عينيه. «إذا انتهيت، سأمرّ.» قالت: «هل أعدّ حضورك مؤكدًا؟» «قلت إذا انتهيت، يا ديما.» كانت النبرة بداية ضيق تعرفه. أومأت. «حسنًا. لن أؤكد مقعدًا باسمك. إذا وصلت، سيجدون لك مكانًا.» نظر إليها لحظة. «كما تريدين.» عادت إلى الطعام. لم تكن العبارة عقابًا، ولم تكن تحاول أن تمنعه من الحضور. أرادت فقط ألا تضع وعدًا على ورقة، ثم تراقب مقعدًا فارغًا بسببه. بعد العشاء، اتصلت بأبيها لتطمئن عليه. سألها عن النشاط. أخبرته أن كل شيء جاهز تقريبًا. قال: «ومتى تريدينني أن أصل؟» ابتسمت. «قلت لك إنك لست مضطرًا.» «وأنا لم أسألك إن كنت مضطرًا. سأحضر لأرى ما تتحدثين عنه منذ أسبوع.» ضحكت. «قبل العاشرة بقليل.» «إذن قبل العاشرة.» لم يكن في جوابه شيء تحتاج إلى تأويله. --- استيقظت ديما صباح الخميس قبل المنبّه. جهزت إفطار طلال، ثم وضعت قميصه وستره على المقعد. تناولت طعامها بسرعة، وتأكدت من أن حقيبتيها قرب الباب. حين نزل، كانت تصب قهوته. نظر إلى ثوبها. «هذا للنشاط؟» «نعم.» كان بلون فاتح، اختارته لأنه مريح للحركة بين الطاولات. رفعت شعرها، واكتفت بالقرطين الصغيرين. جلس. بقيت معه حتى تناول بعض الإفطار، ثم سألته إن كان يحتاج شيئًا آخر. قال لا. حملت حقيبتها، وتوقفت عند الباب. أرادت أن تذكّره. نظرت إليه، فرفع رأسه. «ماذا؟» ابتسمت قليلًا. «سأذهب.» أومأ. قالت: «أتمنى أن تستطيع الحضور.» «إذا انتهى الاجتماع.» خرجت. في الطريق، راجعت ترتيب الفقرات، ثم أغلقت القائمة ووضعتها داخل الحقيبة. لا تريد أن تقضي يومها في مراجعة احتمال واحد. --- كانت المدرسة أكثر ازدحامًا من المعتاد. وقف الحارس يوجه الزوار إلى القاعة الصغيرة، والمعلمات ينقلن الكتب والمقاعد. ساعدت ديما في تثبيت لوحة المدخل، ثم دخلت لتتفقد الطاولات. على كل طاولة قصة، وأوراق، وأقلام. لم تكن الزينة كثيرة. بعض الرسوم التي صنعها الأطفال، وعنوان كبير كتبوه معًا: «نقرأ لنحكي.» اقتربت هالة. «هل أنت مستعدة؟» نظرت ديما حولها. «أظن ذلك.» ابتسمت المديرة. «هذا أفضل من أن تقولي إن كل شيء مثالي.» في العاشرة إلا ربعًا، رأت أباها يدخل. كان يرتدي قميصًا مكويًا بعناية، ويحمل نظارته في يده. وقف عند الباب يبحث عنها، فلما وجدها اتسعت ابتسامته. ذهبت إليه. «وصلت مبكرًا.» «خشيت أن أضيع الطريق.» «أنت تعرف المدرسة منذ سنوات.» «لكنني اليوم زائر مهم.» ضحكت، وأخذته إلى مقعد قريب من الخلف. قال: «لماذا في الخلف؟» «حتى أستطيع أن أراك من دون أن أنسى ما أقول.» وضع يده على يدها. «لن تنسي.» --- بدأ النشاط في موعده. وقفت ديما أمام الحاضرين، وشرحت الفكرة باختصار. كانت ترى أباها قرب النافذة، وبعض الزميلات إلى جانب الباب، والأطفال الذين يبحثون بعيونهم عن أهلهم. لم تبحث عن طلال في البداية. طلبت من الجميع أن يجلسوا إلى الطاولات، وبدأت المجموعة الأولى. قرأ طفل بصوت مرتفع أكثر مما ينبغي، فضحكت أمه وأشارت إليه أن يهدأ. توقفت طفلة عند كلمة، ثم حاولت تخمينها من الصورة. اقتربت ديما. لم تعطها الإجابة فورًا. ساعدتها على تقسيمها، ثم ابتعدت حين استطاعت قراءتها. بعد دقائق، انفتح الباب. تحركت عيناها إليه من غير قصد. دخلت إحدى الموظفات تحمل أوراقًا إضافية. عادت ديما إلى الطاولة. كان عليها أن تساعد طفلًا، لا أن تعدّ من دخل ومن لم يدخل. --- عند مجموعة الصبي المتردد، وجدت أباه جالسًا قربه. كان الطفل يحمل القصة التي اختارها، ويشرح الصورة الأولى. أصغى الأب، وسأله عن الشخصية المرسومة عند طرف الصفحة. اقتربت ديما، ثم وقفت على مسافة. قال الصبي: «أستطيع أن أقرأ هذه.» تحركت يد أبيه نحو الكتاب. «دعني أرى.» أمسك الطفل بالصفحة. «أنا أقرأ.» ابتسم الأب، وسحب يده. بدأ الصبي. توقف مرتين، وأعاد كلمة، ثم نظر إلى ديما. أومأت من مكانها. أكمل السطر. قال أبوه: «جيد.» لم تكن كلمة كبيرة، لكن وجه الطفل تغير بعدها. خفض الكتاب قليلًا، وأشار إلى السطر التالي. «وهذه أيضًا.» ابتعدت ديما، وأحست براحة لا تتصل بمن حضر من أجلها. كان هذا ما أرادت أن يحدث. --- مع اقتراب النهاية، طلبت من الأهل والأطفال اختيار كتاب يستطيعون قراءته معًا خلال الأسبوع. حدث ارتباك بسيط عند توزيع الأوراق. نقصت نسخ، وانسكب الماء فوق طاولة، واعترض طفل لأنه أراد كتابًا اختاره غيره. لم يكن الصباح مثاليًا. لكنه كان حيًّا، ومليئًا بما تعرف كيف تتعامل معه. حين انتهى، شكرتها أمّ، وسألها أب عن الكتب المناسبة لطفل لا يحب الجلوس طويلًا. أجابت، ودوّنت عنوانين على ورقة صغيرة. اقتربت هالة بعد خروج معظم الحاضرين. «كان جيدًا يا ديما.» أطلقت نفسًا طويلًا. «انتهى أسرع مما توقعت.» «لأنك كنت مشغولة فيه.» نظرت إلى الباب. كان خاليًا الآن. لم يصل طلال. قالت هالة: «هل تنتظرين أحدًا؟» عادت إليها. «لا. انتهينا.» --- وجدت أباها يساعد أحد الأطفال في جمع الأقلام. قال حين رآها: «هل هذه أيضًا مهمة الزائر المهم؟» ضحكت. «لقد جعلوك تعمل.» «أفضل من الجلوس.» انتظرها حتى رتبت أغراضها، ثم خرجا إلى الساحة. قال: «كنتِ جيدة.» خفضت عينيها بابتسامة. «أنت تقول ذلك لأنك أبي.» «وأنت تعرفين أنني لا أجيد إخفاء رأيي.» جلسا على مقعد قرب الشجرة. كانت بحاجة إلى دقائق تستوعب فيها أن التحضير انتهى، وأن ما كانت تتخيله صار صباحًا حقيقيًا. سألها أبوها: «هل استطاع طلال الحضور؟» هزّت رأسها. «كان لديه اجتماع.» لم يقل شيئًا يبرر عنه، ولم يطلب منها أن تعذره. قال فقط: «كنت أتمنى أن يراك.» نظرت إلى يديها. «وأنا أيضًا.» بعد لحظة، أضافت: «لكنني سعيدة باليوم.» ابتسم أبوها. «من حقك.» عادت ابتسامتها. كانت حزينة لأنه لم يأتِ. وكانت سعيدة لأنها نجحت. لم يعد الشعوران يلغي أحدهما الآخر. --- بعد الظهر، أرسلت إليها زميلتها صورًا من النشاط. في إحداها، كانت منحنية قرب طفلة تقرأ، وفي أخرى تقف أمام الطاولات، ويدها تشير إلى كتاب مفتوح. تأملتها ديما. لم تكن تراقب وجهها، ولا تتساءل إن كانت ابتسامتها تبدو أكبر مما ينبغي. كانت تتذكر ما حدث في كل لقطة. أرسلت إلى طلال صورة واحدة، وكتبت: «انتهى النشاط. سار جيدًا.» لم تسأله عن سبب غيابه. هو أخبرها أن حضوره مشروط بانتهاء الاجتماع، وهي عرفت منذ المساء أنه قد لا يأتي. لكنها تمنّت أن يسأل. وضعت الهاتف، وأكملت عملها. عند نهاية الدوام، وجدت ردّه: «جيد. لم أتمكن من الخروج.» قرأت الرسالة. ثم كتبت: «أعرف. أتمنى أن يكون اجتماعك سار جيدًا.» لم يصل رد آخر. --- عادت إلى البيت متعبة، وبدأت تجهيز عشاء بسيط. كانت تريد أن تنتهي مبكرًا، وتستريح بعد يوم أمضته واقفة. رتبت الطعام، ثم صعدت لتبدل ملابسها. حين عادت إلى الأسفل، رنّ الجرس. كان موظف توصيل يحمل ظرفًا، وطلب توقيعًا باستلامه. «للسيد طلال.» تأكدت ديما من الاسم، ثم وقّعت. لم يحمل الظرف شعار شركة. ورق عاجي سميك، واسمه مكتوب بخط يدوي متأنٍّ. سألت: «هل يحتاج إلى تسليمه شخصيًا؟» «لا. يكفي الاستلام.» شكرته وأغلقت الباب. وضعت الظرف على الطاولة قرب المفاتيح، ثم أخذت هاتفها لتخبر طلال بأنه وصل. كتبت الرسالة، وأرفقت صورة للظرف حتى يعرف المقصود. ظهر اسم المرسل على ملصق صغير في الخلف حين قلبته لتضعه. جود. توقفت. لم تحتج إلى قراءة الرسالة الداخلية كي تعرف أن الاسم الذي طُلب منها ألا تذكره عاد إلى البيت بنفسه. وضعت الظرف كما كان. لم تفتحه. لكنها لم تعد تستطيع المرور بجانب الطاولة من دون أن تراه. --- عاد طلال قبل التاسعة. أخذت معطفه، وسألته عن حاله، ثم أخبرته أن العشاء جاهز. قال: «سآكل بعد أن أبدل ملابسي.» أومأت. كانت ستشير إلى الظرف، لكنه رآه. توقف عند الطاولة. «هذا الذي أرسلتِ صورته؟» «نعم. وصل بعد عودتي.» أخذه. رأت عينيه تنتقلان من اسمه إلى الجهة الخلفية. تغير وجهه. لم يكن التغير كبيرًا؛ توقف إبهامه، وانشد فمه قليلًا، وبقي ينظر إلى الظرف أطول مما يحتاج إليه لقراءة اسم. شعرت ديما أنها تراه يدخل إلى مكان لا تستطيع أن تتبعه إليه. قالت: «هل تريد أن أضع العشاء الآن؟» رفع عينيه، كأنه تذكر وجودها. «بعد قليل.» تحرك نحو المكتب. بقيت واقفة، ومعطفه بين يديها. عند الباب، توقف والتفت. «هل وقّعتِ باستلامه؟» «نعم.» «هل قالوا شيئًا؟» هزّت رأسها. «موظف توصيل فقط.» أومأ. دخل وأغلق الباب. --- علقت ديما المعطف، ثم ذهبت إلى المطبخ. خفضت حرارة الطعام، ووضعت طبقًا له. لم تفكر في الاسم وحده، بل في السؤال الذي طرحه قبل دخوله: هل قالوا شيئًا؟ كان يريد أن يعرف إن كان الظرف قد حمل معه كلامًا آخر. لم تكن تعرف إن كانت جود في المدينة، ولا لماذا كتبت بعد سنوات، ولا إن كانت تلك أول رسالة تصل منهما إلى بعضهما. كل ما تعرفه أنها أرسلت إليه صورة من يومها، فأجاب بكلمتين. أما هذا الظرف، فقد أخذه معه وأغلق الباب. جلست أمام الطاولة الصغيرة في المطبخ، وفتحت صور النشاط. وصلتها رسالة من هالة: «سنعتمد نشاط القراءة مرة كل شهر. أريدك أن تقترحي خطة للشهر المقبل.» ابتسمت رغم انقباض صدرها. كتبت أنها ستفعل. بعد دقائق، نهضت وحملت الماء إلى المكتب. طرقت الباب. تأخر جوابه، ثم قال: «نعم؟» «أحضرت الماء.» صمت لحظة. «اتركيه في الخارج.» وقفت تحمل الكأس. كان يسمح لها بالدخول حين توجد ملفات وصفقات ومشكلات لا تفهمها كلها. الآن، لأول مرة منذ مدة، لم يرد أن تدخل أصلًا. وضعت الماء على الطاولة القريبة، وعادت إلى غرفة الجلوس. --- لم تشغل نفسها بمحاولة سماع ما يجري. جمعت أوراق المدرسة، ووضعتها في حقيبتها، ثم اختارت صورة ترسلها إلى أبيها. الصورة التي يظهر فيها جالسًا قرب الشجرة. كتبت: «شكرًا لأنك حضرت.» ردّ: «لا يحتاج هذا إلى شكر. أنا فخور بك.» قرأتها، وبقي الهاتف في يدها. من جهة المكتب، جاء صوت طلال. كان يتحدث إلى شخص عبر الهاتف، لكن الباب أخفى معظم الكلمات. ثم وصلتها جملة واحدة، واضحة بما يكفي: «متى ستعودين؟» رفعت رأسها. صمتت الغرفة حولها. لم يكن يسأل عن ملف، أو عن موعد اجتماع، أو عن شيء تأخر في الطريق. نظرَت إلى صور يومها مرة أخرى، ثم أطفأت الشاشة. كانت والدته قد أخبرتها أن الأمر انتهى قبل زواجهما. لكن طلال، خلف الباب المغلق، كان يسأل الآن عن عودة المرأة التي ظنت ديما أنها تنتمي إلى الماضي.لم يتكلم طلال بعد عبارتها.بقيت ديما مستلقية، وعيناها مفتوحتين في الظلام، تنتظر أن تسمع اعتراضًا أو تفسيرًا آخر.لم يأتِ شيء.سمعت حركته قرب الخزانة، ثم صوت الماء من الحمّام. حين عاد، أطفأ الضوء الأخير واستلقى في الجهة الأخرى من السرير.لم تسأله أين كان.ولم تُعد كلامها.كانت قد قالت ما تحتاج إليه: عنايتها به لم تكن قسطًا من دين أبيها.في الصباح، استيقظت على المنبّه.نهضت، وأخرجت القميص الذي جهزته له مساءً، ثم نزلت لإعداد الإفطار.كان التعب أخف قليلًا، لكنه لم يختفِ. نامت ساعات متصلة، وهذا وحده جعل حركاتها أكثر ثباتًا.حين جلس طلال، وضعت القهوة أمامه.قال:«هل نمتِ؟»رفعت عينيها إليه.«أفضل من الليلة السابقة.»أومأ.تناول بعض الطعام، ثم وضع الفنجان على طبقه الصغير.بقي صامتًا حتى انتهت من ترتيب علبة طعامها.قال:«ما قلته عن والدك…»توقفت يدها.التفتت إليه.كان ينظر إلى المائدة، لا إلى وجهها.«لم أقصد أن يكون سبب اهتمامك بي.»ظلت ساكنة.لم يكن اعتذارًا، لكنه كان أول مرة يعود فيها إلى ما قاله من دون أن يطلب منها نسيانه.قالت:«لكنه جعلني أشعر أنك تراه هكذا.»رفع نظره.«كنت غاضبًا.»أومأ
بقي طلال واقفًا في المدخل.كانت ديما عند أسفل الدرج، ويدها على الدرابزين، تنتظر جوابًا عن السؤال الذي خرج منها قبل أن تصعد.«حين كانت جود تجلس في مكتبك، هل كنت منشغلًا كما تكون معي؟»لم يجب فورًا.ألقى مفاتيحه على الطاولة، ثم التفت إليها بوجه مغلق.«ما معنى هذه المقارنة؟»خفضت يدها.«معناها أنني أريد أن أفهم.»«قلت لك إنني ساعدتها.»«ولماذا تغضب كلما سألتك عن ذلك؟»خلع سترته بحركة حادة، ووضعها فوق المقعد.«لأنك لا تتوقفين عن السؤال.»نزلت الدرجة التي كانت تقف عليها، وعادت إليه.لم ترد أن يظن أنها تلقي سؤالًا ثم تهرب، ولا أن يتركها مرة أخرى عند باب مكتبه من دون جواب.قالت:«عرفت الليلة أنها زارتك أكثر من مرة. لم أعرف منك، بل منها.»«وماذا في ذلك؟»نظرت إليه.كان السؤال صادقًا في قسوته؛ بدا أنه لا يرى ما يحتاج إلى تفسير.قالت:«هي امرأة كانت بينك وبينها علاقة. عادت منذ أيام، وصارت تزورك وتتصل بك، وأنت ترفض حتى أن تخبرني بما يحدث.»«لا يحدث شيء.»«إذن لماذا يصعب عليك الحديث عنه؟»شدّ فكه.«لأنني لا أحب أن أُحاسَب على كل دقيقة من يومي.»أبقت صوتها منخفضًا.«أنا لا أحاسبك على يومك. أريد أن
اتصلت والدة طلال بديما قبل نهاية الدوام بقليل.كانت ديما ترتب أوراق الأطفال، فوضعت القلم وأجابت.«مساء الخير.»«مساء النور. هل ستتأخرين اليوم؟»نظرت إلى الساعة.«سأخرج بعد نصف ساعة تقريبًا.»«جيد. أريدكما على العشاء غدًا.»أومأت ديما، ثم تذكرت أن المرأة لا تراها.«سأخبر طلال.»«أخبرته بالفعل. قال إنه يستطيع الحضور.»انتظرت ديما بقية الحديث.قالت والدته:«سنكون عددًا قليلًا. خالتُه وزوجها، وجود. لم أرها منذ عودتها إلا لدقائق.»توقفت يد ديما فوق الأوراق.كان اسم جود في نهاية القائمة، عاديًا كأسماء بقية الضيوف.«جود؟»«نعم. هي تعرف الأسرة منذ الجامعة، وكان من غير اللائق أن تعود ولا ندعوها.»خفضت ديما عينيها.لم تقل إن الزيارة غير لائقة.لكنها تذكرت طلب المرأة منها ألا تسأل طلال عن جود، ثم سألت نفسها كيف أصبح الحذر من اسمها ضروريًا، بينما دعوتها إلى العشاء أمر بسيط.قالت والدته:«ديما؟»«أنا معك.»«أردت إخبارك حتى لا تُفاجئي.»«شكرًا.»انتهت المكالمة بعدما اتفقتا على الموعد.بقيت ديما تحمل الهاتف لحظة، ثم وضعته في الحقيبة.كانت أمامها دفاتر تحتاج إلى أن تُعاد للأطفال، وطفلة تنتظرها عند ال
وصل طلال إليهما، ونظر إلى حقيبة ديما.«جاهزة؟»أومأت.كانت جملة جود ما تزال في رأسها، واضحة ومؤلمة، فلم تعرف كيف ترفع عينيها إلى زوجها من دون أن تسأله عنها.ابتسمت جود.«كانت أمسية جميلة.»التفت إليها طلال، فتغيرت ملامحه قليلًا.«الحمد لله أنك استطعت الحضور.»«لم أكن لأفوتها.»رفعت يدها، ثم قالت بنبرة عتاب خفيفة:«لكن لا تختفِ هذه المرة بعد اللقاء. لا أريد أن أعود لأبحث عن أخبار الجميع وحدي.»«لن يصعب عليك الوصول إليهم.»ضحكت.«أقصد أنك ستساعدني.»لم يعترض.وقفت ديما إلى جانبه، أصابعها مشدودة على حزام حقيبتها. انتظرت أن يودع جود ويتحرك، لكنه سألها عن المكان الذي تقيم فيه، وإن كانت قد رتبت سيارة تعيدها.قالت جود:«كل شيء مرتب. لا تقلق عليّ.»ثم التفتت إلى ديما.«سعدت بمعرفتك.»أجابت ديما بأدب:«وأنا أيضًا.»تحركت نحو الباب، ولم تلتفت خلفها.لحق بها طلال بعد لحظات، وسارا إلى السيارة بصمت.أغلق طلال باب السيارة، ووضع هاتفه قربه.لم يشغّل المحرك فورًا.نظر إلى ديما، التي كانت تحاول تثبيت حزام الأمان بأصابع مرتبكة.قال:«ما حدث الليلة لن يتكرر.»توقفت يدها.رفعت عينيها إليه.«ماذا تقصد؟»«
لم تغيّر ديما الثوب الذي اختارته. أخرجته من الخزانة عند المساء، وفردته فوق السرير، ثم وقفت أمام المرآة تجمع شعرها وتعيد إسداله. بدا رفعه أكثر هدوءًا. وبدا تركه على كتفيها أجمل. كرهت أنها تقارن بين الاختيارين كما لو أن أحدهما قد يحسم شيئًا لا علاقة له بثوب أو تسريحة. رفعت شعرها في النهاية، وتركت خصلة خفيفة قرب أذنها. على المقعد إلى جانب السرير، كانت بدلة طلال جاهزة. تأكدت من القميص، ووضعت ساعته حيث يراها، ثم أغلقت علبة القرطين. دخل وهو يتحدث عبر الهاتف. أومأ إليها، وأكمل الاستماع. «سنصل قبل الثامنة.» لم تعرف لمن يقول ذلك. انتهت المكالمة، فوضع الهاتف على الخزانة وبدأ يستعد. سألته: «هل تناولت شيئًا منذ الظهر؟» «نعم.» أحضرت له الماء، ثم وقفت قرب المقعد تنتظر إن احتاج إلى شيء. التفت إليها بعد أن ارتدى سترته. نظر إلى ثوبها، ثم إلى وجهها. «جاهزة؟» «نعم.» كانت تريد أن تسأله إن كان يعرف أن جود وصلت إلى القاعة، لكنها لم تفعل. حملت حقيبتها. حين خرجا، كان هدوؤه مختلفًا عن هدوئه المعتاد. لم يتفقد ساعة يده كل بضع دقائق، ولم يراجع رسائل العمل في الطريق. انتبهت ديما إلى ذلك، ث
بقيت ديما تنظر إلى باب المكتب. لم تسمع جواب المرأة، ولا بقية الحديث. بعد الجملة التي وصلتها، انخفض صوت طلال، ثم عاد البيت إلى سكونه. «متى ستعودين؟» كان السؤال كافيًا ليجعل اسم جود مختلفًا عمّا كان عليه قبل ساعة. لم تعد امرأة في صورة قديمة. صارت شخصًا ينتظر طلال جوابًا منه الآن. نهضت ديما، ودخلت المطبخ. أطفأت النار، وغطّت الطعام كي لا يجف. كانت قد حفظت له وجبته، ويمكنها تسخينها حين يخرج. وقفت أمام المائدة لحظة. كان يومها جيدًا. أطفال قرؤوا، وأب حضر، ومديرة منحتها ثقتها. لم ترغب في أن يختفي كل ذلك لأن ظرفًا وصل إلى البيت. جلست، وتناولت طعامها. بعد دقائق، سمعت باب المكتب. ظهر طلال في الممر، والماء الذي تركته له في يده. نظر إليها، ثم إلى المقعد المقابل. قال: «هل انتهيتِ؟» «بدأت منذ قليل. أسخّن لك طعامك؟» أومأ. نهضت، وأحضرت الطبق. جلس، ووضع هاتفه إلى جانبه ووجهه إلى أسفل. لم تكن تلك حركة غريبة؛ يفعلها أحيانًا حين لا يريد أن يتشتت. لكنها انتبهت إليها الآن كما انتبهت إلى كل شيء منذ أن قرأ الاسم على الظرف. وضعت الطعام أمامه. «هل ما زلت تشعر بالتعب؟» «لا.» جلست. تناول







