ANMELDENاتصلت والدة طلال بديما قبل نهاية الدوام بقليل.
كانت ديما ترتب أوراق الأطفال، فوضعت القلم وأجابت. «مساء الخير.» «مساء النور. هل ستتأخرين اليوم؟» نظرت إلى الساعة. «سأخرج بعد نصف ساعة تقريبًا.» «جيد. أريدكما على العشاء غدًا.» أومأت ديما، ثم تذكرت أن المرأة لا تراها. «سأخبر طلال.» «أخبرته بالفعل. قال إنه يستطيع الحضور.» انتظرت ديما بقية الحديث. قالت والدته: «سنكون عددًا قليلًا. خالتُه وزوجها، وجود. لم أرها منذ عودتها إلا لدقائق.» توقفت يد ديما فوق الأوراق. كان اسم جود في نهاية القائمة، عاديًا كأسماء بقية الضيوف. «جود؟» «نعم. هي تعرف الأسرة منذ الجامعة، وكان من غير اللائق أن تعود ولا ندعوها.» خفضت ديما عينيها. لم تقل إن الزيارة غير لائقة. لكنها تذكرت طلب المرأة منها ألا تسأل طلال عن جود، ثم سألت نفسها كيف أصبح الحذر من اسمها ضروريًا، بينما دعوتها إلى العشاء أمر بسيط. قالت والدته: «ديما؟» «أنا معك.» «أردت إخبارك حتى لا تُفاجئي.» «شكرًا.» انتهت المكالمة بعدما اتفقتا على الموعد. بقيت ديما تحمل الهاتف لحظة، ثم وضعته في الحقيبة. كانت أمامها دفاتر تحتاج إلى أن تُعاد للأطفال، وطفلة تنتظرها عند الباب لتسأل عن واجب لم تفهمه. نهضت إليها. لم يكن بإمكانها أن تمنع العشاء، ولا أن تظل تفكر فيه إلى نهاية اليوم. --- حين عاد طلال، كان الطعام جاهزًا. أخذت معطفه، ثم سألته إن كان يحتاج إلى شيء قبل أن يبدّل ملابسه. قال لا. جلست معه بعد قليل، وانتظرت حتى بدأ يأكل. «والدتك اتصلت.» «بشأن الغد؟» أومأت. «أخبرتني أن جود ستكون هناك.» رفع عينيه. «نعم.» لم يبدُ متفاجئًا. سألته: «هل كنت تعرف حين وافقت؟» وضع الملعقة. كان الغضب أسرع من السؤال. «لا نحتاج إلى هذا كلما ذُكر اسمها.» «سألتك إن كنت تعرف.» «كنت أعرف.» أومأت ببطء. عادت إلى طبقها، لكنه بقي ينظر إليها. «هل لديك اعتراض على زيارة أمي أيضًا؟» رفعت رأسها. «لم أعترض على الزيارة.» «وجهك لا يقول ذلك.» وضعت الملعقة. «أحتاج إلى أن أعرف ما ينتظرني. هذا ليس اعتراضًا.» قال ببرود: «ينتظرك عشاء عائلي. تصرفي على هذا الأساس.» بقيت ساكنة. ثم سألته: «هل طلبت من جود الشيء نفسه؟» اشتد وجهه. «ديما.» لم تُكمل. كانت تعرف هذا التحذير؛ اسمها حين ينطقه بهذه الطريقة لا يفتح حديثًا، بل يطلب منها إغلاقه. بعد العشاء، أعدّت له الشاي، ثم صعدت لتجهز ملابس اليوم التالي. لم تختَر ثوبها للعشاء فورًا. وقفت أمام الخزانة، وأحست أنها بدأت تستعد للدفاع عن مكان يفترض أنه لها. --- في اليوم التالي، انشغلت أكثر مما توقعت. تأخرت مراجعة صغيرة مع هالة، ثم احتاج أحد الأطفال إلى أن تبقى معه حتى تصل أمه. حين غادرت المدرسة، كانت قد فقدت الوقت الذي أرادت أن تستريح فيه قبل العشاء. عادت، وتناولت شيئًا خفيفًا، ثم جهزت احتياجات طلال. اختارت له قميصًا يعرف أنه يناسب البدلة الداكنة، وتأكدت من أن ربطة العنق في مكانها. وضعت ساعته قربها، ثم بدأت تستعد. ارتدت ثوبًا بسيطًا بلون أزرق داكن. لم يكن جديدًا. تحبّه، ويجعلها تتحرك براحة. حين دخل طلال، وجدها ترتب شعرها. قال: «هل تأخرتِ؟» «عدت بعد الرابعة.» نظر إلى الساعة. «سنغادر بعد نصف ساعة.» «سأكون جاهزة.» أشارت إلى القميص. «اخترت هذا. إن أردت غيره، أخبرني.» «مناسب.» كان يزرر كُمّه عندما تذكرت أنه لم يتناول غداءه في البيت. «هل أكلت في المكتب؟» «نعم.» أومأت، وأغلقت علبة القرطين. لم تسأله عن جود. لم تكن تريد أن تبدأ الزيارة بخلاف يحملانه معهما إلى بيت والدته. --- وصلت جود قبلهما. عرفت ديما ذلك من صوت الضحك الذي سمعته عند الدخول. كانت تجلس إلى جانب خالة طلال، وتحمل فنجانًا صغيرًا، بينما تتحدث والدته عن شيء حدث منذ سنوات. نهضت حين رأته. «ها قد وصلت.» ابتسمت، ثم التفتت إلى ديما. «أهلًا.» أجابت ديما بأدب. حيّت الجميع، وقدمت لوالدته علبة الحلوى التي أحضرتها، ثم جلست في المقعد الذي أشارت إليه. قالت خالة طلال: «كنا نتحدث عن رحلة قديمة. جود تذكرت تفاصيل نسيتها تمامًا.» ضحكت جود. «أنتم من ينسى. أنا أحتفظ بالأشياء الجميلة.» نظرت إلى طلال عند الجملة الأخيرة. جلس، وسأل عن الرحلة. بدأت الحكاية من جديد. أصغت ديما. كانت قصة عائلية، لكن جود موجودة فيها. في السيارة، وفي الصور، وفي الخلاف الصغير الذي انتهى بضحكهم جميعًا. قالت والدته: «طلال أصرّ أن نغادر باكرًا.» «لأنه ظن أن التأخر عشر دقائق سيضيع علينا اليوم كله.» قالتها جود، ثم مالت نحوه. «هل ما زلت تفعل ذلك؟» نظر طلال إلى ساعة يده. «عشر دقائق تتحول عندكم إلى ساعة.» ضحكوا. ابتسمت ديما، ثم أخذت كأس الماء. لم ترد أن يبدو صمتها اعتراضًا. لكنها بدأت تتعب من الحكايات التي تجعل جود جزءًا من الأسرة، وتجعلها هي المستمعة الجديدة. --- سألتها الخالة عن عملها. اعتدلت ديما، وشعرت براحة صغيرة. «عدت إلى المدرسة قبل مدة.» «طلال أخبرنا أنك معلمة.» أومأت. «للصفوف الأولى.» بدأت تشرح نشاط القراءة الذي نظمته، وكيف سيتكرر شهريًا. أصغت الخالة، وسألتها عن الكتب المناسبة لحفيدتها. أجابت ديما بحماس. قالت جود: «هذا جميل. الأطفال يحبون من يكون هادئًا معهم.» نظرت إليها ديما. كان في العبارة لطف لا تستطيع الاعتراض عليه. أضافت جود: «وأنت تبدين هادئة جدًا.» توقفت ديما لحظة. ثم قالت: «أحاول أن أسمعهم قبل أن أحكم على ما يقولونه.» ثبتت عينا جود عليها لثانية، ثم ابتسمت. «لا بد أنهم يحبونك.» شكرتها ديما، وأكملت حديثها مع الخالة. لم تنظر إلى طلال لتعرف إن كان قد فهم ما قصدته. --- عندما أُعلن أن العشاء جاهز، نهض الجميع. تأخرت ديما قليلًا لتأخذ حقيبتها من المقعد، فوجدت جود واقفة قرب الباب الذي يصل غرفة الجلوس بغرفة الطعام. انتظرتها. قالت بخفة: «أظن أن لدينا فرصة أفضل لبدء التعارف الليلة.» نظرت ديما إلى وجهها. «أرجو ذلك.» ابتسمت جود. «كنت أخشى أن يظل لقاء الجامعة بيننا.» قالت ديما: «لا أحب تكرار الخلاف.» «ولا أنا.» تقدمت جود خطوة، ثم توقفت كأنها تذكرت شيئًا. «طلال يغضب بسرعة حين يشعر أن أحدًا يضعه في موقف صعب.» لم تكن نصيحة تحتاج إليها ديما. قالت: «أعرف طلال.» أومأت جود، وبقيت ابتسامتها. «بالطبع. أنت زوجته.» نطقت الصفة برقة شديدة، لكنها لم تجعلها تبدو قريبة. دخلت إلى غرفة الطعام، وسارت ديما خلفها. --- جلس طلال قرب رأس المائدة، وجلست ديما إلى جانبه. كانت جود في الجهة المقابلة. وضعت ديما كأس الماء في متناول طلال، ثم أبعدت عنه طبقًا تعرف أنه كثير التوابل. قالت والدته: «لمَ أبعدتِه؟» «ما زال يزعجه أحيانًا.» نظر طلال إلى الطبق، ولم يعترض. قالت جود: «كان يحب الأطعمة الحارة في الجامعة.» ردت ديما بهدوء: «أصبح يتجنبها حين يتعب.» نظرَت جود إليها، ثم إلى طلال. «إذن تغيرت أشياء فعلًا.» ابتسمت. كانت الجملة عادية، لكن ديما شعرت أنها مطالبة بتقديم دليل صغير على السنوات التي عاشت فيها معه. بدأ الجميع الأكل. سأل زوج الخالة طلال عن الشركة، فأجابه. تحدثا عن مشروع جديد، وعن موعد تسليم تأخر بسبب تعديل في الإجراءات. كانت ديما تستمع، وتعرف من كلامه ما حاول شرحه لها ليلة العشاء الذي لم يأتِ إليه. قالت: «هل انتهت مشكلة التمويل؟» التفت إليها طلال. «وصلنا إلى اتفاق مبدئي.» أومأت. «جيد.» أضافت جود: «رأيت أنك أزلت اللوحة الكبيرة من غرفة الاجتماعات. المكان صار أخف من قبل.» توقفت يد ديما. نظر طلال إلى جود. «لم نزلها. نقلناها.» «إذن هذا ما حدث. كنت أبحث عنها بعيني.» قالتها جود وهي تأخذ قليلًا من الطعام. لم ينظر طلال إلى ديما. عادت ديما إلى طبقها، لكن الكلمات بقيت في ذهنها. رأت. بحثت. غرفة الاجتماعات. --- انتقل الحديث إلى موضوع آخر، ولم تسأل ديما فورًا. لم ترد أن يتهمها طلال بإحراجه مرة ثانية. كانت تستطيع الانتظار حتى يعودا إلى البيت. لكن جود تابعت بعد دقائق، كأن زيارة الشركة جزء عادي من أحاديث المائدة. «حتى الاستقبال تغير. الموظفة الجديدة لا تعرف أسماء أحد.» قال طلال: «بدأت العمل هذا الأسبوع.» «مسكينة. سألتني مرتين إن كان لدي موعد.» ابتسمت والدته. «هذا عملها.» رفعت جود كتفيها بدلال. «أعرف. لكنني شعرت أنني زائرة مهمة جدًا.» ضحك زوج الخالة. لم تضحك ديما. قال طلال: «طلبت منها أن تتأكد من كل زائر.» نظرت جود إليه. «حتى أنا؟» لم يجب فورًا. ثم قال: «القواعد للجميع.» كان أول حد واضح تسمعه ديما منه تلك الليلة. خفّ شيء صغير في صدرها، لكنه لم يدم. قالت جود: «لهذا انتظرتك في غرفة الاجتماعات هذه المرة. في الزيارة الأولى سمحوا لي بالجلوس في مكتبك.» هذه المرة. الزيارة الأولى. وضعت ديما كأسها بهدوء شديد. لم تكن زيارة واحدة إذن. --- لاحظت الخالة سكونها. «هل تريدين شيئًا يا ديما؟» رفعت رأسها. «لا، شكرًا.» ابتسمت، وأخذت قليلًا من الطعام حتى لا يصبح وجهها سؤالًا أمام الجميع. لكن طلال نظر إليها. رأت أنه لاحظ. وكان في عينيه تحذير تعرفه. لا تسألي هنا. أكملت العشاء، وشاركت حين وُجه إليها الحديث. تحدثت عن كتاب مناسب للأطفال، وسألت والدته عن صحتها، ثم نهضت لتساعد في جمع بعض الأطباق. قالت المرأة: «اتركيها، سيأخذونها.» «سأحمل هذه فقط.» أخذت طبقين ودخلت المطبخ. لم تكن تحتاج إلى العمل. احتاجت إلى أن تبتعد عن المائدة لدقيقة. وضعت الأطباق، واستندت بأطراف أصابعها إلى السطح. كان لها حق أن تعرف. هذا كل ما استطاعت التفكير فيه. ليس لأن جود ممنوعة من دخول شركة. بل لأنها تدخل إلى وقت طلال، وتعرف تفاصيل مكتبه، ثم يطلب منها هو أن تتعامل مع الأمر كأن عودتها لم تغير شيئًا. --- سمعت خطوات خلفها. التفتت، فوجدت جود تحمل كأسًا فارغة. وضعتها، ثم قالت: «هل تحتاجين إلى مساعدة؟» «لا. انتهيت.» اقتربت جود من المغسلة لتغسل يديها. قالت، وهي تنظر إلى انعكاسهما في الزجاج: «أرجو ألا تكوني تضايقتِ من حديث الشركة.» نظرت ديما إليها. «لماذا قد أتضايق؟» أغلقت جود الماء، وأخذت منديلًا. «لا أعرف. بدا أنك سكتِّ فجأة.» كان يمكن لديما أن تقول إنها متعبة. لكنها سألت: «هل تزورين طلال في مكتبه كثيرًا؟» توقفت حركة المنديل. ثم ابتسمت جود. «مررت مرتين. وربما ثلاثًا إذا حسبنا اليوم الذي لم أجده فيه.» ثلاثًا. قالت ديما: «لم أكن أعرف.» «لم يكن هناك شيء مهم. ساعدني في بعض ترتيبات العودة.» «أي ترتيبات؟» رفعت جود عينيها. «أشياء بسيطة. طلال يعرف أشخاصًا كثيرين.» نظرت ديما إلى وجهها. لم تكن ترغب في أن تعيد مواجهة الجامعة. قالت: «كان يمكنه أن يخبرني.» تحركت ابتسامة جود قليلًا. «ربما لم يرَ الأمر بحاجة إلى حديث.» لم تجب ديما. أضافت جود: «أنا لا أريد أن أكون سبب خلاف بينكما.» كانت العبارة نفسها التي تحميها كل مرة؛ تقول إنها لا تريد الخلاف، ثم تترك ديما وحدها أمامه. قالت ديما: «خلافي مع طلال أناقشه معه.» أومأت جود. «هذا أفضل.» خرجت، وبقيت ديما لحظة قبل أن تتبعها. --- وجدت طلال واقفًا قرب باب غرفة الجلوس. رأى جود تخرج أولًا، ثم رآها. انتظر حتى ابتعدت جود، وسأل بصوت منخفض: «ماذا حدث؟» قالت: «تحدثنا.» «عن ماذا؟» نظرت إليه. «عن زياراتها إلى مكتبك.» اشتد وجهه. «ليس هنا.» «أنت سألت.» نظر إلى من في الغرفة، ثم عاد إليها. «لا أريد أن يتكرر ما حدث في الجامعة.» أحست بوجع حاد، لكنها أبقت صوتها منخفضًا. «لم أرفع صوتي، ولم أحرج أحدًا.» «جيد. أبقي الأمر كذلك.» تحرك ليدخل. قالت: «وأنت؟» توقف. نظرت إلى وجهه. «هل ستخبرني، أم ستغضب لأنني عرفت؟» بقي ساكنًا لحظة. ثم قال: «في البيت.» لم يترك مجالًا لسؤال آخر. --- انتظرت ديما نهاية الزيارة. حين قدموا الشاي، نهضت لتصب لطلال بنفسها. تعرف مقدار ما يحب، وتعرف أنه يفضل الفنجان الصغير في بيت والدته. مدّت إليه الفنجان. أخذه من دون أن ينظر إلى وجهها. جلست، وبقيت تشارك في الحديث كلما استطاعت. لم تكن تريد أن تمنح جود مشهدًا تتحدث عنه لاحقًا، ولا أن تجعل بقية الأسرة تتحمل ما يجري بينها وبين زوجها. لكنها لم تستطع تجاهل ما رأت. حين شرحت جود عنوانًا تبحث عنه، أصغى طلال. حين أخطأت في اسم شخص، صحح لها بلطف. وحين ذكرت ديما سؤالًا تعرف أن له جوابًا، طلب منها الانتظار حتى البيت. --- في السيارة، لم تبدأ الحديث فورًا. انتظرت حتى ابتعدا عن المنزل. قال طلال: «لم يكن الأمر يستحق كل هذه النظرات.» التفتت إليه. «أي نظرات؟» «كنت أعرف ما تفكرين فيه على المائدة.» وضعت يديها في حجرها. «إذن عرفت أنني فوجئت.» قال: «مرت على الشركة. لم أخفِها في مكان.» «لم أقل إنك أخفيتها.» «لكن هذا ما تريدين الوصول إليه.» نظرت إلى الطريق. قالت: «قلت إنك رأيتها في الجامعة، ثم في لقاء مع الآخرين. لم تذكر أنها تزورك في مكتبك.» «لم أعطك قائمة بكل يوم من حياتي.» لم تجب فورًا. كان أسلوبه حادًا، لكن السؤال لم يعد قابلًا للعودة إلى مكانه القديم. قالت: «وأنا لا أطلب قائمة. أطلب أن أعرف لماذا أصبحت امرأة كنت تحبها تدخل إلى يومك بهذه السهولة، بينما لا أعرف عنها إلا ما تقوله أمام الآخرين.» شدّ يده على المقود. «ساعدتها في أمور تحتاج إليها.» «مرتين أو ثلاثًا؟» التفت إليها بسرعة. «سألتِها عن عدد الزيارات؟» «قالته لي.» نظر أمامه. «ديما، توقفي عن تحويل كل شيء إلى تحقيق.» عادت إلى الصمت. كان غاضبًا من السؤال مرة أخرى. أما الزيارات نفسها، فبدت في كلامه أمرًا لا يستحق حتى أن يتذكره. --- عندما وصلا، نزلت قبله. علقت معطفه، وأخذت حقيبتها، ثم توقفت عند الدرج. قال خلفها: «لا أريد ليلة أخرى من الأسئلة.» التفتت إليه. «لن أسألك الليلة.» بدا أنه ارتاح قليلًا. لكنها أكملت: «إلا عن شيء واحد.» اشتد وجهه. «ماذا؟» نظرت إلى باب مكتبه، الذي طالما انتظرت خارجه حتى ينتهي من العمل. ثم عادت إليه. «حين كانت جود تجلس في مكتبك، هل كنت منشغلًا كما تكون معي؟» لم يجب. لم يكن صمته جوابًا واضحًا. لكن ديما تذكرت كيف وصف لها كثرة العمل، وكيف تأجل حديثهما أكثر من مرة، وكيف تحولت نصف ساعة طلبتها إلى عبء. والآن عرفت أن جود لم تكن تنتظر عودته فقط. كانت قد وجدت طريقها إليه في المكان الذي ظنت ديما أن العمل لا يترك فيه مساحة لأحد.لم يتكلم طلال بعد عبارتها.بقيت ديما مستلقية، وعيناها مفتوحتين في الظلام، تنتظر أن تسمع اعتراضًا أو تفسيرًا آخر.لم يأتِ شيء.سمعت حركته قرب الخزانة، ثم صوت الماء من الحمّام. حين عاد، أطفأ الضوء الأخير واستلقى في الجهة الأخرى من السرير.لم تسأله أين كان.ولم تُعد كلامها.كانت قد قالت ما تحتاج إليه: عنايتها به لم تكن قسطًا من دين أبيها.في الصباح، استيقظت على المنبّه.نهضت، وأخرجت القميص الذي جهزته له مساءً، ثم نزلت لإعداد الإفطار.كان التعب أخف قليلًا، لكنه لم يختفِ. نامت ساعات متصلة، وهذا وحده جعل حركاتها أكثر ثباتًا.حين جلس طلال، وضعت القهوة أمامه.قال:«هل نمتِ؟»رفعت عينيها إليه.«أفضل من الليلة السابقة.»أومأ.تناول بعض الطعام، ثم وضع الفنجان على طبقه الصغير.بقي صامتًا حتى انتهت من ترتيب علبة طعامها.قال:«ما قلته عن والدك…»توقفت يدها.التفتت إليه.كان ينظر إلى المائدة، لا إلى وجهها.«لم أقصد أن يكون سبب اهتمامك بي.»ظلت ساكنة.لم يكن اعتذارًا، لكنه كان أول مرة يعود فيها إلى ما قاله من دون أن يطلب منها نسيانه.قالت:«لكنه جعلني أشعر أنك تراه هكذا.»رفع نظره.«كنت غاضبًا.»أومأ
بقي طلال واقفًا في المدخل.كانت ديما عند أسفل الدرج، ويدها على الدرابزين، تنتظر جوابًا عن السؤال الذي خرج منها قبل أن تصعد.«حين كانت جود تجلس في مكتبك، هل كنت منشغلًا كما تكون معي؟»لم يجب فورًا.ألقى مفاتيحه على الطاولة، ثم التفت إليها بوجه مغلق.«ما معنى هذه المقارنة؟»خفضت يدها.«معناها أنني أريد أن أفهم.»«قلت لك إنني ساعدتها.»«ولماذا تغضب كلما سألتك عن ذلك؟»خلع سترته بحركة حادة، ووضعها فوق المقعد.«لأنك لا تتوقفين عن السؤال.»نزلت الدرجة التي كانت تقف عليها، وعادت إليه.لم ترد أن يظن أنها تلقي سؤالًا ثم تهرب، ولا أن يتركها مرة أخرى عند باب مكتبه من دون جواب.قالت:«عرفت الليلة أنها زارتك أكثر من مرة. لم أعرف منك، بل منها.»«وماذا في ذلك؟»نظرت إليه.كان السؤال صادقًا في قسوته؛ بدا أنه لا يرى ما يحتاج إلى تفسير.قالت:«هي امرأة كانت بينك وبينها علاقة. عادت منذ أيام، وصارت تزورك وتتصل بك، وأنت ترفض حتى أن تخبرني بما يحدث.»«لا يحدث شيء.»«إذن لماذا يصعب عليك الحديث عنه؟»شدّ فكه.«لأنني لا أحب أن أُحاسَب على كل دقيقة من يومي.»أبقت صوتها منخفضًا.«أنا لا أحاسبك على يومك. أريد أن
اتصلت والدة طلال بديما قبل نهاية الدوام بقليل.كانت ديما ترتب أوراق الأطفال، فوضعت القلم وأجابت.«مساء الخير.»«مساء النور. هل ستتأخرين اليوم؟»نظرت إلى الساعة.«سأخرج بعد نصف ساعة تقريبًا.»«جيد. أريدكما على العشاء غدًا.»أومأت ديما، ثم تذكرت أن المرأة لا تراها.«سأخبر طلال.»«أخبرته بالفعل. قال إنه يستطيع الحضور.»انتظرت ديما بقية الحديث.قالت والدته:«سنكون عددًا قليلًا. خالتُه وزوجها، وجود. لم أرها منذ عودتها إلا لدقائق.»توقفت يد ديما فوق الأوراق.كان اسم جود في نهاية القائمة، عاديًا كأسماء بقية الضيوف.«جود؟»«نعم. هي تعرف الأسرة منذ الجامعة، وكان من غير اللائق أن تعود ولا ندعوها.»خفضت ديما عينيها.لم تقل إن الزيارة غير لائقة.لكنها تذكرت طلب المرأة منها ألا تسأل طلال عن جود، ثم سألت نفسها كيف أصبح الحذر من اسمها ضروريًا، بينما دعوتها إلى العشاء أمر بسيط.قالت والدته:«ديما؟»«أنا معك.»«أردت إخبارك حتى لا تُفاجئي.»«شكرًا.»انتهت المكالمة بعدما اتفقتا على الموعد.بقيت ديما تحمل الهاتف لحظة، ثم وضعته في الحقيبة.كانت أمامها دفاتر تحتاج إلى أن تُعاد للأطفال، وطفلة تنتظرها عند ال
وصل طلال إليهما، ونظر إلى حقيبة ديما.«جاهزة؟»أومأت.كانت جملة جود ما تزال في رأسها، واضحة ومؤلمة، فلم تعرف كيف ترفع عينيها إلى زوجها من دون أن تسأله عنها.ابتسمت جود.«كانت أمسية جميلة.»التفت إليها طلال، فتغيرت ملامحه قليلًا.«الحمد لله أنك استطعت الحضور.»«لم أكن لأفوتها.»رفعت يدها، ثم قالت بنبرة عتاب خفيفة:«لكن لا تختفِ هذه المرة بعد اللقاء. لا أريد أن أعود لأبحث عن أخبار الجميع وحدي.»«لن يصعب عليك الوصول إليهم.»ضحكت.«أقصد أنك ستساعدني.»لم يعترض.وقفت ديما إلى جانبه، أصابعها مشدودة على حزام حقيبتها. انتظرت أن يودع جود ويتحرك، لكنه سألها عن المكان الذي تقيم فيه، وإن كانت قد رتبت سيارة تعيدها.قالت جود:«كل شيء مرتب. لا تقلق عليّ.»ثم التفتت إلى ديما.«سعدت بمعرفتك.»أجابت ديما بأدب:«وأنا أيضًا.»تحركت نحو الباب، ولم تلتفت خلفها.لحق بها طلال بعد لحظات، وسارا إلى السيارة بصمت.أغلق طلال باب السيارة، ووضع هاتفه قربه.لم يشغّل المحرك فورًا.نظر إلى ديما، التي كانت تحاول تثبيت حزام الأمان بأصابع مرتبكة.قال:«ما حدث الليلة لن يتكرر.»توقفت يدها.رفعت عينيها إليه.«ماذا تقصد؟»«
لم تغيّر ديما الثوب الذي اختارته. أخرجته من الخزانة عند المساء، وفردته فوق السرير، ثم وقفت أمام المرآة تجمع شعرها وتعيد إسداله. بدا رفعه أكثر هدوءًا. وبدا تركه على كتفيها أجمل. كرهت أنها تقارن بين الاختيارين كما لو أن أحدهما قد يحسم شيئًا لا علاقة له بثوب أو تسريحة. رفعت شعرها في النهاية، وتركت خصلة خفيفة قرب أذنها. على المقعد إلى جانب السرير، كانت بدلة طلال جاهزة. تأكدت من القميص، ووضعت ساعته حيث يراها، ثم أغلقت علبة القرطين. دخل وهو يتحدث عبر الهاتف. أومأ إليها، وأكمل الاستماع. «سنصل قبل الثامنة.» لم تعرف لمن يقول ذلك. انتهت المكالمة، فوضع الهاتف على الخزانة وبدأ يستعد. سألته: «هل تناولت شيئًا منذ الظهر؟» «نعم.» أحضرت له الماء، ثم وقفت قرب المقعد تنتظر إن احتاج إلى شيء. التفت إليها بعد أن ارتدى سترته. نظر إلى ثوبها، ثم إلى وجهها. «جاهزة؟» «نعم.» كانت تريد أن تسأله إن كان يعرف أن جود وصلت إلى القاعة، لكنها لم تفعل. حملت حقيبتها. حين خرجا، كان هدوؤه مختلفًا عن هدوئه المعتاد. لم يتفقد ساعة يده كل بضع دقائق، ولم يراجع رسائل العمل في الطريق. انتبهت ديما إلى ذلك، ث
بقيت ديما تنظر إلى باب المكتب. لم تسمع جواب المرأة، ولا بقية الحديث. بعد الجملة التي وصلتها، انخفض صوت طلال، ثم عاد البيت إلى سكونه. «متى ستعودين؟» كان السؤال كافيًا ليجعل اسم جود مختلفًا عمّا كان عليه قبل ساعة. لم تعد امرأة في صورة قديمة. صارت شخصًا ينتظر طلال جوابًا منه الآن. نهضت ديما، ودخلت المطبخ. أطفأت النار، وغطّت الطعام كي لا يجف. كانت قد حفظت له وجبته، ويمكنها تسخينها حين يخرج. وقفت أمام المائدة لحظة. كان يومها جيدًا. أطفال قرؤوا، وأب حضر، ومديرة منحتها ثقتها. لم ترغب في أن يختفي كل ذلك لأن ظرفًا وصل إلى البيت. جلست، وتناولت طعامها. بعد دقائق، سمعت باب المكتب. ظهر طلال في الممر، والماء الذي تركته له في يده. نظر إليها، ثم إلى المقعد المقابل. قال: «هل انتهيتِ؟» «بدأت منذ قليل. أسخّن لك طعامك؟» أومأ. نهضت، وأحضرت الطبق. جلس، ووضع هاتفه إلى جانبه ووجهه إلى أسفل. لم تكن تلك حركة غريبة؛ يفعلها أحيانًا حين لا يريد أن يتشتت. لكنها انتبهت إليها الآن كما انتبهت إلى كل شيء منذ أن قرأ الاسم على الظرف. وضعت الطعام أمامه. «هل ما زلت تشعر بالتعب؟» «لا.» جلست. تناول







