LOGINعند وصولهم للبيت، كان البيت ساكناً كالعادة. لم يأتِ بعد.
طلبت سمر من الطفلين أن يذهبا للاستحمام والنوم. "حليمة، اذهبي أنتِ لترتاحي، لقد تعبتِ اليوم وأنا سأتكفل بالأطفال." دخلت لغرفة الصغيرين فوجدتهما في الحمام، ساعدتهما على تجفيف نفسيهما وارتداء الملابس، وبعد غسل أسنانهما كانت تنتظرهما لتقرأ لهما قصة. ما إن أكملت الصفحة الأولى حتى غط الاثنان في نوم عميق. قبلتهما وأخفتت النور ثم غادرت الغرفة. كان البيت هادئاً جداً. كانت فرصة لها لتصفية ذهنها. اليوم لن تضيع الوقت في انتظار عودته. جاء في خاطرها حفل الأسبوع الماضي، حفل الشراكة الذي لم يخبرها حازم عنه. ذهبت إلى مكتبه ودخلت. فتحت الدرج أين يضع عقود الشركة والشراكات التي يقوم بها، وجدت آخر مستند وفتحته. تاريخ التوقيع: الأسبوع الفارط. الشريكان هما: فرحات حازم و عبد السلام لورا... لورا!!! بدأت سمر تحاول أن تتذكر أين سمعت هذا الاسم من قبل. "أنا متأكدة أن هذا الاسم مرّ عليّ من قبل." ثم عاد إلى ذهنها ذلك المشهد في حفل زفافها ولورا تنظر إليها نظرات مريبة. "أجل إنها هي!" لكن ما المجال الذي تعمل به وكيف تصبح شريكة لحازم؟ ولماذا لم يخبرني عن الأمر حتى الآن؟ لم تجزم أنها عشيقة حازم حتى أكملت قراءة العقد الذي جعلها تشك أكثر. قرأت الملف بعناية: مشروع لإنتاج مواد البناء، المشروع سينطلق بعد سنة، نسبة الأرباح 50% لكلا الطرفين. الشراكة كانت عبارة عن قطعة أرض تخصها مساحتها 20 هكتاراً، أما هو فسيتكفل ببناء المصنع وتجهيزه. "كيف هذا؟ الأرباح تقسم بالنصف؟ لم يحدث هذا أبداً في مجال الأعمال، أن تشارك بقطعة أرض فقط وتأخذ نصف الأرباح فهذا مستحيل. زيادة على ذلك، حازم يمكنه شراء قطعة أرض أكبر من هذه بأربعة أضعاف، لماذا حتى يرضى بهذا العقد؟ وكأنها طريقة غير مباشرة لتقديم يد المساعدة! ألهذا لم يرد إخباري؟" أعادت العقد لمكانه ثم صعدت وفتحت اللابتوب، كتبت في خانة البحث "عبد السلام". ظهر أنها شركة لوكيل عقاري يملك عدة شقق يقوم بكرائها، كما أنه يشتغل في بيع وشراء العقارات. مالك الشركة هو علي عبد السلام. المدير التنفيذي: لورا عبد السلام. أخذت سمر تفكر أن هذا المشروع سيساعد بشكل كبير شركتهم في النمو، فبعد انطلاق مشروع إنتاج مواد البناء ستجد مورداً سهلاً من أجل بناء عقارات أكثر. "هل حازم موافق على هذا؟ وإن كان نعم، ما طبيعة علاقته مع عائلة عبد السلام؟ لم أره يحتك بهم كثيراً من قبل." وهي تنزل في صفحة البحث، ظهرت صورة للورا، آخر تحديث قبل أسبوع، كان شعرها طويل ومصبوغ باللون الأصفر. يا الهي الشعر الأصفر مجددا أصبحت ترتجف بعد رؤيتها لصورة لورا. بدأت تفكر ماذا عليها أن تفعل. لا تملك دليلاً قوياً، كلها مجرد شكوك، لكن كل هذا الإهمال والتهرب لا يمكن تفسيره بطريقة أخرى. "يجب ألا أختار المواجهة الآن، يجب أن أضع خطة وأفكر في الموضوع ملياً." أغلقت الحاسوب وتوجهت إلى الحمام تريد أن تخفف من حدة التوتر. وهي في حوض الحمام، سمعت من دخل الغرفة. أكيد أنه حازم، الساعة تقارب الرابعة فجراً. لم تهتم، أكملت حمامها ثم خرجت. وجدته يجلس على الأريكة ويحمل هاتفه، يبدو أنه كان ينتظر أن يفرغ الحمام. عندما خرجت سرعان ما توجه نحو الحمام قاصداً تجنبها، فقد اعتاد أن تقول له لماذا تأخرت؟ هل ترغب بالعشاء؟ وأشياء من هذا القبيل التي تعبر عن الاهتمام الزائد، لكنها لم تلتفت نحوه حتى. جففت شعرها بسرعة ثم قررت أن تنام في غرفة الطفلين. عندما خرج حازم من الحمام تفاجأ بعدم وجودها، لكنه فكر أنها نزلت لتحضر له الطعام كالعادة، ثم ستأتي لتقول جهزت لك الأكل وعليه أن يرفض. وبدأ يشعر بالملل من تكرار هذا الأمر دائماً. فكر أن يلحقها للمطبخ كي يخبرها ألا تجهز شيئاً، لكن كان المكان هادئاً والظلام دامساً.قبل سنتين، استيقظ حازم على صوت بكاء الصغيرين. حك عينيه ثم نظر للساعة وجدها السابعة صباحاً. لم يأخذ ما يكفي من الراحة، فلم ينم البارحة جيداً لأن الصغيرين مصابان بالحمى. اتجه للحمام ثم نحو غرفة الطفلين.كانت سمر تضع الاثنين في حجرها، الهالات السوداء تحيط بعينيها، شعرها منفوش، يبدو أنها لم تنم أصلاً. رق قلبه لحالها، اقترب منها وقال: "كيف حالهم؟"قالت: "بخير، لقد انخفضت الحمى.""إذاً لماذا كانا يبكيان؟""إنهما جائعان. من فضلك حازم، ابقَ معهما بينما أحضر لهما الإفطار.""أجل، انزلي وسأحضرهم."بدأت بتحضير فطور حازم أولاً، هو يحب تناول فطوره في الحديقة. أعدت له القهوة والبيض وطبق الفواكه وطبق الجبن وعصير البرتقال بالفراولة، ثم عادت إلى الداخل وجهزت فطور الصغيرين.نزل حازم، وضع كل منهما في كرسيه وتقدم لكي يعانقها، في تلك اللحظة انفجر الصغيران بالبكاء."أووو لا... حسناً يا صغيري سأطعمكما." قالت هذا وهي تبعد يدي حازم عنها. زفر بتذمر لكنها لم تلاحظه.قالت وهي تهتم بالصغيرين: "حازم، فطورك جاهز، إنه في الحديقة.""ألن تفطري معي؟""لا، فأنا أطعم سامي وسالي.""يمكنني انتظارك، ما زال لدي وقت.""لا، كُل
توجهت سمر إلى غرفتها، وفي طريقها تفقدت الأطفال، وجدتهم قد استحموا بالفعل وغيروا ملابسهم بمساعدة السيدة حليمة."هل ترغبون بالعشاء؟"قالوا: "لا، فقد أكلنا مع أبي.""حسناً إذاً، من فضلكِ سيدة حليمة، أعدي لي طبقاً من الخضار، فأنا أريد وجبة خفيفة فقط."أكملت الطريق إلى غرفتها، وضعت الملف في الدرج وهي تحدق به. كانت تشعر برضا، فهي أخيراً تفعل شيئاً لنفسها. سيكون هذا الملف بداية حياة جديدة، ستثبت نفسها ولن تقبل بالبقاء تحت ظل أحد، لن تقف على النافذة مجدداً وهي تنتظر.تنهدت ثم اتجهت نحو الخزانة، أخرجت بيجامة مريحة وكانت ستتوجه إلى غرفة الأولاد كي تستحم هناك. بمجرد فتحها لباب الغرفة وجدت حازم أمامها. وقفت خلف الباب لتسمح له بالدخول، بعد أن دخل وسمع الباب يغلق، التفت ليتحدث معها وجدها قد خرجت بالفعل.ماذا أصابها؟ لم تكن هكذا... لكن على الأقل أنا أشعر بالارتياح الآن وأن لي مساحتي الخاصة.نظر إلى الساعة وجدها العاشرة، قال في نفسه: "اقترب الوقت." دخل الحمام، غير ملابسه، ثم نزل للأسفل وجد سمر تجلس مع السيدة حليمة وأمامها طبق الخضار الذي طلبته. لم تنظر إليه حتى، في حين سألته حليمة: "سيدي هل ترغب بالع
من جهة أخرى، كان حازم مع الأطفال يرتدون لباس التزلجويركبون عربة التزلج، وصرخات الأطفال تملأ المكان معبرة عن متعتهم. عند وصول العربة أسفل المنحدر نادى الأطفال: "مرة أخرى! مرة أخرى!"قال حازم: "لكم ذلك."عندها سمعوا صوتاً من خلفهم: "هل تسمحون لي بالانضمام إليكم؟"رفع الأطفال نظرهم إلى المتكلمة، ثم نظرا إلى بعضهما باستفهام... من تكون هذه المرأة؟ابتسم حازم وقال: "لورا! لقد أتيتِ حقاً!""سالي، سامي، ألقيا التحية على الآنسة لورا، إنها صديقة."تقدم الأطفال نحوها وألقيا التحية بكل أدب. جثت لورا على ركبتيها لتصبح بمستوى الأطفال وقالت: "تشرفت بمعرفتكما كثيراً، ما سمعت عنكما وكنت متشوقة للقائكما."قالت سالي: "حقاً؟!"قالت لورا: "نعم، وأعلم أن بطلتكِ المفضلة هي 'إلسا' ملكة الجليد."اتسعت عينا سالي من البهجة: "أجل! إنها بطلتي المفضلة! وطلبت من سامي أن يغني معي أغنيتها Let it go عندما كنا في القمة لكنه رفض!"قالت لورا: "حسناً، ما رأيكِ أن أشارككِ أنا؟"قفزت سالي من الفرح: "ياااي! بالتأكيد سأرغب في ذلك!" والتفتت لسامي وأخرجت لسانها تغيظه.وفي الأخير قرروا أن يقوموا بجولة أخرى بالعربة ثم يتجهوا نحو
بقيت على ذلك الحال، تتأمل اللوحة والدهشة مرسومة على وجهها.أكمل السيد رشدي كلامه دون أن يلاحظ ارتباكها:"بيعت هذه اللوحة لفنان مجهول في مزاد لجمع التبرعات نظمته دار الطفولة المسعفة. في ذلك اليوم كان هناك الكثير من رجال الأعمال الذين يعشقون اللوحات الفنية، وعند عرض هذه اللوحة سرعان ما بدأت المزايدة عليها. وصلت في أقل من خمس دقائق إلى ثلاثة ملايين دولار! لقد حالفني الحظ حتى ظفرت بها."عادت بها الذاكرة إلى ذلك اليوم...قبل رحيلها عن بلدتها وقبل أن تصبح "السيدة فرحات" رسمياً، أرادت أن تقدم شيئاً أخيراً. ذهبت إلى ورشتها الصغيرة، أخرجت لوحتها المفضلة، ألقت عليها نظرة أخيرة لتودعها، ثم غطتها بقماش قطني وانطلقت بها إلى المعرض.لم تكن تتوقع أن هذه اللوحة ستنال الإعجاب بهذا الشكل. في تلك اللحظة اندهشت وهي ترى كل أولئك الشخصيات يرفعون لوحاتهم واحداً تلو الآخر للمزايدة. غمرتها فرحة عارمة، حتى في الأخير بيعت بـ أربعة ملايين دولار ونصف.لم تركز مع الشخص الذي اشتراها، خاصة وقد كان بين ذلك الحشد الغفير لكن بقي رقم بطاقته محفوراً في ذهنها...رقم 9.عادت بذاكرتها إلى الحاضر وقد تجمعت الدموع في عينيها.
انسجمت مع اللوحة كثيراً. فقد يكون الإنسان بهذا الحال حتى وإن لم يكن مقعداً. قد يكون العجز في طريقة التفكير أسوأ من أن تكون عاجزاً حقاً. فما الفرق بينها وبين المقعد؟ حتى هذا الفنان لم يرضَ بوضعه، بل وجد طريقة ليثبت بها نفسه. جعل الناس تتحدث عنه حتى بعد وفاته أما هي، فأصابها من العجز ما أصابها. أصبحت امرأة روتينية بائسة. تخلت عن عملها ، هوايتها ، حتى رغبتها غي تعلم مهرات جديد لم تعد كما قبل تذكرت الكتاب الي اشترته قبل أربعة اشهر لم تقرأ منه الأ عشر صفحات كم هذا مخز .ما عذرها؟ أنها أصبحت أماً وزوجة؟ وإن يكن! أين ذاتها؟ أين شخصيتها؟ من هي سمر محمد شريف؟قبل ست سنوات، في المنطقة الغربية من البلاد، من لا يعرف سمر محمد شريف؟ القتاة المتفوقة و الذكية و التي تعتمد عليها اسرة محمد شريف بشكل اساسي في اعمالها ؟! والآن هي فقط "السيدة فرحات"، زوجة السيد حازم. شخص منسوب لشخصية أخرى، كأنه ملكية."إلهي، ماذا فعلت بنفسي؟ وضعتها في صندوق!"ما هذا التكاسل؟ أنا الآن في دائرة راحة مملة. حتى أطفالي عندما يكبرون لن يكونوا بحاجة إلى أم تعتني وتنظف وتطهو، سيكون بإمكانهم فعل ذلك بأنفسهم. إذاً عندها ما دوري أنا؟
ذهب ليتفقد غرفة الأطفال، وجدهم نائمين. أحست به وهو يفتح الباب فتظاهرت بالنوم. تقدم قليلاً من الفراش، كانت نائمة وتضم الطفلين إلى صدرها.أحس بتأنيب الضمير، فهو حقاً مقصر في حق الأطفال هذه الأيام، وبينما كان سيعاتب نفسه، وصلته رسالة من لورا: "هل نمت؟!"بعد قراءة رسالة لورا انسحب فوراً من الغرفة.كانت سمر مدركة لما حدث وسمعت صوت وصول الرسالة. "أكيد أنها منها هي." شعرت بالغضب، فهي لا تستحق هذا، ولكن يجب أن تكون قوية، هي الآن أم لطفلين يجب أن تحسن التصرف.عاد حازم لغرفته ورد على رسالة لورا:"ليس بعد.""لقد نسيت نظاراتك عندي.""لا بأس، سأستعيدها لاحقاً، شكراً.""تصبح على خير.""تصبحين على خير."في الصباح، استيقظ الأطفال ففوجئوا بوجود سمر بجانبهم."ماما هل نمتِ هنا؟"قالت: "نعم، لم أشعر بعد قراءة القصة، غفوت مباشرة." لم ترد أن تجعل الأطفال يشعرون بشيء. لاعبتهم قليلاً ثم قالت: "هيا بسرعة لا يجب أن نتأخر عن وجبة الإفطار."بعد الذهاب للحمام، نزل الثلاثة معاً للصالة. كان حازم هناك يشرب قهوته ويحمل جريدة يقرأها. جرى الأطفال نحوه واحتضنوه: "أبي أبي اشتقنا لك!"بادلهم الحضن وقال: "أنا أيضاً اشتقت ل







