LOGINحين فتحت الباب…
أدركتُ أنّني لم أكن وحدي. ليلٌ هادئ… وضوء قمرٍ خافت ينسلّ من بين الستارة. يصطدم بمصباحٍ في الغرفة— أبيض، باهت… يرفّ بين لحظةٍ وأخرى، كأنّه يوشك أن ينطفئ. — جلس أمير على كرسيه المعتاد، خلف الطاولة. شعر بثقلٍ كبير في رأسه… بين رجفةٍ، ونظراتٍ سريعة يسرقها من زوايا المكان. رفع يديه، ووضعهما على رأسه… كأنّه يحاول أن يختبئ… أو يهرب. للحظة— مدّ يده نحو القلم. أمسكه. وضع كفّه المرتجف على الطاولة… وبدأ يكتب: من تكون…؟ أخبرني. توقّف. نظر إليها… ثم شطبها. كتب من جديد: أشعر بالخوف… توقّف. ارتجف القلم بين أصابعه. حاول أن يُكمل كلمة: وحـ… لكنّه تراجع. وشطبها. — رمى القلم من يده. — وصرخ— لكن… في داخله فقط: — يا الله… شو عم يصير معي…؟ — اهتزّ رأسه، بين ألمٍ ثقيل… ودموعٍ بدأت تنحدر ببطء. — في هذه المرّة… لم يرفع عينيه عن الطاولة. عن الأوراق التي تبعثرت أمامه… ومن بينها— دفتره. الذي يدفن فيه أسراره. أمسكه… بتردّد. فتحه. على أوّل صفحة. كان قد كتب سابقًا: الأفكار لا يقتلها الصمت… بل يمنحها وقتًا لتصبح أخطر. توقّف. شيءٌ ما… تحرّك في داخله. شدّ على القلم أكثر. وكتب— وأنا… لم تعد أفكاري حبيسة الصمت. سأفهم كلّ شيء. لم يُكمل. بدأت الحروف… تنسلخ من الكلمات. تتفكّك… ثم تتجمّع. في خطٍ كبير. جملةٍ واضحة. اتّسعت عينا أمير. ينظر… بصدمة. لم يكن بالحبر الأزرق الذي كتب به. بل— أحمر. بلون الدم. لن تفهم شيئًا… ستشعر— أكثر… وأكثر. حاول أن يرفع يده عن الدفتر. أن يهرب. أن يمزّقه. أيّ شيء— لكن… شيئًا ما كان ممسكًا بيده. يشدّها. يضغطها. سحبها بقوّة— والقلم يغرز في الدفتر. يتحرّك… دون إرادته. — يرسم. كلمةً واحدة: دم. بدأ الدم يسيل من يده… ويمتلئ به الحرف. ثم— أفلتت يده. ارتدّ أمير إلى الخلف، وكاد أن يصطدم رأسه بالأرض. حاول أن ينهض… وقد كتم صرخته. رفع نظره نحو الطاولة— بنظرةٍ ثابتة… مخيفة. — لم تحمله قدماه. تراجع. صار يرجع زاحفًا… نحو الباب. وهو يتمتم— بكلمةٍ واحدة: — لا… لا… لا. — مدّ يده، وأمسك مقبض الباب. استند عليه… حتى استطاع أن يقف. فتح الباب— وخرج مسرعًا. — أغلقه خلفه بسرعة، وتمسّك بالمقبض… كأنّه يحاول أن يسجن شيئًا في الداخل. — مشى ببطء… لكنّ قلبه كان يتسارع. أنفاسه تضيق… تعلو… وتتكسّر. — حتى وصل إلى الكنبات… أمام باب غرفة أمّه وأبيه. جلس عليها. — وبدأ ذلك الشعور— شعور الخوف… يتبدّد. شيئًا… فشيئًا. الساعة… السابعة صباحًا. كان قد غفا هناك. — أيقظته أمّه، لكنّه… لم يخبرها بما حدث. بقي جالسًا، صامتًا… كأنّه لم ينم أصلًا. — لم تمضِ سوى دقائق. ذهبت أمّه لتحضير الفطور. وفي الخلفية— كانت أغنية فيروز تنساب بهدوء: على درب الهوى… مشّاني حبيبي… — وفجأة— صوت الباب. طق… طق… طرقاتٌ خفيفة. ثم— ازدادت. — نهض أمير. تقدّم نحو الباب. مدّ يده… وأمسك المقبض. كانت يده ترتجف. خوفًا… لكن من ماذا؟ لم يكن يدري. — فتح الباب. — وقف أمامه رجل. طويل. لحيته سوداء… كالعتمة. وعلى وجهه— علامةٌ طويلة، كجرحٍ قديم، تمتدّ من خدّه حتى شفّته. — أنفاسه ساخنة. وحين تكلّم— ظهرت أسنانه الكبيرة، تفوح منها رائحةٌ ثقيلة… قريبة من الموت. — لكن— ملابسه… عادية. — نظر إليه أمير بدهشة: — من أنت؟ — لم يُجب الغريب. بقي صامتًا… كأنّه يتفحّصه. من رأسه… إلى قدميه. — مرّت لحظة. طويلة. — ثم قال: — إذاً… أنت أمير. — — أجل… ماذا تريد؟ — اقترب قليلًا، وقال بهدوءٍ مريب: — أردت… أن أراك عن قرب. توقّف— — لكن لا تقلق… — ابتسم ابتسامةً باردة: — لنا لقاء… أخير. — تجمّد أمير. — ثم— أغلق الباب في وجهه. بسرعة. — وركض… نحو أمّه. وكأنّ الباب… لم يُغلق تمامًا.بلا أي لونٍ من ألوان الدهشة... — كانت ميرايا ساكنة. — وكأنها آمنت... — أن الصدمة الحقيقية لم تعد فيما ستقوله. — بل فيما سيحدث... — بعد أن يعرفه. — نهضت بهدوء. — ومشت نحوه بخطواتٍ خفيفة. — حتى وقفت إلى جانبه. — وكان أمير... — ما يزال يحتضن الصندوق. — محاولًا فتحه. — مدّت يدها. — ووضعتهـا فوق غطائه. — ثم قالت بصوتٍ هادئ: — — هنا... — — يقطن كابوس دجين. — ارتفع بصر أمير إليها. — وتجمدت ملامحه. — ثم سأل بدهشة: — — ماذا تقصدين؟ — تنهدت ميرايا. — وقالت: — — لأنّه يخشاه. — — قتل صاحب هذا القصر... — — ليحصل عليه. — — لكنه... — — لم يستطع. — ساد الصمت. — ثم همست: — — لا تتخيل وحشًا... — — ولا روحًا... — — ولا كتابًا ملعونًا. — — إنه... — — سيف. — — سيفٌ مرصعٌ بالألماس. — ظل أمير يحدق فيها. — وقد ازدادت حيرته. — ثم قال: — — وما المخيف في ذلك؟ — — لم أفهم. — أغمضت ميرايا عينيها. — ثم قالت بصوتٍ خافت: — — لأن نصلَه... — — ي
"بعضُ الحقائق... لا تقتل الإنسان.بل تتركه حيًّا... وهو يبحث بين أنقاض نفسه عمّن كان يومًا." 👁️📖🔥كان الهواء ثقيلاً... — يبعث في النفس انزعاجًا غريبًا. — ويلتهم... — كلَّ ما كان يظنّه حقيقة. — ولا يترك خلفه... — إلّا سؤالًا واحدًا: — أيُّهما الوهم...؟ — وأيُّهما الحقيقة؟ — وهل كلُّ شعورٍ يسكن الإنسان... — يعني أنّه الحقيقة؟ — أم أنّ الشعور نفسه... — قد يكون أكبر الأكاذيب؟ — كانت تلك الأسئلة... — تتدفّق دفعةً واحدة إلى عقل أمير. — وهو مستلقٍ على السرير. — حتى دفعته إلى النهوض على عجل. — وقف. — وأخذ يحدّق في الفراغ طويلًا. — ثم همس بصوتٍ خافت: — — سأرى الحقيقة... — — بنفسي. — وحينها... — اتخذ قراره. — أن يفتح الباب... — للمرة الأخيرة. — ساد الهدوء أرجاء القصر. — حتى خُيّل إليه... — أنّ المكان قد مات منذ زمن. — لولا تلك الطيور... — التي اتخذت من زواياه المتصدعة أعشاشًا لها. — كانت ترفرف بين الحين والآخر. — فتبعثر القشّ تحتها. — ويختلط صوت أجنحتها... — بذل
كانت الطرقات تمتدّ... وكأنّها لا تعرف النهاية. كلّما تقدّما خطوة... انكشف جزءٌ آخر من المكان. وكأنّ سَدَم... لا تُظهر نفسها دفعةً واحدة. بدأت تظهر أشخاصٌ بملامح غريبة. وجوهٌ ساكنة... وعيونٌ تخلو من كلّ شيء. لكنّها... كانت تسلب من الناظر إليها أيّ شعور. إلّا الخوف. ذلك الخوف الذي يتسلّل فجأة... دون سببٍ مفهوم. كان أمير كلّما مرّ بأحدهم... اقترب من ميرايا أكثر. وكأنّه طفلٌ ضلّ طريقه... ولا يملك سوى أن يتشبّث بمن بقي معه. أما أشجار الطريق... فكانت خاليةً من أوراقها. لكنّها لم تكن يابسة. بدت وكأنّ أحدًا... انتزع منها روحها... وأبقاها واقفةً بذلك الثبات المخيف. نظر أمير حوله. ثم قال بصوتٍ متعب: — هل بقي الكثير؟ أجابته ميرايا بهدوء: — لا... — لقد اقتربنا. أغمض أمير عينيه للحظة. ثم همس: — أريد أن أغمض عينيّ... — حتى أستطيع الاحتمال. — — أشياءٌ مجهولة... — — وغريبة... — — تظهر في كل مكان. لم يكن البيت... يشبه ميرايا في شيء. — بل بدا كقصرٍ مهجور... نسيه الزمن. — نوافذه مفتوحة. — وكأنها بقيت كذلك...
نقطة الحيادهناك أماكن...لا يُقاس البعد عنها بالخطوات،بل بما تتركه في الروح حين تغادرها.سَدَمحين تصبح بلا رغبة...ولا ندم...ولا شوق...ولا ألم...وتغدو مجرّد لحمٍ يسير بأمر الزمن...فلا تقل إنّك حيّ.تأكّد فقط...أنّك هنا.حيث لا يموت الإنسان...بل يموت ما كان يجعله إنسانًا.أهلًا بك...في سَدَم، يا نِيراس.—ارتجف أمير فجأة.—واتّسعت عيناه.—ثم صاح:— سَدَم...!—— أتذكّرها...—— أتذكّرها جيّدًا!—تراجع خطوة.—ثم صرخ بغضب:— ماذا؟!—— أيّها الوغد...—— أتريد أن تُسلّمني إلى صفادك؟—— لن أسمح لك!—— سأقضي عليك!—واندفع نحوه.—لكنّ عتمور بقي ثابتًا.—وقال بهدوء:— اهدأ يا نِيراس.—— لو أردت تسليمك...—— لما جئت بك إلى هنا أصلًا.—قهقه أمير بسخرية.—ثم قال:— وهل تريدني أن أصدّقك مرّةً أخرى؟—— أما شبعت من الكذب؟—رفع عتمور رأسه.—وقال ببرود:— أنت غبي.—— ولو كنت تفهم...—— لما وقفت الآن تصرخ في وجهي.—اشتعل غضب أمير.—وقال:— أنا الغبي؟!—— يا تافه!—ابتسم عتمور ابتسامةً باهتة.—ثم قال:— أجل...—— لأنّك لم تفهم بعد.—— لم آتِ بك إلى سَدَم لأسلّمك.—س
ما تبقّى من أميربعضُ الحروب...لا تُخاض بين شخصين.بل بين اسمٍ...وذاكرة.---حتى وإن صدقت...وإن كان جسدك نِيراس...فإنّ روحك ما زالت أمير.ويجب عليّ أن أُنقذ آخر ما تبقّى من أمير...قبل أن تنزف روحه.جلس مكانه.ونظراته معلّقة بالمكان الذي اختفى فيه عتمور.وكان الصمت...يسري في داخله ببطء.حتى كاد يختنق بأفكاره.يحاول إنكار الحقيقة...لكنّه لم يستطع.ثم همس لنفسه:— مهلًا...— هل أنتظر عتمور؟— أم أخرج من هنا؟— وإن كان عتمور يخدعني...— فلن يغفر لي دَجين.دَجين...لكن دَجين لم يغفر لك أصلًا...إن كان قد سمع حديثكما فعلًا.ساد الصمت.ثم جاءه صوتٌ من أعماقه:— ومن تكون أنت؟— ألم تعرفني بعد؟— أم أنّك تحاول نسيان من تكون؟أغمض أمير عينيه.ثم صاح:— لم أعرفك!— من أنت؟!جاءه الصوت من جديد:— انظر إليّ...— ربّما ترى ملامحًا بعيدة...— ما زال شيءٌ منها يسكنك.ثم ضحك بخفوت.وقال:— وهل هذا...— ما تبقّى منك؟— اسمك أمير...— وهل يغيّر ذلك شيئًا...— إن بقي؟— لقد محوتَ كلَّ أثرٍ...— كان يمكن أن يعيدك إليّ.— ولكن انظر...— ها أنت تعود.ساد الصمت.ثم عاد الصوت يهمس:— أنا لستُ مجرّد اسم
الوهم—ليس كلُّ ما تتذكّره...—قد عاشه قلبك.—ساد هدوءٌ...—يبعث في النفس ريبةً لا تُفسَّر.—حتى بدا المكان...—وكأنّ الصمت قد تسلّل إلى جدرانه.—فصار كلُّ ما فيه...—يشبهه.—وكان أمير يشعر...—أنّ صوتًا غير مسموعٍ يقطع أنفاسه.—ويتردّد في داخله سؤالٌ واحد:—من أنا؟—ومن أكون؟—لكنّه تردّد في طرحه.—وكأنّ كلّ ما حدث...—جعل تصديق المستحيل أهون عليه من إنكاره.—رفع رأسه ببطء.—ونظر إلى عتمور.—ثم قال بصوتٍ مكسور:— أرجوك يا عتمور...—— كفى هذا الهراء.—— حقًّا...—— لم أعد أحتمل.—— أرجوك...—— أتوسّل إليك.—أغمض عتمور عينيه.—ثم قال بهدوء:— نِيراس...—— الإنسان يولد مرّتين.—— مرّةً حين تلدُه أمّه.—— ومرّةً حين يلدُه الألم.—— والمفارقة...—— أنّ اللحظتين كلتيهما مؤلمتان.—— وبعد الألم...—— يأتي تقبّل الحقيقة.—— ولو بعد سنين من الوهم.—خفض أمير رأسه.—ثم همس:— يا الله...—— لماذا يحدث كلّ هذا معي أنا؟—ساد الصمت.—ثم أردف بصوتٍ يكاد يختنق:— أمّي...—— أبي...—— هل كانوا جميعًا وهمًا؟—— ماذا...—— لا أصدّق...—— لا أصدّق.—— لا أستطيع
بين توتّرٍ… وخوفٍ بدأ يفرض وجوده على جسده— لم يكن من تلك الكلمات، التي لم يفهمها أصلًا… لكنّه— لم يعد يدري ما الذي يحدث له. شعر بشيءٍ… يلتفّ حوله. يشتدّ أكثر، يسحبه إلى الداخل… يُحكم قبضته حول عنقه. كأنّ أحدًا— غيره… كان هناك. في الغرفة. — بدأت صورته… تتشكّل أم
لم يبدأ الأمر بصوتٍ واضح… بل بشيءٍ أشبه بفكرةٍلم تكن له.مدّ الشيخ يده ببطء… وأخرج شيئًا صغيرًا، أشبه بورقةٍ قديمة. لم تكن مجرد ورقة… بل بدت كأنها عاشت زمنًا أطول مما ينبغي. حوافّها مهترئة، ولونها مائلٌ إلى الاصفرار، كأنّها احتفظت بما كُتب فيها… ولم تنسَه. كانت بين أصابعه، تتحرّك بخفّة،
كان الشيخ أبو صادق يجلس في زاوية الغرفة… زاوية بدت وكأنها غارقة في سوادٍ مطلق، حتى النوافذ كانت مغلقة، لا تسمح لشيءٍ بالدخول… ولا حتى للضوء. كانت رائحة البخور… أو ربما شيءٌ أقرب إلى الكبريت، تملأ المكان، تثقل الهواء، كأنّ التنفّس فيه لم يعد طبيعيًا. على الجدار، فوق رأسه مبا
فتح باب البيت.وما إن دخل،حتى قال بصوتٍ عالٍ:— معي ضيف.كان أمير ما يزال في غرفته،يمسك كتابًا بين يديه،منشغلًا بما يقرأ…كأنّه لم يسمع.لكن والده لم ينتظر،توجّه مباشرة نحو غرفته،وطرق الباب، ثم فتحه.نهض أمير،وألقى السلام على خالد.قال والده:— خلّيتكم تحكوا شوي…برجعلكم بعد دقايق.ثم خرج،مت







