Se connecterكان الشيخ أبو صادق
يجلس في زاوية الغرفة… زاوية بدت وكأنها غارقة في سوادٍ مطلق، حتى النوافذ كانت مغلقة، لا تسمح لشيءٍ بالدخول… ولا حتى للضوء. كانت رائحة البخور… أو ربما شيءٌ أقرب إلى الكبريت، تملأ المكان، تثقل الهواء، كأنّ التنفّس فيه لم يعد طبيعيًا. على الجدار، فوق رأسه مباشرة، علّقت صورة لرجلٍ طاعنٍ في السن، ملامحه جامدة… كأنها تراقب كل من يدخل. لم يكن الشيخ ينظر إلى أحد، كان يمسك بمسبحة، لكنها لم تكن كغيرها… لم تكن حباتها عادية، بل أشبه بأحجارٍ صغيرة، تصدر صوت طرقٍ خافت، كلما اصطدمت إحداها بالأخرى. لحية بيضاء طويلة، ورأسٌ أصلع، وعينان اكتحلتَا بسوادٍ زادتهما عمقًا… أو شيئًا أقرب إلى الغموض. حين جلس أمير، لم يستطع أن يصرف نظره عنه… بقي عالقًا في تفاصيله، بين شعورٍ بالخوف… ووقارٍ لا يُفهم. ثم تكلّم الشيخ، بصوتٍ منخفض، لكنّه كان كافيًا ليملأ المكان: — ابقَ يا أمير… وليخرج الجميع. ساد صمتٌ قصير، تخلّله صوت المسبحة… وخطواتٌ تبتعد. حتى أُغلِق الباب. ثم أردف، دون أن يرفع نظره: — اشرب… من هذا الكأس الذي أمامك. أدار أمير عينيه نحو الطاولة، حيث كان الكأس موضوعًا… صامتًا، كأنه ينتظر. تردّد… ليس خوفًا مما في الكأس… بل مما قد يحدث بعده. فتح فمه ليعترض… ليقول شيئًا… لكن— قاطعه الشيخ، بنبرةٍ هادئة… لا تحتمل النقاش: — لا تُجادل… افعل ذلك. مدّ يده نحو الكأس… لكنها لم تكن ثابتة. ارتجفت أصابعه، حتى كاد أن يفلت منه قبل أن يلمسه. — اشرب. جاء صوت الشيخ منخفضًا… لكنه كان كافيًا ليُثقل الهواء أكثر. رفع الكأس ببطء، كأنّ وزنه أثقل مما ينبغي. قرّبه من فمه… وتردّد لوهلة. ثم شرب. كان السائل غريبًا… أصفر اللون، انساب من فمه، وتسرّب على ذقنه، باردًا… أو ربما شيئًا آخر. لم يمسحه. أنزل الكأس من يده، ووضعه أمامه ببطء، لكن يده… لم تتوقّف عن الارتجاف. بقيت هناك، ترتجف… كأنّ شيئًا فيها لم يعد له. رفع الشيخ رأسه أخيرًا… ولأول مرة، التقت عيناه بعيني أمير. قال بهدوءٍ غريب: — أنا أعرف… لماذا أنت هنا. توقّف لحظة، كأنّه يزن كلماته، ثم تابع: — وأعرفك أيضًا… عنيد، لا تسمع كثيرًا… تفضّل أن تتكلّم. انخفض صوته أكثر: — لكن… ليس اليوم. نظر إلى الكأس للحظة، ثم عاد إليه: — ما شربته… لن يؤذيك. تردّد قليلًا، ثم قال: — لكنه سيُهدّئك… ابتسم ابتسامة خفيفة، غير واضحة المعنى: — سيجعلك… تسمع. صمت لحظة، ثم أضاف: — لتفهم… ما يجب أن يُقال. ولأفعل… ما يجب أن يُفعل. نظر إليه مطوّلًا، ثم قال: — أنت لا تؤمن… بالخالق. توقّف، ثم أردف ببطء: — ومع ذلك… لستَ إلا بشرًا… مخلوقًا. ابتسم… ابتسامة لم تكن مريحة. وقال، بنبرةٍ هادئة: — أحب… أمثالك. توقّف لحظة، ثم أضاف: — لأنكم… لا تدركون متى… تبدأون بالانصياع. قالها بهدوءٍ تام… — لن أُطيل في حديثي. توقّف لحظة، ثم أضاف ببطء: — لكن… حين تخرج من هنا… لن تكون أنت. انخفض صوته أكثر، كأنّه يقترب من فكرةٍ لا تُقال: — ستسمع أكثر… وتقبل… ما يُقال لك. صمت، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، لم تكن مريحة. — وإن حاولت أن تخالفني… توقّف لثانية، وكأنّه يترك للكلمة أن تسقط: — ستبدأ… حكاية أخرى. رفع نظره إليه مباشرة، وعيناه ثابتتان عليه: — حكاية… لن تفهم منها شيئًا. اقترب صوته أكثر، حتى كاد يُهمَس: — ستشعر فقط… بالخوف. توقّف… — أكثر… وأكثر.بلا أي لونٍ من ألوان الدهشة... — كانت ميرايا ساكنة. — وكأنها آمنت... — أن الصدمة الحقيقية لم تعد فيما ستقوله. — بل فيما سيحدث... — بعد أن يعرفه. — نهضت بهدوء. — ومشت نحوه بخطواتٍ خفيفة. — حتى وقفت إلى جانبه. — وكان أمير... — ما يزال يحتضن الصندوق. — محاولًا فتحه. — مدّت يدها. — ووضعتهـا فوق غطائه. — ثم قالت بصوتٍ هادئ: — — هنا... — — يقطن كابوس دجين. — ارتفع بصر أمير إليها. — وتجمدت ملامحه. — ثم سأل بدهشة: — — ماذا تقصدين؟ — تنهدت ميرايا. — وقالت: — — لأنّه يخشاه. — — قتل صاحب هذا القصر... — — ليحصل عليه. — — لكنه... — — لم يستطع. — ساد الصمت. — ثم همست: — — لا تتخيل وحشًا... — — ولا روحًا... — — ولا كتابًا ملعونًا. — — إنه... — — سيف. — — سيفٌ مرصعٌ بالألماس. — ظل أمير يحدق فيها. — وقد ازدادت حيرته. — ثم قال: — — وما المخيف في ذلك؟ — — لم أفهم. — أغمضت ميرايا عينيها. — ثم قالت بصوتٍ خافت: — — لأن نصلَه... — — ي
"بعضُ الحقائق... لا تقتل الإنسان.بل تتركه حيًّا... وهو يبحث بين أنقاض نفسه عمّن كان يومًا." 👁️📖🔥كان الهواء ثقيلاً... — يبعث في النفس انزعاجًا غريبًا. — ويلتهم... — كلَّ ما كان يظنّه حقيقة. — ولا يترك خلفه... — إلّا سؤالًا واحدًا: — أيُّهما الوهم...؟ — وأيُّهما الحقيقة؟ — وهل كلُّ شعورٍ يسكن الإنسان... — يعني أنّه الحقيقة؟ — أم أنّ الشعور نفسه... — قد يكون أكبر الأكاذيب؟ — كانت تلك الأسئلة... — تتدفّق دفعةً واحدة إلى عقل أمير. — وهو مستلقٍ على السرير. — حتى دفعته إلى النهوض على عجل. — وقف. — وأخذ يحدّق في الفراغ طويلًا. — ثم همس بصوتٍ خافت: — — سأرى الحقيقة... — — بنفسي. — وحينها... — اتخذ قراره. — أن يفتح الباب... — للمرة الأخيرة. — ساد الهدوء أرجاء القصر. — حتى خُيّل إليه... — أنّ المكان قد مات منذ زمن. — لولا تلك الطيور... — التي اتخذت من زواياه المتصدعة أعشاشًا لها. — كانت ترفرف بين الحين والآخر. — فتبعثر القشّ تحتها. — ويختلط صوت أجنحتها... — بذل
كانت الطرقات تمتدّ... وكأنّها لا تعرف النهاية. كلّما تقدّما خطوة... انكشف جزءٌ آخر من المكان. وكأنّ سَدَم... لا تُظهر نفسها دفعةً واحدة. بدأت تظهر أشخاصٌ بملامح غريبة. وجوهٌ ساكنة... وعيونٌ تخلو من كلّ شيء. لكنّها... كانت تسلب من الناظر إليها أيّ شعور. إلّا الخوف. ذلك الخوف الذي يتسلّل فجأة... دون سببٍ مفهوم. كان أمير كلّما مرّ بأحدهم... اقترب من ميرايا أكثر. وكأنّه طفلٌ ضلّ طريقه... ولا يملك سوى أن يتشبّث بمن بقي معه. أما أشجار الطريق... فكانت خاليةً من أوراقها. لكنّها لم تكن يابسة. بدت وكأنّ أحدًا... انتزع منها روحها... وأبقاها واقفةً بذلك الثبات المخيف. نظر أمير حوله. ثم قال بصوتٍ متعب: — هل بقي الكثير؟ أجابته ميرايا بهدوء: — لا... — لقد اقتربنا. أغمض أمير عينيه للحظة. ثم همس: — أريد أن أغمض عينيّ... — حتى أستطيع الاحتمال. — — أشياءٌ مجهولة... — — وغريبة... — — تظهر في كل مكان. لم يكن البيت... يشبه ميرايا في شيء. — بل بدا كقصرٍ مهجور... نسيه الزمن. — نوافذه مفتوحة. — وكأنها بقيت كذلك...
نقطة الحيادهناك أماكن...لا يُقاس البعد عنها بالخطوات،بل بما تتركه في الروح حين تغادرها.سَدَمحين تصبح بلا رغبة...ولا ندم...ولا شوق...ولا ألم...وتغدو مجرّد لحمٍ يسير بأمر الزمن...فلا تقل إنّك حيّ.تأكّد فقط...أنّك هنا.حيث لا يموت الإنسان...بل يموت ما كان يجعله إنسانًا.أهلًا بك...في سَدَم، يا نِيراس.—ارتجف أمير فجأة.—واتّسعت عيناه.—ثم صاح:— سَدَم...!—— أتذكّرها...—— أتذكّرها جيّدًا!—تراجع خطوة.—ثم صرخ بغضب:— ماذا؟!—— أيّها الوغد...—— أتريد أن تُسلّمني إلى صفادك؟—— لن أسمح لك!—— سأقضي عليك!—واندفع نحوه.—لكنّ عتمور بقي ثابتًا.—وقال بهدوء:— اهدأ يا نِيراس.—— لو أردت تسليمك...—— لما جئت بك إلى هنا أصلًا.—قهقه أمير بسخرية.—ثم قال:— وهل تريدني أن أصدّقك مرّةً أخرى؟—— أما شبعت من الكذب؟—رفع عتمور رأسه.—وقال ببرود:— أنت غبي.—— ولو كنت تفهم...—— لما وقفت الآن تصرخ في وجهي.—اشتعل غضب أمير.—وقال:— أنا الغبي؟!—— يا تافه!—ابتسم عتمور ابتسامةً باهتة.—ثم قال:— أجل...—— لأنّك لم تفهم بعد.—— لم آتِ بك إلى سَدَم لأسلّمك.—س
ما تبقّى من أميربعضُ الحروب...لا تُخاض بين شخصين.بل بين اسمٍ...وذاكرة.---حتى وإن صدقت...وإن كان جسدك نِيراس...فإنّ روحك ما زالت أمير.ويجب عليّ أن أُنقذ آخر ما تبقّى من أمير...قبل أن تنزف روحه.جلس مكانه.ونظراته معلّقة بالمكان الذي اختفى فيه عتمور.وكان الصمت...يسري في داخله ببطء.حتى كاد يختنق بأفكاره.يحاول إنكار الحقيقة...لكنّه لم يستطع.ثم همس لنفسه:— مهلًا...— هل أنتظر عتمور؟— أم أخرج من هنا؟— وإن كان عتمور يخدعني...— فلن يغفر لي دَجين.دَجين...لكن دَجين لم يغفر لك أصلًا...إن كان قد سمع حديثكما فعلًا.ساد الصمت.ثم جاءه صوتٌ من أعماقه:— ومن تكون أنت؟— ألم تعرفني بعد؟— أم أنّك تحاول نسيان من تكون؟أغمض أمير عينيه.ثم صاح:— لم أعرفك!— من أنت؟!جاءه الصوت من جديد:— انظر إليّ...— ربّما ترى ملامحًا بعيدة...— ما زال شيءٌ منها يسكنك.ثم ضحك بخفوت.وقال:— وهل هذا...— ما تبقّى منك؟— اسمك أمير...— وهل يغيّر ذلك شيئًا...— إن بقي؟— لقد محوتَ كلَّ أثرٍ...— كان يمكن أن يعيدك إليّ.— ولكن انظر...— ها أنت تعود.ساد الصمت.ثم عاد الصوت يهمس:— أنا لستُ مجرّد اسم
الوهم—ليس كلُّ ما تتذكّره...—قد عاشه قلبك.—ساد هدوءٌ...—يبعث في النفس ريبةً لا تُفسَّر.—حتى بدا المكان...—وكأنّ الصمت قد تسلّل إلى جدرانه.—فصار كلُّ ما فيه...—يشبهه.—وكان أمير يشعر...—أنّ صوتًا غير مسموعٍ يقطع أنفاسه.—ويتردّد في داخله سؤالٌ واحد:—من أنا؟—ومن أكون؟—لكنّه تردّد في طرحه.—وكأنّ كلّ ما حدث...—جعل تصديق المستحيل أهون عليه من إنكاره.—رفع رأسه ببطء.—ونظر إلى عتمور.—ثم قال بصوتٍ مكسور:— أرجوك يا عتمور...—— كفى هذا الهراء.—— حقًّا...—— لم أعد أحتمل.—— أرجوك...—— أتوسّل إليك.—أغمض عتمور عينيه.—ثم قال بهدوء:— نِيراس...—— الإنسان يولد مرّتين.—— مرّةً حين تلدُه أمّه.—— ومرّةً حين يلدُه الألم.—— والمفارقة...—— أنّ اللحظتين كلتيهما مؤلمتان.—— وبعد الألم...—— يأتي تقبّل الحقيقة.—— ولو بعد سنين من الوهم.—خفض أمير رأسه.—ثم همس:— يا الله...—— لماذا يحدث كلّ هذا معي أنا؟—ساد الصمت.—ثم أردف بصوتٍ يكاد يختنق:— أمّي...—— أبي...—— هل كانوا جميعًا وهمًا؟—— ماذا...—— لا أصدّق...—— لا أصدّق.—— لا أستطيع
حين فتحت الباب… أدركتُ أنّني لم أكن وحدي.ليلٌ هادئ… وضوء قمرٍ خافت ينسلّ من بين الستارة. يصطدم بمصباحٍ في الغرفة— أبيض، باهت… يرفّ بين لحظةٍ وأخرى، كأنّه يوشك أن ينطفئ. — جلس أمير على كرسيه المعتاد، خلف الطاولة. شعر بثقلٍ كبير في رأسه… بين رجفةٍ، ونظراتٍ سريعة
بين توتّرٍ… وخوفٍ بدأ يفرض وجوده على جسده— لم يكن من تلك الكلمات، التي لم يفهمها أصلًا… لكنّه— لم يعد يدري ما الذي يحدث له. شعر بشيءٍ… يلتفّ حوله. يشتدّ أكثر، يسحبه إلى الداخل… يُحكم قبضته حول عنقه. كأنّ أحدًا— غيره… كان هناك. في الغرفة. — بدأت صورته… تتشكّل أم
كان اليوم التالي يومَ جمعة، عطلةَ نهاية الأسبوع… اليوم الذي سيبدأ فيه أول دروسه في الجامع، بعد صلاة الجمعة. بعد أن رُفع الأذان، بدأت الجموع تتوافد إلى المسجد. كان أمير يسير برفقة والده، وعلى يساره راشد… ذاك الذي لم تتردّد والدته في السماح له بالحضور، إذ رأت في الأمر فائدة، وفر
كان الرجل العجوز يفترش ذلك الفراش، فراشًا احتضن ما تبقّى من روحه المهشّمة، تلك التي ما زالت عالقةً في جسده الواهن. بعد أن أثقله الزمن، غدا شبيهًا بجهازٍ قديم، موصولٍ بأنابيب تبقيه حيًّا، يتغذّى على سائلٍ بارد، وعلى يمينه جهاز النبض، يرنّ بإيقاعٍ منتظم… ليُقنعه أنه ما زال هنا. شي







