LOGINبين توتّرٍ… وخوفٍ
بدأ يفرض وجوده على جسده— لم يكن من تلك الكلمات، التي لم يفهمها أصلًا… لكنّه— لم يعد يدري ما الذي يحدث له. شعر بشيءٍ… يلتفّ حوله. يشتدّ أكثر، يسحبه إلى الداخل… يُحكم قبضته حول عنقه. كأنّ أحدًا— غيره… كان هناك. في الغرفة. — بدأت صورته… تتشكّل أمامه. في كل زاوية. نسخٌ منه— تنظر إليه. تقترب. ثم— نطق أحدها: — انتهى كلّ شيء… وتبعه صوتٌ آخر: — أنت الآن… لست وحدك. توقّف لحظة— — لكن… لن تبقى كذلك. — ارتدّ بنظره بين زوايا الغرفة، يلاحق ظلّ ذلك الرجل الغريب… والخوف يُطبق على صدره. كأنّه يختنق. تسارعت أنفاسه، وانحدر العرق من جبينه إلى عنقه. وصوت صفيرٍ حاد— يمرّ حوله، يدور… ولا يتوقّف. — صرخ فجأة: — ساعدووني!! — أمييي…! — أبييي…! لكنّ صوته… لم يخرج كما سمعه. كأنّ شيئًا يقيّده… يسحبه إليه، دون أن يتحرّك. حاول— أن يصرخ. مرّةً… ثم أخرى… أكثر… حتى— سمعته أمّه. — أسرعت نحوه، تركض. فتحت باب غرفته— فوجدته جالسًا على سريره. ساكنًا. ينظر… بنظرةٍ ثابتة، لا تفارق الباب. لا تفارقها. — شهقت، وقالت: — شو فيك يا ابني؟ شو صرلك؟ اقتربت بسرعة، وضمّته إلى صدرها. بقي للحظة… دون أن يرد. ثم— بدأ يهدأ. تراجع قليلًا، ونظر إليها، وقال: — لا شي يا أمي… لا تخافي. نظرت إليه بقلق: — كيف ما أخاف؟ ليش كنت عم تصرخ؟ تردّد لحظة، ثم قال بهدوءٍ غريب: — ولا شي… يمكن كابوس. بقيت تحدّق فيه، كأنّها تبحث عن شيءٍ في وجهه. ثم قالت بنبرةٍ أخف: — طيب… إذا حاسس حالك مو منيح، خبرني… أو صحّيني. — أعطته كأس ماء. — اشرب… ونام. ارتشفه ببطء. — لكنّ عينيه… لم تغمضا. وكأنّ شيئًا… ما زال مستيقظًا فيه. — افترش سريره… يفكّر. ويفكّر… ويفكّر. كمن ينتظر شيئًا— ولا يعرف ما هو. دار بنظره في الغرفة… إلى النافذة، إلى الباب، إلى الخزانة… إلى ملابسه، وكتبه المبعثرة. كأنّه يحاول أن يتأكّد… أن كل شيءٍ ما زال في مكانه. أو— أنّه ما زال في مكانه. لكنّ ذلك الشعور… لم يهدأ. ارتاب. خاف. شيءٌ ما… لم يكن طبيعيًا. همس لنفسه: — ليش هيك…؟ شو عم يصيرلي…؟ سكت. لدقائق… تمرّ ببطءٍ ثقيل. ثم قال، بصوتٍ أخف، لكنّه أكثر حسمًا: — أكيد… من ورا هالورقة. توقّف لحظة— — لازم أفهم شو مكتوب فيها… ثم أضاف: — لازم أعرف. حتى لو… ما كنت جاهز. لم يأتِ الصباح… كما يأتي كل يوم. وكأنّ الليل… لم ينتهِ فيه. لم يهدأ أمير طوال تلك الليلة. تقلّبت مشاعره، بين خوفٍ… وتفكيرٍ لا يتوقّف. — وحين بدأ الضوء يتسلّل، لم ينتظر. نهض. قبل أن يفعل أيّ شيء. — اتجه مباشرةً إلى خالد. وصل إلى بابه… وطرقه. كانت الساعة— لم تبلغ السابعة بعد. لم يكن ينتظر جوابًا… كأنّه يعرف أنّه سيفتح. — حين فتح خالد الباب… تجمّد لوهلة. رأى وجه أمير— مسحوب الألوان، وشحوبٌ واضح، وسوادٌ استقرّ تحت عينيه… كأنّ الليل لم يفارقه. حدّق فيه، ثم قال فورًا: — خير؟ شو صايرلك يا أمير؟ ظلّ أمير صامتًا، متردّدًا للحظة… كأنّ الكلمات تثقُل في داخله. ثم قال، بصوتٍ خافت، يكاد يُسمع: — في حدا… عم يلاحقني. توقّف. — أو… عم يراقبني. تنفّس بصعوبة، ثم أضاف: — ما بعرف… يمكن… بدّن يقتلوني. اتّسعت عينا خالد، وتراجع خطوة: — ادخل… ادخل. أفسح له الطريق، ثم قال بسرعة: — تعا… احكيلي القصة. شو صار معك؟ — لم يكن يريد أن يجلس. بقي واقفًا… مرتبكًا. ارتجافٌ خفيف يسري في داخله، لا يظهر بالكامل… لكنّه كان هناك. حاول أن يتكلّم. بدأ يحكي— لكنّ الكلمات… لم تخرج كما اعتاد. اختلطت ببعضها، تداخلت، كأنّها تتسابق للخروج… دون ترتيب. قال أشياء… ثم عاد ونقضها. توقّف… ثم أكمل. حتى— وصل إلى الاسم. — الشيخ… أبو صادق. — تغيّر وجه خالد. لم تكن دهشة… ولا استغرابًا. بل شيئًا آخر. كأنّ الاسم— لم يكن غريبًا عليه. كأنّه… مرتبطٌ بشيءٍ يعرفه مسبقًا. سكت خالد… للحظةٍ أطول مما يجب. قال، بصوتٍ أخفض: — الورقة… كانت صفراء؟ عتيقة؟ — — نعم… بس… ليش؟ — — لسا معك؟ ولا حاولت تقراها؟ — — إي… معي… حاولت… بس ما فهمت شي. — اقترب خالد خطوة: — جاوبني… قرأتها؟ — — إي… بس… ما فهمت شو مكتوب فيها. — تغيّر وجه خالد أكثر… وشدّ على يده: — ما كان لازم… تفتحها. تنفّس بعمق: — الله يسامح أبوك… بس كيف بياخدك لعنده؟ — — ليش عم تحكي هيك؟ شو في؟ — — بصراحة… أنا خيفان عليك يا أمير. ولازم احكيلك… اللي بعرفه. — اقترب، وخفّض صوته: — في ثلاث وراق من هاد النوع… — زرقا… — حمرا… — وصفرا… توقّف— — وأخطرهم… الصفراء. — ارتبك أمير أكثر: — طيب… شو يعني؟ فهمني! — نظر إليه خالد، بجدّيةٍ ثقيلة، وقال: — الورقة الصفراء… سكت لحظة— — معناها… في حدا متفق مع أبو صادق… ليتخلّص منك. — سقطت الكلمات ببطءٍ قاتل. — وأضاف، بصوتٍ أخف: — ويمكن… ما كان رح يصير شي… لو ما فتحتها. — توقّف… ثم نظر إليه مباشرة، وقال: — لكنّك… فتحتها. — تجمّد أمير مكانه. كأنّ الكلمات… لم تصل إليه مباشرة. ثم قال، بصوتٍ مرتفع قليلًا، يحاول أن يتمسّك بشيءٍ منطقي: — يتخلّص مني…؟ توقّف، ونظر إلى خالد باستغرابٍ واضح: — كيف يا خالد…؟ مين يعني…؟ ارتبك أكثر، ثم أضاف بسرعة: — أكيد… عم تمزح معي. — لم يبتسم خالد. لم يعلّق. بقي ينظر إليه فقط… بصمتٍ أثقل من أي جواب. — وبتلك اللحظة— فهم أمير. أنّه… لم يكن يمزح. — ابتلع ريقه… لكنّ الطعم… لم يكن طبيعيًا. — مجرّد ما فتحتها… انتهى كل شي. توقّف— — الشي اللي مأمور فيه… بلّش. — نظر إليه، وقال بهدوءٍ مريب: — وهو هلّق… بالطريق. تراجع أمير خطوة، وعيناه اتّسعتا: — كيف… بالطريق؟ وشو اللي صار معي هالليلة لكان؟ مين كان…؟ — لم يُجب خالد فورًا. نظر إليه… بهدوءٍ غريب. ثم قال، بصوتٍ منخفضٍ وثابت: — كانت البداية… يا صديقي أمير. — توقّف لحظة— — اللي صار معك هالليلة… مو شي منفصل. — اقترب أكثر، وأضاف: — هو أوّل خطوة. — رفع نظره إليه مباشرة: — واللي شفته… ما كان وهم. صرخ أمير بصوتٍ عالٍ: — يااا… لله! طيب ليش؟! اقترب خطوة، وعيناه تبحثان في وجه خالد: — وإنت… شو عرفك يا خالد؟ — تنفّس خالد ببطء، ثم قال، وكأنّه يتجنّب الدخول في التفاصيل: — انسَ هاد… توقّف لحظة— — المهم… صدّقني. رفع نظره إليه، بنبرةٍ جدّية: — اللي عم احكيلك ياه… حقيقة. اقترب أكثر، وقال بصوتٍ أخفض: — وتأكد… — إنو ما رح يتركوْك. — سكت لحظة، ثم أضاف: — أوّل ما تكون لحالك… — رح يكونوا معك. جلس أمير على ركبتيه… وكان يرتجف. كأنّ الخوف— لم يعد شعورًا فقط… بل شيئًا يسكنه. انحنى قليلًا، وسقطت أولى دموعه. حاول أن يمسحها بيده… كأنّه يرفض أن يراها. — ثم قال، بصوتٍ مكسور… لكن حاسم: — رح أعرف… شو مكتوب بهديك الورقة. توقّف لحظة— — مهما كان. — انفعل خالد فجأة، وصرخ: — إنت مجنون؟! عقلك في شي؟! — رفع أمير نظره إليه، وقد بدأ الغضب يمتزج بالخوف: — طيب شو بدك أعمل يا خالد؟! تردّد لحظة، ثم قال: — نروح لعنده… نحاول نوقفه! — تراجع خالد خطوة، وكأنّ الفكرة وحدها أخافته: — كيف بدك تروح لعنده؟! اقترب أكثر، وصوته انخفض… لكنه صار أخطر: — إنت لازم تبعد عنه. — سكت لحظة— — هني… حواليك. نظر إليه مباشرة: — وإذا حاولت تقرب منه… — حتى لو كنت معك… توقّف— — الحكم رح يكون أقسى. — ثم قال، بصوتٍ ثقيل: — صدّقني.بلا أي لونٍ من ألوان الدهشة... — كانت ميرايا ساكنة. — وكأنها آمنت... — أن الصدمة الحقيقية لم تعد فيما ستقوله. — بل فيما سيحدث... — بعد أن يعرفه. — نهضت بهدوء. — ومشت نحوه بخطواتٍ خفيفة. — حتى وقفت إلى جانبه. — وكان أمير... — ما يزال يحتضن الصندوق. — محاولًا فتحه. — مدّت يدها. — ووضعتهـا فوق غطائه. — ثم قالت بصوتٍ هادئ: — — هنا... — — يقطن كابوس دجين. — ارتفع بصر أمير إليها. — وتجمدت ملامحه. — ثم سأل بدهشة: — — ماذا تقصدين؟ — تنهدت ميرايا. — وقالت: — — لأنّه يخشاه. — — قتل صاحب هذا القصر... — — ليحصل عليه. — — لكنه... — — لم يستطع. — ساد الصمت. — ثم همست: — — لا تتخيل وحشًا... — — ولا روحًا... — — ولا كتابًا ملعونًا. — — إنه... — — سيف. — — سيفٌ مرصعٌ بالألماس. — ظل أمير يحدق فيها. — وقد ازدادت حيرته. — ثم قال: — — وما المخيف في ذلك؟ — — لم أفهم. — أغمضت ميرايا عينيها. — ثم قالت بصوتٍ خافت: — — لأن نصلَه... — — ي
"بعضُ الحقائق... لا تقتل الإنسان.بل تتركه حيًّا... وهو يبحث بين أنقاض نفسه عمّن كان يومًا." 👁️📖🔥كان الهواء ثقيلاً... — يبعث في النفس انزعاجًا غريبًا. — ويلتهم... — كلَّ ما كان يظنّه حقيقة. — ولا يترك خلفه... — إلّا سؤالًا واحدًا: — أيُّهما الوهم...؟ — وأيُّهما الحقيقة؟ — وهل كلُّ شعورٍ يسكن الإنسان... — يعني أنّه الحقيقة؟ — أم أنّ الشعور نفسه... — قد يكون أكبر الأكاذيب؟ — كانت تلك الأسئلة... — تتدفّق دفعةً واحدة إلى عقل أمير. — وهو مستلقٍ على السرير. — حتى دفعته إلى النهوض على عجل. — وقف. — وأخذ يحدّق في الفراغ طويلًا. — ثم همس بصوتٍ خافت: — — سأرى الحقيقة... — — بنفسي. — وحينها... — اتخذ قراره. — أن يفتح الباب... — للمرة الأخيرة. — ساد الهدوء أرجاء القصر. — حتى خُيّل إليه... — أنّ المكان قد مات منذ زمن. — لولا تلك الطيور... — التي اتخذت من زواياه المتصدعة أعشاشًا لها. — كانت ترفرف بين الحين والآخر. — فتبعثر القشّ تحتها. — ويختلط صوت أجنحتها... — بذل
كانت الطرقات تمتدّ... وكأنّها لا تعرف النهاية. كلّما تقدّما خطوة... انكشف جزءٌ آخر من المكان. وكأنّ سَدَم... لا تُظهر نفسها دفعةً واحدة. بدأت تظهر أشخاصٌ بملامح غريبة. وجوهٌ ساكنة... وعيونٌ تخلو من كلّ شيء. لكنّها... كانت تسلب من الناظر إليها أيّ شعور. إلّا الخوف. ذلك الخوف الذي يتسلّل فجأة... دون سببٍ مفهوم. كان أمير كلّما مرّ بأحدهم... اقترب من ميرايا أكثر. وكأنّه طفلٌ ضلّ طريقه... ولا يملك سوى أن يتشبّث بمن بقي معه. أما أشجار الطريق... فكانت خاليةً من أوراقها. لكنّها لم تكن يابسة. بدت وكأنّ أحدًا... انتزع منها روحها... وأبقاها واقفةً بذلك الثبات المخيف. نظر أمير حوله. ثم قال بصوتٍ متعب: — هل بقي الكثير؟ أجابته ميرايا بهدوء: — لا... — لقد اقتربنا. أغمض أمير عينيه للحظة. ثم همس: — أريد أن أغمض عينيّ... — حتى أستطيع الاحتمال. — — أشياءٌ مجهولة... — — وغريبة... — — تظهر في كل مكان. لم يكن البيت... يشبه ميرايا في شيء. — بل بدا كقصرٍ مهجور... نسيه الزمن. — نوافذه مفتوحة. — وكأنها بقيت كذلك...
نقطة الحيادهناك أماكن...لا يُقاس البعد عنها بالخطوات،بل بما تتركه في الروح حين تغادرها.سَدَمحين تصبح بلا رغبة...ولا ندم...ولا شوق...ولا ألم...وتغدو مجرّد لحمٍ يسير بأمر الزمن...فلا تقل إنّك حيّ.تأكّد فقط...أنّك هنا.حيث لا يموت الإنسان...بل يموت ما كان يجعله إنسانًا.أهلًا بك...في سَدَم، يا نِيراس.—ارتجف أمير فجأة.—واتّسعت عيناه.—ثم صاح:— سَدَم...!—— أتذكّرها...—— أتذكّرها جيّدًا!—تراجع خطوة.—ثم صرخ بغضب:— ماذا؟!—— أيّها الوغد...—— أتريد أن تُسلّمني إلى صفادك؟—— لن أسمح لك!—— سأقضي عليك!—واندفع نحوه.—لكنّ عتمور بقي ثابتًا.—وقال بهدوء:— اهدأ يا نِيراس.—— لو أردت تسليمك...—— لما جئت بك إلى هنا أصلًا.—قهقه أمير بسخرية.—ثم قال:— وهل تريدني أن أصدّقك مرّةً أخرى؟—— أما شبعت من الكذب؟—رفع عتمور رأسه.—وقال ببرود:— أنت غبي.—— ولو كنت تفهم...—— لما وقفت الآن تصرخ في وجهي.—اشتعل غضب أمير.—وقال:— أنا الغبي؟!—— يا تافه!—ابتسم عتمور ابتسامةً باهتة.—ثم قال:— أجل...—— لأنّك لم تفهم بعد.—— لم آتِ بك إلى سَدَم لأسلّمك.—س
ما تبقّى من أميربعضُ الحروب...لا تُخاض بين شخصين.بل بين اسمٍ...وذاكرة.---حتى وإن صدقت...وإن كان جسدك نِيراس...فإنّ روحك ما زالت أمير.ويجب عليّ أن أُنقذ آخر ما تبقّى من أمير...قبل أن تنزف روحه.جلس مكانه.ونظراته معلّقة بالمكان الذي اختفى فيه عتمور.وكان الصمت...يسري في داخله ببطء.حتى كاد يختنق بأفكاره.يحاول إنكار الحقيقة...لكنّه لم يستطع.ثم همس لنفسه:— مهلًا...— هل أنتظر عتمور؟— أم أخرج من هنا؟— وإن كان عتمور يخدعني...— فلن يغفر لي دَجين.دَجين...لكن دَجين لم يغفر لك أصلًا...إن كان قد سمع حديثكما فعلًا.ساد الصمت.ثم جاءه صوتٌ من أعماقه:— ومن تكون أنت؟— ألم تعرفني بعد؟— أم أنّك تحاول نسيان من تكون؟أغمض أمير عينيه.ثم صاح:— لم أعرفك!— من أنت؟!جاءه الصوت من جديد:— انظر إليّ...— ربّما ترى ملامحًا بعيدة...— ما زال شيءٌ منها يسكنك.ثم ضحك بخفوت.وقال:— وهل هذا...— ما تبقّى منك؟— اسمك أمير...— وهل يغيّر ذلك شيئًا...— إن بقي؟— لقد محوتَ كلَّ أثرٍ...— كان يمكن أن يعيدك إليّ.— ولكن انظر...— ها أنت تعود.ساد الصمت.ثم عاد الصوت يهمس:— أنا لستُ مجرّد اسم
الوهم—ليس كلُّ ما تتذكّره...—قد عاشه قلبك.—ساد هدوءٌ...—يبعث في النفس ريبةً لا تُفسَّر.—حتى بدا المكان...—وكأنّ الصمت قد تسلّل إلى جدرانه.—فصار كلُّ ما فيه...—يشبهه.—وكان أمير يشعر...—أنّ صوتًا غير مسموعٍ يقطع أنفاسه.—ويتردّد في داخله سؤالٌ واحد:—من أنا؟—ومن أكون؟—لكنّه تردّد في طرحه.—وكأنّ كلّ ما حدث...—جعل تصديق المستحيل أهون عليه من إنكاره.—رفع رأسه ببطء.—ونظر إلى عتمور.—ثم قال بصوتٍ مكسور:— أرجوك يا عتمور...—— كفى هذا الهراء.—— حقًّا...—— لم أعد أحتمل.—— أرجوك...—— أتوسّل إليك.—أغمض عتمور عينيه.—ثم قال بهدوء:— نِيراس...—— الإنسان يولد مرّتين.—— مرّةً حين تلدُه أمّه.—— ومرّةً حين يلدُه الألم.—— والمفارقة...—— أنّ اللحظتين كلتيهما مؤلمتان.—— وبعد الألم...—— يأتي تقبّل الحقيقة.—— ولو بعد سنين من الوهم.—خفض أمير رأسه.—ثم همس:— يا الله...—— لماذا يحدث كلّ هذا معي أنا؟—ساد الصمت.—ثم أردف بصوتٍ يكاد يختنق:— أمّي...—— أبي...—— هل كانوا جميعًا وهمًا؟—— ماذا...—— لا أصدّق...—— لا أصدّق.—— لا أستطيع
حين فتحت الباب… أدركتُ أنّني لم أكن وحدي.ليلٌ هادئ… وضوء قمرٍ خافت ينسلّ من بين الستارة. يصطدم بمصباحٍ في الغرفة— أبيض، باهت… يرفّ بين لحظةٍ وأخرى، كأنّه يوشك أن ينطفئ. — جلس أمير على كرسيه المعتاد، خلف الطاولة. شعر بثقلٍ كبير في رأسه… بين رجفةٍ، ونظراتٍ سريعة
لم يبدأ الأمر بصوتٍ واضح… بل بشيءٍ أشبه بفكرةٍلم تكن له.مدّ الشيخ يده ببطء… وأخرج شيئًا صغيرًا، أشبه بورقةٍ قديمة. لم تكن مجرد ورقة… بل بدت كأنها عاشت زمنًا أطول مما ينبغي. حوافّها مهترئة، ولونها مائلٌ إلى الاصفرار، كأنّها احتفظت بما كُتب فيها… ولم تنسَه. كانت بين أصابعه، تتحرّك بخفّة،
كان الشيخ أبو صادق يجلس في زاوية الغرفة… زاوية بدت وكأنها غارقة في سوادٍ مطلق، حتى النوافذ كانت مغلقة، لا تسمح لشيءٍ بالدخول… ولا حتى للضوء. كانت رائحة البخور… أو ربما شيءٌ أقرب إلى الكبريت، تملأ المكان، تثقل الهواء، كأنّ التنفّس فيه لم يعد طبيعيًا. على الجدار، فوق رأسه مبا
فتح باب البيت.وما إن دخل،حتى قال بصوتٍ عالٍ:— معي ضيف.كان أمير ما يزال في غرفته،يمسك كتابًا بين يديه،منشغلًا بما يقرأ…كأنّه لم يسمع.لكن والده لم ينتظر،توجّه مباشرة نحو غرفته،وطرق الباب، ثم فتحه.نهض أمير،وألقى السلام على خالد.قال والده:— خلّيتكم تحكوا شوي…برجعلكم بعد دقايق.ثم خرج،مت