เข้าสู่ระบบظل الصمت يملأ الغرفة.
كان أدريان واقفًا على بعد خطوات منها، بينما بقيت ليفيا تنظر إليه، مستغربة أنه لم يغادر فورًا كما فعل في كل مرة. لم يكن الصمت بينهما مريحًا. لكنه لم يكن عدائيًا أيضًا. كان أشبه بمسافة جديدة، لم يعرف أيٌّ منهما كيف يعبرها. تنحنحت ليفيا بخفة، ثم قالت وهي تعيد ترتيب خصلات شعرها خلف أذنها: “أظن أن حديثنا انتهى.” لم يجب. اكتفى بإيماءة خفيفة، ثم استدار متجهًا نحو الباب. لكن قبل أن يمد يده إلى المقبض، سمع صوت طرقات خفيفة. فتح الباب. كان ريتشارد يقف في الخارج. تأمل ملامحهما للحظات، وكأنه يحاول أن يقرأ ما حدث بينهما. ثم قال بهدوء: “هل انتهيتما؟” أجاب أدريان ببرود: “كما أردت.” دخلت نظرات ريتشارد إلى ليفيا. “وأنتِ؟” ابتسمت ابتسامة صغيرة. “ليس لدي ما أضيفه.” أومأ برأسه، ثم تنحى جانبًا ليفسح لها الطريق. دفعت ليفيا كرسيها نحو الخارج. كانت العتبة التي علقت عندها قبل دقائق خلفها الآن، لكن هذه المرة مرت فوقها بسهولة. تابعها أدريان بعينيه دون قصد. ولم يفهم لماذا شعر براحة خفية عندما عبرتها دون أن تتعثر. ⸻ خرج الثلاثة إلى الممر. كانت المؤسسة تعج بالموظفين والمتطوعين، وكل منهم منشغل بعمله. ما إن رأت إحدى الطفلات ليفيا حتى ركضت نحوها وهي تبتسم بسعادة. “آنسة ليفيا!” انحنت ليفيا قليلًا، وفتحت ذراعيها. احتضنتها الطفلة بحماس، فضحكت ليفيا لأول مرة منذ يومين، ضحكة عفوية أضاءت ملامحها بالكامل. وقف أدريان مكانه. حدق فيها بصمت. لم يكن يتذكر آخر مرة رآها تضحك هكذا. اقتربت طفلة أخرى، ثم ثالثة. وخلال ثوانٍ، أحاط بها الأطفال من كل جانب، يتحدثون معها بحماس، ويتنافس كل واحد منهم على جذب انتباهها. ابتسمت لهم جميعًا، تسأل هذا عن دراسته، وتمسح على شعر تلك، وتضحك مع آخر بسبب قصة مضحكة. همس أحد الموظفين لريتشارد: “وجودها هنا يغيّر المكان.” ابتسم ريتشارد بفخر. “أعرف.” أما أدريان… فبقي يراقبها. في منزل فيرمونت كانت هادئة، تكاد لا تتكلم. أما هنا… فبدت شخصًا مختلفًا تمامًا. حيوية. دافئة. وقريبة من الجميع. شعر للحظة أنه لا يعرفها كما كان يظن. انتبه من شروده عندما تعثرت إحدى الطفلات الصغيرة وهي تركض. وقبل أن تصل إليها ليفيا، كان أدريان قد أمسك بالطفلة ومنعها من السقوط. رفعت الصغيرة رأسها إليه بخجل. ابتسم لها ابتسامة خفيفة لم ينتبه إليها حتى هو. “احذري.” ركضت الطفلة نحو ليفيا وهي تضحك. أما ليفيا… فكانت تنظر إليه باستغراب. لم يكن ذلك الرجل البارد الذي تحدث معها قبل دقائق. كان شخصًا آخر تمامًا. وحين التقت عيناهما، اختفت تلك الابتسامة بسرعة، وعادت ملامحه الجامدة كما كانت. اعتدل في وقفته وقال ببرود: “يبدو أنهم يعتمدون عليك كثيرًا.” ابتسمت ليفيا بهدوء. “وأنا أعتمد عليهم أيضًا.” لم يفهم قصدها. لكن قبل أن يسأل، اقتربت إحدى الموظفات من ليفيا وهي تبدو متوترة. “آنسة ليفيا…” “هناك متبرع جديد يريد مقابلتك.” عقدت ليفيا حاجبيها. “هل يعرفني؟” هزت الموظفة رأسها. “قال إنه يعرف عائلتك جيدًا… وأصر على رؤيتك شخصيًا.” تبادلت ليفيا وأدريان نظرة سريعة. وقبل أن تنطق بكلمة… ظهر رجل أنيق في أواخر الأربعينيات عند نهاية الممر. توقفت عيناه مباشرة عليها. ثم ابتسم ابتسامة غامضة وهو يقول: “مر وقت طويل يا ابنة جورج فيرمونت.” عقدت ليفيا حاجبيها وهي تحدق في الرجل. كانت ملامحه مألوفة بصورة غريبة، لكنها لم تستطع تذكر أين رأته من قبل. تقدمت الموظفة خطوة إلى الخلف، تاركة المجال بينهما. أما الرجل، فاكتفى بابتسامة هادئة قبل أن يقول: “لا يبدو أنك تذكرينني.” هزت ليفيا رأسها باعتذار. “أعتذر… أشعر أنني رأيتك من قبل، لكنني لا أتذكر.” ضحك بخفة. “وهذا طبيعي.” “آخر مرة رأيتك فيها… كنتِ في الثانية عشرة من عمرك.” اتسعت عيناها قليلًا. نظر جورج الذي كان قد وصل لتوه إلى الممر، وما إن وقعت عيناه على الرجل حتى تجمد مكانه. خرجت منه كلمة واحدة بدهشة واضحة: “دانيال؟” استدار الرجل نحوه وابتسم. “مرحبًا يا جورج.” اقترب جورج بسرعة وصافحه بحرارة. “لم أتوقع رؤيتك هنا.” ابتسم دانيال. “عدت إلى البلاد منذ أسبوع فقط.” راقب أدريان المشهد بصمت. لم يكن يعرف الرجل. لكنه لاحظ التوتر الذي مر على وجه ريتشارد للحظة قبل أن يخفيه سريعًا. مد ريتشارد يده مصافحًا. “مرحبًا، دانيال.” صافحه الآخر باحترام. “ريتشارد.” ساد صمت قصير. ثم التفت دانيال نحو ليفيا مرة أخرى. ابتسم بحنان واضح. “كبرتِ كثيرًا.” بادلتْه ابتسامة مهذبة. “تشرفت بلقائك مجددًا.” وقعت عيناه على الكرسي المتحرك. اختفت ابتسامته للحظة. “سمعت بما حدث…” قالها بأسف صادق. لكن ليفيا ابتسمت بهدوء. “لا بأس.” “اعتدت على الأمر.” كانت جملتها بسيطة… إلا أنها جعلت أدريان يلتفت إليها دون شعور. كيف يمكنها أن تقولها بهذه السهولة؟ وكأنها لا تتحدث عن شيء غيّر حياتها بالكامل. قطع دانيال الصمت. “كنت صديقًا قديمًا لوالدك.” “وعملت معه سنوات طويلة.” أومأت ليفيا برأسها. “أبي لم يذكر اسمك من قبل.” ابتسم جورج بحرج. “لأننا انشغلنا بالحياة.” نظر دانيال إليه بابتسامة يعرف معناها. “بل لأن كل واحد منا اختار طريقًا مختلفًا.” لم يفهم أدريان المقصود. لكن ريتشارد فهمه جيدًا. ولهذا تدخل بسرعة. “لننتقل إلى مكتبي داخل المؤسسة.” أومأ الجميع بالموافقة. وبدأوا السير. كانت ليفيا تدفع كرسيها بنفسها كعادتها. إلى أن اعترض طريقها جزء صغير من السجاد عند باب القاعة. التفت أدريان إليها تلقائيًا. وقبل أن تتحرك يده… كانت قد تجاوزته وحدها. لم تحتج إلى مساعدته. ولا حتى نظرت إليه. زفر بخفوت. لم يعرف سبب شعوره بخيبة صغيرة. دخل الجميع القاعة، وبقي أدريان واقفًا قرب الباب. لم يكن مهتمًا بالحديث. لكن كلمات دانيال التالية جعلته يرفع رأسه فورًا. “في الحقيقة…” توقف قليلًا. ثم نظر إلى جورج وريتشارد معًا. “لم آتِ اليوم من أجل التبرع فقط.” ساد الصمت. تابع بنبرة أكثر جدية: “هناك أمر يخص ليفيا… وكان يجب أن أخبركم به منذ سنوات.” شحب وجه جورج. بينما انقبض فك ريتشارد بقوة. أما ليفيا… فشعرت بقلبها يخفق بعنف. لأول مرة منذ وقوع الحادث… رأت الخوف الحقيقي في عيني والدها.أغلقت ليفيا باب الغرفة خلفها بهدوء، ثم اتجهت مباشرة إلى خزانة الملابس، وكأنها لم تلاحظ أن أدريان دخل بعدها بثوانٍ. خلعت أقراطها أمام المرآة، وفكت شعرها ببطء، ثم بدأت ترتب أغراضها فوق الطاولة دون أن تنظر إليه مرة واحدة. أما هو… فبقي واقفًا عند الباب يراقبها. كان يتوقع أن تلتفت، أو أن تقول أي شيء، حتى لو كان عتابًا. لكنها لم تفعل. أغلق الباب، واقترب منها. “ليفيا.” لم تجبه. فتحت أحد الأدراج وأخرجت كتابًا، ثم اتجهت نحو السرير وجلست تقلب صفحاته. اقترب أكثر. “ليفيا.” رفعت عينيها عن الكتاب لثانية واحدة. “نعم؟” “هل ستتجاهلينني؟” أعادت نظرها إلى الكتاب. “أنا أقرأ.” عقد حاجبيه. “أعرف أنك لا تقرئين.” أغلقت الكتاب بهدوء ووضعته إلى جانبها. “إذن لماذا سألت؟” لم تعجبه برودة نبرتها. اقترب حتى وقف أمامها مباشرة. “منذ الصباح وأنتِ تتصرفين وكأنني غير موجود.” رفعت رأسها إليه. “أنت مشغول… وهذا ما أردته.” خرجت الجملة هادئة… لكنها أصابته في مكان لم يتوقعه. تنهد بضيق. “ما زلتِ تتحدثين عن الذي حصل في المكتب؟” ابتسمت ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيها. “انتهى الأمر.” “لا.” قالها ب
كان الهدوء يسيطر على مكتب القصر منذ الصباح. انتشرت الملفات على الطاولة الكبيرة، بينما كان أدريان يراجع أحد العقود بندًا بندًا، وإيثان يناقش معه بعض التعديلات، في حين كانت جينيفر تدون الملاحظات وتنسق المواعيد القادمة. لم يكن أحد يجرؤ على مقاطعة أدريان عندما يصل إلى هذه المرحلة من التركيز. ولهذا… حين فُتح باب المكتب دون استئذان، رفع الجميع رؤوسهم في الوقت نفسه. دخلت ليفيا بهدوء، وكأنها لم تشعر بنظراتهم. توقفت أمام المكتب، ثم نظرت مباشرة إلى أدريان. “أريدك.” ساد الصمت. ترك أدريان القلم من يده ببطء، وحدق بها باستغراب. “الآن؟” أومأت برأسها. “الآن.” ألقى نظرة سريعة على الملفات المكدسة أمامه. “أنا في منتصف الاجتماع.” ابتسمت ابتسامة صغيرة. “أعرف.” “إذن انتظريني حتى أنتهي.” هزت رأسها بالنفي. “لا… أريدك الآن.” تبادل إيثان وجينيفر النظرات دون أن ينطقا. لم يكن هذا يشبه ليفيا التي عرفاها. أما أدريان، فأغلق الملف أمامه ببطء، ثم نهض من مقعده. “اعذراني.” خرج معها إلى الممر، وما إن أغلق الباب خلفه حتى استدار إليها مباشرة. “ماذا حدث؟” نظرت إليه بهدوء. “لا شيء.” عقد حاجبيه.
استيقظت ليفيا في صباح اليوم التالي وهي تشعر بشيء لم تعتد عليه منذ فترة… الضيق. لم يكن سببه جينيفر وحدها. بل نفسها أيضًا. كانت تبتسم في كل مرة، تشكر الجميع، ثم تعود إلى غرفتها لتتساءل لماذا شعرت بالإهانة. وضعت الفرشاة فوق منضدة الزينة، ثم نظرت إلى انعكاسها في المرآة. همست لنفسها: “إذا لم أضع حدودًا… فلن يفعلها أحد.” كانت جينيفر قد وصلت باكرًا كعادتها، بينما انشغل أدريان وإيثان في المكتب. دخلت ليفيا بعد دقائق تحمل بعض الملفات التي طلبتها إليانور من الأرشيف. طرقت الباب. “ادخلي.” وضعت الملفات فوق الطاولة، ثم همّت بالمغادرة. لكن أحد العقود انزلق من بين الأوراق وسقط على الأرض. انحنت لالتقاطه. وفي اللحظة نفسها… انحنت جينيفر أيضًا. ابتسمت وهي تمد يدها. “اتركيه، سأ—” لكن ليفيا التقطت الملف قبل أن تصل إليه. اعتدلت واقفة، ثم نظرت إليها بابتسامة هادئة. “شكرًا… لكنني أستطيع.” ساد صمت قصير. ابتسمت جينيفر. “أنا أعرف، فقط—” قاطعتها ليفيا، ولأول مرة منذ عودة جينيفر، كان صوتها ثابتًا وواثقًا. “لا داعي لأن تسبقي لمساعدتي في كل مرة.” توقفت جينيفر عن الكلام. أما إيثان، فرفع رأس
في صباح اليوم التالي، كان الهدوء يخيم على القصر على غير العادة.جلس أدريان وإيثان في المكتب منذ السابعة صباحًا، واندمجا في مراجعة العقود، بينما كانت جينيفر تنسق مواعيد الاجتماعات وترد على رسائل البريد الإلكتروني دون أن تنطق إلا عند الضرورة.في المقابل…قررت ليفيا أن تشغل نفسها بأي شيء يبعدها عن التفكير فيما حدث بالأمس.ولهذا، اتجهت إلى المكتبة.كانت تقف أمام أحد الرفوف العالية، تحاول الوصول إلى كتاب وضع في الأعلى.وقفت على أطراف قدميها قليلًا، ومدت يدها…لكن الكتاب بقي بعيدًا.وفي اللحظة نفسها، امتدت يد أخرى والتقطته بسهولة.استدارت ليفيا.“جينيفر.”ابتسمت الأخيرة وهي تناولها الكتاب.“كنت سأدعك تحاولين أكثر… لكنني خفت أن يسقط الرف فوقنا.”ضحكت ليفيا بخفة.“لن يصل الأمر إلى هذا الحد.”ناولتها جينيفر الكتاب ثم قالت بهدوء:“كان يكفي أن تناديني.”أخذت ليفيا الكتاب منها.“لا أحب أن أزعج أحدًا.”ابتسمت جينيفر.“هذا ليس إزعاجًا.”ثم أضافت وهي ترتب كتابًا آخر في مكانه:“خاصة إذا كان الأمر يوفر عليكِ الوقوف أو الحركة أكثر من اللازم.”ساد صمت قصير.ابتسمت ليفيا مجاملة.“أنا بخير.”هزت جينيفر رأ
مرّ أسبوع تقريبًا منذ انتقل العمل إلى القصر. أصبحت الحركة في الطابق الأرضي لا تهدأ؛ موظفون يدخلون ويغادرون، صناديق من الملفات تُستبدل بأخرى، وهواتف لا تتوقف عن الرنين. أما مكتب أدريان، فقد تحول إلى ما يشبه فرعًا صغيرًا من الشركة. في المقابل، اعتاد الجميع وجود جينيفر. كانت تصل في الموعد نفسه كل صباح، تنظم الملفات، تنسق الاجتماعات، ثم تغادر مع انتهاء العمل. لم تكن كثيرة الكلام، لكن حضورها الهادئ جعلها تنسجم سريعًا مع أجواء القصر. في ذلك الصباح، خرجت ليفيا من المطبخ تحمل صينية عليها أربعة فناجين من القهوة وبعض قطع الحلوى الصغيرة. حاولت إحدى الخادمات أخذها منها. “دعيني أحملها يا سيدتي.” ابتسمت ليفيا وهزت رأسها. “لا بأس… أستطيع.” سارت بخطوات هادئة نحو المكتب، ثم طرقت الباب بخفة. “ادخلي.” دفعت الباب ودخلت. كان أدريان يجلس خلف مكتبه، غارقًا بين العقود، بينما وقف إيثان أمام السبورة يناقش إحدى الملاحظات مع جينيفر.
بدأ القصر يستعيد شيئًا من حركته القديمة.منذ الصباح الباكر، لم يتوقف موظفو الشركة عن الدخول والخروج، يحملون صناديق الوثائق، ويستبدلونها بأخرى امتلأت بتواقيع جديدة. كان مكتب أدريان في الطابق الأرضي يعج بالأوراق وأصوات الطابعات ورنين الهواتف، حتى بدا وكأن جزءًا من مقر الشركة انتقل إلى القصر.وقفت ليفيا للحظات عند باب غرفة الجلوس، تراقب ذلك المشهد بصمت، قبل أن تتجه نحو المطبخ.“هل يمكنني مساعدتكم؟”ابتسمت إحدى الخادمات.“لا داعي يا سيدتي، نحن نتولى الأمر.”هزت رأسها بلطف، ثم أخذت بنفسها صينية وضعت عليها عدة فناجين من القهوة وأكواب الماء، واتجهت نحو المكتب.طرقت الباب طرقًا خفيفًا.“ادخلي.”دفعت الباب بهدوء، فوجدت أدريان وإيثان غارقين في الملفات، بينما كانت جينيفر تقف أمام لوحة صغيرة، ترتب جدول الاجتماعات بخط مرتب ومنظم.رفعت جينيفر رأسها أولًا.“صباح الخير، سيدة ليفيا.”ابتسمت ليفيا.“صباح الخير.”وضعت الصينية فوق الطاولة، ثم بدأت توزع الأكواب بهدوء.مدّ إيثان يده نحو أحد الفناجين وهو يبتسم.“أنقذتِ حياتنا.”ابتسمت بخجل.“ما زلتما في بداية اليوم.”تنهد إيثان.“وهذا ما يخيفني.”أما أدريان







