เข้าสู่ระบบبقي أدريان يحدق في ليفيا لثوانٍ طويلة، وكأن كلماتها سلبته القدرة على الرد.
تساءل في داخله: لماذا لا تقاتل؟ لماذا تستسلم بهذه السهولة؟ كان يتوقع منها أن تدافع عن القرار. أن تحاول إقناعه. أن تطلب منه فرصة. لكنها فعلت العكس تمامًا. قالت إنها لن تحاول إقناعه. وللمرة الأولى منذ أن بدأت هذه الفوضى، شعر أن غضبه لم يعد يجد هدفًا يصوبه نحوه. شعر بفراغ غريب، كأن شيئًا كان ينتظره ولم يحدث. قطع ريتشارد الصمت وهو ينظر إلى مدير المؤسسة. “هل تسمح لنا باستعارة غرفة الاجتماعات لبضع دقائق؟” ابتسم المدير باحترام. “بكل سرور.” أشار إلى الممر المؤدي إلى غرفة زجاجية صغيرة تطل على الحديقة الخلفية للمبنى. التفت ريتشارد إلى أدريان. “اذهب.” لم يتحرك. تردد للحظة، وكأن قدميه ترفضان الاقتراب أكثر. أعاد ريتشارد كلمته بنبرة أكثر صرامة. “لن يستغرق الأمر سوى دقائق.” زفر أدريان بضيق، ثم سار ببطء خلف ليفيا التي دفعت كرسيها المتحرك بهدوء نحو الغرفة. كان يراقب حركتها، متسائلًا لماذا يشعر بثقل غير مبرر في صدره. دخلت أولًا. ثم تبعها أدريان. أما ريتشارد، فاكتفى بإغلاق الباب خلفهما، تاركًا إياهما وحدهما. ساد صمت ثقيل. لم يكن في الغرفة سوى طاولة مستديرة، وعدة مقاعد، ونافذة كبيرة تتسلل منها أشعة الشمس. شعرت ليفيا بأن هذا الصمت يضغط على صدرها، لكنها رفضت أن تظهر ذلك. كانت ليفيا أول من كسر الصمت. “أشكرك لأنك اتيت.” قالتها وهي تحاول تثبيت صوتها، رغم ارتجافة خفية في داخلها. رفع حاجبه باستغراب. “لم آتِ بإرادتي.” قالها ببرود، لكنه شعر بوخزة خفيفة لم يفهم سببها. أومأت برأسها. “أعرف.” لم يكن في صوتها عتاب. ولا غضب. وهذا ما أزعجه أكثر. لماذا لا تهاجمه؟ لماذا تبدو هادئة إلى هذا الحد؟ خفضت بصرها للحظة، ثم قالت بهدوء: “لن أطيل الحديث.” كانت تجمع شجاعتها، محاولة ألا تتراجع الآن. وقف أدريان مكتوف الذراعين، منتظرًا. كان يتوقع ضربة ما، لكنه لم يعرف من أين ستأتي. تنفست بعمق. “اليوم… سأتحدث مع والدي.” شعرت بأن الكلمات أثقل مما توقعت. رفع نظره إليها. “وسأطلب منه إنهاء موضوع الزواج نهائيًا.” راقبها بدقة، محاولًا التقاط أي تردد… لكنه لم يجد. ظل ينظر إليها دون أن يتكلم. لماذا لا يشعر بالارتياح كما كان يتوقع؟ ابتسمت ابتسامة باهتة. “لا أريد أن يشعر أحد بأنه أُجبر علي.” قالتها وهي تقاوم رغبة مفاجئة في التراجع. خرج صوته باردًا. “هذا أفضل للجميع.” قالها بسرعة، كأنه يريد إنهاء الأمر قبل أن يتغير شيء داخله. ارتجفت ابتسامتها للحظة. لكنها تماسكت. “أتفق معك.” شعرت بوخزة حادة، لكنها دفنتها فورًا. استدار أدريان متجهًا نحو الباب. “إذًا انتهى الأمر.” حاول إقناع نفسه أن هذا ما يريده. لكن قبل أن يفتح الباب، سمع صوتها من خلفه. “أدريان.” توقف. شعر بشيء يشده للبقاء، رغم أنه لا يريد الاعتراف بذلك. لم يلتفت. قالت بهدوء: “هناك شيء واحد فقط…” ترددت للحظة، ثم قررت أن تقولها. استدار هذه المرة. كانت تنظر إليه بثبات، رغم الارتجافة الخفيفة في أصابعها. كانت تخشى أن يقرأ ما تخفيه. “لا تحمل شعورًا بالذنب تجاهي.” عقد حاجبيه. لماذا تفترض أنه يشعر بشيء أصلًا؟ أكملت بصوت منخفض: “أنت لم تفعل شيئًا يستحق الاعتذار.” قالتها وكأنها تحاول إقناع نفسها أيضًا. ساد الصمت. ثم ابتسم ابتسامة ساخرة بالكاد ظهرت. “لا تقلقي.” “أنا لا أشعر بالذنب.” قالها بحدة، كأنه يدافع عن نفسه من اتهام غير موجود. كانت جملته قصيرة. باردة. وحادة بما يكفي لتصيبها في أكثر نقطة تؤلمها. شعرت بالضربة، لكنها رفضت أن تظهرها. أخفضت عينيها للحظة، لكنها أخفت ما شعرت به سريعًا. لن تسمح له برؤية ضعفها. حركت كرسيها نحو الباب. لكن ما إن حاولت عبور العتبة الصغيرة عند المدخل، حتى اصطدمت إحدى العجلات بحافتها. توقفت. شعرت بإحباط مفاجئ، وكأن الموقف كله يسخر منها. حاولت مرة أخرى. ولم يتحرك الكرسي. تنهدت بخفوت، ثم أمسكت بالعجلة بيديها محاولة تحريرها بنفسها. لن تطلب المساعدة… ليس منه. كان أدريان يراقبها بصمت. لم يتحرك. تردد، متسائلًا إن كان يجب أن يتدخل. أعادت المحاولة مرة ثالثة. انزلقت يدها قليلًا، فاهتز الكرسي. انقبض فك أدريان. شعر بانزعاج غير مبرر من رؤيتها تكافح وحدها. قال ببرود: “ابتعدي.” قالها وكأنه يأمر نفسه قبلها. رفعت رأسها إليه. “لا.” رفضها كان هادئًا، لكنه حاسم. “قلت ابتعدي.” أجابته بعناد هادئ: “أستطيع فعلها.” كانت تتمسك بكرامتها أكثر من أي شيء آخر. راقبها لثوانٍ أخرى. ثم نفد صبره. أو ربما نفد تحمله لرؤيتها هكذا. اقترب بخطوات سريعة، وانحنى أمام الكرسي. مد يده إلى العجلة محاولًا تحريرها. لكن ليفيا أمسكت بمعصمه قبل أن يلمسها. توقفت أنفاسها للحظة عند هذا القرب المفاجئ. نظرت إليه مباشرة وقالت: “قلت إنني أستطيع.” كانت عيناها تقولان أكثر مما نطقت به. رفع عينيه إليها. ولأول مرة منذ سنوات… كانا قريبين إلى هذه الدرجة. شعر بشيء غير مريح… أو ربما غير مألوف. قال بصوت منخفض، يخفي نفاد صبره: “وأنا قلت إنك تعطلين نفسك.” قالها بحدة، ليخفي ارتباكه. أفلتت معصمه ببطء. في اللحظة التالية، أمسك بمقبضي الكرسي، رفع مقدمته قليلًا، ثم تجاوز العتبة بحركة واحدة. أنزل الكرسي على الأرض برفق. ابتعد خطوة إلى الخلف. “انتهى.” قالها بسرعة، كأنه يريد إنهاء اللحظة. حدقت فيه ليفيا لثوانٍ. كانت تحاول فهم ما شعرت به للتو. ثم قالت بهدوء: “شكرًا.” قالتها بصدق، رغم كل شيء. لم يجب. لكنه أيضًا… لم يغادر هذه المرة فورًا. بقي مكانه، مترددًا، وكأن شيئًا ما يمنعه من الرحيل.كان أدريان، وصمته، والشخص الذي بدا أنه يملك انتباهه بالكامل. بقيت هذه الفكرة عالقة في ذهن ليفيا حتى بعد أن بدأت العائلة تتفرق من حولهما، ولم تستطع أن تمنع نفسها من العودة إليها مرة بعد أخرى، رغم محاولتها المستمرة لإقناع نفسها بأن الأمر لا يعنيها. ربما كان العمل هو السبب، وربما كانت هناك مسألة عاجلة احتاجت إلى رده، وربما لم يكن في الأمر شيء يستحق كل هذا التفكير أصلًا، لكنها كلما حاولت أن تجد تفسيرًا منطقيًا لانشغاله المستمر بهاتفه، وجدت نفسها تعود إلى السؤال ذاته: لماذا تشعر وكأنه لم يعد يراها؟ لم يكن أدريان قد قال شيئًا جارحًا، ولم يتجاهلها بصورة واضحة، بل على العكس، ساعدها عندما تعثرت، وسار إلى جوارها حين عادا إلى الداخل، وكلما احتاجت إلى مساعدته قدمها دون تردد، لكن ذلك لم يكن ما كانت تبحث عنه الآن. كانت تريد انتباهه، تلك النظرة التي اعتادت أن تجدها في عينيه حتى عندما لا يقول شيئًا، ذلك الشعور الذي جعلها في الفترة الأخيرة تدرك أن وجودها أصبح يحتل مكانًا واضحًا في حياته. أما الليلة، فقد بدا وكأنه سحب ذلك الاهتمام منها بهدوء. وهذا هو ما أوجعها. وحين دخلا الغرفة، كانت ليفيا لا تزال
لم تكن ليفيا تتوقع أن يعود رايان في ذلك المساء. وصلت إلى القصر قبل موعد العشاء بقليل، وكانت العائلتان قد اجتمعتا في الحديقة، وحين توقفت السيارة أمام المدخل، رفعت رأسها لترى من القادم. ما إن نزل رايان حتى وقفت من مكانها دون تفكير. “رايان؟” ابتسم لها وهو يقترب، ومد يده إليها، فصافحته بحرارة قبل أن تقول وهي تنظر إليه بعتاب: “عدت منذ أيام ولم تخبرني؟” ضحك. “كنت أعرف أنك ستعاتبينني.” “وأنت مع ذلك عدت.” “ولهذا جئت مستعدًا.” تدخل والدها ضاحكًا، موضحًا أن رايان أراد أن يفاجئ الجميع، وسرعان ما أحاطت به العائلة بالترحيب. صديقًا قديمًا للعائلتين، يعرفه الجميع جيدًا، ولذلك لم يكن حضوره غريبًا على أحد. جلست ليفيا إلى جواره لبعض الوقت، وسألته عن سفره وعمله، وتبادلا الحديث بسهولة عادت معها الألفة القديمة دون حاجة إلى استدعاء أي ذكريات بعيدة. وبعد دقائق، وصل أدريان. صافح رايان بحرارة معتادة، وتبادلا الحديث عن عودته، ثم جلس أدريان إلى جوار ليفيا. لم يبدُ عليه أي انزعاج. كان يعرف رايان جيدًا، ولم يكن وجوده بحد ذاته شيئًا يستحق الاستغراب. بدأ العشاء وسط أحاديث العائلتين، ثم ذكر رايان أنه
استيقظت ليفيا في الصباح وهي لا تزال تشعر بآثار الأمس في كل تفاصيلها. لم تكن القبلة هي أكثر ما يشغلها، رغم أنها كلما تذكرتها شعرت بحرارة تصعد إلى وجهها. كان سؤاله هو الذي لم تستطع التخلص منه. إذا أردت طفلًا منك… هل ستعطينني إياه؟ ثم ذلك الجزء الذي جاء بعدها، عندما نظر إليها وقال إنه يريد أن يعرف إن كانت تستطيع أن تتخيل مستقبلًا يكون هو فيه. لماذا قال ذلك؟ ولماذا الآن؟ كانت الأسئلة كثيرة، لكنها قررت ألا تسمح لها بإفساد صباحها. نزلت إلى الطابق السفلي، وحين دخلت غرفة الطعام وجدته هناك. كان أدريان جالسًا في مكانه، يرتدي ملابس العمل، وملامحه هادئة بصورة غريبة. رفعت عينيها إليه. توقعت أن ينظر إليها. لكنه لم يفعل. قالت: “صباح الخير.” “صباح الخير.” ثم لا شيء. جلست ليفيا ببطء. راقبته من خلف فنجانها. كان يقرأ بعض الأوراق، يقلب الصفحات واحدة تلو الأخرى، وكأن وجودها أمامه لا يعني شيئًا. انتظرت قليلًا. ثم قالت: “ألا تنظر إليّ حتى؟” رفع عينيه إليها أخيرًا. “أنا أنظر إليك الآن.” ثم أعاد عينيه إلى الورقة. حدقت فيه. “كنت أظن أنك ستقول شيئًا آخر.” “مثل ماذا؟” “لا أعرف.” قال
بقيت ليفيا تحدق فيه، بينما كان سؤال أدريان يتردد في رأسها بلا توقف. “إذا أردت طفلًا منك… هل ستعطينني إياه؟” لم يكن السؤال عابرًا، ولم تكن طريقته في طرحه تسمح لها بأن تتعامل معه كأنه مجرد مزحة. كان جالسًا أمامها بملامح متجهمة، وعينين ثابتتين تراقبان أدق تغير في وجهها، وكأنه ينتظر منها إجابة محددة. ترددت للحظات، ثم قالت بهدوء: “لكن…” رفع حاجبه. “ماذا؟” ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت “أنت لا تحب الأطفال أصلًا.” تجمد وجهه. “من قال لكِ ذلك؟” رفعت كتفيها بخفة. “أنت.” “أنا؟” ضحكت بهدوء. “ليس بصورة مباشرة، لكنني ألاحظك كلما اقترب طفل.” اشتد فكه. “وهذا لا يعني شيئًا.” “بل يعني الكثير.” ثم أضافت وهي تحاول كتم ضحكتها: “ذلك اليوم مثلًا، عندما جلس الطفل إلى جانبي، أخذته مني وكأنك كنت تنتظر تلك اللحظة.” نظر إليها طويلًا. “كان يزعجك.” “لم يكن يزعجني.” “كان ملتصقًا بك.” “وكان لطيفًا.” ازدادت ملامحه تصلبًا. أما هي، فابتسمت أكثر، وكأن هدوءه المستفز بدأ يثير رغبتها في مواصلة الحديث. “ثم إنني لا أفهم…” توقفت لحظة. “كيف تريد طفلًا.." ورفعت عينيها إ
انتهى لقاء الأصدقاء أخيرًا، وبدأ الجميع بالمغادرة.كانت ليفيا لا تزال تقف قرب المدخل، تودع آخر من بقي من أصدقائها، بينما كان أدريان قد ابتعد منذ دقائق دون أن يقول شيئًا.خرج من المكان واتجه إلى السيارة، ثم وقف بجانبها، واضعًا يديه في جيبي معطفه، وملامحه جامدة بصورة واضحة.كانت ليفيا تراقبه من بعيد.ظنت أنه غادر.لكن عندما انتهت من وداع أصدقائها، خرجت من المبنى ببطء، فوجدته واقفًا عند السيارة ينتظرها.اقتربت منه، وابتسمت بخفة.“ظننت أنك ذهبت.”التفت إليها أدريان فورًا، وكأن الجملة استفزته.قال بانفعال مكتوم:“ماذا كنتِ تظنين؟”رمشت باستغراب.“لا شيء…”“فقط ظننت أنك مللت وانتظرتني.”اشتد فكه.وقال بحدة:“وأترك زوجتي هنا وحدها؟”سكتت.كان صوته يحمل غضبًا حقيقيًا، ولم يكن فيه أي شيء من المزاح.ثم فتح لها باب السيارة.“اركبي.”نظرت إليه للحظة.ثم قالت بخفة محاولة استعادة الجو:“حسنًا، حسنًا… لا داعي لكل هذا الغضب.”لم يجب.انتظرت حتى استقرت في المقعد، ثم أغلق الباب بهدوء.دار حول السيارة وجلس خلف المقود.وانطلقت السيارة.⸻مرّت الدقائق الأولى بصمت.كانت ليفيا تنظر إليه من حين إلى آخر.كان
بعد أن ابتعد أدريان عن الطاولة، بقي جاستن في مكانه للحظات، ثم نهض بهدوء ولحق به إلى الجهة الأخرى من المطعم. لم يكن في ملامحه تحدٍ، ولم يكن يريد شجارًا، لكنه كان يعرف أن هناك شيئًا يجب أن يقوله قبل أن يغادر.توقف خلف أدريان وقال: “أدريان، أريد أن أتحدث معك قبل أن أذهب.”استدار أدريان ببطء، وكانت ملامحه قد عادت إلى هدوئها المعتاد، رغم أن صدره كان لا يزال مثقلًا بما حدث قبل دقائق.“تحدث.”تردد جاستن لحظة، ثم قال مباشرة: “أنا أحب ليفيا.”لم يتحرك أدريان.حتى تعابير وجهه لم تتغير في البداية، لكن عضلة صغيرة ارتجفت في فكه، ثم شد يديه خلف ظهره حتى لا يظهر ما أحدثته الجملة داخله.قال بعد صمت قصير: “هي لا تعرف؟”“لا.”“ولم تخبرها؟”“ليس بعد.”رفع أدريان عينيه إليه.“ولماذا تخبرني أنا؟”أجاب جاستن بصراحة: “لأنني أعرف أنك زوجها، وأعرف أن وجودي في حياتها قد يزعجك. لم أكن أريد أن تسمعها مني بطريقة تجعلها تشعر بأنها مضطرة إلى اختيار طرف.”بقي أدريان صامتًا.كان الاعتراف يؤلمه أكثر مما توقع، ليس لأن جاستن قال إنه يحبها فقط، بل لأنه قالها بثبات رجل يعرف ما يريد.قال أدريان أخيرًا: “لا تخبرها الآن.”رف







