Masukكانت كايلا هي الشخص الوحيد في هذا العالم الذي يملك مفاتيح قلبه، والوحيدة التي يبث صراخها الرعب في أوصاله؛ لذا فإن نبرة صوتها الباكية والمذعورة كانت لا تزال تدوي في أذن سادن كطلقات الرصاص، محولةً إياه إلى ثور هائج يطيح بكل من يقف في طريقه. بملامح حادة وأوامر صارمة كالسكاكين، جُعل البيت في حالة طوارئ قصوى، وتم تجهيز غرفة متكاملة في جناح خاص لاستقبال المصابة، في حين هرع الأطباء الذين استدعاهم سادن ملبّين النداء، دون أن يملكوا أدنى فكرة عن طبيعة الإصابة التي بانتظارهم.
لم تمر سوى لحظات ثقيلة حتى وصلت سيارة كايلا؛ ترجلت منها بوجه شاحب كالأموات، وأطراف متجمدة من فرط الرعب، بينما كانت دموعها تنحدر على وجنتيها بلا انقطاع. وما إن لمحت شقيقها الأكبر واقفاً، حتى ارتمت بين أحضانه كعصفور جريح يلوذ بملجئه الأخير، وهتفت بنبرة يمزقها الخوف - أنا خايفة أوي يا سادن.. شكلها ماتت، أنا اللي عملت فيها كده وهشيل ذنبها طول عمري! هيدخلوني السجن.. لأ مش مهم السجن، أنا خايفة عليها هي.. خايفة تموت يا سادن أو يجرالها عاهة بسببي احتضنها سادن بقوة، واضعاً يده فوق رأسها محاولاً جاهداً بث الطمأنينة في جسدها الذي كان ينتفض بين يديه، وفي ذات الوقت أشار باقتضاب واحترافية لاثنين من حراسه الأشداء، وآمرهم بنبرة منخفضة حاسمة - شيلوها من العربية بالراحة، واطلعوا بيها على الأوضة اللي جهزناها.. ياللا مرت الدقائق على كايلا كأنها سنوات عجاف؛ كانت قد فقدت السيطرة على أعصابها تماماً، تجلس منهارة والدموع تحفر مجاريها على وجهها، بينما وقف سادن أمامها كالجدار المتين، يذرع الرواق بصلابة، وعقله يعمل كآلة حاسبة تدرس الموقف من كافة جوانبه القانونية والطبية ليتدارك الأزمة. أخيراً، انفتح باب الغرفة وخرج الطبيب يمسح حبات العرق عن جبينه، وسرعان ما ارتسمت على وجهه ابتسامة مهدئة قال إثرها - اطمنوا يا جماعة.. الحمد لله الإصابات مش خطيرة، مجرد شوية كدمات وجروح سطحية في الساعد وفي الرأس.. هي غايبة عن الوعي من الصدمة والرهبة، وخلال دقائق هتفوق وتبقى كويسة. تنفست كايلا الصعداء، وشعرت وكأن الروح رُدت إليها بعد ممات. دفعتها لهفتها للدلوف إلى الغرفة سريعاً لتطمئن بعينيها؛ وكانت هذه هي المرة الأولى التي تتأمل فيها ملامح الفتاة بوضوح تحت الإضاءة الجيدة. رأت براءتها المذبوحة، فارتسمت على شفتيها ابتسامة حانية، ثم سحبت المقعد المجاور للفراش وجلست تمسك يدها الباردة في انتظار أن تبصر النور. بعد حوالي نصف ساعة، بدأت فيروز تطلق تأوهات خافتة وتململت في فراشها، معلنةً عن بدء رحلة الإفاقة من غيبوبتها. انتقلت كايلا على الفور لتجلس على حافة الفراش دانيّة منها، وهدست بنبرة تقطر رقة - حمد الله على سلامتك.. اهدي خالص، أنتِ كويسة وفي أمان. جاهدت فيروز بكل ما تملك من قوة لترفع جفونها الثقيلة، وشعرت برأسها يكاد ينفجر من فرط الألم. أخذت تتلفت يميناً ويساراً بعينين مشوشتين، وتفرك جبهتها بأنامل مرتعشة تحاول طرد الدوار، حتى استقرت عيناها على وجه كايلا المبتسم لها. سألتها بصوت متحشرج وضعيف للغاية - أنا.. أنا فين؟ وأنتِ تبقي مين؟ صمتت فيروز فجأة، واعتصرت ملامحها برعب مفاجئ وهي تغمض عينيها بشدة، ثم همست بنبرة ضائعة يملؤها الألم - هو.. هو أنا مين؟ هنا، انتفضت كايلا بفزع وقامت واقفة كمن لدغتها أفعى، وهرعت نحو الباب وهي تصرخ بأعلى صوتها مستنجدة بالأطباء - دكتور..... يا دكتور دلف الأطباء على الفور، وأحاطوا بالفراش يجرون فحوصاتهم السريعة، وبعد فترة ليست بالقصيرة من الترقب القاتل، خرج كبيرهم، وبدت على وجهه علامات الأسف وهو يقول - للأسف، المريضة تعرضت لصدمة عصبية وجسدية عنيفة، نتج عنها فقدان مؤقت للذاكرة. كتمت كايلا صرخة فزاعة واضعة يديها فوق فمها، وتراجعت للخلف بصدمة ألجمت أطرافها. حاول سادن أن يتدخل ويهدئ من روعها مجدداً، واضعاً يده على كتفها، ولكن دون أي جدوى؛ فقد كانت الصدمة أكبر من أي كلمات تطمين. على لسان كايلا: - أول ما سمعت كلمة فقدان ذاكرة من الدكتور، حسيت إن الدنيا اسودت في وشي.. الموضوع مبقاش مجرد حادثة وسحجات، ده قلب كارثة يا ترى أهلها زمانهم بيعملوا إيه دلوقتي وبيدوروا عليها فين؟ وهي هتعيش إزاي وسط ناس غريبة وهي مش فاكرة اسمها حتى؟ كنت بحاول أبان متماسكة قدام سادن، بس الحقيقة إن جوايا كان فيه بركان انهيار كامل بياكل في روحي. خطا سادن إلى داخل الغرفة مصطحباً كايلا التي كانت تجر قدميها جراً، ليمثلا أمام مشهد يمزق النياط؛ كانت فيروز تمر بحالة انهيار عصبي جنوني، تصرخ وتضرب الفراش بيدها في محاولة يائسة لاستجماع أي خيط أو ذكرى عن حياتها، ولم يجد الأطباء أمام هذا الهيجان بداً سوى الإسراع بحقنها بمهدئ قوي، ليسري المصل في جسدها تدريجياً، ويهبط عليها الصمت مجدداً، تاركاً إياها في ظلام دامس لا تعرف منه فكاكاً. ✨✨✨✨✨✨✨✨✨ استيقظت فريدة على وقع خيوط الشمس المتسللة من النافذة، تمطت في فراشها وتثاءبت بكسل وهي تزيح خصلات شعرها المبعثرة عن وجهها الذي ما زالت تحتله آثار النوم. التفتت نحو الفراش المجاور، وقالت بصوت ناعس يملؤه المرح - ياللا يا ست البرنسيسة.. اصحي بقى، النهاردة كتب كتابك ومش وقت كسل خالص، ورانا ميت حاجة شخصت بصرها نحو الفراش، فجحظت عيناها وتلاشت الابتسامة عن وجهها وهي تراه خالياً مرتباً. قطبت جبينها وهدست في سرها بحيرة - معقولة تكون صحيت بدري ونزلت الكوافير من ورايا عشان تجهز نفسها لم تمر سوى ثوانٍ معدودة حتى ضربت صاعقة الحقيقة عقلها، فتدفقت أحداث ليلة أمس إلى ذاكرتها كشريط مرعب. انتفضت فريدة واقِفة وقد طار النوم من عينيها تماماً؛ فيروز لم تعد منذ ليلة أمس! شعرت ببرودة تجتاح أطرافها، وضغطت بكفيها على خديها وهي تولول بهلع مكتوم - يا مصيبتي السودا! فيروز لسه مرجعتش؟ ده أبويا لو عرف هيدبحنا إحنا الاتنين ويلفنا في ملايات التقطت هاتفها بأنامل مرتعشة، وبدأت تطلب رقم فيروز بحمى، لياتيها الصوت الآلي اللعين معلناً أن الخط مغلق. زاد رعبها فطلبت رقم منار فوراً؛ رن الهاتف حتى انقطع دون إجابة، فأعادت الاتصال مرة ثانية وثالثة والدموع تحرق عينيها، حتى أتاها صوت منار الناعس أخيراً - ألو.. إيه يا فريدة؟ حد يصحي حد في الوقت ده؟ صاحت فريدة بنبرة لاهثة يمزقها الفزع - منار...... أنجذيني.. فيروز عندك؟ طمنيني عليها الله يخليكي تململت منار في فراشها وأجابت باستغراب - فيروز؟ لأ مش عندي طبعاً.. فيروز مجتش إمبارح يا فريدة، مع إنها كانت مكلماني وهي في الشارع وقالتلي إنها جاية، بس فجأة تليفونها قفل، فقولت يمكن رجعت في كلامها وخافت تنزل في وقت متأخر ورجعت البيت انفجرت فريدة في بكاء مرير وهبطت على الأرض بقلب منهار، لتصرخ في الهاتف بصوت مخنوق - مرجعتش يا منار! فيروز من ساعتها بره البيت وتليفونها مقفول ساد صمت الصدمة عبر الخط، بينما دارت في عقل فريدة الظنون كشياطين ترقص حولها؛ تذكرت فجأة استسلام شقيقتها المباغت وتغير رأيها المفاجئ في مروان، فربطت الخيوط ببعضها وظنت أن كل ما حدث لم يكن إلا خطة محكمة صاغتها فيروز بذكاء للهروب من هذه الزيجة الإجبارية. أغلقت الهاتف دون أن تنتظر رداً، وركضت نحو الصالة كالمجنونة، حافية القدمين وشعرها ثائر. في الخارج، كان أفراد العائلة يجتمعون في حلقة دافئة يتناولون الإفطار والبهجة تملأ وجوههم استعداداً لليوم الكبير. فجأة، تعلقت العيون كلها بفريدة؛ صدمتهم هيئتها المذعورة وطريقتها الانتحارية في الركض. مررت فريدة عينيها الباكيتين على وجوههم المذهولة، وجسدها ينتفض كعصفور بلله المطر، قبل أن تطلق صرخة دوت في أرجاء المنزل، مفجرة قنبلة مزقت هدوء العائلة - فيروز هربتفي ذلك الركن الدافئ من بيت الأب، كان لقاء الأختين الأسبوعي ينساب كأنه نهر غسيل للهموم، تجمعٌ عائلي يلتف حول الأب الذي انشرح صدره أخيرًا بعد سنوات الجفاء، وكأن جدران المنزل القديم تنفست الصعداء مع كل ضحكة تخرج من قلوبهن. وسط هذا الصفو، التفت فاروق صوب ابنته فيروز. ضاقت عيناه بنظرة فاحصة امتزج فيها الفضول الأبوي بظلال الشك القديم، ثم باغتها بنبرة حاول جعلها عادية لكنها حملت ثقل السنين - بت يا فيروز... أنا من زمان عاوز أسألك وسكتُّ كتير. إنتِ عرفتِ سادن ده إزاي؟ وهربتِ ليه بالمنظر ده؟ قولي، قولي ما تتكسفيش.. خلاص، بقالك خمس سنين معاه وعشتوا حياتكم. وقعت الكلمات كالصاعقة. شهقت فيروز، واهتزت ملامحها برفض قاطع. انتفضت واقفة، وجسدها يثقل بانتفاخ بطنها الواضح وهي تخطو نحو الشهر الثامن من حملها بطفلها الثاني. اقتربت منه بخطوات وئيدة، ثم جلست بجواره مباشرة لتكون في مواجهة عينيه. حاولت جاهدة أن ترتدي قناع الهدوء، لكن صوتها كان يرتعش تحت وطأة التبرير المتكرر - يا بابا... يا حبيبي، أقسم لك بالله قولتلك ميت مرة أنا مهربتش... والله العظيم ما هربت. أنا في اليوم ده كنت رايحة لصاحبتي فعلاً، وكايلا
عقب انتهاء حفل الزفاف الأسطوري وتوديع العروسين بـمباركات صاخبة، عاد سادن بـفيروز إلى الفيلا في ساعة متأخرة من الليل. كان الصمت يلف السيارة، وكان يلمح بـطرف عينيه الرماديتين ذلك الطيف الخفيف من الشجن المرتسم على ملامح فجره؛ فـهو يشعر بـعمق حزنها الداخلي لـفراق كايلا، التي غادرت عش الزوجية الليلة، فـقد كانت العلاقة بينهما قوية جداً، وتعدت حدود الصداقة لـتصبحا شقيقتي روح لا تفترقان. ما إن دلفا من باب الفيلا الفخم، وأُغلق خلفهما لـيعزلهما عن الكون بـأكمله، حتى التفت سادن إليها بـأكمله؛ مد يده القوية وطوق كتفها بـحنو، ممتصاً بـلمسته الدافئة بقايا حزنها. وبلا أي مقدمات، انحنى بـجذعه الفخم لـيرفعها بـخفة بـين يديه كـأنها فراشة لا وزن لها، ودار بها في أرجاء الردهة الواسعة بـعنفوان عاشق ملهوف. تلاشت غيوم الشجن في ثوانٍ، لـتطلق فيروز ضحكاتها النغمة، العذبة التي تؤسر قلبه وتزلزل حصونه؛ أخذ يدور ويدور بـها بـين ذراعيه، بـينما كان قلبه الصلب يخفق بـشدة وإيقاع صاخب، يتعالى ويتسارع مع كل بحّة دلال تخرج مع ضحكاتها الفاتنة، كـأن ميكانيكية جسده بـأكملها لا تنبض إلا لأجل إسعادها. أنزلها سادن بـرفق شد
يجلس سادن بجوار فراشها بـشموخ عاشق انزاح عن صدره جبل من الهم، محتضناً يدها الصغيرة بـكلتا كفيه بـإحكام وتملك يفيض بـالحنان، ويخصها بـتلك الابتسامة الرقيقة، الدافئة التي تحمل بـين ثناياها وعوداً أبحر بها في وادي عشقهما، وعبارات شكر صامتة لـله الذي أعاد له فجره بـسلام. بينما كانت رقية تقف على مقربة منهما، والبهجة تضيء وجهها الوقور وهي تحمل الصغير بين يديها بـحرص وأمومة، تقبله بـسعادة غامرة وشكر لاهث لـرب العالمين، قبل أن تتقدم كايلا بـخطوات لاهثة لـتحمله منها بـشغف وفرحة عارمة، وتردد بـحب وهي تتأمل ملامحه الدقيقة بـهيام - حبيب عمتو ونور عينيها!.. قمر أوي يا فيروز، بـجد سبحان الله.. نسخة مصغرة من سادن، خد نفس ملامحه الحادة وعيونه ارتفعت ضحكات الجميع الصافية في أركان الغرفة على كلماتها المندفعة وعفويتها؛ لـتتقدم حياة بـخطوات حانية وتتناول حفيدها الغالي من كايلا بـأذرع مفتوحة، تقبله بـشغف الجدات وتضمه لـصدرها وهي تردد بـأثوراتها الشعبية العذبة وحب يتدفق من نبرتها - من إيد لإيد تكبر وتزيد يا حبيب تيتة.. ربنا يجعلك من الذرية الصالحة ويبارك في عمرك وعمر أمك. في تلك الأثناء، كان فهد يقف ب
اليوم هو الموعد الموعود، موعد المتابعة الأخيرة التي حانت تفاصيلها لـتضع حداً لـأيام الانتظار؛ اصطحبها سادن إلى عيادة الطبيب بـخطوات تحفها الرعاية والبهجة، وعيناه الرماديتان لا تفارقان وجهها الساحر الذي عاد إليه نبض العافية والدلال في أحضانه. دلفا إلى غرفة الكشف بـوقار، وتقدم سادن بـجسده الفخم لـيساعدها بـحنو بالغ على التمدد فوق سرير الكشف الحريري، عازلاً إياها بـجسده عن الكون بـأكمله؛ انحنى بـرأسه وطبع قبلة طويلة، شغوفة تقطر عشقاً ويقيناً على كفها الصغيرة المرتعشة، ثم ردد بـنبرة رجولية دافئة تفيض بـالثقة والاشتياق - خلاص هانت يا فجر حياتي.. مـبقاش فاضل غير خطوة واحدة، والبيه الصغير يشرف بـسلامته ويملا علينا الدنيا. ابتسمت له فيروز بـملامح يكسوها العشق والأمان الطاغي بـوجوده؛ تقدم الطبيب بـخطواته العملية الهادئة، وقام بـوضع ذلك السائل البارد على بطنها المنتفخة بـالكامل بـرفق، ثم بدأ بـتحريك جهاز السونار بـتمهل وهو يتابع الشاشة بـأعين فاحصة خبيرة. وفجأة.. تبدلت ملامح الطبيب، واختفت ابتسامته الهادئة لـتحل محلها ملامح الجدية والـحسم؛ وتوقف جهاز السونار بـأجزاء من الثواني عند زاوية معي
دلف سادن من باب الجناح الملكي بـخطواته العسكرية المعهودة، ملامحه الصارمة متشحة بـالتجهم والبرود كـالعادة في الأيام الماضية؛ ولم يلتفت نحوها أو يخصها بـنظرة واحدة تهدئ من روع قلبها، بل تحرك بـخطواته الواسعة ليدلف إلى الحمام مباشرة، ومنه إلى غرفة الملابس لتبديل ثيابه الرسمية بـملابس بيتية مريحة. كل هذا وفيروز تتابعه بـعيونها النيلتية الذابلة، وتشعر بـالغليان والغيظ ينهش صدرها من فرط جفائه القاسي وتجاهله المتعمد الذي بات يفوق قدرتها على التحمل؛ فـاستجمعت أنوثتها المتمردة وتوعدت له في سرها، مقررة الليلة أن تستخدم أسلحتها الأنثوية الفتاكة، والتي تدرك يقيناً أنها سـتأتي بـثمارها وتذيب جبال ثلجه. انقطع الصمت بـدخول الخادمة بـخطوات حذرة، حاملة صينية الطعام الفاخرة كـعادتهم اليومية، وبـجوارها كوب اللبن الدافئ الخاص بـالمتابعة الصحية؛ وضعتها على الطاولة جانباً بـأدب ثم انصرفت. تحرك سادن بـصمت، وحمل صينية الطعام لـيضعها أمامها على الفراش، واجفاً في أثره بـانتظار أن تتناوله بـنفسها حتى يقدم لها جرعتها الدوائية بـانتظام. ولكن، صدمته فيروز بـحركة متمردة ساحرة؛ إذ مدت يدها ونقلت الصينية بـلا مبال
تتمدد فيروز على الفراش الوثير بـجسدها الذي أثقله الحمل في شهوره الأخيرة، وتستند بـرأسها على الوسائد الحريرية، تاركة عينيها النيلتية تسبحان في سقف الغرفة، لـتستعيد بـتفصيل تفاصيل ذكريات ذلك اليوم المشهود؛ فـتطفو على شفتيها الكرزيتين ابتسامة عذبة تفيض بـالانتصار والتشفي. تتذكر كـيف انتفض سادن كـالأسد الهائج لـينتقم لـكرامتها وعشقها الجريح من تلك الحية الرقطاء "هايدي"؛ كيف جاء بها ذليلة، مكسورة، تذرف الدموع الحارة وتتمرغ عند الأقدام تطلب العفو والغفران بـلا طائل، بـصحبة والدها الذي جثا هو الآخر بـكبريائه لـيطالب بـالرحمة بـعد أن هدده سادن بـسحقه بـالنفوذ وإعلان إفلاس شركاته بـالكامل جزاءً وفاقاً لـما اقترفته يدا ابنته الخبيثة من دمار. أما ذلك الشاب الأجير الذي اشترك معها في التقاط الصور وتزييف الحقائق، فـقد كان أهون عليه بـمليون مرة إن كان سادن قد سلمه لـرجال الشرطة والقانون، من ذلك العذاب والـجحيم الذي لاقاه وتجرعه بـين جدران المخزن المظلم على يد سادن الأسيوطي، الذي لقنه درساً في الرجولية جعل عظام جسده ترتعد بـالرعب كلما مر طيف الأسيوطي بـمخيلته. ولكن.. وبالرغم من ثبوت براءته الطاهرة
بدأت إلهام في نسج شباكها وشباك ابنتها حوله بدقة، صائغةً خطة محكمة للإيقاع به في شَرَكِهما. وكانت أولى خطوات المؤامرة تبدأ اليوم؛ حيث دلفَت دنيا إلى أحد أشهر مراكز التجميل، لتبتكر لنفسها هويّة جديدة ومظهرًا مغويًا. صبغت خصلات شعرها باللون الأصفر الذهبي، وقصّته بطريقة عصرية تبرز تقاطيع وجهها، ثم وضعت
وقفت هايدي متصلبة، تتأمله بعينين جاحظتين وصدمة ألجمت لسانها إزاء هذا التحول المباغت. عجزت تماماً عن سبر أغوار عقله أو فهم ما يرمي إليه سادن في هذه اللحظة. غير أن كبرياءها الجريح انتفض فجأة؛ فنهضت في مواجهته، غارزة قدميها في الأرض وثبتت عينها في عينه بتحدٍ شرس وهي تهتف بنبرة حادة- قول كده بقى.. إنت
ظلّ سادن متسمّرًا في مكانه، كأن الجسد نفسه رفض أن يشاركه حركة الحياة من حوله، بينما عيناه معلّقتان بفراغٍ باردٍ ممتدّ أمامه، فراغٌ لا يشبه السكون بقدر ما يشبه الانفصال عن كل ما هو حقيقي.داخل رأسه، لم تكن الأفكار تمرّ… بل كانت تتصادم بعنف، كأن كل فكرة تحاول أن تقتل الأخرى لتنجو وحدها.هايدي…لم تكن
يتصفح ماجد الأسيوطي بعض الصحف بهدوءٍ بينما يتناول طعام الإفطار، تجلس إلى جواره زوجته إلهام، وعلى الطرف الآخر من الطاولة تجلس كايلا بصمتٍ بارد، بينما تتخذ دينا مكانها بجوار والدتها، ترمقها بين الحين والآخر بنظراتٍ مترقبة. كانت نظراتٌ خفية تتبادل بين إلهام ودينا، إشارات صغيرة لا تخفى على كايلا، لكن







