LOGINفي ذلك الركن الدافئ من بيت الأب، كان لقاء الأختين الأسبوعي ينساب كأنه نهر غسيل للهموم، تجمعٌ عائلي يلتف حول الأب الذي انشرح صدره أخيرًا بعد سنوات الجفاء، وكأن جدران المنزل القديم تنفست الصعداء مع كل ضحكة تخرج من قلوبهن. وسط هذا الصفو، التفت فاروق صوب ابنته فيروز. ضاقت عيناه بنظرة فاحصة امتزج فيها الفضول الأبوي بظلال الشك القديم، ثم باغتها بنبرة حاول جعلها عادية لكنها حملت ثقل السنين - بت يا فيروز... أنا من زمان عاوز أسألك وسكتُّ كتير. إنتِ عرفتِ سادن ده إزاي؟ وهربتِ ليه بالمنظر ده؟ قولي، قولي ما تتكسفيش.. خلاص، بقالك خمس سنين معاه وعشتوا حياتكم. وقعت الكلمات كالصاعقة. شهقت فيروز، واهتزت ملامحها برفض قاطع. انتفضت واقفة، وجسدها يثقل بانتفاخ بطنها الواضح وهي تخطو نحو الشهر الثامن من حملها بطفلها الثاني. اقتربت منه بخطوات وئيدة، ثم جلست بجواره مباشرة لتكون في مواجهة عينيه. حاولت جاهدة أن ترتدي قناع الهدوء، لكن صوتها كان يرتعش تحت وطأة التبرير المتكرر - يا بابا... يا حبيبي، أقسم لك بالله قولتلك ميت مرة أنا مهربتش... والله العظيم ما هربت. أنا في اليوم ده كنت رايحة لصاحبتي فعلاً، وكايلا
عقب انتهاء حفل الزفاف الأسطوري وتوديع العروسين بـمباركات صاخبة، عاد سادن بـفيروز إلى الفيلا في ساعة متأخرة من الليل. كان الصمت يلف السيارة، وكان يلمح بـطرف عينيه الرماديتين ذلك الطيف الخفيف من الشجن المرتسم على ملامح فجره؛ فـهو يشعر بـعمق حزنها الداخلي لـفراق كايلا، التي غادرت عش الزوجية الليلة، فـقد كانت العلاقة بينهما قوية جداً، وتعدت حدود الصداقة لـتصبحا شقيقتي روح لا تفترقان. ما إن دلفا من باب الفيلا الفخم، وأُغلق خلفهما لـيعزلهما عن الكون بـأكمله، حتى التفت سادن إليها بـأكمله؛ مد يده القوية وطوق كتفها بـحنو، ممتصاً بـلمسته الدافئة بقايا حزنها. وبلا أي مقدمات، انحنى بـجذعه الفخم لـيرفعها بـخفة بـين يديه كـأنها فراشة لا وزن لها، ودار بها في أرجاء الردهة الواسعة بـعنفوان عاشق ملهوف. تلاشت غيوم الشجن في ثوانٍ، لـتطلق فيروز ضحكاتها النغمة، العذبة التي تؤسر قلبه وتزلزل حصونه؛ أخذ يدور ويدور بـها بـين ذراعيه، بـينما كان قلبه الصلب يخفق بـشدة وإيقاع صاخب، يتعالى ويتسارع مع كل بحّة دلال تخرج مع ضحكاتها الفاتنة، كـأن ميكانيكية جسده بـأكملها لا تنبض إلا لأجل إسعادها. أنزلها سادن بـرفق شد
يجلس سادن بجوار فراشها بـشموخ عاشق انزاح عن صدره جبل من الهم، محتضناً يدها الصغيرة بـكلتا كفيه بـإحكام وتملك يفيض بـالحنان، ويخصها بـتلك الابتسامة الرقيقة، الدافئة التي تحمل بـين ثناياها وعوداً أبحر بها في وادي عشقهما، وعبارات شكر صامتة لـله الذي أعاد له فجره بـسلام. بينما كانت رقية تقف على مقربة منهما، والبهجة تضيء وجهها الوقور وهي تحمل الصغير بين يديها بـحرص وأمومة، تقبله بـسعادة غامرة وشكر لاهث لـرب العالمين، قبل أن تتقدم كايلا بـخطوات لاهثة لـتحمله منها بـشغف وفرحة عارمة، وتردد بـحب وهي تتأمل ملامحه الدقيقة بـهيام - حبيب عمتو ونور عينيها!.. قمر أوي يا فيروز، بـجد سبحان الله.. نسخة مصغرة من سادن، خد نفس ملامحه الحادة وعيونه ارتفعت ضحكات الجميع الصافية في أركان الغرفة على كلماتها المندفعة وعفويتها؛ لـتتقدم حياة بـخطوات حانية وتتناول حفيدها الغالي من كايلا بـأذرع مفتوحة، تقبله بـشغف الجدات وتضمه لـصدرها وهي تردد بـأثوراتها الشعبية العذبة وحب يتدفق من نبرتها - من إيد لإيد تكبر وتزيد يا حبيب تيتة.. ربنا يجعلك من الذرية الصالحة ويبارك في عمرك وعمر أمك. في تلك الأثناء، كان فهد يقف ب
اليوم هو الموعد الموعود، موعد المتابعة الأخيرة التي حانت تفاصيلها لـتضع حداً لـأيام الانتظار؛ اصطحبها سادن إلى عيادة الطبيب بـخطوات تحفها الرعاية والبهجة، وعيناه الرماديتان لا تفارقان وجهها الساحر الذي عاد إليه نبض العافية والدلال في أحضانه. دلفا إلى غرفة الكشف بـوقار، وتقدم سادن بـجسده الفخم لـيساعدها بـحنو بالغ على التمدد فوق سرير الكشف الحريري، عازلاً إياها بـجسده عن الكون بـأكمله؛ انحنى بـرأسه وطبع قبلة طويلة، شغوفة تقطر عشقاً ويقيناً على كفها الصغيرة المرتعشة، ثم ردد بـنبرة رجولية دافئة تفيض بـالثقة والاشتياق - خلاص هانت يا فجر حياتي.. مـبقاش فاضل غير خطوة واحدة، والبيه الصغير يشرف بـسلامته ويملا علينا الدنيا. ابتسمت له فيروز بـملامح يكسوها العشق والأمان الطاغي بـوجوده؛ تقدم الطبيب بـخطواته العملية الهادئة، وقام بـوضع ذلك السائل البارد على بطنها المنتفخة بـالكامل بـرفق، ثم بدأ بـتحريك جهاز السونار بـتمهل وهو يتابع الشاشة بـأعين فاحصة خبيرة. وفجأة.. تبدلت ملامح الطبيب، واختفت ابتسامته الهادئة لـتحل محلها ملامح الجدية والـحسم؛ وتوقف جهاز السونار بـأجزاء من الثواني عند زاوية معي
دلف سادن من باب الجناح الملكي بـخطواته العسكرية المعهودة، ملامحه الصارمة متشحة بـالتجهم والبرود كـالعادة في الأيام الماضية؛ ولم يلتفت نحوها أو يخصها بـنظرة واحدة تهدئ من روع قلبها، بل تحرك بـخطواته الواسعة ليدلف إلى الحمام مباشرة، ومنه إلى غرفة الملابس لتبديل ثيابه الرسمية بـملابس بيتية مريحة. كل هذا وفيروز تتابعه بـعيونها النيلتية الذابلة، وتشعر بـالغليان والغيظ ينهش صدرها من فرط جفائه القاسي وتجاهله المتعمد الذي بات يفوق قدرتها على التحمل؛ فـاستجمعت أنوثتها المتمردة وتوعدت له في سرها، مقررة الليلة أن تستخدم أسلحتها الأنثوية الفتاكة، والتي تدرك يقيناً أنها سـتأتي بـثمارها وتذيب جبال ثلجه. انقطع الصمت بـدخول الخادمة بـخطوات حذرة، حاملة صينية الطعام الفاخرة كـعادتهم اليومية، وبـجوارها كوب اللبن الدافئ الخاص بـالمتابعة الصحية؛ وضعتها على الطاولة جانباً بـأدب ثم انصرفت. تحرك سادن بـصمت، وحمل صينية الطعام لـيضعها أمامها على الفراش، واجفاً في أثره بـانتظار أن تتناوله بـنفسها حتى يقدم لها جرعتها الدوائية بـانتظام. ولكن، صدمته فيروز بـحركة متمردة ساحرة؛ إذ مدت يدها ونقلت الصينية بـلا مبال
تتمدد فيروز على الفراش الوثير بـجسدها الذي أثقله الحمل في شهوره الأخيرة، وتستند بـرأسها على الوسائد الحريرية، تاركة عينيها النيلتية تسبحان في سقف الغرفة، لـتستعيد بـتفصيل تفاصيل ذكريات ذلك اليوم المشهود؛ فـتطفو على شفتيها الكرزيتين ابتسامة عذبة تفيض بـالانتصار والتشفي. تتذكر كـيف انتفض سادن كـالأسد الهائج لـينتقم لـكرامتها وعشقها الجريح من تلك الحية الرقطاء "هايدي"؛ كيف جاء بها ذليلة، مكسورة، تذرف الدموع الحارة وتتمرغ عند الأقدام تطلب العفو والغفران بـلا طائل، بـصحبة والدها الذي جثا هو الآخر بـكبريائه لـيطالب بـالرحمة بـعد أن هدده سادن بـسحقه بـالنفوذ وإعلان إفلاس شركاته بـالكامل جزاءً وفاقاً لـما اقترفته يدا ابنته الخبيثة من دمار. أما ذلك الشاب الأجير الذي اشترك معها في التقاط الصور وتزييف الحقائق، فـقد كان أهون عليه بـمليون مرة إن كان سادن قد سلمه لـرجال الشرطة والقانون، من ذلك العذاب والـجحيم الذي لاقاه وتجرعه بـين جدران المخزن المظلم على يد سادن الأسيوطي، الذي لقنه درساً في الرجولية جعل عظام جسده ترتعد بـالرعب كلما مر طيف الأسيوطي بـمخيلته. ولكن.. وبالرغم من ثبوت براءته الطاهرة
يتصفح ماجد الأسيوطي بعض الصحف بهدوءٍ بينما يتناول طعام الإفطار، تجلس إلى جواره زوجته إلهام، وعلى الطرف الآخر من الطاولة تجلس كايلا بصمتٍ بارد، بينما تتخذ دينا مكانها بجوار والدتها، ترمقها بين الحين والآخر بنظراتٍ مترقبة. كانت نظراتٌ خفية تتبادل بين إلهام ودينا، إشارات صغيرة لا تخفى على كايلا، لكن
في الخارج، كانت أجواء المبنى أكثر خفة مما في الداخل، كأن الجدران الزجاجية لا تعكس فقط ضوء النهار، بل تخفف من حدة ما يدور خلفها من توتر. وقف "آدم" بالقرب من المدخل، ينتظرها. وما إن ظهرت "كايلا" حتى تغيّر شيء في ملامحه تلقائيًا؛ ذلك الهدوء المتزن الذي يرتديه عادةً انكسر للحظة، لتحلّ محله نظرة أعمق،
بعد وقتٍ ليس بالقليل… انفتح باب المكتب بهدوء محسوب، ودلف آدم. شاب وسيم الملامح، يحمل في خطواته مزيجًا من الوقار والراحة، كأنه الوحيد القادر على كسر الجمود الذي يملأ هذا المكان دون أن يدفع ثمنًا لذلك. تنحنح بخفة قبل أن يلقي تحية الصباح على "سادن"، بنبرة ودودة لا تشبه برودة هذا المكتب. - صباح الخي
ما بين عشيةٍ وضُحاها… وبين لحظةٍ كانت عابرة، وأخرى غيّرت مجرى العمر بأكمله… تتبدّل الأقدار في صمتٍ مهيب، كأن السماء تُعيد ترتيب القلوب دون استئذان. فذاك الذي أقسم ألّا يميل… أصبح أسير نظرة. وتلك التي كانت تُحسن الهروب من المشاعر… أغرقتها المحبة حتى آخر نبضة. العشق لا يطرق الأبواب برفق، بل ي







