Home / الرومانسية / من الرماد الى النور / الفصل الخامس: بذور جديدة

Share

الفصل الخامس: بذور جديدة

last update publish date: 2026-09-15 08:42:25

مرّ عام كامل منذ تلك الليلة التي وقف فيها سامر على حافة السطح، عام تغيّر خلاله كل شيء تقريبًا في حياته، لكنه لم يكن يشعر أبدًا أن الرحلة قد انتهت. كان يجلس في صباح أحد أيام الربيع على شرفة شقته الجديدة، الشقة الصغيرة التي استأجرها بعد أن استقر وضعه المالي أخيرًا، ينظر إلى دفتر رسمه القديم الذي أصبح الآن واحدًا من عدة دفاتر ممتلئة بلوحات مختلفة، بعضها بيع في معارض صغيرة، وبعضها الآخر لا يزال يحتفظ به لنفسه.

كانت ورشة الرسم التي بدأها قد نمت بشكل لم يتوقعه؛ من عشرة مقاعد فارغة إلى مجموعة ثابتة من خمسة عشر شابًا وشابة، بعضهم انضم حديثًا، وبعضهم مثل عمر أصبح الآن مساعدًا له في تنظيم الجلسات. تطورت علاقة سامر بعمر لتصبح أشبه بعلاقة أخ أكبر بأخيه الصغير، خصوصًا بعد أن ساعده سامر في العودة إلى المدرسة عبر برنامج تعليم مسائي، وشهد بفخر كبير كيف بدأ عمر يستعيد ثقته بنفسه شيئًا فشيئًا.

في ذلك الصباح بالذات، تلقى سامر مكالمة من مديرة المركز الثقافي، تخبره فيها أن الورشة حظيت باهتمام إحدى المؤسسات الخيرية الكبرى، التي عرضت تمويل توسيع البرنامج ليشمل عدة أحياء في المدينة، مع إمكانية أن يصبح سامر مسؤولاً عن الإشراف الفني على البرنامج بأكمله، بدوام كامل وراتب ثابت.

جلس سامر صامتًا للحظات بعد إنهاء المكالمة، غير مصدق تمامًا لما سمعه. الوظيفة التي كان يعمل بها في المستودع كانت قد أصبحت مصدر استقرار حقيقي له، لكن هذا العرض الجديد كان يعني شيئًا أعمق: أن يتحول شغفه الشخصي، ذلك الشغف الذي أنقذه من الغرق في ظلامه، إلى مسار حياة كامل يخدم به آخرين يمرون بما مرّ به.

اتصل بليان فورًا ليخبرها، وسمع فرحتها الصادقة تتردد في صوتها عبر الهاتف: "سامر! هذا بالضبط ما كنت أعرف أنه سيحدث لك يومًا. أنت لا تستحق أقل من هذا."

في المساء، جلسا معًا في مقهى صغير أطلّ على النهر، يحتفلان بالخبر. نظرت إليه ليان بجدية مفاجئة، وقالت: "سامر، هناك شيء أريد أن أقوله لك منذ فترة طويلة." توقفت قليلاً، ثم أكملت: "منذ تلك الليلة على السطح، لم أعد أراك كابن عم بعيد فقط. رأيت فيك شخصًا أومن بقدرته على النهوض، وأدركت أن ما أشعر به تجاهك أكبر من مجرد قرابة عائلية."

شعر سامر بقلبه يتسارع، ليس من الخوف هذه المرة، بل من نوع مختلف تمامًا من التوتر، توتر الأمل والرغبة الصادقة. أمسك يدها بلطف، وقال: "أنا أيضًا شعرت بهذا منذ وقت طويل، لكنني كنت خائفًا من أن أفسد أهم علاقة أنقذتني في حياتي، بمشاعر قد لا أكون مستعدًا لها بعد."

ابتسمت وقالت: "لسنا مضطرين لأن نتسرع. لدينا كل الوقت لنكتشف هذا معًا، بالخطوات الصغيرة نفسها التي علّمتنا إياها رحلتك."

في الأسابيع التالية، بدأ سامر مرحلة جديدة كليًا: انتقل رسميًا للإشراف على برنامج الورش الفنية الموسّع، بدأ علاقة حقيقية مع ليان تنمو بثقة وصدق، واستمر في زيارة والدته التي تحسنت صحتها بشكل ملحوظ، وكأن سعادتها برؤية ابنها ينهض من جديد كانت دواءً إضافيًا يسري في جسدها المتعب.

في إحدى أمسيات الورشة، وبينما كان يشرح لمجموعة جديدة من الشباب أساسيات مزج الألوان، توقف عمر، الذي أصبح الآن مساعده الرئيسي، وقال للمجموعة الجديدة: "أستاذ سامر لا يعلّمكم فقط كيف ترسمون. هو يعلّمكم كيف تحوّلون أصعب لحظاتكم إلى شيء له معنى. صدقوني، أنا شاهد على ذلك."

نظر سامر إليه بامتنان صامت، وشعر أن الدائرة قد اكتملت بطريقة لم يكن يتخيلها أبدًا: من شاب غارق في يأسه يقف على حافة سطح، إلى رجل يقف الآن أمام أجيال جديدة، يمد لهم يدًا لم يجدها هو نفسه إلا بالصدفة وبفضل من آمنوا به حين لم يؤمن بنفسه.

في تلك الليلة، وبعد انتهاء الورشة، وقف سامر وحيدًا للحظة في القاعة الفارغة، ينظر إلى لوحاته المعلقة على الجدران، تلك التي رسمها هو وطلابه معًا على مدار العام. توقف عند لوحته الأولى، اليد الممتدة من الرماد نحو الضوء، وابتسم وهو يدرك أن تلك اليد لم تعد وحدها في اللوحة الآن؛ فقد أضاف إليها مؤخرًا أيادي أخرى صغيرة تمتد من حولها، وكأنها تشير إلى كل من ساعدهم على طريقهم الخاص نحو النور.

أخرج هاتفه، وكتب رسالة قصيرة لليان: "أعتقد أنني أخيرًا وصلت إلى المكان الذي كنت أبحث عنه طوال حياتي، ليس فقط لنفسي، بل لأشارك الطريق مع آخرين."

جاء ردها بعد لحظات: "لم تصل بعد يا سامر. أنت فقط بدأت تصنع الطريق. وهذه أجمل رحلة يمكن أن يعيشها إنسان."

أغلق سامر القاعة خلفه، وخرج إلى الليل الهادئ، حيث كانت النجوم تلمع في السماء كما فعلت في تلك الليلة الأولى على السطح، لكنها هذه المرة لم تبدُ بعيدة أو غير قابلة للوصول، بل بدت أشبه بشركاء صامتين في رحلة طويلة، رحلة بدأت من أعمق نقاط الرماد، ووصلت الآن إلى نور لم يعد حلمًا بعيد المنال، بل واقعًا يعيشه كل يوم، بكل تفاصيله البسيطة والعميقة معًا.

في الأسبوع الذي تلا ذلك الحديث الهادئ في المقهى، قرر سامر أن يأخذ ليان في زيارة لم يخطط لها من قبل: زيارة للمكان الذي بدأت منه كل هذه الرحلة، ذلك السطح الذي وقف عليه ذات ليلة يظن أنها ستكون الأخيرة. لم يخبرها بالوجهة، فقط طلب منها أن تثق به وتصعد معه.

حين وصلا إلى السطح، شعرت ليان بتوتر خفي يعلو وجهها للحظة، أدركت المكان فور رؤيتها للحافة التي وقف عندها سامر تلك الليلة. نظرت إليه بقلق، فابتسم لها بهدوء وقال: "لا تقلقي، لم آتِ لأقف على الحافة هذه المرة. أتيت لأقف في المنتصف، بعيدًا عنها، وأنظر إلى المدينة من مكان مختلف تمامًا."

جلسا معًا على بعد أمتار من تلك الحافة، والمدينة تتلألأ أمامهما بأضوائها المعتادة. قال سامر وهو ينظر إلى الأفق: "أردت أن أعود إلى هنا وأنا في كامل وعيي، لأتذكر أيضًا أن هذا هو المكان الذي بدأ فيه كل تحول حقيقي في حياتي. أردت أن تكوني معي هذه المرة، لأن جزءًا كبيرًا من سبب وصولي إلى هنا بأمان هو أنتِ."

تأثرت ليان بعمق، وأمسكت يده بقوة، وقالت: "شكرًا لأنك شاركتني هذا المكان. لم أكن أعرف حتى الآن كم كان الأمر قريبًا من نهاية مختلفة تمامًا."

جلسا في صمت طويل، يستمعان إلى أصوات المدينة الخافتة، حتى قال سامر أخيرًا: "أريد أن أفعل شيئًا هنا، أمر رمزي، لكن مهم بالنسبة لي." أخرج من حقيبته دفتر رسمه الأول، ذلك الذي بدأ فيه رسم اليد الممتدة من الرماد، وقلّب صفحاته حتى وصل إلى ورقة فارغة في آخره. رسم بسرعة خطوطًا بسيطة: سطحًا، وشخصين يجلسان بعيدًا عن الحافة، والمدينة مضيئة تحتهما.

"هذه ليست نهاية الدفتر فقط،" قال وهو يريها الرسم، "هذه بداية فصل جديد كامل، أردت أن يكون أول ما فيه هذه اللحظة بالذات."

في طريق عودتهما، توقفا عند محل صغير لبيع الزهور كان لا يزال مفتوحًا رغم تأخر الوقت. اشترى سامر باقة بسيطة من الياسمين، ليس لليان هذه المرة، بل لوالدته، تذكيرًا بأنه سيمر عليها لصباح الغد كعادته.

في الأيام التالية، بدأ سامر يخطط بجدية لمرحلة جديدة في برنامج الورش: توسيع الفكرة لتشمل جلسات خاصة تجمع بين الفن والدعم النفسي بشكل أكثر تنظيمًا، بالتعاون مع مختصين حقيقيين هذه المرة، وليس فقط بخبرته الشخصية. تحدث مع فراس عن الفكرة، فوافق بحماس على الانضمام كمستشار للجلسات، مستفيدًا من خبرته الطويلة في مجموعات الدعم.

في اجتماع تخطيطي أخير قبل انطلاق المرحلة الجديدة، وقف سامر أمام فريق صغير مكوّن من فراس وعمر ومديرة المركز الثقافي، وقال بثقة لم يعرفها في نفسه من قبل: "أريد أن يحمل هذا البرنامج اسمًا يعبر عن حقيقة ما نقوم به هنا." فكّر قليلاً، ثم أضاف: "ماذا لو أسميناه: من الرماد إلى النور؟"

نظر إليه الجميع بصمت مؤثر لحظة، قبل أن يبتسم عمر ويقول: "لا يوجد اسم أنسب من هذا يا أستاذ سامر."

بهذا الاسم.

"**كان الفصل الخامس قد أرسى الأساس لتحوّل سامر من ناجٍ يحاول التعافي، إلى قائد يمدّ يده لغيره، حاملاً معه كل ما تعلمه في رحلته، مستعدًا الآن لخوض فصل جديد أكثر اتساعًا وعمقًا في مسيرته.**"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • من الرماد الى النور    الفصل الأخير: من الرماد إلى النور

    مرّ عام كامل على رحيل سامر، وتجمعت العائلة الممتدة بأكملها في ذكراه الأولى، لا بحزن ثقيل، بل بنوع من الاحتفاء الهادئ الذي بناه هو نفسه عبر كل تلك السنوات الأخيرة من حياته. اجتمعوا في الحديقة التي زرعها بيديه، تحت الشجرة التي كبرت أكثر، وجلسوا على نفس البساط الذي جلسوا عليه آلاف المرات. جلست ليان وسطهم، أكبر سنًا الآن لكن عينيها لا تزالان تحملان نفس البريق الهادئ. قالت وهي تنظر إلى الجميع: "أعتقد أن سامر لم يرد منا أن نحزن في هذا اليوم، بل أن نفعل ما كنا نفعله دائمًا: أن نرسم معًا." فرشت ورقة كبيرة على الأرض، نفس الطقس الذي اعتادوه، وبدأ كل واحد يضيف خطه الخاص. رسم فراس، الذي صار شيخًا هادئًا يقضي أيامه بين طاولته المعتادة في المقهى وزياراته المنتظمة لليان، خطًا ثابتًا كعادته. رسم عمر، الذي أصبح الآن قائدًا معترفًا به عالميًا في مجاله، خطًا واثقًا يمتد بعيدًا. رسمت هند دوائر متشابكة. رسمت سارة أشعة ذهبية. رسم الحفيد، الذي كبر الآن وصار مراهقًا يحمل موهبة فنية واضحة، شجرة كبيرة بجذور عميقة. وحين جاء دور نور، توقفت للحظة، ثم رسمت شيئًا مختلفًا: يدًا واحدة، لا تمتد نحو شيء محدد، بل م

  • من الرماد الى النور    من الرماد الى النور: 31

    استيقظت ليان في الصباح التالي على ضوء شمس هادئ يتسلل من النافذة. مدت يدها، كما تفعل كل صباح، لتلمس يد سامر بجانبها. كانت باردة قليلاً، ويداها الصغيرة لم تشعر فورًا بالفرق، فقد اعتادت أن تجده أحيانًا نائمًا بعمق حتى وقت متأخر في تلك الأشهر الأخيرة. نادته بصوت هادئ: "سامر." لم يرد. اقتربت منه، لمست وجهه بحنان، ثم أدركت، بهدوء غريب يشبه هدوء ذلك اليوم الذي سبقه، أنه رحل وهو نائم، بلا ألم ولا صراع، كما لو كان قد اختار بنفسه أن يغادر في لحظة امتلاء كاملة، بعد يوم قضاه محاطًا بكل من يحب. لم تصرخ ليان ولم تنهار. جلست بجانبه لوقت طويل، تمسك يده الباردة بين يديها الدافئتين، تنظر إلى وجهه الهادئ الذي بدا كأنه نائم في حلم سعيد. قالت بصوت خافت، كأنها تكمل حديث الليلة الماضية: "كان يومًا جميلًا جدًا، يا سامر. وأنت رحلت في أجمل لحظة ممكنة." اتصلت بنور أولًا، بصوت هادئ لم يحمل صراخًا ولا انهيارًا، بل حزنًا عميقًا مشبعًا بالقبول. وصلت نور خلال دقائق من غرفتها القريبة، وحين رأت والدها، لم تبكِ فورًا، بل جلست بجانب أمها، تمسك يد والدها الأخرى، وبقيتا معًا في صمت طويل، يودّعانه بحضور كامل كما عاش ه

  • من الرماد الى النور    من الرماد الى النور: 30

    جاء يونيو بحرارته الأولى، وبدأ سامر يقضي وقتًا أطول داخل المنزل مع بداية النهار، مكتفيًا بجلسات قصيرة في الحديقة في ساعات الصباح الباكر أو المساء، حين يكون الجو أكثر لطفًا. لم يشتكِ من هذا التغيير، بل تقبّله كجزء طبيعي من إيقاعه الجديد، وصار يستمتع بجلساته الداخلية بنفس القدر من العمق الذي كان يستمتع به في الخارج. في أحد الأيام، طلب من ليان أن تحضر له جهاز تسجيل صغير، وقال لها: "أريد أن أسجل بعض الأفكار المتناثرة التي تأتيني، قبل أن أنساها." بدأ يتحدث بصوت هادئ عن ذكريات صغيرة، أفكار عابرة، حتى أحلام بسيطة راودته في الليل. لم تكن هذه التسجيلات منظمة أو موجهة لأحد بعينه، بل كانت أقرب إلى حوار داخلي يسجله بصوت مسموع، كأنه يريد أن يترك أثرًا لكل فكرة تمر به مهما بدت صغيرة. في تلك الفترة، بدأت نور تخطط لنقل جزء من عملها ليكون أقرب إلى المنزل، بعد أن شعرت برغبة عميقة في قضاء وقت أطول مع والدها. تحدثت مع جامعتها عن إمكانية العمل عن بعد لبضعة أشهر، ووافقوا بسهولة نظرًا لمكانتها المرموقة في مجالها. جاءت لتخبر والدها بهذا القرار، وقالت: "أردت أن أكون قريبة أكثر في هذه الفترة." أمسك يدها بحنا

  • من الرماد الى النور    من الرماد الى النور: 29

    عادت العائلة من رحلة الريف وقد ملأها هدوء خاص، واستمر سامر في إيقاعه البطيء لكن المليء. في أحد أيام مايو، طلب من ليان أن تساعده في ترتيب غرفته الخاصة، لا تنظيفًا عابرًا، بل إعادة ترتيب واعية لكل شيء فيها: كتبه، لوحاته، أوراقه، كأنه يريد أن يجد لكل شيء مكانه الأخير والمريح. في أثناء هذا الترتيب، وجدا صندوقًا صغيرًا لم يفتحه سامر منذ سنوات طويلة، فيه أول قلم رصاص استخدمه في طفولته، أهداه إياه أستاذ حسام. أمسكه سامر بحذر، يتأمله طويلاً، ثم قال: "ما زلت أتذكر ثقل هذا القلم في يدي الصغيرة." وضعه بعناية على طاولته، بجانب أحدث أقلامه، ليجلس القديم والجديد معًا، يرمزان لمسافة عمر كامل. في تلك الفترة، بدأت زيارات غير متوقعة تتوالى من أشخاص لم يرهم سامر منذ سنوات طويلة: زملاء قدامى من المستودع، معلمون من مدرسته الثانوية، حتى بعض من عرفهم في أصعب لحظات شبابه قبل أن يبدأ طريق التعافي. كل واحد منهم جاء ليجلس معه قليلاً، يستعيد ذكرى، يشكره على شيء لم يكن يعرف سامر نفسه أنه أثّر به. في أحد الأيام، جاء رجل مسن لم يتذكره سامر في البداية، قدّم نفسه على أنه زميل قديم من أيام المدرسة الثانوية، قبل أن

  • من الرماد الى النور    من الرماد الى النور: 28

    مع اقتراب شهر أبريل، بدأت الحديقة تزدهر بألوان الربيع الكاملة، وبدا سامر أكثر نشاطًا من الأسابيع السابقة، كأن دفء الفصل الجديد أيقظ فيه طاقة أخف وأكثر مرحًا. صار يخرج كل صباح ليراقب الأزهار الجديدة، يسمي كل نوع منها لحفيده الذي يرافقه أحيانًا في هذه الجولات الصباحية القصيرة. في أحد الأيام، جاءت سارة لزيارة غير معتادة، تحمل معها دفترًا جديدًا تمامًا من الورشة التي تديرها، مليئًا برسومات أطفال من مختلف الأعمار. جلست مع سامر تقلّب الصفحات معه، وتروي له قصة كل طفل باختصار. توقف عند رسمة لطفل صغير رسم بيتًا بسيطًا وشمسًا كبيرة، وقال: "هذا يذكرني بأول رسمة رأيتها لك." ابتسمت سارة، وقالت: "ربما كل بداية تشبه بداية أخرى، بطريقتها الخاصة." في تلك الفترة، طلب سامر من عمر أن يحضر له تحديثًا كاملاً عن برنامج "البداية الثانية" في كل الدول التي وصل إليها، لا لأنه يريد أن يتدخل، بل لأنه يريد أن يعرف، بتفاصيل كاملة، أين وصلت هذه البذرة التي ساعد في زرعها. جلس عمر يشرح له بحماس، يستخدم خرائط وصورًا، وسامر يستمع بانتباه كامل، يطرح أسئلة دقيقة كأنه لا يزال يملك نفس الحس الإداري الذي ميّزه في شبابه. ف

  • من الرماد الى النور    من الرماد الى النور: 27

    في الأيام التي تلت تلك الزيارة إلى السطح، بدا سامر هادئًا بطريقة مختلفة، كأن شيئًا ما استقر تمامًا في داخله. استمر في جلساته مع حفيده، لكنه بدأ يميل أكثر للصمت المشترك بدلًا من الحديث الطويل، وكأن الكلمات لم تعد ضرورية بقدر الحضور نفسه. في أحد الأيام، طلب من ليان أن تجلس معه وتقرأ له رسالة والدته الأولى، تلك التي بدأت كل شيء قبل عقود طويلة. أخرجتها من مكانها الخاص في خزانة قديمة، ورقة اصفرّت حوافها لكن الحبر لا يزال واضحًا. قرأتها ببطء، وسامر يستمع بعينين مغمضتين، يتذكر كل كلمة رغم كل السنوات. حين انتهت، فتح عينيه وقال: "لا أزال أسمع صوتها وهي تكتب هذا." في تلك الفترة، بدأ وليد بزيارات منتظمة، يحضر ابنته الصغيرة معه، التي صارت تعتبر زيارة "جدو سامر" جزءًا من روتينها الأسبوعي المحبب. في إحدى هذه الزيارات، جلست الطفلة الصغيرة بجانبه، ترسم بثقة متزايدة، وسألته: "هل أنت متعب يا جدو؟" نظر إليها بحنان، وقال: "قليلاً، لكن النظر إليك ترسمين يجعلني أنسى التعب تمامًا." في أحد أيام مارس، وبينما كانت الحديقة تبدأ باستعادة خضرتها بعد الشتاء، جلس سامر تحت الشجرة لوقت أطول من المعتاد، يراقب ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status