ログインبعد أسبوعين من انطلاق برنامج "من الرماد إلى النور" بشكله الجديد، بدأ سامر يشعر بثقل غير متوقع: النجاح نفسه أصبح عبئًا. الطلبات على الانضمام إلى الورشة تضاعفت بعد أن نشرت إحدى الصحف المحلية تقريرًا صغيرًا عن قصته، وبدأ يتلقى رسائل من أهالي شباب يائسين، ومن مؤسسات تطلب التعاون، ومن أشخاص يطلبون منه استشارات فردية لم يكن مستعدًا لتقديمها بمفرده.
جلس في مكتبه الصغير الجديد في المركز الثقافي، محاطًا بأكوام من الطلبات والرسائل، وشعر لأول مرة منذ أشهر بذلك القلق القديم يتسلل إليه من جديد، ليس قلق الإدمان هذه المرة، بل قلق آخر: "ماذا لو لم أكن كافيًا لكل هذا؟ ماذا لو خذلت شخصًا يعتمد عليّ الآن كما اعتمدت أنا على ليان وفراس؟" دخل فراس إلى المكتب في تلك اللحظة، ولاحظ التعب على وجه سامر فورًا. سأله: "ما الخطب؟ تبدو كمن يحمل جبلاً على كتفيه." أشار سامر إلى الأكوام أمامه، وقال بإحباط: "لم أكن أتوقع أن ينتشر الأمر بهذه السرعة. أشعر أنني بدأت شيئًا لا أعرف كيف أديره بشكل صحيح. ماذا لو فشلت في مساعدة كل هؤلاء الناس الذين بدأوا يعلّقون آمالهم علينا؟" جلس فراس أمامه، وقال بحزم هادئ يعرفه سامر جيدًا من جلسات الدعم: "أول قاعدة تعلمتها في هذا الطريق، وأنت تعرفها أيضًا: لا يمكنك أن تنقذ الجميع بمفردك، ولا يُفترض بك أن تفعل. أنت لست بديلاً عن الأطباء والمختصين، أنت جسر يوصل الناس إليهم، ومساحة أمان يبدؤون منها." هزّ سامر رأسه، مقتنعًا نظريًا، لكن شعوره الداخلي بالمسؤولية الثقيلة لم يخفّ بسهولة. في تلك الليلة، وبينما كان يراجع طلبات الانضمام الجديدة، وجد رسالة مختلفة عن البقية: رسالة من فتاة تُدعى "نور"، تبلغ من العمر تسعة عشر عامًا، تكتب فيها بصدق مؤلم عن معاناتها مع اضطراب في علاقتها بالطعام منذ سنوات، وتسأل إن كان يمكن لبرنامج الرسم أن "يساعدها على الشعور بأنها تستحق شيئًا جميلًا في حياتها". شعر سامر بثقل الرسالة فورًا، وأدرك أن هذه الحالة تحتاج إلى أكثر من ورشة رسم، تحتاج إلى تدخل مختص حقيقي. اتصل بفراس في صباح اليوم التالي، وقال: "وصلتني رسالة تحتاج إلى شخص متخصص، ليس أنا، ولا أنت حتى. أعتقد أن علينا التفكير بجدية في التعاون الرسمي مع طبيبة نفسية أو أخصائية تغذية علاجية، لا أن نبقى نعتمد على خبرتنا الشخصية فقط." وافق فراس فورًا، وقال: "كنت أنتظر منك أن تصل إلى هذا الإدراك بنفسك. النية الطيبة وحدها لا تكفي أحيانًا، والحدود التي نضعها لأنفسنا هي جزء من مسؤوليتنا تجاه من نحاول مساعدتهم." بدأ سامر بالفعل بالتواصل مع عيادة نفسية محلية، واستطاع بمساعدة سلمى، الصحفية التي كتبت عنه سابقًا وأصبحت صديقة داعمة للبرنامج، أن يرتب تعاونًا أوليًا مع أخصائية نفسية متطوعة تقبل استقبال حالات مثل حالة نور بشكل منفصل عن الورشة، بينما تبقى الورشة نفسها مساحة داعمة تكميلية لا علاجية بديلة. في الوقت نفسه، كانت علاقته بعمر تمر بمرحلة حساسة جديدة. لاحظ سامر أن عمر، الذي أصبح مساعده الرئيسي، بدأ يقضي وقتًا أطول مع مجموعة جديدة من الشباب خارج الورشة، بعضهم كان يعرفه سامر بالسمعة السيئة في الحي. حاول أن يتجاهل الأمر في البداية، ظنًا منه أن عمر أصبح قويًا بما يكفي لمواجهة أي إغراء، لكن إشارات صغيرة بدأت تتكرر: تأخر عمر عن الحضور، تغيّر طفيف في نظرات عينيه، وحديث مقتضب غير معتاد منه. في أحد الأيام، وبعد انتهاء الورشة، طلب سامر من عمر أن يبقى للحديث. جلسا وحدهما في القاعة الفارغة، وسأله سامر مباشرة: "من هم هؤلاء الأشخاص الذين أراك معهم مؤخرًا خارج هنا؟" تردد عمر قليلاً، ثم قال بدفاعية خفيفة: "أصدقاء فقط. لا شيء يستدعي القلق." لم يضغط سامر عليه، بل تذكر بالضبط الشعور الذي كان يعيشه هو نفسه حين كان يدافع عن أصدقاء السوء أمام من يحاول تحذيره. قال بهدوء: "لن أحاكمك يا عمر، فقط أريدك أن تعرف شيئًا: أنا لم أسقط بسبب لحظة واحدة، سقطت بسبب سلسلة من 'اللاشيء' الذي أقنعت نفسي أنه لا يستدعي القلق. إن كنت بحاجة للحديث عن أي شيء، الباب مفتوح دائمًا، دون أي حكم." نظر عمر إليه بصمت طويل، وبدت في عينيه للحظة تلك النظرة المألوفة، نظرة شخص يقف على حافة قرار لا يعرف أي طريق سيختار. لم يقل شيئًا أكثر في ذلك اليوم، فقط همس: "شكرًا يا أستاذ سامر،" وخرج من القاعة بخطى بطيئة مثقلة بشيء لم يشاركه بعد. شعر سامر بقلق حقيقي بعد ذلك اللقاء، قلق مألوف له تمامًا من موقعه كطرف ثانٍ هذه المرة، لا كضحية للمشكلة، بل كشخص يخشى أن يفقد شخصًا بدأ يراه كأثر حقيقي لكل ما ناضل من أجله. اتصل بليان في تلك الليلة، وأخبرها بمخاوفه بشأن عمر. استمعت إليه بعناية، ثم قالت: "أنت لا تستطيع أن تمنع عمر من اتخاذ قراراته، تمامًا كما لم يستطع أحد أن يمنعك من اتخاذ قراراتك قبل أن تختار أنت بنفسك التغيير. كل ما تستطيع فعله هو أن تبقى ذلك الباب المفتوح الذي أخبرته عنه، وأن تثق أن ما زرعته فيه خلال العام الماضي لن يضيع بسهولة." كانت كلماتها مصدر طمأنة جزئية، لكن سامر عرف أن الأسابيع القادمة ستحمل اختبارًا جديدًا، ليس لقوته الشخصية هذه المرة، بل لقدرته على أن يكون الشخص الذي يحتاجه شخص آخر يقف على حافة مشابهة لتلك التي وقف عليها هو، دون أن يقدر على السيطرة الكاملة على النتيجة، كما تعلّم أن الحياة نادرًا ما تمنح ضمانات، بل فقط فرصًا يمكن أن تُؤخذ أو تُفوَّت. في اليوم التالي، وبينما كان سامر يستعد لبدء جلسة الورشة المسائية، لاحظ أن عمر لم يحضر في موعده المعتاد. انتظره نصف ساعة كاملة، يتفقد هاتفه بين كل دقيقة وأخرى، لكن دون أي رد على رسائله. شعر بقلق متزايد، فقرر أن يترك الورشة بين يدي فراس لبعض الوقت، وذهب بنفسه إلى الحي الذي يعرف أن عمر يقضي فيه وقته مؤخرًا مع رفاقه الجدد. وجد المكان بعد بحث قصير: زاوية شارع قريبة من محل مهجور، يجتمع فيها عدد من الشباب حول دراجة نارية معطلة، يتحدثون بصوت مرتفع ويضحكون بطريقة توحي بأن هناك شيئًا غير طبيعي يجري. رأى عمر بينهم، يحمل في يده شيئًا لم يستطع سامر تحديده من بعيد، لكن طريقة تصرف الجميع أثارت قلقه أكثر. اقترب بهدوء، وحاول أن يبدو طبيعيًا، فنادى: "عمر!" استدار عمر بمفاجأة واضحة، وتغيرت ملامح وجهه بين الحرج والخوف. تقدم نحو سامر بعيدًا عن المجموعة، وقال بصوت متلعثم: "أستاذ سامر... ماذا تفعل هنا؟" لم يوجّه سامر أي لوم مباشر، بل قال بهدوء: "أتيت لأتأكد أنك بخير فقط. لم تحضر اليوم." نظر عمر إلى الأرض، صمت طويلاً، ثم قال بصوت منكسر: "أخذوا مني حياتي كلها... أخي الأكبر معهم، وهو من طلب منّي أن آتي. لا أستطيع أن أرفض ببساطة، أستاذ سامر. الأمور معقدة أكثر مما تتخيل." فهم سامر فجأة أن الأمر ليس مجرد رفقة سيئة عابرة، بل شبكة عائلية وضغوط أعمق بكثير من مجرد إغراء شخصي. لم يحاول أن يصدر حكمًا سريعًا، بل سأل بهدوء: "هل تريد أن نتحدث في مكان آخر؟ ليس هنا." مشيا معًا إلى مقهى صغير قريب، وهناك، بين رشفات شاي بدت في تلك اللحظة كأنها الشيء الوحيد الطبيعي في يوم مضطرب، حكى عمر تفاصيل ما كان يخشى قوله من قبل: أخوه الأكبر متورط في شبكة صغيرة لتوزيع مواد ممنوعة، ويضغط عليه لينضم "ليحمي العائلة"، مستخدمًا حاجتهم المادية بعد وفاة الأب كورقة ابتزاز عاطفي. استمع سامر بصمت كامل، متذكرًا نصيحة فراس القديمة: الاستماع أولاً، دون استعجال الحلول. حين انتهى عمر من الكلام، قال سامر بصوت هادئ لكن حازم: "هذا أكبر من أن تحمله وحدك، وأكبر من أن أحمله أنا وحدي أيضًا. لكننا لن نتركك تغرق فيه بمفردك." في الأيام التالية، وبمساعدة فراس وسلمى، بدأ سامر يبحث بجدية عن طريقة لمساعدة عمر دون أن يعرّضه أو أخاه لخطر مباشر، متواصلاً بحذر مع جمعية تعمل على إعادة تأهيل الشباب المعرضين لشبكات الجريمة، دون تسريع الأمور أو اتخاذ قرارات متهورة قد تزيد الوضع تعقيدًا. في تلك الليلة، وبعد أن أوصل عمر إلى منزله، جلس سامر وحيدًا في سيارته لبعض الوقت، يفكر في المفارقة العميقة التي تكشفت أمامه: أنه ظن أن أصعب اختباراته انتهت بعد تحوّله الشخصي، لكنه أدرك الآن أن مساعدة الآخرين تحمل اختبارات من نوع مختلف تمامًا، أعمق وأكثر تعقيدًا، لأنها تتطلب منه أن يقف بجانب معارك ليست معاركه هو، وأن يتعلم حدود قدرته على التأثير دون أن يفقد الأمل في إمكانية التأثير أصلًا. "**كان الفصل السادس قد كشف لسامر أن النور الذي بدأ يحمله لم يكن مصدر أمان تام، بل مسؤولية مستمرة تتطلب يقظة دائمة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بحياة شخص بدأ يراه امتدادًا حقيقيًا لكل ما ناضل لأجله.**"مرّ عام كامل على رحيل سامر، وتجمعت العائلة الممتدة بأكملها في ذكراه الأولى، لا بحزن ثقيل، بل بنوع من الاحتفاء الهادئ الذي بناه هو نفسه عبر كل تلك السنوات الأخيرة من حياته. اجتمعوا في الحديقة التي زرعها بيديه، تحت الشجرة التي كبرت أكثر، وجلسوا على نفس البساط الذي جلسوا عليه آلاف المرات. جلست ليان وسطهم، أكبر سنًا الآن لكن عينيها لا تزالان تحملان نفس البريق الهادئ. قالت وهي تنظر إلى الجميع: "أعتقد أن سامر لم يرد منا أن نحزن في هذا اليوم، بل أن نفعل ما كنا نفعله دائمًا: أن نرسم معًا." فرشت ورقة كبيرة على الأرض، نفس الطقس الذي اعتادوه، وبدأ كل واحد يضيف خطه الخاص. رسم فراس، الذي صار شيخًا هادئًا يقضي أيامه بين طاولته المعتادة في المقهى وزياراته المنتظمة لليان، خطًا ثابتًا كعادته. رسم عمر، الذي أصبح الآن قائدًا معترفًا به عالميًا في مجاله، خطًا واثقًا يمتد بعيدًا. رسمت هند دوائر متشابكة. رسمت سارة أشعة ذهبية. رسم الحفيد، الذي كبر الآن وصار مراهقًا يحمل موهبة فنية واضحة، شجرة كبيرة بجذور عميقة. وحين جاء دور نور، توقفت للحظة، ثم رسمت شيئًا مختلفًا: يدًا واحدة، لا تمتد نحو شيء محدد، بل م
استيقظت ليان في الصباح التالي على ضوء شمس هادئ يتسلل من النافذة. مدت يدها، كما تفعل كل صباح، لتلمس يد سامر بجانبها. كانت باردة قليلاً، ويداها الصغيرة لم تشعر فورًا بالفرق، فقد اعتادت أن تجده أحيانًا نائمًا بعمق حتى وقت متأخر في تلك الأشهر الأخيرة. نادته بصوت هادئ: "سامر." لم يرد. اقتربت منه، لمست وجهه بحنان، ثم أدركت، بهدوء غريب يشبه هدوء ذلك اليوم الذي سبقه، أنه رحل وهو نائم، بلا ألم ولا صراع، كما لو كان قد اختار بنفسه أن يغادر في لحظة امتلاء كاملة، بعد يوم قضاه محاطًا بكل من يحب. لم تصرخ ليان ولم تنهار. جلست بجانبه لوقت طويل، تمسك يده الباردة بين يديها الدافئتين، تنظر إلى وجهه الهادئ الذي بدا كأنه نائم في حلم سعيد. قالت بصوت خافت، كأنها تكمل حديث الليلة الماضية: "كان يومًا جميلًا جدًا، يا سامر. وأنت رحلت في أجمل لحظة ممكنة." اتصلت بنور أولًا، بصوت هادئ لم يحمل صراخًا ولا انهيارًا، بل حزنًا عميقًا مشبعًا بالقبول. وصلت نور خلال دقائق من غرفتها القريبة، وحين رأت والدها، لم تبكِ فورًا، بل جلست بجانب أمها، تمسك يد والدها الأخرى، وبقيتا معًا في صمت طويل، يودّعانه بحضور كامل كما عاش ه
جاء يونيو بحرارته الأولى، وبدأ سامر يقضي وقتًا أطول داخل المنزل مع بداية النهار، مكتفيًا بجلسات قصيرة في الحديقة في ساعات الصباح الباكر أو المساء، حين يكون الجو أكثر لطفًا. لم يشتكِ من هذا التغيير، بل تقبّله كجزء طبيعي من إيقاعه الجديد، وصار يستمتع بجلساته الداخلية بنفس القدر من العمق الذي كان يستمتع به في الخارج. في أحد الأيام، طلب من ليان أن تحضر له جهاز تسجيل صغير، وقال لها: "أريد أن أسجل بعض الأفكار المتناثرة التي تأتيني، قبل أن أنساها." بدأ يتحدث بصوت هادئ عن ذكريات صغيرة، أفكار عابرة، حتى أحلام بسيطة راودته في الليل. لم تكن هذه التسجيلات منظمة أو موجهة لأحد بعينه، بل كانت أقرب إلى حوار داخلي يسجله بصوت مسموع، كأنه يريد أن يترك أثرًا لكل فكرة تمر به مهما بدت صغيرة. في تلك الفترة، بدأت نور تخطط لنقل جزء من عملها ليكون أقرب إلى المنزل، بعد أن شعرت برغبة عميقة في قضاء وقت أطول مع والدها. تحدثت مع جامعتها عن إمكانية العمل عن بعد لبضعة أشهر، ووافقوا بسهولة نظرًا لمكانتها المرموقة في مجالها. جاءت لتخبر والدها بهذا القرار، وقالت: "أردت أن أكون قريبة أكثر في هذه الفترة." أمسك يدها بحنا
عادت العائلة من رحلة الريف وقد ملأها هدوء خاص، واستمر سامر في إيقاعه البطيء لكن المليء. في أحد أيام مايو، طلب من ليان أن تساعده في ترتيب غرفته الخاصة، لا تنظيفًا عابرًا، بل إعادة ترتيب واعية لكل شيء فيها: كتبه، لوحاته، أوراقه، كأنه يريد أن يجد لكل شيء مكانه الأخير والمريح. في أثناء هذا الترتيب، وجدا صندوقًا صغيرًا لم يفتحه سامر منذ سنوات طويلة، فيه أول قلم رصاص استخدمه في طفولته، أهداه إياه أستاذ حسام. أمسكه سامر بحذر، يتأمله طويلاً، ثم قال: "ما زلت أتذكر ثقل هذا القلم في يدي الصغيرة." وضعه بعناية على طاولته، بجانب أحدث أقلامه، ليجلس القديم والجديد معًا، يرمزان لمسافة عمر كامل. في تلك الفترة، بدأت زيارات غير متوقعة تتوالى من أشخاص لم يرهم سامر منذ سنوات طويلة: زملاء قدامى من المستودع، معلمون من مدرسته الثانوية، حتى بعض من عرفهم في أصعب لحظات شبابه قبل أن يبدأ طريق التعافي. كل واحد منهم جاء ليجلس معه قليلاً، يستعيد ذكرى، يشكره على شيء لم يكن يعرف سامر نفسه أنه أثّر به. في أحد الأيام، جاء رجل مسن لم يتذكره سامر في البداية، قدّم نفسه على أنه زميل قديم من أيام المدرسة الثانوية، قبل أن
مع اقتراب شهر أبريل، بدأت الحديقة تزدهر بألوان الربيع الكاملة، وبدا سامر أكثر نشاطًا من الأسابيع السابقة، كأن دفء الفصل الجديد أيقظ فيه طاقة أخف وأكثر مرحًا. صار يخرج كل صباح ليراقب الأزهار الجديدة، يسمي كل نوع منها لحفيده الذي يرافقه أحيانًا في هذه الجولات الصباحية القصيرة. في أحد الأيام، جاءت سارة لزيارة غير معتادة، تحمل معها دفترًا جديدًا تمامًا من الورشة التي تديرها، مليئًا برسومات أطفال من مختلف الأعمار. جلست مع سامر تقلّب الصفحات معه، وتروي له قصة كل طفل باختصار. توقف عند رسمة لطفل صغير رسم بيتًا بسيطًا وشمسًا كبيرة، وقال: "هذا يذكرني بأول رسمة رأيتها لك." ابتسمت سارة، وقالت: "ربما كل بداية تشبه بداية أخرى، بطريقتها الخاصة." في تلك الفترة، طلب سامر من عمر أن يحضر له تحديثًا كاملاً عن برنامج "البداية الثانية" في كل الدول التي وصل إليها، لا لأنه يريد أن يتدخل، بل لأنه يريد أن يعرف، بتفاصيل كاملة، أين وصلت هذه البذرة التي ساعد في زرعها. جلس عمر يشرح له بحماس، يستخدم خرائط وصورًا، وسامر يستمع بانتباه كامل، يطرح أسئلة دقيقة كأنه لا يزال يملك نفس الحس الإداري الذي ميّزه في شبابه. ف
في الأيام التي تلت تلك الزيارة إلى السطح، بدا سامر هادئًا بطريقة مختلفة، كأن شيئًا ما استقر تمامًا في داخله. استمر في جلساته مع حفيده، لكنه بدأ يميل أكثر للصمت المشترك بدلًا من الحديث الطويل، وكأن الكلمات لم تعد ضرورية بقدر الحضور نفسه. في أحد الأيام، طلب من ليان أن تجلس معه وتقرأ له رسالة والدته الأولى، تلك التي بدأت كل شيء قبل عقود طويلة. أخرجتها من مكانها الخاص في خزانة قديمة، ورقة اصفرّت حوافها لكن الحبر لا يزال واضحًا. قرأتها ببطء، وسامر يستمع بعينين مغمضتين، يتذكر كل كلمة رغم كل السنوات. حين انتهت، فتح عينيه وقال: "لا أزال أسمع صوتها وهي تكتب هذا." في تلك الفترة، بدأ وليد بزيارات منتظمة، يحضر ابنته الصغيرة معه، التي صارت تعتبر زيارة "جدو سامر" جزءًا من روتينها الأسبوعي المحبب. في إحدى هذه الزيارات، جلست الطفلة الصغيرة بجانبه، ترسم بثقة متزايدة، وسألته: "هل أنت متعب يا جدو؟" نظر إليها بحنان، وقال: "قليلاً، لكن النظر إليك ترسمين يجعلني أنسى التعب تمامًا." في أحد أيام مارس، وبينما كانت الحديقة تبدأ باستعادة خضرتها بعد الشتاء، جلس سامر تحت الشجرة لوقت أطول من المعتاد، يراقب ال







