Home / الرومانسية / من الرماد الى النور / الفصل الرابع: ضوء في آخر النفق

Share

الفصل الرابع: ضوء في آخر النفق

last update publish date: 2026-09-15 08:17:15

مرّت ثلاثة أشهر منذ تلك الليلة على السطح، وبدأت حياة سامر تأخذ شكلاً لم يكن يتخيله. تحسّنت صحة والدته تدريجيًا، حتى تمكنت من مغادرة المستشفى والعودة إلى منزلها، حيث أصبح سامر يزورها كل يوم تقريبًا بعد العمل، يحضّر لها الشاي أحيانًا، ويجلس معها يتحدثان عن أشياء بسيطة كانا قد نسيا كيف يتشاركانها: ذكريات طفولته، أحلامه القديمة، وحتى خططه المستقبلية التي بدأت تتشكل من جديد بعد أن كانت قد اختفت تمامًا من تفكيره.

في العمل، لاحظ أبو ياسر تفانيه وانضباطه، فقرر أن يمنحه مسؤولية أكبر: الإشراف على تنظيم المستودع بالكامل. لم تكن الوظيفة كبيرة أو مرموقة، لكنها كانت اعترافًا حقيقيًا بالتغيير الذي طرأ عليه، وشعر سامر بفخر صادق، مختلف تمامًا عن ذلك الفخر الزائف الذي كان يشعر به سابقًا حين يربح في طاولات القمار.

استمر أيضًا في حضور جلسات الدعم كل خميس، وأصبح مع الوقت قادرًا على مساعدة أعضاء جدد ينضمون إلى المجموعة، يشاركهم تجربته دون خجل، ويشجعهم على اتخاذ خطواتهم الأولى كما فعل هو من قبل. كان فراس يراقبه بفخر صامت، ويقول له أحيانًا: "أنت تتحول من شخص يحتاج المساعدة إلى شخص يقدّمها. هذه علامة تعافٍ حقيقية."

أما دفتر الرسم، فقد امتلأ بلوحات جديدة، بعضها كان معروضًا الآن على جدران غرفته بدلاً من أن يُحبس بين الصفحات. في أحد الأيام، وبينما كان يتنزه مع ليان في حديقة عامة، أخبرته عن معرض فني صغير يقيمه مركز ثقافي في المدينة، يفتح المجال لفنانين هواة لعرض أعمالهم.

"يجب أن تشارك يا سامر،" قالت بحماس واضح. "رسوماتك تستحق أن يراها الناس."

تردد في البداية، فكرة عرض أعماله الشخصية أمام غرباء كانت مخيفة بقدر ما كانت جذابة، لكنه تذكر كل الخطوات الصعبة التي تجاوزها في الأشهر الماضية، وقرر أن يجرب مرة أخرى، كما جرّب من قبل مع جلسات الدعم والاعتذار لأبو ياسر ومواجهة منذر.

في ليلة المعرض، وقف سامر أمام لوحته الرئيسية، تلك التي بدأها في أصعب لياليه: اليد الممتدة من بين الرماد نحو الضوء. كانت قد اكتملت الآن، بألوان دافئة تدريجية تُظهر التحول من الظلام الرمادي إلى إشراقة ذهبية في الطرف الآخر من اللوحة. وقف بجانبها بتوتر، يراقب الزوار وهم يتوقفون أمامها، بعضهم يتأمل بصمت، وبعضهم يسأل عن قصتها.

اقتربت منه امرأة كبيرة في السن، نظرت إلى اللوحة طويلاً، ثم التفتت إليه وقالت: "هذه اللوحة تحكي قصة نجاة، أليس كذلك؟"

ابتسم سامر بتأثر، وقال: "نعم... قصتي أنا."

هزّت رأسها بتفهم عميق، وقالت: "أشكرك على شجاعتك في مشاركتها. أنا متأكدة أنها ستلمس أشخاصًا كثيرين يمرون بما مررت به."

وقفت والدته وليان وفراس بجانبه في ذلك المساء، يشاهدون الناس يتفاعلون مع أعماله، وشعر سامر بشيء لم يشعر به منذ زمن طويل جدًا: الفخر الحقيقي بنفسه، ليس لأنه ربح مالاً أو تجنب مشكلة، بل لأنه بنى شيئًا من الصفر، من وسط أحلى لحظاته، وحوّله إلى شيء جميل يمكن أن يلمس أرواح الآخرين.

في نهاية الأمسية، وبينما كان يجمع لوحاته استعدادًا للمغادرة، اقترب منه رجل يعمل في المركز الثقافي، وقال له: "أعمالك مميزة حقًا. هل فكرت يومًا في تعليم الرسم؟ نبحث عن مدرب لورشة عمل صغيرة للشباب الذين يمرون بظروف صعبة."

نظر سامر إلى الرجل بدهشة، ثم إلى ليان التي كانت تبتسم له بثقة وكأنها كانت تعرف أن هذه اللحظة قادمة. فكّر للحظة في كل الطريق الذي قطعه: من شاب وقف على حافة سطح يفكر في إنهاء كل شيء، إلى رجل يُطلب منه الآن أن يساعد آخرين على إيجاد طريقهم الخاص نحو النور.

ابتسم أخيرًا، ومدّ يده للرجل مصافحًا، وقال بثقة لم يعهدها في نفسه من قبل: "سيكون هذا شرفًا لي."

في تلك الليلة، وبينما كان يقود سيارته عائدًا إلى المنزل، نظر إلى السماء المرصعة بالنجوم، وتذكر تلك الليلة الأولى على السطح، حين كانت الأضواء البعيدة تبدو له وكأنها نجوم سقطت لا يمكن الوصول إليها. الآن، أدرك أنه لم يكن بحاجة إلى الوصول إلى تلك الأضواء البعيدة، بل كان عليه فقط أن يشعل ضوءه الخاص، مهما كان صغيرًا في البداية، وربما طريق آخرين يسيرون في ظلام مشابه.

وبدأت ورشة الرسم بعد أسبوعين فقط من ذلك المعرض، في قاعة صغيرة بالمركز الثقافي تطل نوافذها على حديقة مليئة بأشجار الزيتون القديمة. وقف سامر أمام عشرة مقاعد فارغة قبل وصول أول مشارك، يشعر بتوتر مختلف عن كل أنواع التوتر التي عرفها من قبل؛ لم يكن خوفًا من الفشل المالي أو من مواجهة دائن غاضب، بل كان خوفًا نبيلاً، خوف من ألا يكون قادرًا على تقديم ما يستحقه هؤلاء الشباب الذين سيأتون إليه بحثًا عن شيء يشبه الأمل.

أول من دخل كان فتى يُدعى "عمر"، لا يتجاوز السادسة عشرة، بعينين حذرتين وابتسامة مترددة. جلس في الصف الأخير، بعيدًا عن الجميع، تمامًا كما فعل سامر في أول جلسة دعم حضرها. اقترب منه سامر بهدوء، وجلس بجانبه دون أن يفرض عليه حديثًا، فقط قال: "لست مضطرًا للجلوس في الخلف. لكن إن كان هذا يريحك أكثر، فلا بأس، أنا أيضًا بدأت من الخلف يومًا ما."

نظر إليه عمر بدهشة خفيفة، وكأنه لم يتوقع أن يفهمه أحد دون أن يشرح شيئًا. مع مرور الأسابيع، عرف سامر قصته: فقد والده في حادث، وترك المدرسة، وبدأ يتسكع مع رفاق سوء في الحي، تمامًا كما بدأ هو نفسه طريقه نحو الانحدار قبل سنوات. لم يحاول سامر أن يقدم له نصائح جاهزة أو محاضرات عن الحياة، بل فعل ما تعلمه من فراس: استمع فقط، وشارك تجربته حين كان ذلك مناسبًا، دون أن يفرضها كحل سحري.

في إحدى الجلسات، وبينما كان يعلّم المجموعة أساسيات الظل والضوء في الرسم، توقف عمر فجأة عن الرسم، ونظر إلى لوحته بإحباط، وقال: "لا أفهم كيف يمكن لخط بسيط أن يصنع فرقًا. كل شيء يبدو تقريبًا مثل قبل."

ابتسم سامر، وتذكر بالضبط الشعور نفسه حين كان يرسم خطوطه الأولى بعد سنوات من التوقف، وقال: "التغيير الحقيقي لا يبدو كبيرًا وأنت في وسطه يا عمر. أنت تراه فقط حين تنظر إلى الوراء بعد وقت طويل. استمر في رسم الخط، ثم الخط الذي يليه، وذات يوم ستنظر إلى الصفحة الأولى وستندهش من المسافة التي قطعتها."

كانت هذه الكلمات، وإن قيلت لعمر، أشبه برسالة يوجهها سامر لنفسه أيضًا، تذكيرًا دائمًا بأن رحلته الخاصة لم تكن قفزة واحدة كبيرة، بل سلسلة الخطوط الصغيرة المتراكمة.

في الوقت نفسه، تطورت علاقته بليان إلى شيء أعمق من مجرد قرابة عائلية داعمة. بدآ يقضيان وقتًا أطول معًا، ليس فقط في لحظات الأزمات، بل في لحظات بسيطة وهادئة: نزهات مسائية، زيارات لمعارض فنية أخرى، وأحاديث طويلة عن أحلام كل منهما. لم يتحدثا صراحة عمّا يشعران به تجاه بعضهما، لكن كليهما كان يدرك أن شيئًا جميلًا بدأ ينمو ببطء، مثل نبتة تحتاج وقتًا لتترسخ جذورها قبل أن تُظهر أول أوراقها.

أما دَينه لخالد، فقد أنهاه أخيرًا بعد شهرين من العمل الإضافي والادخار الحذر. حين سلّمه آخر دفعة، صافحه خالد بحرارة غير معتادة، وقال: "أنت الشخص الوحيد الذي عرفته يخرج من هذا الطريق فعلاً، لا يعد فقط بالخروج منه. احترامي لك يا سامر."

في ليلة هادئة، جلس سامر مع والدته في شرفة منزلها الصغيرة، يحتسيان الشاي بصمت مريح. نظرت إليه طويلاً، وقالت: "أتعرف؟ حين كتبت لك تلك الرسالة، لم أكن متأكدة أنها ستصل إليك يومًا، أو أنك ستقرأها حتى. لكنني كنت أعرف في قلبي أن الرماد الذي كنت تغرق فيه لن يكون نهايتك."

أمسك يدها بحب، وقال: "لم تكن الرسالة وحدها يا أمي، كان إيمانك بي هو ما أنقذني فعلاً."

بدأ سامر يدرك أن التعافي ليس خطًا مستقيمًا ينتهي عند نقطة معينة يُعلن فيها "لقد شُفيت تمامًا"، يوم بعد يوم، اختيار بعد اختيار، يحمل فيها المرء دروسه القديمة كأدوات، لا كأثقال.

"**كان الفصل الرابع قد أغلق دائرة كبيرة في رحلة سامر، لكنه فتح في الوقت نفسه بابًا جديدًا نحو فصل مختلف تمامًا من حياته، فصل لم يعد فيه ضحية لماضيه، بل صانعًا لمستقبله، يحمل معه كل درس تعلمه من رحلته الطويلة من الرماد... إلى النور.**"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • من الرماد الى النور    الفصل العاشر: مدينة جديدة

    في صباح باكر من أحد أيام الخريف، وقف سامر أمام مبنى صغير في مدينة "الزرقاء"، أول مدينة يُفتتح فيها فرع جديد من برنامج "من الرماد إلى النور". كان المبنى متواضعًا، غرفتين فقط في الطابق الأرضي لمركز شبابي محلي، لكنه بدا لسامر في تلك اللحظة أكبر من أي قصر، لأنه يمثل تجسيدًا حقيقيًا لفكرة كانت حتى وقت قريب مجرد حلم يخصه وحده.رافقه في هذه الزيارة فراس، ومدرّبة جديدة اسمها "هند"، معلمة رسم سابقة انضمت إلى البرنامج بعد أن قرأت قصته وشعرت أنها تريد أن تكون جزءًا من هذا النوع من العمل. كانت هند قد مرت بتجربة اكتئاب حاد بعد وفاة زوجها، ووجدت في الرسم طريقها الخاص للخروج منه، ما جعلها تفهم فلسفة البرنامج بعمق دون أن يشرحها لها أحد بالتفصيل.في اليوم الأول، استقبلت الغرفة الصغيرة اثني عشر شابًا وشابة من أحياء مختلفة في المدينة، بعضهم أتى بدافع الفضول فقط، وبعضهم وصلته دعوة من مدرسته بعد أن رصد المرشد الاجتماعي فيها حالات تحتاج دعمًا. جلس سامر في الخلف هذه المرة، تاركًا لهند قيادة الجلسة الأولى، حريصًا على أن يترك مساحة حقيقية للمدربين الجدد لبناء أسلوبهم الخاص، لا أن يفرض عليهم نسخة طبق الأصل من

  • من الرماد الى النور    الفصل التاسع: على طاولة القرار

    في صباح يوم الاجتماع مع مسؤول وزارة التنمية الاجتماعية، ارتدى سامر بدلة رسمية اقترضها من فراس، شعر فيها بغرابة خفيفة، وكأنه يرتدي هوية لم يتعود عليها بعد: هوية "المسؤول عن مؤسسة"، لا "الناجي الذي يرسم". جلس في سيارة سلمى التي عرضت أن تنقله إلى الوزارة، وقالت له بابتسامة مشجعة: "تذكّر، أنت لا تطلب منّة، أنت تعرض شراكة حقيقية بنتائج ملموسة. تحدث من هذا المكان."في مكتب فسيح بالوزارة، استقبلهم "الدكتور نبيل"، مسؤول كبير في قسم برامج الشباب، رجل في الخمسينيات يحمل ملفًا كاملاً عن البرنامج أمامه، مما فاجأ سامر بمدى التفاصيل التي جمعوها عنه."قرأت مقالك،" قال الدكتور نبيل مباشرة دون مقدمات طويلة، "الصادق، لا المقال الأول. أقدّر هذا النوع من الشجاعة، خصوصًا أننا في هذا المجال نتعامل كثيرًا مع واجهات مصقولة تخفي فراغًا حقيقيًا خلفها."شرح سامر بإيجاز فكرة البرنامج، نتائجه حتى الآن، وقصص التحول التي شهدها في عمر وغيره من المشاركين، دون أن يذكر أسماء أو تفاصيل حساسة. استمع الدكتور نبيل بانتباه، ثم قال: "نريد أن ندعم توسيع هذا البرنامج ليشمل ثلاث مدن أخرى، بتمويل حكومي، على أن يكون هناك إطار رسم

  • من الرماد الى النور    الفصل الثامن: ظلال من الماضي

    مرّ شهر على استقرار وضع عمر وأخيه، وبدأ سامر يشعر أن الأمور تسير بانتظام نادر منذ فترة طويلة: الورشة تنمو بثبات، علاقته بليان تزداد عمقًا، ووالدته تحافظ على صحة مستقرة. لكن الحياة، كما تعلّم مرارًا، لا تمنح فترات الهدوء دون أن تُعقبها اختبارات جديدة.في صباح أحد الأيام، وبينما كان يراجع طلبات التمويل للبرنامج الموسّع، دخلت سلمى مكتبه بوجه جاد غير معتاد. قالت وهي تضع هاتفها على الطاولة: "سامر، هناك شيء عليك أن تراه."كان الأمر تعليقًا نشره أحد الحسابات المجهولة على منشور الصحيفة القديم الذي كتبته عنه، يفتح فيه "قصة سامر الحقيقية" بتفاصيل مشوّهة عن ماضيه في المقامرة، محاولاً تصويره كمحتال يستغل قصة تعافيه لجمع التبرعات والتمويل لمصلحته الشخصية. لم يكن التعليق يحمل أي دليل حقيقي، لكنه بدأ ينتشر بسرعة بين بعض المتابعين المتشككين.شعر سامر بموجة من القلق القديم تعود إليه، ذلك الخوف من أن يُنظر إليه دائمًا من خلال أخطائه الماضية بغض النظر عن كل ما بناه بعدها. سأل بصوت متوتر: "من يقف خلف هذا؟"بحثت سلمى بسرعة، وتمكنت بعد يومين من تتبع الحساب، ليتفاجأ سامر أن مصدره غير متوقع تمامًا: "رامي"، ز

  • من الرماد الى النور    الفصل السابع: خيوط معقّدة

    مرّ أسبوع كامل منذ لقاء سامر بعمر في ذلك المقهى، أسبوع قضاه يتنقل بين اجتماعات مع الجمعية المتخصصة بإعادة تأهيل الشباب، ومحاولات حذرة للتواصل مع أخي عمر دون أن يشعر أحد بالتهديد. كان يعرف أن أي خطوة متسرعة قد تُغلق كل الأبواب المفتوحة حاليًا، فتعامل مع الملف بحذر شديد الشبه بحذر جراح يحاول استخراج شوكة عميقة دون أن يسبب نزيفًا أكبر.في أحد الأيام، طلبت منه سلمى أن يقابل "أستاذ ياسين"، مستشارًا اجتماعيًا يعمل مع الجمعية منذ سنوات، وله خبرة طويلة في التعامل مع حالات مشابهة لحالة أخ عمر. جلس الثلاثة في مكتب صغير متواضع، وشرح سامر الوضع بالتفصيل الذي يعرفه، محاولاً ألا يفشي أي معلومة قد تعرّض عمر أو أخاه لخطر إضافي.استمع ياسين بانتباه، ثم قال: "هذه ليست حالة نادرة، للأسف. غالبًا من يُدخلون في هذه الشبكات ليسوا أشرارًا بطبيعتهم، بل ضحايا ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية. المفتاح ليس مواجهة الأخ الأكبر مباشرة، بل تقديم بديل حقيقي وملموس له، لا مجرد نصيحة أو تحذير."سأله سامر: "بديل من أي نوع؟"أوضح ياسين: "فرصة عمل حقيقية، أو دعم مادي مؤقت يخفف الضغط الذي يدفعه للبقاء في هذا الطريق. المواجهة

  • من الرماد الى النور    الفصل السادس: حين يتعثر النور

    بعد أسبوعين من انطلاق برنامج "من الرماد إلى النور" بشكله الجديد، بدأ سامر يشعر بثقل غير متوقع: النجاح نفسه أصبح عبئًا. الطلبات على الانضمام إلى الورشة تضاعفت بعد أن نشرت إحدى الصحف المحلية تقريرًا صغيرًا عن قصته، وبدأ يتلقى رسائل من أهالي شباب يائسين، ومن مؤسسات تطلب التعاون، ومن أشخاص يطلبون منه استشارات فردية لم يكن مستعدًا لتقديمها بمفرده.جلس في مكتبه الصغير الجديد في المركز الثقافي، محاطًا بأكوام من الطلبات والرسائل، وشعر لأول مرة منذ أشهر بذلك القلق القديم يتسلل إليه من جديد، ليس قلق الإدمان هذه المرة، بل قلق آخر: "ماذا لو لم أكن كافيًا لكل هذا؟ ماذا لو خذلت شخصًا يعتمد عليّ الآن كما اعتمدت أنا على ليان وفراس؟"دخل فراس إلى المكتب في تلك اللحظة، ولاحظ التعب على وجه سامر فورًا. سأله: "ما الخطب؟ تبدو كمن يحمل جبلاً على كتفيه."أشار سامر إلى الأكوام أمامه، وقال بإحباط: "لم أكن أتوقع أن ينتشر الأمر بهذه السرعة. أشعر أنني بدأت شيئًا لا أعرف كيف أديره بشكل صحيح. ماذا لو فشلت في مساعدة كل هؤلاء الناس الذين بدأوا يعلّقون آمالهم علينا؟"جلس فراس أمامه، وقال بحزم هادئ يعرفه سامر جيدًا من

  • من الرماد الى النور    الفصل الخامس: بذور جديدة

    مرّ عام كامل منذ تلك الليلة التي وقف فيها سامر على حافة السطح، عام تغيّر خلاله كل شيء تقريبًا في حياته، لكنه لم يكن يشعر أبدًا أن الرحلة قد انتهت. كان يجلس في صباح أحد أيام الربيع على شرفة شقته الجديدة، الشقة الصغيرة التي استأجرها بعد أن استقر وضعه المالي أخيرًا، ينظر إلى دفتر رسمه القديم الذي أصبح الآن واحدًا من عدة دفاتر ممتلئة بلوحات مختلفة، بعضها بيع في معارض صغيرة، وبعضها الآخر لا يزال يحتفظ به لنفسه.كانت ورشة الرسم التي بدأها قد نمت بشكل لم يتوقعه؛ من عشرة مقاعد فارغة إلى مجموعة ثابتة من خمسة عشر شابًا وشابة، بعضهم انضم حديثًا، وبعضهم مثل عمر أصبح الآن مساعدًا له في تنظيم الجلسات. تطورت علاقة سامر بعمر لتصبح أشبه بعلاقة أخ أكبر بأخيه الصغير، خصوصًا بعد أن ساعده سامر في العودة إلى المدرسة عبر برنامج تعليم مسائي، وشهد بفخر كبير كيف بدأ عمر يستعيد ثقته بنفسه شيئًا فشيئًا.في ذلك الصباح بالذات، تلقى سامر مكالمة من مديرة المركز الثقافي، تخبره فيها أن الورشة حظيت باهتمام إحدى المؤسسات الخيرية الكبرى، التي عرضت تمويل توسيع البرنامج ليشمل عدة أحياء في المدينة، مع إمكانية أن يصبح سامر م

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status