Home / الرومانسية / من الرماد الى النور / الفصل السابع: خيوط معقّدة

Share

الفصل السابع: خيوط معقّدة

last update publish date: 2026-09-15 18:05:51

مرّ أسبوع كامل منذ لقاء سامر بعمر في ذلك المقهى، أسبوع قضاه يتنقل بين اجتماعات مع الجمعية المتخصصة بإعادة تأهيل الشباب، ومحاولات حذرة للتواصل مع أخي عمر دون أن يشعر أحد بالتهديد. كان يعرف أن أي خطوة متسرعة قد تُغلق كل الأبواب المفتوحة حاليًا، فتعامل مع الملف بحذر شديد الشبه بحذر جراح يحاول استخراج شوكة عميقة دون أن يسبب نزيفًا أكبر.

في أحد الأيام، طلبت منه سلمى أن يقابل "أستاذ ياسين"، مستشارًا اجتماعيًا يعمل مع الجمعية منذ سنوات، وله خبرة طويلة في التعامل مع حالات مشابهة لحالة أخ عمر. جلس الثلاثة في مكتب صغير متواضع، وشرح سامر الوضع بالتفصيل الذي يعرفه، محاولاً ألا يفشي أي معلومة قد تعرّض عمر أو أخاه لخطر إضافي.

استمع ياسين بانتباه، ثم قال: "هذه ليست حالة نادرة، للأسف. غالبًا من يُدخلون في هذه الشبكات ليسوا أشرارًا بطبيعتهم، بل ضحايا ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية. المفتاح ليس مواجهة الأخ الأكبر مباشرة، بل تقديم بديل حقيقي وملموس له، لا مجرد نصيحة أو تحذير."

سأله سامر: "بديل من أي نوع؟"

أوضح ياسين: "فرصة عمل حقيقية، أو دعم مادي مؤقت يخفف الضغط الذي يدفعه للبقاء في هذا الطريق. المواجهة الأخلاقية وحدها لا تكفي حين يكون الجوع والدَّين هما المحرك الأساسي."

فكّر سامر طويلاً في هذا الكلام، وتذكر بوضوح كيف كانت ديونه هو نفسه سببًا مباشرًا لانزلاقه أعمق في المقامرة، بحثًا عن "حل سريع" بدا له في وقته الوهم الوحيد المتاح. قرر أن يستخدم جزءًا من شبكة علاقاته الجديدة، فتحدث مع أبو ياسر، مديره القديم في المستودع، الذي وافق على فتح فرصة عمل بسيطة لأخ عمر، دون أن يعرف تفاصيل الخلفية الكاملة، فقط كخطوة إنسانية بسيطة بين معارف.

في الوقت نفسه، كانت حالة "نور"، الفتاة التي كتبت رسالتها عن اضطراب الطعام، تسير في مسار مختلف تمامًا. بدأت جلساتها مع الأخصائية النفسية المتطوعة، وبالتوازي، سمح لها سامر بالانضمام إلى الورشة كمساحة داعمة إضافية، لكنه كان حريصًا كل الحرص على عدم التطرق إلى أي تفاصيل متعلقة بجسدها أو غذائها أثناء الجلسات، مقتصرًا فقط على تشجيعها في مسار الرسم كتعبير حر لا يحمل أي حكم.

في إحدى الجلسات، وبينما كانت نور ترسم بصمت، اقتربت منها مجموعة من الفتيات الأخريات في الورشة، وبدأت واحدة منهنّ، دون قصد سيئ، تتحدث عن "حميات غذائية" بطريقة عابرة. لاحظ سامر تغيّرًا فوريًا في ملامح نور، توترًا خفيفًا وانسحابًا مفاجئًا من الحديث. تذكّر فورًا تعليمات الأخصائية بشأن الحساسية الشديدة لأي حديث حول الطعام أو الجسد في محيط نور، فتدخّل بلطف، موجّهًا الحديث نحو موضوع الرسم مباشرة: "من يريد أن يشاركنا الألوان التي اختارها لعمله اليوم؟"

نجحت المحاولة في تبديد التوتر، لكن سامر أدرك بعدها أهمية أن يجهز نفسه والورشة بشكل أفضل لمثل هذه المواقف الحساسة، فتواصل مع الأخصائية طالبًا توجيهات أوضح لكل من يتعامل مع الشباب في الورشة، ليصبح المكان بيئة أكثر أمانًا للجميع، دون أن يتحول أي متطوع أو مدرّب إلى معالج غير مؤهل.

في المساء، وبعد انتهاء يوم طويل، جلس سامر مع ليان في شرفة شقته، يروي لها تفاصيل الأسبوع المرهق. استمعت بصمت، ثم قالت: "أنت تكتشف الآن أن العطاء الحقيقي لا يشبه الصورة الرومانسية التي يتخيلها الناس، أليس كذلك؟ إنه معقّد، ومتعب، ومليء بحدود يجب أن تتعلمها كل يوم من جديد."

ابتسم سامر بتعب، وقال: "بالضبط. لكن رغم كل هذا التعقيد، لا أشعر يومًا بالندم على هذا الطريق. فقط أتعلم أن النور لا يعني غياب الظلام تمامًا، بل يعني أن تتعلم كيف تتحرك بحكمة وسط ظلاله المتبقية."

بعد أيام قليلة، وصلت أخبار جيدة: قبل أخو عمر عرض العمل في المستودع، وبدأ يظهر تراخيًا تدريجيًا في ارتباطه بالشبكة السابقة، رغم أن ياسين حذّر سامر من أن هذا النوع من التغيير يحتاج وقتًا طويلاً وصبرًا مستمرًا، وأن الانتكاسة تبقى احتمالًا حقيقيًا لا يمكن تجاهله.

عاد عمر إلى الورشة في الأسبوع التالي، بوجه أقل توترًا مما كان عليه في الأسابيع الأخيرة. اقترب من سامر بعد الجلسة، وقال بصوت خفيض: "أخي بدأ العمل. لا أعرف كيف أشكرك."

نظر سامر إليه بصدق، وقال: "لا تشكرني، بل استمر أنت في اختيار طريقك الخاص، خطوة بخطوة، كما فعلت أنا يومًا. هذه أفضل طريقة لتشكر أي شخص ساعدك."

"**كان الفصل السابع قد كشف لسامر بُعدًا جديدًا من رحلته: أن التأثير الحقيقي في حياة الآخرين لا يأتي من الخطب أو النصائح المباشرة فقط، بل من العمل الصامت والدؤوب لإزالة العقبات الحقيقية التي تدفع الناس نحو الظلام، وأن كل قصة نجاة، بما فيها قصته الخاصة، تحتاج إلى شبكة كاملة من الأيدي الممتدة، لا يد واحدة فقط، لتكتمل رحلتها من الرماد إلى النور.**"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • من الرماد الى النور    الفصل العاشر: مدينة جديدة

    في صباح باكر من أحد أيام الخريف، وقف سامر أمام مبنى صغير في مدينة "الزرقاء"، أول مدينة يُفتتح فيها فرع جديد من برنامج "من الرماد إلى النور". كان المبنى متواضعًا، غرفتين فقط في الطابق الأرضي لمركز شبابي محلي، لكنه بدا لسامر في تلك اللحظة أكبر من أي قصر، لأنه يمثل تجسيدًا حقيقيًا لفكرة كانت حتى وقت قريب مجرد حلم يخصه وحده.رافقه في هذه الزيارة فراس، ومدرّبة جديدة اسمها "هند"، معلمة رسم سابقة انضمت إلى البرنامج بعد أن قرأت قصته وشعرت أنها تريد أن تكون جزءًا من هذا النوع من العمل. كانت هند قد مرت بتجربة اكتئاب حاد بعد وفاة زوجها، ووجدت في الرسم طريقها الخاص للخروج منه، ما جعلها تفهم فلسفة البرنامج بعمق دون أن يشرحها لها أحد بالتفصيل.في اليوم الأول، استقبلت الغرفة الصغيرة اثني عشر شابًا وشابة من أحياء مختلفة في المدينة، بعضهم أتى بدافع الفضول فقط، وبعضهم وصلته دعوة من مدرسته بعد أن رصد المرشد الاجتماعي فيها حالات تحتاج دعمًا. جلس سامر في الخلف هذه المرة، تاركًا لهند قيادة الجلسة الأولى، حريصًا على أن يترك مساحة حقيقية للمدربين الجدد لبناء أسلوبهم الخاص، لا أن يفرض عليهم نسخة طبق الأصل من

  • من الرماد الى النور    الفصل التاسع: على طاولة القرار

    في صباح يوم الاجتماع مع مسؤول وزارة التنمية الاجتماعية، ارتدى سامر بدلة رسمية اقترضها من فراس، شعر فيها بغرابة خفيفة، وكأنه يرتدي هوية لم يتعود عليها بعد: هوية "المسؤول عن مؤسسة"، لا "الناجي الذي يرسم". جلس في سيارة سلمى التي عرضت أن تنقله إلى الوزارة، وقالت له بابتسامة مشجعة: "تذكّر، أنت لا تطلب منّة، أنت تعرض شراكة حقيقية بنتائج ملموسة. تحدث من هذا المكان."في مكتب فسيح بالوزارة، استقبلهم "الدكتور نبيل"، مسؤول كبير في قسم برامج الشباب، رجل في الخمسينيات يحمل ملفًا كاملاً عن البرنامج أمامه، مما فاجأ سامر بمدى التفاصيل التي جمعوها عنه."قرأت مقالك،" قال الدكتور نبيل مباشرة دون مقدمات طويلة، "الصادق، لا المقال الأول. أقدّر هذا النوع من الشجاعة، خصوصًا أننا في هذا المجال نتعامل كثيرًا مع واجهات مصقولة تخفي فراغًا حقيقيًا خلفها."شرح سامر بإيجاز فكرة البرنامج، نتائجه حتى الآن، وقصص التحول التي شهدها في عمر وغيره من المشاركين، دون أن يذكر أسماء أو تفاصيل حساسة. استمع الدكتور نبيل بانتباه، ثم قال: "نريد أن ندعم توسيع هذا البرنامج ليشمل ثلاث مدن أخرى، بتمويل حكومي، على أن يكون هناك إطار رسم

  • من الرماد الى النور    الفصل الثامن: ظلال من الماضي

    مرّ شهر على استقرار وضع عمر وأخيه، وبدأ سامر يشعر أن الأمور تسير بانتظام نادر منذ فترة طويلة: الورشة تنمو بثبات، علاقته بليان تزداد عمقًا، ووالدته تحافظ على صحة مستقرة. لكن الحياة، كما تعلّم مرارًا، لا تمنح فترات الهدوء دون أن تُعقبها اختبارات جديدة.في صباح أحد الأيام، وبينما كان يراجع طلبات التمويل للبرنامج الموسّع، دخلت سلمى مكتبه بوجه جاد غير معتاد. قالت وهي تضع هاتفها على الطاولة: "سامر، هناك شيء عليك أن تراه."كان الأمر تعليقًا نشره أحد الحسابات المجهولة على منشور الصحيفة القديم الذي كتبته عنه، يفتح فيه "قصة سامر الحقيقية" بتفاصيل مشوّهة عن ماضيه في المقامرة، محاولاً تصويره كمحتال يستغل قصة تعافيه لجمع التبرعات والتمويل لمصلحته الشخصية. لم يكن التعليق يحمل أي دليل حقيقي، لكنه بدأ ينتشر بسرعة بين بعض المتابعين المتشككين.شعر سامر بموجة من القلق القديم تعود إليه، ذلك الخوف من أن يُنظر إليه دائمًا من خلال أخطائه الماضية بغض النظر عن كل ما بناه بعدها. سأل بصوت متوتر: "من يقف خلف هذا؟"بحثت سلمى بسرعة، وتمكنت بعد يومين من تتبع الحساب، ليتفاجأ سامر أن مصدره غير متوقع تمامًا: "رامي"، ز

  • من الرماد الى النور    الفصل السابع: خيوط معقّدة

    مرّ أسبوع كامل منذ لقاء سامر بعمر في ذلك المقهى، أسبوع قضاه يتنقل بين اجتماعات مع الجمعية المتخصصة بإعادة تأهيل الشباب، ومحاولات حذرة للتواصل مع أخي عمر دون أن يشعر أحد بالتهديد. كان يعرف أن أي خطوة متسرعة قد تُغلق كل الأبواب المفتوحة حاليًا، فتعامل مع الملف بحذر شديد الشبه بحذر جراح يحاول استخراج شوكة عميقة دون أن يسبب نزيفًا أكبر.في أحد الأيام، طلبت منه سلمى أن يقابل "أستاذ ياسين"، مستشارًا اجتماعيًا يعمل مع الجمعية منذ سنوات، وله خبرة طويلة في التعامل مع حالات مشابهة لحالة أخ عمر. جلس الثلاثة في مكتب صغير متواضع، وشرح سامر الوضع بالتفصيل الذي يعرفه، محاولاً ألا يفشي أي معلومة قد تعرّض عمر أو أخاه لخطر إضافي.استمع ياسين بانتباه، ثم قال: "هذه ليست حالة نادرة، للأسف. غالبًا من يُدخلون في هذه الشبكات ليسوا أشرارًا بطبيعتهم، بل ضحايا ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية. المفتاح ليس مواجهة الأخ الأكبر مباشرة، بل تقديم بديل حقيقي وملموس له، لا مجرد نصيحة أو تحذير."سأله سامر: "بديل من أي نوع؟"أوضح ياسين: "فرصة عمل حقيقية، أو دعم مادي مؤقت يخفف الضغط الذي يدفعه للبقاء في هذا الطريق. المواجهة

  • من الرماد الى النور    الفصل السادس: حين يتعثر النور

    بعد أسبوعين من انطلاق برنامج "من الرماد إلى النور" بشكله الجديد، بدأ سامر يشعر بثقل غير متوقع: النجاح نفسه أصبح عبئًا. الطلبات على الانضمام إلى الورشة تضاعفت بعد أن نشرت إحدى الصحف المحلية تقريرًا صغيرًا عن قصته، وبدأ يتلقى رسائل من أهالي شباب يائسين، ومن مؤسسات تطلب التعاون، ومن أشخاص يطلبون منه استشارات فردية لم يكن مستعدًا لتقديمها بمفرده.جلس في مكتبه الصغير الجديد في المركز الثقافي، محاطًا بأكوام من الطلبات والرسائل، وشعر لأول مرة منذ أشهر بذلك القلق القديم يتسلل إليه من جديد، ليس قلق الإدمان هذه المرة، بل قلق آخر: "ماذا لو لم أكن كافيًا لكل هذا؟ ماذا لو خذلت شخصًا يعتمد عليّ الآن كما اعتمدت أنا على ليان وفراس؟"دخل فراس إلى المكتب في تلك اللحظة، ولاحظ التعب على وجه سامر فورًا. سأله: "ما الخطب؟ تبدو كمن يحمل جبلاً على كتفيه."أشار سامر إلى الأكوام أمامه، وقال بإحباط: "لم أكن أتوقع أن ينتشر الأمر بهذه السرعة. أشعر أنني بدأت شيئًا لا أعرف كيف أديره بشكل صحيح. ماذا لو فشلت في مساعدة كل هؤلاء الناس الذين بدأوا يعلّقون آمالهم علينا؟"جلس فراس أمامه، وقال بحزم هادئ يعرفه سامر جيدًا من

  • من الرماد الى النور    الفصل الخامس: بذور جديدة

    مرّ عام كامل منذ تلك الليلة التي وقف فيها سامر على حافة السطح، عام تغيّر خلاله كل شيء تقريبًا في حياته، لكنه لم يكن يشعر أبدًا أن الرحلة قد انتهت. كان يجلس في صباح أحد أيام الربيع على شرفة شقته الجديدة، الشقة الصغيرة التي استأجرها بعد أن استقر وضعه المالي أخيرًا، ينظر إلى دفتر رسمه القديم الذي أصبح الآن واحدًا من عدة دفاتر ممتلئة بلوحات مختلفة، بعضها بيع في معارض صغيرة، وبعضها الآخر لا يزال يحتفظ به لنفسه.كانت ورشة الرسم التي بدأها قد نمت بشكل لم يتوقعه؛ من عشرة مقاعد فارغة إلى مجموعة ثابتة من خمسة عشر شابًا وشابة، بعضهم انضم حديثًا، وبعضهم مثل عمر أصبح الآن مساعدًا له في تنظيم الجلسات. تطورت علاقة سامر بعمر لتصبح أشبه بعلاقة أخ أكبر بأخيه الصغير، خصوصًا بعد أن ساعده سامر في العودة إلى المدرسة عبر برنامج تعليم مسائي، وشهد بفخر كبير كيف بدأ عمر يستعيد ثقته بنفسه شيئًا فشيئًا.في ذلك الصباح بالذات، تلقى سامر مكالمة من مديرة المركز الثقافي، تخبره فيها أن الورشة حظيت باهتمام إحدى المؤسسات الخيرية الكبرى، التي عرضت تمويل توسيع البرنامج ليشمل عدة أحياء في المدينة، مع إمكانية أن يصبح سامر م

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status