Home / الرومانسية / ميراث الشك / الفصل الأول الرحيل

Share

ميراث الشك
ميراث الشك
Author: فاطيما

الفصل الأول الرحيل

Author: فاطيما
last update publish date: 2026-07-30 22:29:47

لم يكن الموت يومًا خبرًا يمكن الاستعداد له، حتى وإن أخبرتك الأيام أنه يقترب.

كانت ليان المنصور تقف أمام النافذة الزجاجية في الطابق الأخير من مستشفى "الصفوة"، تحدق في السماء التي غطتها غيوم شتوية ثقيلة. بدت المدينة من أسفلها مزدحمة كعادتها، كأن شيئًا لم يتغير، بينما كانت حياتها كلها تتوقف خلف ذلك الباب الأبيض.

قبل ساعات، دخل والدها غرفة العمليات.

ابتسم لها قبل أن يختفي خلف الباب، وقال بصوته الواثق الذي اعتادت أن تستمد منه قوتها:

"لا تقلقي... لدينا اجتماع مع مجلس الإدارة الأسبوع القادم، ولا أسمح لك أن تفسدي جدول أعمالي."

ابتسمت يومها رغم خوفها.

أما الآن...

فكانت تتمنى لو تسمع تلك المزحة مرة أخرى.

مرت الدقائق بطيئة.

ثم تحولت إلى ساعات.

خرج الطبيب أخيرًا.

كانت خطواته وحدها كافية لتخبرها بما لم يستطع لسانه قوله.

تقدم نحوها، وخلع قفازيه الطبيين، ثم قال بصوت خفيض:

"أعتذر... لقد بذلنا كل ما في وسعنا."

شعرت ليان وكأن الكلمات فقدت معناها.

حدقت في الطبيب دون أن تنطق.

اقتربت منها والدتها، هالة، التي كانت تجلس في الممر منذ ساعات، وما إن فهمت ما حدث حتى أطلقت شهقة مكتومة، ثم انهارت على المقعد وهي تردد بصوت مرتجف:

"إنا لله وإنا إليه راجعون..."

أما مالك، شقيق ليان الأصغر، فظل واقفًا مكانه، يحدق في باب غرفة العمليات بعينين زائغتين.

لم يبكِ.

لم يغضب.

بدا وكأنه لم يستوعب أن الرجل الذي كان يملأ البيت حضورًا قد رحل إلى غير رجعة.

في صباح اليوم التالي...

ازدحمت المقبرة بالمشيعين.

حضر رجال أعمال نافسون عزيز المنصور سنوات طويلة، ثم صافحوه بعد كل منافسة.

وحضر موظفون بدأوا حياتهم المهنية تحت إدارته، وآخرون لم يعرفوا مديرًا غيره.

كان الجميع يردد الجملة نفسها:

"رحل رجل من طراز نادر."

وقفت ليان إلى جوار القبر، ترتدي ثوبًا أسود بسيطًا، وقد أخفت نظارتها السوداء عينيها اللتين أنهكهما السهر والبكاء.

لم تكن تسمع كلمات العزاء.

كانت تراقب العمال وهم يهيلون التراب على النعش.

كل حفنة تراب كانت تغلق بابًا من ذكرياتها مع والدها.

تذكرت يدَه وهي تمسك يدها الصغيرة في أول يوم اصطحبها فيه إلى الشركة.

تذكرت ابتسامته حين نجحت في أول صفقة أبرمتها بنفسها.

وتذكرت وصيته الدائمة:

"الاسم الطيب يُبنى في سنوات... وقد يضيع في لحظة واحدة."

أغمضت عينيها بقوة.

ورغم كل محاولاتها، خانتها دمعة انسابت على خدها.

مدت هالة يدها وربتت على كتفها في صمت.

لم تكن هناك كلمات يمكن أن تخفف ذلك الألم.

انتهت مراسم الدفن.

بدأ الحاضرون يغادرون تباعًا.

وفجأة...

توقفت سيارة سوداء عند بوابة المقبرة.

ساد صمت غريب.

ثم بدأت الهمسات تتصاعد بين الواقفين.

"أهذا... مروان الراوي؟"

"ما الذي جاء به؟"

"ألم تنقطع العلاقة بين العائلتين منذ سنوات؟"

رفعت ليان رأسها.

رأت رجلًا وقورًا، تجاوز الخامسة والخمسين، يترجل من السيارة ببطء.

كان مروان الراوي.

الاسم الذي طالما سمعته مقرونًا بالمنافسة والعداء.

تقدم وحده حتى بلغ القبر.

وقف أمامه طويلًا، دون أن يلتفت إلى نظرات الحاضرين.

ثم رفع يديه بالدعاء.

لم يكن في ملامحه شيء من الشماتة.

بل كان الحزن واضحًا بصورة أربكت ليان.

لم تفهم...

كيف يحزن رجل على خصمه بهذه الطريقة؟

وفي تلك اللحظة، اقترب منه رجل آخر.

كان في أوائل الستينيات، يرتدي بدلة رمادية أنيقة، وتعلو وجهه ملامح الوقار.

ابتسم ابتسامة هادئة وهو يصافح مروان.

كان سليم.

المستشار المالي الذي عمل مع عائلة المنصور سنوات طويلة، كما عمل مع عائلة الراوي، حتى أصبح موضع ثقة الجميع.

قال بصوت منخفض:

"رحمه الله... لقد كان رجلًا استثنائيًا."

أومأ مروان برأسه في صمت.

ثم استدار مغادرًا.

وقبل أن يركب السيارة، التقت عيناه بعيني ليان للحظة قصيرة.

كانت نظرة عابرة...

لكنها تركت في قلبها شعورًا غريبًا، لم تستطع تفسيره.

مع غروب الشمس...

عاد أفراد عائلة المنصور إلى القصر.

كان القصر، الذي اعتاد أن يضج بالحياة، ساكنًا بصورة مؤلمة.

كل شيء فيه يذكر بعزيز.

المكتب...

الكتب...

فنجان القهوة الذي لم يُرفع من فوق مكتبه...

حتى رائحة المكان كانت لا تزال تحمل حضوره.

صعدت ليان إلى الطابق العلوي، واتجهت نحو مكتبه.

فتحت الباب ببطء.

دخلت، ثم أغلقت الباب خلفها.

جلست على كرسيه لأول مرة.

مررت أصابعها فوق سطح المكتب الخشبي، ثم التقطت ساعته التي تركها قبل ذهابه إلى المستشفى.

ضمتها إلى صدرها، وأغمضت عينيها.

وفي تلك اللحظة...

سمعت طرقًا هادئًا على الباب.

رفعت رأسها سريعًا.

"تفضل."

دخل محامي العائلة.

انحنى احترامًا، ثم قال:

"آنسة ليان... أعتذر عن إزعاجك."

أشارت إليه بالجلوس، لكنه بقي واقفًا.

ثم قال بهدوء:

"لقد أوصى الأستاذ عزيز أن تُقرأ وصيته صباح الغد، بحضور جميع من وردت أسماؤهم فيها."

عقدت ليان حاجبيها.

"غدًا؟"

أومأ برأسه.

"كانت تلك رغبته الأخيرة."

وقبل أن يغادر، توقف لحظة، ثم أضاف:

"وأوصاني أن أبلغك بأمرٍ واحد..."

نظرت إليه في ترقب.

فقال:

"قال لي: أخبر ليان ألا تحكم على أحد قبل أن تسمعه بنفسها."

ساد الصمت.

ولأول مرة منذ وفاة والدها...

شعرت ليان أن والدها لم يترك وراءه مجرد وصية...

بل ترك سرًا ينتظر من يكشفه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ميراث الشك   الفصل الثالث والخمسون ما بين القلب والماضي

    في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان وهي تشعر بخفة لم تعرفها منذ وقت طويل. لم تكن المشاكل قد انتهت. ولم تختفِ الملفات المعقدة من حياتها. ولم يتغير شيء كبير في الواقع. ومع ذلك، كان هناك شيء مختلف. للمرة الأولى، لم تحاول أن تقنع نفسها بأن ما تشعر به تجاه عمر مجرد امتنان. كانت تعرف الآن أن الأمر تجاوز ذلك. ربما لم تصل إلى مرحلة تستطيع فيها أن تقول له: أنا أحبك. لكنها لم تعد تخاف من الاعتراف لنفسها بأنها أصبحت تحبه. كان هذا الاعتراف وحده كافيًا ليجعل قلبها مضطربًا طوال الصباح. وصلت إلى الشركة قبل الموعد بقليل. كانت تحمل ملفات المشروع، وعندما دخلت مكتبها وجدت عمر هناك. رفع عينيه إليها. وتوقفت نظراته عندها للحظات. قال: "صباح الخير." ابتسمت. "صباح النور." "أنتِ مبكرة اليوم." "وأنت أيضًا." "لم أستطع النوم." سألته دون تفكير: "لماذا؟" ابتسم. "هل ستقلقين عليّ الآن؟" ارتبكت. "كنت أسأل فقط." اقترب منها قليلًا. "وأنا كنت أمزح." جلست إلى مكتبها. لكنها كانت تبتسم. لاحظ عمر ذلك. وقال: "أنتِ سعيدة اليوم." "هل هذا ممنوع؟" "بالعكس." ثم أضاف بهدوء: "أحب أن أراكِ هكذا."

  • ميراث الشك   الفصل الثاني والخمسون حين يبدأ القلب في الاختيار

    لم تنم ليان جيدًا تلك الليلة. لم يكن هناك شيء محدد يمنعها من النوم، ومع ذلك ظلت مستيقظة وقتًا طويلًا، تتذكر حديث عمر معها. لم يقل لها إنه يحبها. ولم يطلب منها أن تكون معه. بل كان واضحًا عندما قال إنه لا يريد منها جوابًا. ومع ذلك، كانت كلماته قد أحدثت شيئًا بداخلها. شيئًا لم تستطع تجاهله. كانت تقلب هاتفها بين يديها، ثم تضعه جانبًا، ثم تعود إليه من جديد. فتحت محادثتها مع عمر. لم تكن هناك رسالة جديدة. ابتسمت بسخرية من نفسها. "وماذا كنتِ تتوقعين؟" أغلقت الهاتف. ثم تنهدت. كان أكثر ما يخيفها أنها لم تعد تستطيع التعامل مع مشاعرها باعتبارها مجرد امتنان له. الامتنان شيء... أما أن يصبح وجود شخص آخر قادرًا على تغيير مزاجك طوال اليوم، فذلك شيء مختلف تمامًا. في الصباح، دخلت والدتها غرفتها. وجدتها جالسة أمام المرآة. قالت: "أنتِ لم تنامي." التفتت ليان بسرعة. "نمت." ابتسمت أمها. "لا تحاولي." ثم اقتربت منها. "هل هناك شيء يشغلك؟" "لا." "ليان." صمتت. كانت والدتها تعرفها جيدًا. قالت: "هل الأمر متعلق بالعمل؟" ترددت ليان. "ربما." "أم بشخص في العمل؟" رفعت ليان عينيها إلي

  • ميراث الشك   الفصل الحادي والخمسون شيء يشبه الاعتراف

    في اليوم التالي، حاولت ليان أن تتعامل مع عمر بصورة طبيعية. لكن الأمر لم يكن سهلًا كما توقعت. كلما نظرت إليه، تذكرت كلمته: "لأنك تهمينني." كانت جملة قصيرة، لكنه لم يكن من السهل عليها أن تتجاوزها. أما عمر، فكان يتصرف وكأنه لم يقل شيئًا. وهذا زاد ارتباكها. دخلت ليان المكتب في الصباح، فوجدت عمر يقف أمام النافذة. قال دون أن يلتفت: "صباح الخير." "صباح النور." التفت إليها. "هل نمتِ جيدًا؟" "نعم." "جيد." جلست إلى مكتبها. وبدأت في فتح الملفات. بعد دقائق، قال: "ليان." "نعم؟" "بخصوص ما قلته أمس..." توقفت يدها. رفع عينيه إليها. "لا أريد أن تفهميه بطريقة خاطئة." شعرت بشيء من الخيبة، لكنها أخفت ذلك. "لم أفهم شيئًا أصلًا." اقترب قليلًا. "أنتِ تعرفين أنني أقصد أنك مهمة بالنسبة إليّ." "كشريكة في العمل؟" تردد. ثم قال: "في البداية كان الأمر كذلك." صمتت. شعرت بقلبها يخفق بصورة أسرع. لكنه لم يكمل. رن هاتفه في تلك اللحظة. نظر إلى الشاشة. كانت سارة. ابتعد قليلًا وأجاب. "مرحبًا." جلست ليان مكانها، تحاول التركيز في أوراقها. سمعت عمر يقول: "نعم، أخبريني." ثم صمت يستم

  • ميراث الشك   الفصل الخمسون سؤال بلا إجابة

    ظلت ليان تنظر إلى رسالة عمر لثوانٍ طويلة. "هل أنتِ غاضبة مني؟" كانت أصابعها فوق الشاشة، لكنها لم تكتب شيئًا. لم تكن غاضبة منه بالمعنى الحقيقي. لكنها لم تكن مستعدة أيضًا لأن تقول له إنها شعرت بالضيق عندما رأته مع سارة. لأنها هي نفسها لم تفهم سبب ذلك الضيق. وضعت الهاتف جانبًا. ثم عادت إليه بعد دقائق. فتحت المحادثة وكتبت: "لا." ثم ترددت. وأضافت: "لماذا سأكون غاضبة؟" وأرسلتها. جاء الرد سريعًا: "لأنك غادرتِ دون أن تخبريني." حدقت في الشاشة. لم تكن تتوقع هذه الإجابة. كتبت: "كنت أريد العودة إلى المنزل." جاء الرد: "حسنًا." ثم بعد لحظات: "هل وصلتِ؟" ابتسمت دون قصد. "نعم." لم يكتب شيئًا بعدها. وضعت الهاتف جانبًا. لكنها اكتشفت أنها كانت تنتظر رسالة أخرى. في اليوم التالي، حاول عمر أن يتصرف بصورة طبيعية. وصل إلى الشركة في الموعد المعتاد، ودخل مكتبه دون أن يتوقف عند مكتب ليان. بعد دقائق، دخلت هي. قالت: "صباح الخير." رفع عينيه إليها. "صباح النور." ساد صمت قصير. ثم قالت: "بخصوص الملف..." قاطعها: "راجعت الأرقام صباحًا." اقتربت. "وماذا وجدت؟" "هناك اختلافات فع

  • ميراث الشك   الفصل التاسع والأربعون أول اختبار

    كان صباحًا مختلفًا قليلًا. منذ بداية اليوم، شعرت ليان بأن هناك شيئًا غير معتاد في الشركة. الموظفون يتحركون بسرعة، والاتصالات لا تتوقف، وعمر كان منشغلًا منذ وصوله بمراجعة مجموعة من الأوراق. دخلت ليان مكتبه. "هل هناك مشكلة؟" رفع عينيه إليها. "ليس بالضبط." "إذن ماذا حدث؟" أشار إلى الملف أمامه. "وصلتنا ملاحظات جديدة على المشروع." اقتربت منه. "ملاحظات من المستثمرين؟" "نعم." أخذت الملف وبدأت في القراءة. وبعد دقائق، قالت: "هذه الملاحظات ليست منطقية." "هذا ما أعتقده." "هناك أرقام تم تغييرها." أومأ. "لاحظت ذلك." رفعت عينيها إليه. "هل تعتقد أن الخطأ منهم؟" "لا أعرف." ثم أضاف: "لكنني لا أريد أن أتهم أحدًا قبل أن أتأكد." وافقت. "إذن نراجع كل شيء." ابتسم. "كنت أعلم أنك ستقولين ذلك." استمرا في العمل لساعات. لم يكن أي منهما يتحدث إلا فيما يتعلق بالمشروع. لكن التوتر كان واضحًا. وفي منتصف النهار، دخل آدم. قال: "ماذا يحدث؟" أجابه عمر: "هناك بعض التعديلات غير المفهومة." جلس آدم وبدأ يراجع الأوراق. وبعد فترة، قال: "علينا أن نتأكد من مصدرها." قالت ليان: "هذا ما نف

  • ميراث الشك   الفصل الثامن والأربعون حين يصبح القرب عادة

    مرت عدة أيام أخرى، واستقرت حياة الجميع على وتيرة أكثر هدوءًا. عاد آدم إلى العمل بصورة جزئية، لكنه التزم بتعليمات الطبيب ولم يسمح لنفسه بالإجهاد. أما ليان، فعادت إلى انشغالها بالمشروع، بينما أصبح عمر أكثر حضورًا في تفاصيل يومها دون أن ينتبه أي منهما إلى متى بدأ ذلك يحدث. لم يكن هناك اتفاق بينهما. ولا وعد. ولا حتى اعتراف واضح. فقط... عادة جديدة. كان عمر يسألها كل صباح إن كانت قد تناولت إفطارها. وكانت ليان تذكره بضرورة الراحة إذا لاحظت الإرهاق على وجهه. وفي نهاية يوم العمل، أصبح من المعتاد أن يتأكدا من أن الآخر سيصل إلى منزله بخير. أشياء صغيرة جدًا. لكنها بدأت تترك أثرًا أكبر مما ينبغي. في ذلك الصباح، دخل عمر إلى المكتب متأخرًا قليلًا. رفعت ليان عينيها عن الأوراق. "تأخرت." نظر إليها مبتسمًا. "هل كنتِ تنتظرينني؟" ارتبكت قليلًا. "كنت أنتظر الاجتماع." "الاجتماع بعد نصف ساعة." "إذن كنت أنتظر الاجتماع مبكرًا." ضحك. "حسنًا." جلس أمامها. وضعت أمامه كوبًا من القهوة. نظر إليه باستغراب. "ما هذا؟" "قهوة." "أعرف أنها قهوة." "إذن لماذا تسأل؟" "لماذا أحضرتِها لي؟" قالت ب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status