로그인فَلَمَّا تَنَفَّسَ الصُّبْحُ زَفِيرَهُ الأَوَّلَ مِن رِئَةِ الظَّلَامِ الْمُثْقَلَةِ بِأَثْقَالِ الْغَيْبِ، وَاهْتَزَّتْ أَنْفَاسُ الْفَجْرِ بَيْنَ شَهِيقِ الرَّجَاءِ وَاحْتِضَارِ الْفَقْدِ، سَلِسَتْ «إيلارَا» مِن جُحُورِ النَّوْمِ الْعَمِيقِ كَمَا يَنْزَلِقُ الْحُلْمُ مِن بَيْنِ جُفُونِ الْأَرَامِلِ، كَأَنَّهَا حَوْرَاءُ نُسِجَتْ مِن عَتْمَةِ الْبَرْزَخِ، ذَاكَ الْبَرْزَخِ الَّذِي لَا يُفَارِقُهُ إِلَّا مَيِّتٌ، أَوْ نَذِيرٌ مُتَوَشِّحٌ بِسَوَادِ الْانْتِظَارِ.
تَقَلَّبَ جَسَدُهَا عَلَى الْفِرَاشِ كَمَا يَتَلَوَّى السَّهْمُ فِي صَدْرِ الْأَلَمِ، كَأَنَّ الْمَهْدَ فَرَاشَةٌ مِنْ أَشْوَاكِ الذِّكْرَيَاتِ الَّتِي لَا تَفْنَى، وَمَا كَانَ الْحَرِيرُ تَحْتَهَا إِلَّا كَفَنًا شَفَّافًا يَحْتَضِنُ أَرْوَاحًا غَابَتْ فِي عُنُقِ الزَّمَانِ. فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا كَأَنَّمَا تُفْتَحُ كُوَّةٌ فِي جِدَارِ غُرْبَةٍ مَنْسِيَّةٍ؛ فَمَا رَأَتْ إِلَّا سَقْفًا مُتَصَدِّعًا يَئِنُّ تَحْتَ وَطْأَةِ الصُّوَرِ الْمُمَزَّقَةِ، كَأَمْعَاءٍ تَنْفَجِرُ فِي جَوْفِ لَيْلٍ يَهْمِسُ بِوَجَعٍ لَا يُسْمَعُ. انْشَقَّ نُورُ الْفَجْرِ كَخَيْطٍ فِضِّيٍّ، أَزَاحَ سَتَائِرَ الصَّمْتِ الْمُمْتَلِئَةِ بِالْوَهْمِ، وَانْسَابَ الضَّوْءُ عَلَى زُجَاجٍ بَكَى مِنْ وُجْعِ الْبَقَاءِ، ثُمَّ رَقَدَ عَلَى جَسَدٍ سَاكِنٍ تَحْتَ غِطَاءٍ أَبْيَضَ كَأَكْفَانِ الْمُنْعَزِلِينَ. رَنَّتْ فِي الأَرْجَاءِ آنَاتٌ مَكْتُومَةٌ، لَيْسَتْ مِنْ فَمٍ وَلَا مِنْ شَفَتَيْنِ، بَلْ مِنْ ذَاكِرَةٍ تَنْفُضُ عَنْهَا غُبَارَ الْأَمْسِ كَمَنْ يَتَخَلَّصُ مِنْ عِبْءِ الدِّفْءِ، ذَاكِرَةٌ تَتَعَثَّرُ فِي خُطُوَاتِ مَاضٍ نَزَفَ وَمَا انْتَهَى، وَلَا تَجِدُ لَهَا مَرْفَأً فِي غَدٍ مُظْلِمٍ كَحُكْمِ الْقَدَرِ. تَأَمَّلَتِ السَّقْفَ، وَكَانَتْ عَيْنَاهَا بُنْدُقِيَّتَيْنِ لَا تَعْتَرِفَانِ بِالْفُصُولِ، لَا شَرْقِيَّتَيْنِ تَمَامًا وَلَا غَرْبِيَّتَيْنِ، بَلْ مَزِيجًا مِنَ الْبُنِّيِّ الْمُعَتَّقِ وَالزَّيْتُونِيِّ الْمُتَمَرِّدِ، كَأَنَّهُمَا طِينٌ خُلِقَ قَبْلَ الْخَلِيقَةِ، وَظَلَّ حَائِرًا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِرْآةً أَوْ مَقْبَرَةً، غَارِقَتَيْنِ فِي صَمْتٍ يُعَانِقُ لَهِيبَ السِّرِّ الَّذِي لَا يُقَالُ، رَمَتْ جَسَدَهَا عَلَى الْوِسَادَةِ، تَسْتَجْدِي الْأَرْضَ أَنْ تَكُونَ قَبْرًا يَحْتَضِنُهَا فِي رِحَابِ السَّكِينَةِ. أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا، وَهَمَسَتْ لِلَّيْلِ بِاعْتِذَارٍ خَفِيٍّ عَنْ أَنْ يَظَلَّ شَاهِدًا عَلَى حَيَائِهَا الْمُمَزَّقِ. لَقَدْ هُدِمَتْ أُسْرَتُهَا، وَمَرَّتْ سَبْعُ لَيَالٍ سُودٌ كَخَيَالِ الْمَوْتِ، لَا تَدْرِي بِأَيِّ سِحْرٍ بَقَاءٌ، وَلَا بِأَيِّ لَعَنَاتٍ اسْتُبْقِيَتْ بَيْنَ حُطَامِ الزَّمَانِ. اِنْجَرَفَتْ ذَاكِرَتُهَا إِلَى لَقْطَاتٍ مُعْتِمَةٍ مِنْ لَيْلِ الْبَارِحَةِ، كَلِمَاتُ «مَارْك» مَا زَالَتْ تُقْرَعُ أَبْوَابَ الأُذُنِ، تَهْمِسُ فِي أَرُوقَةِ الْعَقْلِ كَمَا يَنْقُرُ الْمَطَرُ عَلَى نَافِذَةٍ حَجَرِيَّةٍ: «تَعَلَّمِي الصَّمْتَ؛ فَفِي الصَّمْتِ سُلْطَانٌ أَقْوَى مِنْ صُرَاخِ أَلْفِ مَلِكٍ لَا يَسْمَعُهُمُ الْكَوْنُ.» أَهِيَ حِكْمَةٌ دَفِينَةٌ؟ أَمْ وَصِيَّةٌ مُعَلَّقَةٌ عَلَى شَفِيرِ مِشْنَقَةٍ تَنْتَظِرُ أَنْ تَهْوِيَ؟ تَنَفَّسَتْ بِخُفُوتٍ، كَأَنَّهَا تَخْشَى أَنْ يَشِيَ زَفِيرُهَا بِأَسْرَارِ جُدْرَانٍ كَانَتْ تَحْسَبُهَا صَمَّاءَ. ثُمَّ... طَرَقَاتٌ خَفِيفَةٌ عَلَى الْبَابِ الْخَشَبِيِّ الْمُقَابِلِ لِسَرِيرِهَا الْمُذَهَّبِ، أَعَادَتْهَا إِلَى جَوْفِ الْوَعْيِ. «اُدْخُلْ»... كَلِمَةٌ هَمَسَتْ بِهَا بِصَوْتٍ سَمِيعٍ، كَأَمْرٍ نَاعِمٍ لِمَنْ يَكْمُنُ خَلْفَ الْبَابِ أَنْ يَتَقَدَّمَ، لِيُشْبِعَ مَرْأَى عَيْنَيْهَا. دَخَلَ خَادِمٌ يَكْسُوهُ خُضُوعٌ مَائِيٌّ، كَأَنَّهُ خَيَالٌ تَجَسَّدَ فِي جِلْدِ إِنْسَانٍ، وَانْحَنَى بِحَذَرٍ: «السَّيِّدُ يَنْتَظِرُ سَيِّدَتَنَا لِتَنَاوُلِ الْفُطُورِ.» --- كَانَتْ كَلِمَاتُهُ نَسْمَةَ سَحَرٍ تَهْفُو، غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي أُذُنِهَا كَصَلْصَلَةِ قَيْدٍ يُنْشِدُ مَرَاثِيَ الْعَبُودِيَّةِ، فَضَحِكَتْ، ضَحْكَةَ مَنْ يَسْتَخِفُّ بِوَطْءِ الدَّهْرِ، وَيَسْخَرُ مِنْ سُيُوفِ الْأَقْدَارِ. «سَيِّدَتِي؟» قَامَتْ، كَمَا تَنْتَفِضُ كَسَرَابٍ فِي زُجَاجٍ مُحَطَّمٍ، خُطَاهَا عَلَى سَنَانِ وَهْنٍ يَتَكَسَّرُ، وَفِي رَأْسِهَا نَارُ كِبْرِيَاءِ تَتَخَفَّى خَلْفَ قِنْبَلَةٍ مِنْ غَضَبٍ لَمْ يَتَفَجَّرْ. أَلْقَتْ جَسَدَهَا لِمِيَاهٍ السُّخْنِ تُجَرِّدُهَا مِنْ صَمْتٍ، كَمَا يُجَرَّدُ الْمُذْنِبُ مِنْ ذَنْبِهِ عِنْدَ الْعَتَبَاتِ، وَخَرَجَتْ بَعْدَ ذَاكَ كَفِكْرَةٍ عَتِيقَةٍ بَاتَتْ تُؤْذِنُ بِعَوْدَةٍ فِي وَقْتٍ لَا يَرْغَبُهُ أَحَدٌ. لَا بَأْسَ، لِيَأْكُلْكَ ٱلِٱنْتِظَارُ يَا سَيِّدَ كُوزَا... قَالَتْ ذَلِكَ بَعْدَ نَظْرَةٍ لِلسَّاعَةِ تَسَلَّقَتْ خُدُودَ زَمَنِهَا الْمُنْهَكِ، كَمَا يَتَسَلَّقُ الدُّودُ مِرْفَقَ السَّرْدَابِ. تَقَدَّمَتْ إِلَى خِزَانَةٍ مِنْ زَانٍ شَامِخٍ، حَدَّقَتْ فِيهَا كَمَنْ يُطَالِعُ وَجْهًا خَانَهُ الزَّمَانُ، وَنَسِيَ مَعَالِمَهُ الْقَدَرُ . مَنْ دَسَّ أَثَرِي هُنَا؟ تَغَيَّرَتْ سَحْنَتُهَا كَمَا تَتَجَعَّدُ الْغَيْمَةُ قُبَيْلَ انْهِيَالِ الرَّعْدِ، وَبَعْدَ أَنْ تَطَافَحَتْ نَظَرَاتُهَا، ارْتَدَتْ مَا اخْتَارَتْهُ السُّخْرِيَةُ لَهَا: سِرْوَالٌ أَبْيَضُ كَبَيَاضِ حَقٍّ يُدَفَّنُ فِي أَكْفَانِ الْخِيَانَةِ، يَنْسَدِلُ عَلَى فَخِذَيْهَا كَتَنَهُّدِ نَدْمٍ، وَيُعَانِقُ خَصْرًا شُكِلَ مِنْ طِينِ تَمَرُّدٍ أَبِيٍّ. وَعَلَى صَدْرِهَا قَمِيصٌ وَرْدِيٌّ، تَتَرَنَّحُ أَزْرَارُهُ بَيْنَ حَيَاءِ السُّتْرَةِ وَجُرْأَةِ التَّعَرِّي، كَحُلْمٍ لَا يُتِمُّ خُطَاهُ، بَلْ يَتَعَثَّرُ عِنْدَ نُقْطَةِ الْغَوَايَةِ، يَصِلُ إِلَى بَطْنٍ نَحِيلٍ كَصَفْحَةٍ تُرِيدُ أَنْ تُتْلَى وَلَا تُقْرَأُ. عِقْدٌ ٱلْتَفَّ حَوْلَ ٱعْوِجَاجِهَا كَنَدْبَةٍ لَذِيذَةٍ، لَا تَجْرَحُ إنما تَرْوِي جُرْحًا سَلَفًا، وَشَعْرُهَا البُنْدُقِيُّ أَسَالَ نَفْسَهُ عَلَى كَتِفِ النَّهَارِ كَنَبْتَةٍ بَرِّيَّةٍ تَرْقُصُ فِي الرِّيحِ، يُغْوِي الْهَوَاءَ بِتَمَوُّجِهِ، وَيُغْرِي الأَصَابِعَ بِالشَّرُودِ فِيهِ. وَجْنَتَاهَا؟ كَأَنَّهُمَا آيَةٌ مِنْ زِينَةٍ مَخْفِيَّةٍ، جَمَالٌ لا يَطْلُبُ العَيْنَ، بَلْ يَسْتَدْعِيهَا لِلسُّجُودِ.دَخَلْتُ بِخُطًى وَاثِقَةٍ، أَسِيرُ عَلَى نَصَائِحِ الذِي يَقْبَعُ خَلْفِي. وَجَدْتُ الجَمِيعَ حَاضِرًا، وَالطَّمَعُ يَبْرُقُ فِي عُيُونِهِمْ كَخَنَاجِرَ مَسْمُومَةٍ. أَنْ تَكُونِي ابْنَةً مُتَبَنَّاةً لِعَائِلَةٍ لَا ذُرِّيَّةَ لَهَا، لَكِنَّهَا تَمْلِكُ مِنْ جِهَةِ الأَبِ نَسْلًا قَذِرًا، وَأَنْ يَكُونَ رَاعِيكِ وَحَامِي ظَهْرِكِ هُوَ النَّقَاءَ الوَحِيدَ المَزْعُومَ مِنْ هَذَا النَّسْلِ... أَمْرٌ يَفُوقُ قُدْرَتَكِ عَلَى تَحَمُّلِ جَشَعِهِمْ. لَمْ يُحَاوِلُوا حَتَّى مُدَارَاةَ كُرْهِهِمْ لِي.وَقَعَتْ عَيْنِي عَلَى مَارْكُوس، ابْنِ عَمِّي رِيتْشَارْد. لَقَدْ تُوُفِّيَ وَالِدُهُ مُنْذُ أَنْ كَانَ صَغِيرًا، وَهُوَ مَنْ تَوَلَّى الِاهْتِمَامَ بِأُمُورِ العَائِلَةِ، وَلَطَالَمَا كَانَ مُقَرَّبًا مِنْ وَالِدِي "دِيفِيد".أَخَذْتُ نَفَسًا عَمِيقًا، وَلَمْ أُحَاوِلْ تَصَنُّعَ مَلَامِحِي؛ سَوْفَ أُعَامِلُهُمْ بِالْمِثْلِ وَأُظْهِرُ مَشَاعِرَ الكُرْهِ الَّتِي تَعْتَلِجُ فِي صَدْرِي.ــ "السَّيِّدُ كَارْث... الوَكِيلُ المَسْؤُولُ عَنِ الوَصِيَّةِ. هَذِهِ الآوِنَةَ السَّيِّدَةُ إِيلارَا."نَط
ـ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ــ ـ ـ ـ يَعْتَقِدُ المُلْحِدُونَ أَنَّ الكَوْنَ نَشَأَ نَتِيجَةَ تَفَاعُلَاتٍ كِيمْيَائِيَّةٍ وَفِيزْيَائِيَّةٍ بَحْتَة، وَأَنَّنَا لَسْنَا سِوَى ذَرَّاتٍ عَابِرَةٍ تَصْطَدِمُ بِبَعْضِهَا فِي هَذَا الفَرَاغِ. يَقُولُونَ إِنَّ البَشَرَ يَنْقَسِمُونَ إِلَى صِنْفَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: أَخْيَارٌ وَأَشْرَارٌ. الأَشْخَاصُ الجَيِّدُونَ هُمْ مَنْ نَبَتُوا مِنَ العَنَاصِرِ النَّقِيَّةِ أُحَادِيَّةِ المَجْمُوعَاتِ، بَيْنَمَا الأَسْوِيَاءُ سِيئُو النِّيَّةِ هُمْ مَخْلُوقَاتٌ مُشَوَّهَةٌ أَنْجَبَتْهَا الطَّبِيعَةُ فِي لَحْظَةِ خَطَأٍ. وَأَنَا... وَمَنْ يَجْلِسُ بِجَانِبِي الآنَ، نَنْتَمِي إِلَى الصِّنْفِ الثَّانِي لَا مَحَالَةَ. كِلَانَا مُشَوَّهٌ بِطَرِيقَتِهِ، وَكِلَانَا يُكَمِّلُ الآخَرَ فِي هَذَا الخَرَابِ. ـ ـ ـ ـ"هَلْ يُوجَدُ شَيْءٌ فِي وَجْهِي؟" قَطَعَ تَأَمُّلَات
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ فِي صَبَاحِ "فَالِيدْمُورَا" المُثْلِجِ وَالقَارِسِ، كَانَتْ حَسْنَاؤُنَا تَقِفُ أَمَامَ الشُّرْفَةِ، تُرَاقِبُ بِعَيْنَيْنِ رَاكِدَتَيْنِ أَسْرَابَ العَصَافِيرِ المُهَاجِرَةِ الَّتِي تَشُقُّ رِمَادَ السَّمَاءِ. عَلَى الرَّغْمِ مِنْ صَقِيعِ الجَوِّ الَّذِي يَكَادُ يَجْمَدُ لَهُ الشَّجَرُ، كَانَتْ تَرْتَدِي مَلَابِسَ خَفِيفَةً لا تَقِي شَيْئًا. لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَهْلاً مِنْهَا، بَلْ عِشْقاً لِلْبَرْدِ؛ كَانَتْ تَعْشَقُ أَنْ يَسْرِيَ الصَّقِيعُ فِي عِظَامِ جَسَدِهَا، وَيَرُوقُهَا ذَلِكَ الشُّعُورُ الخَاصُّ بِالقُشَعْرِيرَةِ النَّاتِجَةِ عَنْهُ كَأَنَّهُ يُثْبِتُ لَهَا أَنَّهَا لا تَزَالُ تَتَنَفَّسُ. وَلَمْ يَكُنْ فِي عَقْلِهَا المُرْتَبِكِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ سِوَى ذَلِكَ الرَّجُلِ السِّرْيَالِيِّ... "مَارْك". ـ ـ عَضَّتْ عَلَى شَفَتَيْهَا بِحِقْدٍ دَفِينٍ عِنْدَمَا طَفَا طَيْفُهُ
𝒦.𝑅.𝒜.𝒩.𝐸 . .. مَلْمَسُ ٱلْمَاءِ وَهُوَ يَتَسَاقَطُ عَلَى جِلْدِي... لَيْسَ دِفْئًا، بَلْ جَلْدٌ يُجْلَدُنِي. كُلُّ قَطْرَةٍ تَنْغَرِسُ فِيَّ كَذِكْرَى، كَطَعْنَةٍ لَهَا وَجْهٌ قَدِيمٌ، كَأَنَّ ٱلسَّمَاءَ تُعِيدُ إِلَيَّ ذُنُوبِي، لَا لِتَغْسِلَهَا... بَلْ لِتُذَكِّرَنِي بِهَا. أَقِفُ فِي ٱلْمُنْتَصَف لَا حَيٌّ تَمَامًا، وَلَا مَيِّتٌ بِمَا يَكْفِي لِأَنْسَى. "مَنْ أَكُونُ؟" سُؤَالٌ تَافِهٌ حِينَ تَتَآكَلُ هُوِيَّتُكَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَنْظُرُ فِيهَا إِلَى نَفْسِكَ وَلَا تَرَاهَا. إِنَّنِي فِي سَاحَةِ حَرْبٍ. نَعَمْ... سَاحَةٌ لَا يُرْفَعُ فِيهَا عَلَمُ ٱنْتِصَارٍ، وَلَا تُبْنَى فِيهَا قُبُورٌ تَلِيقُ بِٱلْخَاسِرِينَ. كُلُّ مَا فِيهَا صُرَاخُ مَنْ لَا صَوْتَ لَهُ. . وَإِنْ فُزْتُ... خَسِرْتُ. وَإِنْ خَسِرْتُ... فَقَدْتُ. . وَفِي كِلَا ٱلِٱحْتِمَالَيْنِ: "أَنَا ٱلْخَاسِرُ." أَنَا وَحْدِي، ٱلَّذِي يَتَآكَلُهُ ٱلْفَرَاغُ مِنَ ٱلدَّاخِلِ، ٱلَّذِي كُلَّمَا نَهَضَ، وَجَدَ نَفْسَهُ مُمَدَّدًا عَلَى سَرِيرِ هَزِيمَتِهِ. أُغْمِضُ عَيْنَيَّ لَا طَ
«هُوَ يَخْلُقُ القَوانِينَ، وَهِيَ تُجِيدُ كَسْرَهَا.»كَمْ غُرْفَةً في هَذَا القَصْرِ تُخْفِي صَدَأَهَا تَحْتَ الطِّلَاءِ؟كَمْ يَدًا عَبَثَتْ بِهَذِهِ الأَدْرَاجِ قَبْلِي، تَبْحَثُ عَنِ الشَّيْءِ ذَاتِهِ الَّذِي أَبْحَثُ عَنْهُ الآنَ... وَرُبَّمَا دَفَعَتْ ثَمَنَهُ؟تُضْحِكُنِي فِكْرَةُ الأَسْرَارِ.لَيْسَ لأَنَّهَا تُخِيفُنِي، بَلْ لأَنَّهَا دَائِمًا أَوْهَنُ مِمَّا نَظُنُّ، وَأَثْقَلُ مِمَّا تَحْتَمِلُهُ الذَّاكِرَةُ.أُقَلِّبُ هَذِهِ الأَوْرَاقَ كَمَا يُقَلَّبُ جَسَدُ قَتِيلٍ فِي مَشْرَحَةٍ بَارِدَةٍ.حَرَكَةٌ بَطِيئَةٌ، مَحْسُوبَةٌ، كَأَنِّي أَخْشَى أَنْ أُوقِظَ بَيْنَ الصَّفَحَاتِ شَيْئًا لَا يُحِبُّ الضَّوْءَ.لَيْسَ هَدَفِي أَنْ أَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ، أَنَا فَقَطْ أَبْحَثُ عَنْ خَيْطٍ صَغِيرٍ، كَلِمَةٍ سَقَطَتْ سَهْوًا، اسْمٍ كُتِبَ فِي مَكَانٍ لَا يُفْتَرَضُ أَنْ يُكْتَبَ فِيهِ.كُلُّ مَا حَوْلِي يَبْدُو كَاذِبًا؛الكُتُبُ مَرْصُوصَةٌ كَجُنُودٍ عُمْيَانٍ، السَّتَائِرُ مُغْلَقَةٌ كَفَمٍ دَفَنَ سِرَّهُ، الطَّاوِلَةُ مُصْقُولَةٌ أَكْثَرَ مِمَّا يَلِيقُ بِأَحَدٍ يَعِيشُ هُنَا.ل
كَانَ الجَسَدُ مَائِلًا عَلَى الأَرِيكَةِ العَتِيقَةِ، كَأَنَّمَا انْحَنَى الزَّمَنُ بِنَفْسِهِ لِيَسْتَرِيحَ.كَتِفَاهُ العَرِيضَتَانِ اسْتَسْلَمَتَا لِثِقْلٍ دَاخِلِيٍّ لَا يُرَى، وَقَدِ انْفَرَجَتْ أَصَابِعُهُ عَلَى سِيجَارَةٍ نِصْفُ مُطْفَأَةٍ، يَتَصَاعَدُ دُخَانُهَا فِي دَوَائِرَ مُلْتَفَّةٍ كَالأَفَاعِي، تَتَرَاقَصُ فَوْقَ السَّقْفِ المُنْخَفِضِ كَأَطْيَافِ لَعْنَةٍ تَأْبَى الرَّحِيلَ.مَفَاصِلُهُ مُتَيَبِّسَةٌ قَلِيلًا، كَأَنَّ البُرُودَةَ تَسَلَّلَتْ مِنْ أَعْمَاقِهِ لَا مِنَ الطَّقْسِ. أَنْفَاسُهُ بَطِيئَةٌ، تَنْسَابُ مِنْ صَدْرٍ يَخْتَنِقُ بِصَمْتٍ مَكْظُومٍ، وَكَأَنَّ الضِّلْعَ الأَيْسَرَ يَئِنُّ كُلَّمَا مَرَّتْ ذِكْرَى عَلَى هَيْئَةِ أَلَمٍ قَدِيمٍ. مَلَامِحُهُ شَاحِبَةٌ، وَلَكِنَّهَا مُشْتَعِلَةٌ فِي آنٍ؛ عَيْنَاهُ الغَائِرَتَانِ بَدَتَا كَفَجْوَتَيْ لَيْلٍ لَا قَمَرَ فِيهِ، وَجَبْهَتُهُ تَلْمَعُ بِرُطُوبَةٍ بَارِدَةٍ، تَأْبَى أَنْ تَجِفَّ.لَمْ تَكُنِ الغُرْفَةُ إِلَّا انْعِكَاسًا لَهُ-كَأَنَّهَا اقْتُطِعَتْ مِنْ كَابُوسٍ حَجَرِيٍّ لَا يَتَحَرَّكُ.الهَوَاءُ سَاكِنٌ،