分享

مغامرة

last update publish date: 2026-08-22 04:09:43

اتسعت عينا ريموندا، كمن رأت السماء لأول مرة منذ دهر، وهمست بدهشة تملؤها السعادة:— "أخيرًا... خرجت من تلك الأسوار."

رفعت رأسها إلى السماء، تشهق أول أنفاس الحرية، فدغدغ الهواء البارد خديها كأن الطبيعة نفسها ترحب بها. لكنها لم تكد تُنهي شهقتها حتى جذبها نيرو من معصمها وقال بصوت خافت:— "اخفضي رأسك، أيتها الملكة!"

أطاعته فورًا، ثم انحنت، وتبعت خطواته السريعة لتختبئ مع نيرو وبونو والجنيّة خلف جذع شجرة ضخمة في أحد أطراف الحديقة، عند أقرب نقطة من البوابة الخارجية. قلبها يخفق، تلتقط أنفاسها بحذر، وعيناها لا تتوقفان عن الترقب.

أدار نيرو رأسه للجنيّة وقال بهمس:— "جنيتي، اذهبي وتحققي... هل هناك عربة من عربات التوصيل بالخارج؟"

أومأت الجنيّة برأسها، ثم انطلقت تطير بسرعة كوميض خافت لا يكاد يُرى. توغلت إلى ما بعد الأسوار، تتفقد المكان بحذر، ثم عادت بعد لحظات وأشارت برأسها موافقة.

ابتسم نيرو قائلا :— "حسنًا... هيا، أيتها الملكة."

بخطى هادئة ومترقبة، خرجوا من خلف الشجرة، واتجهوا نحو الباب. كانت ريموندا قد خبّأت بونو داخل ردائها العريض، فيما اختبأت الجنيّة بين طياته أيضًا، مطوية كأنها وشاح صغير.

لكن ما إن تجاوزوا البوابة حتى قاطعهم صوت جاف:

— "أنتم."

تجمّدوا جميعًا في أماكنهم ، كان أحد الحراس قد لمحهم، اقترب وهو يحدق بعيونهم المستترة. جفّ حلق ريموندا، وانقطع نفس بونو في داخل الرداء، فيما التصق نيرو بها دون أن يجرؤ على الالتفات.

اللحظة ... كانت مصيرية

تبادلت ريموندا ونيرو نظرات الخوف، قبل أن تستدير ببطء وهي تخفي بونو داخل ردائها المتضخم.

تأملها الحارس بريبة:— "هل أنتِ من الفلاحات؟"

ثم خفض بصره نحو الرداء المنتفخ وتابع:— "و... ما هذا؟"

صرخ نيرو بسرعة:— "أمي! أمي، أنا جائع... هيا لنعد إلى البيت، وأظن أن أخي الصغير أيضًا جائع!"

رفعت ريموندا حاجبيها متفهمة إشارة نيرو بعينيه، ثم وضعت يدها على بطنها وكأنها تتألم:— "يالهي... يبدو أن الطفل يتحرك!"

تردد الحارس وقال وهو يحدّق في بطنها: — "لكن... هل الحمل يكون بهذا الشكل عادة؟"

قاطعتْه بسرعة، متظاهرة بالألم:— "أوه... أشعر بالم شديد!"

ارتبك الحارس ولوّح بيده:— "حسنًا، حسنًا... تفضّلي بالمرور."

استدارت ريموندا بخطى متثاقلة، لكن ما إن أدارت ظهرها حتى اندفعت راكضة مع نيرو بأقصى سرعة.

ظل الحارس واقفًا يرمش بعينيه، قبل أن يتمتم في حيرة:

— "يالهي... هل الحوامل يستطعن الركض بهذه الطريقة؟

تابعوا الركض حتى وصلوا إلى عبارات النقل وصعدوا بسرعة ، صاح السائق:— "جميع العربات امتلأت! هيا!"

تحركت العربات بهم نحو المدينة، وخلفهم خرجت امرأتان من الفلاحات يصرخان بيأس:— "يالهي! هل العربات تركتنا؟!"

***

أخرجت ريموندا رأسها من النافذة، تتأمل الطرقات بفضول ، الهواء العليل يلامس وجهها وهي تبتسم لرؤية العربات الساحرة المزخرفة بالأضواء.

لكن فجأة، وقع بصرها على شيء لم تره في حياتها... مركبة معدنية تتحرك على الأرض بلا حصان ولا سحر، تصدر صوتًا غريبًا ورائحة دخان. اتسعت عيناها بدهشة، وهمست لنفسها:— "ما هذا؟... لم أر شيئًا كهذا من قبل.

زمت ريموندا شفتيها ولم تنطق بكلمة، بينما صدى صوت السائق:— "انتهت رحلة التجار، الفلاحون فقط سنواصل بهم المسير حتى القرى!"

قفز نيرو من العربة بخفة، وتبعته الجنية محلّقة، وبونو يقفز خلفه ، التفتت ريموندا وسألت:— "هل وجهتنا هنا؟"

ابتسم نيرو بثقة:— "نعم."

نزلت ريموندا على مهل، لكن ما إن وضعت قدمها على الأرض حتى هبّت ريح قوية أشاحت الرداء عن رأسها، فاندفع شعرها متطايرًا في الهواء : — "يالهي!" تمتمت وهي تمسك الرداء بكلتي يديها تحاول السيطرة عليه، تقاوم قوة الريح.

وبينما تفعل ذلك، ظهر بعضا ما كانت تخفيه: عقدة صغيرة عند رقبتها، حبل دقيق تتدلّى منه جوهرة على شكل قلب، لونها أحمر قاتم يلمع تحت أشعة الشمس.

في نفس اللحظة، اندفع سارق من بين الحشود نحوها، عينيه مثبتتين على الجوهرة ، لكن قبل أن تمتد يده إليها، أمسك أحدهم بكمّ ثوبه من الخلف بقوة جعلته يختنق ويتوقف في مكانه

ابتسم بيرون بسخرية وهو يمسك السارق: — "إن كنتَ سارقًا، فاتجه إلى بيوت النبلاء، فهي مليئة بالكنوز... أما فلاحة؟ ماذا ستجد عندها؟ عدس؟"

احمرّ وجه ريموندا غضبًا،  تمتمت في داخلها فلاحة؟ ثم حدّقت فيه قائلة بحدة:— "أنت... يا صاحب العيون النيلية! عدس؟! وما باله  العدس؟! وكيف تحكم عليّ هكذا؟ أترك ذلك السارق، فيده خير من لسانك!"

رمش بيرون بدهشة، ثم ابتسم بخفة وقال:

— "حسنًا، إذا كان هذا ما تريدينه..."

أفلت كمَّ السارق، فترنّح الأخير وسقط على الأرض. تنهد بيرون وهو يحك مؤخرة شعره وأضاف بسخرية: — "اسرقها ، على الأرجح لن تجد عندها ما يستحق السرقة أصلًا.

ما إن وجد  السارق حريته ، حتى قفز الأخير واقفًا وركض مبتعدًا بأقصى سرعة، يتعثر بين المارة الذين رمقوه بنظرات ريبة ودهشة.

رمقته ريموندا بغيظ، ثم أمسكت بكف نيرو الصغيرة وشدّت عليه، وانطلقت معه وسط الزحام نحو منتصف الحي، بينما كان بونو يقفز خلفهما والجنية تحوم بجانبهما بخفة.

***

الطرقات كانت تضج بأصوات الباعة والمارة، وعربات الخيل تمر مسرعة على الجانبين، فيما تتطاير الروائح المختلطة بين الخبز الطازج والتوابل النفاذة.

في تلك اللحظة، شقّ فلوكاز طريقه بصعوبة بين الناس، وقد التصق عرقه بجبينه، حتى وصل وهو يلهث بشدة، يضع يده على ركبته بعد أن قطع مسافة طويلة جريًا، وقال بانقطاع أنفاس:— "أخيرًا... وجدتك... يا إلهي، لقد أرهقتني!"

ثم أضاف باستياء وهو يحاول استعادة أنفاسه: — "لماذا دائمًا تختفي هكذا، أيها الأمير؟" قالها هامسًا وهو ينظر حوله بحذر، وكأنه يخشى أن يكون أحد قد سمعه.

التفت بيرون إليه بابتسامة ساخرة، واضعًا يده على خاصرته:— "لأنك بطيء جدًا يا فلوكاز."

ثم تابع سيره بخطوات واثقة، مردفًا:— "الحق بي."

زفر فلوكاز بيأس، وقال وهو يركض خلفه بين الناس:

— "يا إلهي... أتمنى ألا يقطع الإمبراطور رأسي بسببك." ثم صاح وهو يحاول اللحاق به وسط زحام  المارة  :— "انتظرني!

****

كان جالسًا على كرسيه الفخم المكسو بالجلد الداكن، يتكئ إلى الخلف بثقة، وأمامه طاولة واسعة تتناثر عليها الوثائق والخرائط. يده ترتكز على فخذه بينما تقلب يده الأخرى الأوراق بنظام شديد، وكأن كل حركة محسوبة.

خلفه، وقفت أديلين بثبات، سيفها مغروس في الأرض، تمسك بمقبضه  بكلتا يديها بإحكام. نظراتها كانت حادة، تراقب كل ما يدور بصمت.

انفتح الباب بخفة، ودخلت إحدى الخادمات تنحني بخفة ، صوتها خافت:— "نعم، جلالتك."

قال دون أن يرفع رأسه، بنبرة هادئة لكنها تحمل أمرًا واضحًا:— "نادِ لي الملكة."

الخادمة، بتردد ظاهر في عينيها: — "جلالتك... الملكة نائمة، وتبدو... ليست على ما يرام."

توقف لوهلة، ارتفع حاجبه قليلًا، قبل أن يخفض رأسه مجددًا نحو الأوراق، وأصابعه تنقر بخفة على حافة الطاولة: — "تأكدي منها... إذا كانت لا تزال نائمة."

انحنت الخادمة سريعًا:— "حسنًا، جلالتك."

غادرت على عجل، واتجهت عبر الممرات المكسوة بالسجاد الأحمر حتى وصلت إلى جناح الملكة ، فتحت الباب بهدوء شديد، لتجدها متكوّمة تحت الغطاء حتى رأسها، أنفاسها لا تُرى بوضوح ، لم يخطر ببالها أن تحت الغطاء مجرد وسائد رتّبها نيرو بخبث ليخفي  غيابها.

عادت الخادمة مسرعة، وقلبها يخفق من أثر الركض، وانحنت أمام الملك وهي تبلغ:— "لا تزال نائمة، جلالتك."

لم يعلق بكلمة، فقط أشار بيده في إيماءة باردة للانصراف، لتغادر بصمت، تاركة خلفها صمتًا ثقيلًا.

***

كانت ريموندا تتجول في الشوارع المزدحمة، عيناها تلتقطان كل حركة رجال ونساء يذهبون ويعودون، عربات محملة بالبضائع تدخل، وأخرى تغادر وهي تجرها الخيول ، على جوانب الطريق، جلس بعض الرجال يقرأون الجرائد بتركيز، وآخرون ينفثون دخان سجائرهم ببطء بينما يترقبون عربات النقل ، ضحكات الأطفال كانت تتعالى وهم يركضون بين الأرصفة، ورائحة الخبز الطازج المنبعثة من المخابز القريبة كانت تغمر الهواء بدفء لذيذ.

التفتت إلى نيرو، الذي كان يسير بخفة وعلى وجهه ابتسامة طفولية لا تفارقه، بينما كان بونو يقفز بخفة إلى جانبه ويداه معقودتان أمام صدره كعادته في إظهار تذمره الدائم، والجنية تحوم على كتف نيرو بخفة.

قالت ريموندا وهي ترفع حاجبًا:— "حسنًا يا نيرو... أردت سؤالك عن أمر."

— "ما هو؟" أجابها وهو يرمقها بنظرة فضولية.

— "لماذا... لم يتعرف عليك الحارس عند الباب؟"

أجاب نيرو بنبرة واثقة: — "هممم... الأمر بسيط. ذلك الحارس لا يعرف وجوه ساكني القصر، لأن عمله لا يشمل الدخول أصلًا ، وطبعًا... هذا ليس السبب الوحيد. النبلاء عامةً أصحاب قوة سحرية كبيرة، وجميعهم يستعملون تعويذة التخفي أو التهيئة."

وضعت ريموندا يدها على ذقنها باهتمام:

— "وما معنى ذلك بالضبط؟"

— "يعني أنهم يخفون وجوههم الحقيقية خلف هيئة أخرى... حمايةً لأنفسهم ، فلا يمكن لأحد أن يميّزهم أو يهددهم بسهولة."

ابتسمت ريموندا قائلة:— "حسنًا فهمت."

لكن في أعماقها كانت تفكر: (في الحقيقة... ما زلت لا أفهم تمامًا).

وفجأة، لمحت من بعيد صوت ضحكات  وأصوات موسيقى تتعالى ، أضاء وجهها بحماس وهي تشير:— "احتفال!"

ركضت بخفة باتجاهه، فصاح نيرو:— "مهلًا! انتظري!"

وانطلق خلفها بينما كانت خطواتها تبتعد أكثر فأكثر بين حشود الشارع

وصلت ريموندا إلى الحشود، حيث كانت الساحة تعج بالناس ، كلٌّ منهم ينتظر دوره؛ هذا يرقص وسط تصفيق الأيدي، وذاك يشعر  بصوتٍ يملأ المكان بهجة.

لمعت عيناها وهي تهمس بدهشة: — "يا إلهي... هذا تمامًا مثل الاحتفال في حيّنا!"

لحق بها نيرو، يلتقط أنفاسه، بينما كانت تحدّق في المشهد بانبهار ، وفجأة، أشار أحدهم نحوها بصوت مرتفع انه دور:— " ذات الرداء الطويل!"

كان المتحدث شابًا يشبه الشعراء في هيئته، يرتدي بنطالًا أسود وقميصًا أبيض يعلوه حمّالات، وقبعة سوداء دائرية بحواف حادة ، صفّق الجميع بحماس بينما اقترب منها مبتسمًا:— "حسنًا يا ذات الرداء... أبهريني!"

ارتبكت ريموندا:— "ماذا؟ لكن... أنا لا أجيد لا الرقص ولا الغناء!"

قاطعها نيرو بجدية:— "يجب أن نسرع بالعودة."

التفتت إليه ثم قالت للشاب:— "حسنًا، يجب أن أذهب، عن إذنك."

لكن قبل أن تخطو، اصطدمت بجدار غير مرئي جعلها تتراجع بخفة.— "ما هذا؟" سألت بدهشة.

ضحك الشاب وقال:— "لقد دخلتِ إلى حقل الاحتفال."

هتف الجميع من خلفه، بينما أشار إليها بإصبعه السبابة بنفي :— "لا يمكنك المغادرة قبل المشاركة!"

رمشت بعينيها باستغراب وهمست:

— "يا ترى ماذا يعني هذا؟"

تنهد بونو وهو يقف بجانبها وقال بنبرة توضيحية:

— "أنتِ داخل سجن غير مرئي... سجن سحري ، مفتاح الخروج منه هو أداء الغرض الذي رُسم الحقل لأجله.

هناك أنواع عدة من الحقول... مدرسي، تجاري،  واحتفال ، وهلم جر ..والاحتفال مخصص لضمان تفاعل الناس."

تراجعت ريموندا بخطوة وهي تقول بقلق:

— "يا إلهي... ماذا عليَّ أن أفعل؟"

قال نيرو بلهجة حازمة:— "أنهي الأمر بسرعة... يجب أن نعود قبل أن يلاحظ أحد اختفائي أنا وأنتِ."

استدارت إلى الشاب:— "حسنًا، لكني لا أعرف ماذا أفعل."

وضع الشاب يديه على خاصرته وقال:— "اشعري !"

— "شعر؟ لكني لا أجيده!"

ابتسم بخفة وهو يشير بكفه في الهواء:

— "هيا، من لا يجيد الشعر؟ دعيني أخبرك بشيء، آنستي... الشعر هو تفجير شعوري!"

رفع يده إلى السماء وكأنه يستحضر الإحساس، ثم أكمل وهو يدور بخطوات خفيفة:— "اشعري كما لو أنكِ تتحررين!"

— "كأني أتحرر؟"

— "بالضبط! قلِ  كل ما يجول في خاطرك... عبّري عما تحبين، لمن تشتاقين، وما تكرهين... وأخيرًا، قولي ماذا تتمنين."

اقترب منها بسرعة، فرفعت رأسها إلى الخلف قليلًا، تتأمل ملامحه المليئة بالحماس ، مع شعره الطويل المعقود الى الخلف .

فكرت لثوانٍ، ثم قالت بصوت خافت:— "حسنًا...

تقدّمت ريموندا بخطوات بطيئة نحو منتصف الساحة، حيث التفّ الناس حولها في دائرة من الترقب.

يا

انحنى لها الشاب قليلًا، وأزاح قبعته عن رأسه كمن يقدّم احترامًا خاصًا، قبل أن يتراجع خطوة ليترك لها المساحة.

شبكت يديها أمامها، وأغمضت عينيها ببطء...

لحظة صمت عمّت المكان، لم يُسمع فيها سوى خفقان قلبها الذي تردّد في أذنيها.

ثم بدأ صوتها ينساب هادئًا... رقيقًا في أوله، كنسمة صيفية تتسلل من نافذة مفتوحة:

"هل تعرفُ شعورَ الغريبِ إذا ما استيقظَ فجأةً في أرضٍ بعيدة؟

حيثُ الوجوهُ بلا ملامح، والطرقُ جميعُها ملتويةٌ وشديدة."

         .                  

"حيثُ أنتَ مسجونٌ تحت أمرِ هذا، وتحتَ قيدِ ذاك،

تبحثُ عن حريّةٍ في جدرانٍ لا تسمعُ نداءَك."

"هل تخيّلتَ يومًا أن السعادةَ تاجٌ على رأسِ الملوك؟

لكنني رأيتُ الملكَ هنا أسيرًا، يختبئ خلفَ الابتسامة والسكوت."

"في عالمٍ ملحُه أثمنُ من الذهب، وذهبُه أرخصُ من الطين،

حيثُ كلّ ما حسبته منطقًا... ينكسرُ بين يديك كاليقين."

"وأنا هنا، أتنفّسُ الغربةَ في كلِّ صباحٍ وحين،

أشتاقُ لكتبي، لقريتي، لصديقتي... ولأخي الحزين."

"ليتني أعودُ لشارعنا الضيّق، لرائحة الخبز في الفجر،

لكنني أسيرُ في قصرٍ باردٍ، تحرسهُ العيونُ كالنهر."

كان صوتها يتصاعد شيئًا فشيئًا، يحمل دفء الحنين ومرارة الاغتراب، حتى بدا وكأن الساحة بأكملها توقفت عن التنفس بانتظار آخر نغمة منها

أفاقت ريموندا على وقع تصفيقٍ عالٍ، كأنه موجٌ يتكسر على جدران الساحة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة وهي تخفض بصرها، ثم خطت ببطء محاولة الانسحاب.

لكن صوت الشاب أوقفها:— "آنستي! لم نتشرف بمعرفة اسمك بعد... ما اسمك يا تُرى؟"

ترددت لحظة، وكأن السؤال كان أكبر من مجرد كلمات، ثم قالت:— "ريـ..."

لكن نيرو قاطعها بسرعة وهو يمسك بيدها:

— "هيا، لنذهب الآن."

قالت وهي تتراجع خطوة:— "عن إذنك." ثم أسرعت للخروج من الحقل، تتبع خطوات نيرو.

ابتسم الشاب وهو يراقبها وهي تختفي بين الجموع، وقال بصوت مسموع للحاضرين: — "إذًا... قادمة من مكان بعيد؟ تعيش في قصرٍ ملكي؟"

ثم أمال رأسه قليلًا نحو الأرض، كمن يفكر، وأردف بابتسامة غامضة:— "هل هذه استعارة... أم كلمات حقيقية؟ من يدري..."

ارتدى قبعته ببطء، وأخفى وجهه بظلّها، ثم سحب سترته على كتفيه، وفرد ذراعيه في الهواء معلنًا بصوت مفعم بالحيوية:— "هنا ينتهي العرض، أيها السادة... إلى لقاء قريب."

وقبل أن ينصرف، تمتم كمن يرسل رسالة لا تسمعها إلا هي:— "آنسة... قادمة من مكانٍ ما....

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   قلادة

    كأنّ التساؤلات انهالت عليه دفعةً واحدة: كيف يعرف هذا الوحش بشأن نطاق الطاقة؟ كيف يعرف المسافة المطلوبة؟ وإن كان لهذه الكائنات ملكٌ يقودها... فهي بطبيعتها بدائية، لا عقل بشريًا لها كي تتطور أو تنتظم ، لقد أُبيدت الأنواع المتقدمة منها سلفًا لوضع حدٍّ لها... لكن من يدري؟إن كانت هذه الكائنات قد تطورت إلى هذه الدرجة... فربما هذا أبسط ما لديها.شدّ كاسبر على أسنانه، ثم ركل الوحش في بطنه فتراجع للخلف. رفع كاسبر كفّه عاليًا، لكن الوحش — وبسرعة خاطفة — أمسك بمعصمه قبل أن يستوعب ما يحدث ، ابتسم له ابتسامة واسعة، ثم لوى معصمه وكسره.صرخ كاسبر متأوهًا: —يا إلهي... سحقًا!نظر إلى الوحش بغضب، ثم ركله بقوة ليندفع بعيدًا. أمسك بيده المصابة، عضّ على أسنانه، ولفّها بعنف حتى أعاد العظم إلى موضعه، يتنفس بسرعة من شدّة الألم. أغمض عينيه، وقف بثبات، أرجع إحدى قدميه للخلف، وأحكم قبضته على السيف... ثم اندفع.اصطدم السيفان، ودخلا في مبارزةٍ ساخنة؛ كلٌّ منهما يقاتل بكل ما لديه ، توقفا أخيرًا، يتنفسان بصعوبة، وصدر كاسبر يعلو ويهبط بعنف.علّق الوحش سيفه على كتفه، وابتسم بخبث قائلًا:—أتعرف أنني ألهو معك منذ ساعات

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   من المتحكم

    وقف كاسبر على صهوة حصانه في مقدمة الجيش ، إلى جانبه ألكسندر وأوغست، وفي الجهة الأخرى ليوبولد وخلفهم الجيش متراصٌّ في صفوف ممتدة.تقدّم كاسبر خطوة، ثم استدار بحصانه ليواجه الجنود، بينما بقي الثلاثة في ثباتهم قال بصوت جهوري، ممسكًا بلجام حصانه:—اسمعوا أيها الجيش...ساد الصمت.تابع :—تذكّروا جيدًا أننا ندخل أقوى وأرعب أرض... أرض تايتا. مقبرة البشرية.شدّ على اللجام :—لكن تذكّروا... لا شيء أقوى من كاليمور وجيشها ، رفع صوته أكثر:—اثبتوا! ترابطوا. ! وإياكم والتردد!ثم صرخ:—إما النصر... أو النصر!»ارتجّ الميدان بصوت الجنود:—تحيا كاليمور! يحيا الجيش الكاليموري! بينما كانت الهتافات تتصاعد، ظل أوغست يمسح الأفق بنظرة حادة، يقيّم الأرض والاتجاهات بصمترفع كاسبر يده عاليًا وأشار: —الوحدة الأولى إلى الشرق!تحرّك جيش ليوبولد ، الوحدة الثانية إلى الغرب...!اندفع جيش ألكسندر ، الوحدة الثالثة إلى الشمال! تحرّك جيش أوغست ثم قال اخيرا: —الوحدة الأخيرة... خلفي.استدار بحصانه وانطلق، فتبعته القوات، وغبار الرمال يرتفع تحت حوافر الخيل توقّف أوغست لحظة نظر إلى كاسبر وهو يبتعد مع جيشه...ثم استدار بصمت، وأكمل طر

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   الموت او الاذلال

    تراجعت كارينا خطوة صغيرة إلى الخلف، وكأن كلمة "وفاق" لم تكن بريئة كما بدت لها تسارعت أنفاسها أكثر، وعيناها ما زالتا معلّقتين به بحذر ، قالت بصوت منخفض متردد: —و... ما معنى هذا الوفاق؟ابتسم بيرون ابتسامة خفيفة، وأدار رأسه قليلًا كأنه يختار كلماته بعناية:—معناه بسيط جدًا... اقترب خطوة واحدة فقط دون أن يلمسها، لكن المسافة بينهما صارت خانقة: —أن نتوقف عن لعب دور الأعداء.سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أخف، شبه ساخرة:—أنا لا أحب أن أكون عدوًا لأحد... خصوصًا لمن يحمل أسرارًا خطيرة كهذه.ارتجفت أصابعها قليلًا ،قالت بسرعة:—أنا لا أفهم ما تقصده ، اسرار ماذا؟رفع حاجبه، ثم أشار بخفة إلى المكان الذي كان فيه الكاتب قبل قليل، اغمضت عينيها بحسرة على حالها ، خفض صوته:—دعيني أكون أوضح...اقترب نصف خطوة أخرى، فشدّت جسدها تلقائيًا :—أنا لم أركِ... ولم أرَ شيئًا لا الكاتب... ولا هذا المشهد المثير للاهتمام.ثم أضاف بسخرية خفيفة:—وأنتِ ..من الآن فصاعدًا... ابنة بارة بعمها حسناً؟؟ ثم...أليس العم أبًا؟ارتجفت شفتاها: —ولِمَ تظن انني سوف أفعل ما تريد؟ابتسم بيرون بهدوء غريب:—لأنكِ ذكية ، ثم أمال رأسه قليلًا: —وا

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   ان نكون على وفاق

    اتكأ إيلادور على الكرسي :-أنا أسمع... تفضّلي يا آنسة... ....ريموندا؟ ، نظرت إليه بامتعاض، وتمتمت بصوت خافت:—هل يدّعي أنه لا يتذكر اسمي جيدًا؟؟؟قال إيلادور:—معذرة؟ ، رفعت ريموندا رأسها بسرعة، وقالت وهي تتدارك بابتسامة قصيرة:—لا، لم أقل شيئًا. عمومًا... لديّ مخزون أسئلة لدرجة أنني لا أعرف بأيّها أبدأ!سكت لحظات، ثم قال:—اسألي أي شيء. أنا أسمع.رفعت سبابتها قائلة :—وستجيب عليها كلها، أليس كذلك؟نظر إليها ورد بهدوء: —سأجيب على ما أعرف.ضيّقت عينيها قائلة : —أنت تعرفها كلها . ما أعنيه... أنك لن تتفادى الإجابة.فرد ببرود:—بل سأتفادى ما لا يناسبني. لذا اسألي... دون شروط ، تلفّتت بتذمر، فتنهد قائلا :—ألن تسألي؟التفتت إليه ثم قالت : آه... نعم. في الحقيقة... كيف تُضيئون الأماكن هنا؟ عقد حاجبيه تساؤلاً: كيف؟ لا أفهم قصدك.قالت على استحياء:—نحن نستخدم الشموع لإضاءة الحجرات و... هزّ رأسه وقد فهم: —آه... تسألين عن تلك القوة التي تُنير بلا فتيل!!؟؟سكت لحظة، ثم قال: —نسميها كهرباء ، وأشار إلى الجدار:—هي نورٌ يسري في أسلاك خفية، كما يسري الماء في القنوات لا زيت لها، ولا نار... ومع ذلك تملأ المكان

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   لا اعرف الخوف

    عمَّ الصمت والهدوء ، قال الإمبراطور دون أن يلتفت: "تفضّل"اقترب إيلادور رفع الإمبراطور كأس العصير وارتشف منه، بينما كان إيلادور يتأمّله بصمت تقدّم بخطوات ثقيلة تهزّ الأرض حتى وقف أمام الإمبراطور مباشرة، ينظر إليه بحدّةٍ اعتادها الجميع منه؛ وجهٌ متجهّم لا يعرف اللين.رفع الإمبراطور رأسه ، تبادلا النظرات وضع الإمبراطور كأسه على الطاولة وأشار بكفّه إلى إيلادور أن يجلس نظر إليه لحظة، ثم جلس على الكرسي المقابل، وظلّ ينظر بثبات دون أن ينبس بكلمة.ابتسم الإمبراطور ابتسامة خفيفة، وخفض رأسه قليلًا وقال:—اسكب لنفسك كأسًا... لعلّنا سنقول الكثير.نظر إيلادور إلى القنينة الزجاجية، ثم إلى الكأس الفارغ أمامه، ورفع رأسه متكئًا وقال:—ألستَ من استضافني؟ اسكب لي أنت.توقف الإمبراطور والكأس بين يديه، ثم ابتسم بسخرية خفيفة وضعه جانبًا واتكأ على كرسيّه قائلًا:—أظنّ أن والدك علّمك أشياء كثيرة يا إيلادور... لكنه لم يعلّمك الخوف.ظلّ إيلادور صامتًا تابع الإمبراطور:—وهذا طبيعي... لا يمكنه أن يعلّمك شيئًا هو شخصيًا لا يعترف به ، والدك كان محاربًا قويًا... وصديقًا جيدًا لي.»عقد إيلادور حاجبيه أكثر حتى بدا وجهه

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   مفاجآت

    جلست ريموندا على طرف السرير، حيث كان إيلادور يغطّ في نومٍ مضطرب، يتعرّق بغزارة ولأول مرة... تراه عن قربٍ إلى هذه الدرجة. كان شعره الأسود الفحمي يصل إلى نهاية عنقه وتلك الظلال الداكنة تحت عينيه الحادتين ، كانت تدل على الإجهاد الذي يعيشه وتلك التجاعيد بين حاجبيه ، تلك التي طُبعت على وجهه من كثرة ما كان يقطّبهما ، أثر شاربٍ خفيف بالكاد يُرى ،عظام فكه البارزة ووجهه... المليء بالخدوش ،قديمة... وجديدة آثار معارك لا تُحصى.وهناك ندبةٌ قديمة تبدأ من مدمع عينه اليسرى، تمتد مائلةً عبر وجهه حتى تصل إلى نهاية أنفه في الجهة اليمنى وضعت كفّها برفق على جبينه كان جسده يشتعل كالنار من شدّة الحمى.تمتمت بقلق: —يا إلهي... ماذا عليّ أن أفعل؟ نظرت إلى الباب... ثم إليه ، فخاطبت نفسها بخفوت: —لقد رفض قطعًا أن أخبر أحدًا...سكتت لحظة تفكّر بحيرة ثم قالت: —على الأقل... يجب أن أُخفّف هذه الحرارة ، وقفت لتستعد لتخرج لكنه تحرّك قليلًا فتوقّفت، راقبته مال برأسه قليلًا... لكنه ظل نائمًا تنفّست بعمق، ثم خرجت من الجناح بعد دقائق، عادت تحمل وعاءً ممتلئًا بالماء، ومعه قطع قماش.جلست قرب رأسه ،بلّلت القماش ، عصرته فو

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status