登入جلست ريموندا على طرف السرير، حيث كان إيلادور يغطّ في نومٍ مضطرب، يتعرّق بغزارة ولأول مرة... تراه عن قربٍ إلى هذه الدرجة.
كان شعره الأسود الفحمي يصل إلى نهاية عنقه وتلك الظلال الداكنة تحت عينيه الحادتين ، كانت تدل على الإجهاد الذي يعيشه وتلك التجاعيد بين حاجبيه ، تلك التي طُبعت على وجهه من كثرة ما كان يقطّبهما ، أثر شاربٍ خفيف بالكاد يُرى ،عظام فكه البارزة ووجهه... المليء بالخدوش ،قديمة... وجديدة آثار معارك لا تُحصى. وهناك ندبةٌ قديمة تبدأ من مدمع عينه اليسرى، تمتد مائلةً عبر وجهه حتى تصل إلى نهاية أنفه في الجهة اليمنى وضعت كفّها برفق على جبينه كان جسده يشتعل كالنار من شدّة الحمى. تمتمت بقلق: —يا إلهي... ماذا عليّ أن أفعل؟ نظرت إلى الباب... ثم إليه ، فخاطبت نفسها بخفوت: —لقد رفض قطعًا أن أخبر أحدًا... سكتت لحظة تفكّر بحيرة ثم قالت: —على الأقل... يجب أن أُخفّف هذه الحرارة ، وقفت لتستعد لتخرج لكنه تحرّك قليلًا فتوقّفت، راقبته مال برأسه قليلًا... لكنه ظل نائمًا تنفّست بعمق، ثم خرجت من الجناح بعد دقائق، عادت تحمل وعاءً ممتلئًا بالماء، ومعه قطع قماش. جلست قرب رأسه ،بلّلت القماش ، عصرته فوق الوعاء حتى تقاطر الماء منه ، ثم وضعته على جبينه تحاول إخماد النار المشتعلة فيه ، مرّ الوقت بطيئًا... رفعت الكمّادة تتحسس حرارته فوجدتها انخفضت فعلا . وضعت يدها على صدرها وزفرت براحة راحت تتامله إليه بصمت، ثم تمتمت: —يا ترى... ماذا حلّ به فجأة ؟ أخذت الوعاء والأقمشة وبينما وهي تنهض تحسّست حرارته مجددًا فتوقّفت ، عبست ، لم تكن حرارته طبيعية ،لم تعد حارّة...بل باردة ، باردة على نحوٍ غير طبيعي . اتسعت عيناها وضعت الوعاء جانبًا بسرعة وضعت كفّها على جبينه ثم أمسكت يده بين كفّيها... أطرافه كانت باردة ابتلعت ريقها، وقالت بتوتر شديد: —يا إلهي... ما به؟ نظرت إليه بارتباك متزايد: —لماذا هو بارد... إلى هذه الدرجة؟ ** هنا، حيث تختلط رائحة الخمر النتنة بصخب الموسيقى المزعج، وتغمر الضحكات المبتذلة أرجاء الصالة، كان الملك غاتس متكئًا على وسادته المزخرفة، يحتسي شرابه بكسلٍ مترف، يتمايل بين لحظةٍ وأخرى كلما اشتدّ الإيقاع، بينما الراقصة المحترفة تؤدي حركاتٍ مبتذلة بانسيابٍ آسرٍ لا يزيد المكان إلا انحطاطًا. لا يهتم للحروب ، ولا للحكم يعيش اللحظة... فقط وقف فجأة، يحمل كأسه، يترنّح من شدّة الثمالة أخذ يدور حولها وهي تضحك وتواصل رقصها ، ثم... انتهت الموسيقى ، وانتهت الجلسة فهمت الراقصة للمغادرة ، أمسك غاتس بمعصمها قائلا :—إلى أين؟ كانت عيناه تُفتحان وتُغلقان بصعوبة من الثمالة ابتسمت بلطف، وأبعدت يده برفق قائلة: —أعتذر من جلالتكم... ولكن... خفضت رأسها بأسى: —يتوجب عليّ الرحيل، حقا...اتمنى البقاء اكثر ولكن .. كما تعرف وضعي.. فانا...انا من قبيلة النسّاجين جلالتكم، وأنت... قاطعها: —أنا لا أهتم حقًا بكل ذلك. ظلت تنظر إلى عينيه لحظة... ثم خفضت بصرها: —لكني من حاملات الختم... خفضت رأسها كأنها مذنبة، وأضافت بخفوت:—لو علم الإمبراطور أني بقيت هنا... سيظن أن التعويذة فُعّلت. وأنا لا أحتمل أن أكون سببًا في أذيتك... رفع إصبعه : —هشّ...رفعت نظرها إليه، وفي عينيها لمعة حزن. قال بصوتٍ مخمور:—أنا... لا أهتم بكل ذلك ، أنا ملك، حسنًا؟ لا أحد يُملي عليّ ما أفعل. خفضت رأسها فرفع ذقنها برفق وقال: —لا تخافي. سأحميك... وأحمي نفسي ابتسمت بخجل... ثم خفضت رأسها من جديد ** كان يبكي... ممسكًا بقدمه المصابة كان يبدو حوالي الخامسة من العمر ركض إيلادور نحوه — الذي كان في الثالثة عشرة توقّف، ينظر إليه بضجر تنهد واقترب منه:—ماذا بك؟ ما الذي حصل رفع الصغير نظره، وعيناه ممتلئتان بالدموع:—أُصيبت قدمي يا إيلادور... انحنى إيلادور يتفحّص الجرح لم يكن بالغًا تنهد بضيق: —إنها إصابة صغيرة جدًا يا بيرون كفى دلالًا. وقف، ووضع يديه على خصره:—هيا نعود إلى القصر أظن الجميع قلق عليك ، استدار ليمشي لكن صوتًا باكيًا استوقفه: إيلادور...؟ زفر، والتفت برأسه:—ما الأمر يا بيرون؟ فقال، وعيونه دامعة: —لا أستطيع أن أمشي حتى القصر... قدمي... استدار إيلادور، أغمض عينيه وزفر بضيق، ثم نظر إلى ذلك الجرح في قدمه، ثم إلى وجهه حيث زمّ شفتيه المرتجفتين، وعيناه تتلألأ فيهما الدموع، بوجهٍ طفوليٍّ عبوس. تمتم إيلادور:—يا إلهي... ثم قال:—حقًا أنت أمير؟ كيف سوف تصبح فارسًا من الدرجة الأولى وأنت ضعيف هكذا؟ جلس أمامه وقال: —هيا، اصعد على ظهري لنعود. ضحك بيرون، وصعد إلى ظهر إيلادور وقف إيلادور وأخذ يمشي به في حقول الأزهار باتجاه القصر،فقال بيرون، عاقدًا ذراعيه حول عنق ايلادور: إيلادورا؟ تنهد: -نعم؟؟؟ بيرون بحماس طفولي:—أريد أن يصبح لديّ سيفي الخاص وأريده كبيرًا كسيفك! لم يرد —إيلادور؟ -نعم. —أريد أن يكون لديّ فرسي الخاص! صمت... إيلادور؟ وتوالت الأسئلة... بلا إجابات بيرون لا يتوقف عن الكلام وإيلادور لا يرد على شيء وفجأة... اخترق المشهدَ صراخٌ... نار... فوضى. تبدّل كل شيء ، كان إيلادور هناك، ينظر من بعيد ،والده يجثو على ركبتيه، يثبته رجلان قويان ، بدا عليه الإنهاك، ووجهه مغطى بالدم وغبار الحرب وأمامَه... محارب يقف بشموخ، يوجّه سيفه نحوه بثبات. شهق إيلادور فتح عينيه فجأة يتنفس بسرعة صدره يعلو ويهبط اتضحت الصورة الضبابية ، كان في جناحه ، التفت برأسه ببطء فرأى ريموندا. اتسعت عيناها حين رأته يستيقظ، وقالت والدمع يلمع فيهما:—يا إلهي... جيد أنك استيقظت ظننت أنك... لم تكمل :—سأذهب سريعًا وأُعلم والدتك أنت لست بخير أبدًا. ظل ينظر إليها بصمت نهضت لكنه أوقفها بلطف فعادت تجلس على طرف السرير. قالت بارتباك:—اسمع... يجب أن أخبر الملكة—انقطع صوتها حين جلس فجأة... وأطرق بجبينه على كتفها عمّ الصمت رمشت بسرعة، متوترة: —اسمع... أنت... قال بصوت هادئ، مُتعب:—فقط لحظات... اتركيني هكذا للحظات فقط.... ** دخل الجنرال كاسبر: —نعم، جلالتك. التفت إليه الإمبراطور، نظر إليه لحظة... ثم أشاح ببصره اقترب كاسبر، واقفًا بصمت قال الإمبراطور وهو يحدّق في الفراغ: —إلى أي درجة يمكننا الوثوق بتلك الذاكرة؟ عقد كاسبر حاجبيه، مستفسرًا ، تابع الإمبراطور:—بدا لي بيرون متغيّرًا مؤخرًا... أكاد أجزم أنه كان شخصًا آخر. صمت كاسبر، وخفض رأسه يفكّر اردف الإمبراطور: ماذا حدث في الحملة؟ رفع كاسبر رأسه:—نعم... بشأن ذلك لقد انسحب فيليكس وجيشه وكذلك الملك نيكولاس أما غاتس فقد تعذّر انضمامه من البداية... توقف لحظة، ثم أضاف: —وكذلك بيرون. رفع الإمبراطور رأسه، نظر إلى كاسبر، ثم قال بهدوء:—فهمت. سكت قليلًا ثم قال :—حاولوا ألّا تتكبدوا خسائر تذكّر أن تكون واضح الهدف تذكّر ما أنت ذاهب لأجله، أيها الجنرال. انحنى كاسبر:—لا تقلق، جلالتك ، هزّ الإمبراطور رأسه، وأشار بيده إشارة الانصراف ، اتجه كاسبر نحو الباب لكن ، قبل أن يخرج، استوقفه صوت الإمبراطور: كاسبر؟! توقف الجنرال مكانه : —أريدك أن ترتّب لي لقاءً مع إيلادور... دون علم بيرون ، استدار كاسبر بدهشة: —مع إيلادور؟ —نعم تردد كاسبر قليلًا:—هل لي أن أعرف السبب، جلالتك؟ صمت الإمبراطور لحظات، ثم قال:—هجوم فلموريا... أريد أن أعرف تفاصيله أكثر. ** طرقت الخادمة باب جناحها لترد كارينا، وهي تعبث بخصلات شعرها وتنظر إلى الفراغ: —ادخلي. دخلت الخادمة، تحمل شيئًا بين يديها:—سموكِ... لقد وصلتكِ هدية التفتت كارينا بعبوس خفيف: —هدية؟ اعتدلت في جلستها ومدّت يدها:—أحضريها. اقتربت الخادمة وقدّمت الهدية قلّبتها كارينا بين يديها:—من أين؟ :—من الإمبراطورية، سموكم . صمتت كارينا لحظات، تفكّر... ثم قالت:—حسنًا، اذهبي. انحنت الخادمة وخرجت، وأغلقت الباب بهدوء ، نزعت كارينا الغلاف كانت الهدية كتابًا ملفوفًا بقماش، مربوطًا بخيط رفيع فكّت الرباط، تاملت الكتاب قبل ان تفتح صفحاته وبينما وهي تقلب صفحاته وبينما كانت هناك رسالة. أخرجتها.. وفتحتها... فأشرقت ابتسامة على وجهها ، كانت الرسالة من الكاتب، يخبرها أنه أرسل إليها كتابًا مملوءًا بأشعار عنها. ضحكت بخفة وهي تقرأ وفجأة، قطع ضحكتها صوت منادٍ يعلن وصول زوجها، الأمير توترت بسرعة أعادت الرسالة إلى داخل الكتاب، وأخفته تحت الوسادة، ثم وقفت. دخل وليّ العهد ، كان جالسًا على كرسيه الخشبي العريض، يتحرك ببطء فوق الرخام تصدر عجلاته صوتًا خافتًا منتظمًا، بينما يدفعه الخادم بحذر من الخلف. نظرت إليه كارينا بنظرة حادة يملؤها التعالي ، ساعده الخادمان على النهوض، ووضعاه على السرير، ثم ناوله أحدهما كتابه. استأذنا وانصرفا ، تاملته قبل ان تجلس بجانبه، تراقبه بطرف عينها وهو يقرأ بتركيز ، تنهدت، ثم قالت: —سموك...؟ قلّب الصفحة ببطء : — نعم دون ان يرفع عينيه عن الكتاب. زفرت كارينا:—أحتاج أن أذهب إلى الإمبراطورية. توقف لحظة... ثم عاد يقلب الصفحات ، رفعت ذقنها، ورسمت ابتسامة بروتوكولية: —سموك؟ توقف نظر إليها بصمت لثوانٍ، ثم قال بهدوء: —سموكِ، أريدك ألا تنسي لحظة أنكِ الملكة المستقبلية للملك المستقبلي لهذه المملكة. زفرت كارينا، وأشاحت بنظرها ، تابع:—تقضين وقتًا في الإمبراطورية أكثر مما تقضينه داخل قصرك وقفت فجأة:—تتحدث وكأنني أذهب عبثًا. قال بهدوء: —ولماذا تذهبين؟ سكتت ، نظرت إليه بغضب، لا تجد جوابًا ، تأملها لحظات... ثم عاد إلى كتابه يقرا في صمت ** رفعت الخادمة الملعقة وهي تترجّى:—أرجوك، سموّ الأمير... تناول طعامك أشاح بوجهه بعناد: —لا... لا أريد. دخلت مارغريت، تجرّ خطاها بثقل توقفت تنظر من بعيد إلى ابنها الأوسط، بنظرة ضيقٍ ظاهر زفرت، ثم اقتربت:—لماذا ترفض الطعام؟ ما إن سمعت الخادمة صوتها حتى وضعت الصحن جانبًا، وقفت مستقيمة وانحنت برأسها ، اقتربت مارغريت أكثر: —لماذا لا تريد أن تأكل يا لورين؟ ظلّ ينظر في الأرجاء، باضطراب فقالت بحدّة:—لورين؟ رفع رأسه ببطء تابعت بنفاد صبر:—كُلْ طعامك. تمتم وهو ينظر إلى الأرض:—أنا... لا... لا أريد الطعام... أنا... أريد أن... أخرج. صرخت مقاطعة:—قلت لك كُلْ طعامك! انتفض الشاب، وركض ليختبئ خلف الخادمة بخوف نظرت الخادمة إليه، ثم إلى مارغريت التي كانت تغلي غضبًا. تقدمت خطوة: —قلت لك كُلْ طعامك الآن. تعلّق لورين بالخادمة أكثر، مختبئًا خلفها. قالت بصرامة: —أيها الحارسان! دخل الحارسان مسرعين وانحنيا ، قالت باقتضاب : —أمسكاه. تقدّما نحوه. اتّسعت عينا لورين بذعر ابتعدت الخادمة جانبًا، مفسحة الطريق ، أخذ لورين يتراجع وهو يرتجف، يضمّ ذراعيه إلى صدره أمسكه الحارسان وثبّتاه ، مدّت مارغريت يدها، فناولتْها الخادمة الطبق ، غرست الملعقة في الطعام، ثم قرّبتها من فمه. ظلّ مرتبكًا صرخت: —افتح فمك! نظر إلى أمّه الغاضبة، ثم إلى خادمته الواقفة بعيدًا... وفتح فمه بدأت تطعمه لقمة بعد أخرى، بسرعة، دون أن تترك له فرصة للابتلاع. كانت تقول بغيظ:—لا شيء تستطيعون فعله... أنت وإخوتك ووالدك ، حتى طعامك صار معركة. اختنق، وأخذ يسعل، لكنها لم تتوقف ، كانت تملأ فمه بالطعام بلا رحمة. ارتبكت الخادمة، وشبكت أصابعها بتوتر:—جلالتك...؟ قالت بصوت خافت ونبرة خائفة :—لا بأس سأطعمه أنا. توقفت مارغريت القت إليه نظرة قاسية، وأعادت الطبق إلى الخادمة استدارت وخرجت، والحارسان خلفها. وقفت الخادمة تراقبها وهي تبتعد، ثم التفتت إلى لورين الذي كان يبكي اقتربت منه، ووضعت كفّها برفق على وجهه:—لا بأس... حسنًا؟ أنا هنا. ** وقف بيرون عند مدخل الإسطبل، وقال بصوتٍ مسموع لفلوكاز الذي كان ينظّف الحصان:—مرحبًا، صديقاي. نظر إليه فلوكاز، ثم تنهد وأكمل عمله بصمت اقترب بيرون، ولفّ ذراعه حول عنقه:—كيف حالكما؟ ردّ فلوكاز بلا مبالاة:—بخير... كما ترى، سموّك. تركه بيرون، واتجه إلى حصانه يداعبه: —وكيف حالك يا سيراف، يا عزيزي؟ ثم التفت إلى فلوكاز:—ما بك منزعجًا هكذا؟ تنهد فلوكاز، وهو يمسك بالمِشط الذي ينظف به الحصان، وخفض رأسه ، فقال بيرون بلا مبالاة : —فلوكاز... اختصر. رفع فلوكاز رأسه قال بنبرة يملاها الحزن : حال والدتي، سموّك... إنها تسوء ، نظر إليه بيرون لحظة بصمت، ثم عاد يلاعب سيراف مبتسمًا أمسك لجام الحصان وخرج به من الإسطبل لحقه فلوكاز في صمت، وساعده في تثبيت السرج . صعد بيرون على الحصان، ثم نظر إلى فلوكاز الحزين وابتسم: —خذ إجازة... واعتنِ بوالدتك جيدًا رفع فلوكاز رأسه، واتسعت عيناه فرحًا:—حقًا؟ قال بيرون:—نعم ، وسأوكل الطبيب الملكي بها لوّح فلوكاز بيده بسرعة:—لا، لا سموّك! لا باس قال بيرون ببساطة: —حسنًا، إن كنت لا تريد... وشدّ اللجام ليحرّك الحصان أسرع فلوكاز خطوتين وهو يقول: —لا، سموّك! أرجوك... أرسل الطبيب، حقًا زم بيرون شفتيه وقال :—ممم .. لكن انت من رفض في البداية!؟ رد فلوكاز قائلا : —كنت فقط اجرب الذوق سموك . سكت بيرون قليلا ثم ابتسم ابتسامة خفيفة:—حسنًا لكن... ما رأيك اولا أن تثبت أنك كفوء؟ قضب فلوكاز حاجبيه دهشة :—كفوء؟ هزّ بيرون رأسه: —نعم. قال فلوكاز باستغراب:—وكيف؟ زمّ بيرون شفتيه وهو ينظر إلى البعيد:—هل ترى العمود هناك؟ وأشار بإصبعه إلى عمود مغروس في الأرض على مسافة. رد فلوكاز: —نعم؟ بيرون:—صل إليه قبلي. اتسعت عينا فلوكاز:—كيف؟ شدّ بيرون لجام الحصان وانطلق مسرعًا وهو يقول:—تحرّك قبل أن تخسر السباق! صرخ فلوكاز وهو يركض خلفه:—يا إلهي! لكن... كيف أسبق حصانًا، سموّك؟! على مسافة، كان الجنرال كاسبر يراقب المشهد بصمت، وخلفه مرافقه ، عينيه على بيرون الذي يضحك وهو يلتفت بين حين وآخر إلى فلوكاز الذي يحاول اللحاق به عبثًا ، ضيّق كاسبر عينيه وهو يتابع ما يحدث من بعيد.. ** بينما الإمبراطور جالسًا في الصالة، على كرسيّه الذي يليق بمكانته ، يمسك بين أصابعه كأسًا، يتأمل ذلك السائل العشبي بداخله ويحرّكه بهدوء ، عقله كان يضجّ بالأفكار، بينما الصمت يملأ المكان ، طُرق الباب طرقًا خافتًا، ثم فُتح. لم ينطق الإمبراطور، ولم يلتفت دخل الشخص المقصود رفع الإمبراطور رأسه ببطء، وقال دون أن يستدير أو يعير الداخل التفاتة: —مرحبًا، إيلادور...كأنّ التساؤلات انهالت عليه دفعةً واحدة: كيف يعرف هذا الوحش بشأن نطاق الطاقة؟ كيف يعرف المسافة المطلوبة؟ وإن كان لهذه الكائنات ملكٌ يقودها... فهي بطبيعتها بدائية، لا عقل بشريًا لها كي تتطور أو تنتظم ، لقد أُبيدت الأنواع المتقدمة منها سلفًا لوضع حدٍّ لها... لكن من يدري؟إن كانت هذه الكائنات قد تطورت إلى هذه الدرجة... فربما هذا أبسط ما لديها.شدّ كاسبر على أسنانه، ثم ركل الوحش في بطنه فتراجع للخلف. رفع كاسبر كفّه عاليًا، لكن الوحش — وبسرعة خاطفة — أمسك بمعصمه قبل أن يستوعب ما يحدث ، ابتسم له ابتسامة واسعة، ثم لوى معصمه وكسره.صرخ كاسبر متأوهًا: —يا إلهي... سحقًا!نظر إلى الوحش بغضب، ثم ركله بقوة ليندفع بعيدًا. أمسك بيده المصابة، عضّ على أسنانه، ولفّها بعنف حتى أعاد العظم إلى موضعه، يتنفس بسرعة من شدّة الألم. أغمض عينيه، وقف بثبات، أرجع إحدى قدميه للخلف، وأحكم قبضته على السيف... ثم اندفع.اصطدم السيفان، ودخلا في مبارزةٍ ساخنة؛ كلٌّ منهما يقاتل بكل ما لديه ، توقفا أخيرًا، يتنفسان بصعوبة، وصدر كاسبر يعلو ويهبط بعنف.علّق الوحش سيفه على كتفه، وابتسم بخبث قائلًا:—أتعرف أنني ألهو معك منذ ساعات
وقف كاسبر على صهوة حصانه في مقدمة الجيش ، إلى جانبه ألكسندر وأوغست، وفي الجهة الأخرى ليوبولد وخلفهم الجيش متراصٌّ في صفوف ممتدة.تقدّم كاسبر خطوة، ثم استدار بحصانه ليواجه الجنود، بينما بقي الثلاثة في ثباتهم قال بصوت جهوري، ممسكًا بلجام حصانه:—اسمعوا أيها الجيش...ساد الصمت.تابع :—تذكّروا جيدًا أننا ندخل أقوى وأرعب أرض... أرض تايتا. مقبرة البشرية.شدّ على اللجام :—لكن تذكّروا... لا شيء أقوى من كاليمور وجيشها ، رفع صوته أكثر:—اثبتوا! ترابطوا. ! وإياكم والتردد!ثم صرخ:—إما النصر... أو النصر!»ارتجّ الميدان بصوت الجنود:—تحيا كاليمور! يحيا الجيش الكاليموري! بينما كانت الهتافات تتصاعد، ظل أوغست يمسح الأفق بنظرة حادة، يقيّم الأرض والاتجاهات بصمترفع كاسبر يده عاليًا وأشار: —الوحدة الأولى إلى الشرق!تحرّك جيش ليوبولد ، الوحدة الثانية إلى الغرب...!اندفع جيش ألكسندر ، الوحدة الثالثة إلى الشمال! تحرّك جيش أوغست ثم قال اخيرا: —الوحدة الأخيرة... خلفي.استدار بحصانه وانطلق، فتبعته القوات، وغبار الرمال يرتفع تحت حوافر الخيل توقّف أوغست لحظة نظر إلى كاسبر وهو يبتعد مع جيشه...ثم استدار بصمت، وأكمل طر
تراجعت كارينا خطوة صغيرة إلى الخلف، وكأن كلمة "وفاق" لم تكن بريئة كما بدت لها تسارعت أنفاسها أكثر، وعيناها ما زالتا معلّقتين به بحذر ، قالت بصوت منخفض متردد: —و... ما معنى هذا الوفاق؟ابتسم بيرون ابتسامة خفيفة، وأدار رأسه قليلًا كأنه يختار كلماته بعناية:—معناه بسيط جدًا... اقترب خطوة واحدة فقط دون أن يلمسها، لكن المسافة بينهما صارت خانقة: —أن نتوقف عن لعب دور الأعداء.سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أخف، شبه ساخرة:—أنا لا أحب أن أكون عدوًا لأحد... خصوصًا لمن يحمل أسرارًا خطيرة كهذه.ارتجفت أصابعها قليلًا ،قالت بسرعة:—أنا لا أفهم ما تقصده ، اسرار ماذا؟رفع حاجبه، ثم أشار بخفة إلى المكان الذي كان فيه الكاتب قبل قليل، اغمضت عينيها بحسرة على حالها ، خفض صوته:—دعيني أكون أوضح...اقترب نصف خطوة أخرى، فشدّت جسدها تلقائيًا :—أنا لم أركِ... ولم أرَ شيئًا لا الكاتب... ولا هذا المشهد المثير للاهتمام.ثم أضاف بسخرية خفيفة:—وأنتِ ..من الآن فصاعدًا... ابنة بارة بعمها حسناً؟؟ ثم...أليس العم أبًا؟ارتجفت شفتاها: —ولِمَ تظن انني سوف أفعل ما تريد؟ابتسم بيرون بهدوء غريب:—لأنكِ ذكية ، ثم أمال رأسه قليلًا: —وا
اتكأ إيلادور على الكرسي :-أنا أسمع... تفضّلي يا آنسة... ....ريموندا؟ ، نظرت إليه بامتعاض، وتمتمت بصوت خافت:—هل يدّعي أنه لا يتذكر اسمي جيدًا؟؟؟قال إيلادور:—معذرة؟ ، رفعت ريموندا رأسها بسرعة، وقالت وهي تتدارك بابتسامة قصيرة:—لا، لم أقل شيئًا. عمومًا... لديّ مخزون أسئلة لدرجة أنني لا أعرف بأيّها أبدأ!سكت لحظات، ثم قال:—اسألي أي شيء. أنا أسمع.رفعت سبابتها قائلة :—وستجيب عليها كلها، أليس كذلك؟نظر إليها ورد بهدوء: —سأجيب على ما أعرف.ضيّقت عينيها قائلة : —أنت تعرفها كلها . ما أعنيه... أنك لن تتفادى الإجابة.فرد ببرود:—بل سأتفادى ما لا يناسبني. لذا اسألي... دون شروط ، تلفّتت بتذمر، فتنهد قائلا :—ألن تسألي؟التفتت إليه ثم قالت : آه... نعم. في الحقيقة... كيف تُضيئون الأماكن هنا؟ عقد حاجبيه تساؤلاً: كيف؟ لا أفهم قصدك.قالت على استحياء:—نحن نستخدم الشموع لإضاءة الحجرات و... هزّ رأسه وقد فهم: —آه... تسألين عن تلك القوة التي تُنير بلا فتيل!!؟؟سكت لحظة، ثم قال: —نسميها كهرباء ، وأشار إلى الجدار:—هي نورٌ يسري في أسلاك خفية، كما يسري الماء في القنوات لا زيت لها، ولا نار... ومع ذلك تملأ المكان
عمَّ الصمت والهدوء ، قال الإمبراطور دون أن يلتفت: "تفضّل"اقترب إيلادور رفع الإمبراطور كأس العصير وارتشف منه، بينما كان إيلادور يتأمّله بصمت تقدّم بخطوات ثقيلة تهزّ الأرض حتى وقف أمام الإمبراطور مباشرة، ينظر إليه بحدّةٍ اعتادها الجميع منه؛ وجهٌ متجهّم لا يعرف اللين.رفع الإمبراطور رأسه ، تبادلا النظرات وضع الإمبراطور كأسه على الطاولة وأشار بكفّه إلى إيلادور أن يجلس نظر إليه لحظة، ثم جلس على الكرسي المقابل، وظلّ ينظر بثبات دون أن ينبس بكلمة.ابتسم الإمبراطور ابتسامة خفيفة، وخفض رأسه قليلًا وقال:—اسكب لنفسك كأسًا... لعلّنا سنقول الكثير.نظر إيلادور إلى القنينة الزجاجية، ثم إلى الكأس الفارغ أمامه، ورفع رأسه متكئًا وقال:—ألستَ من استضافني؟ اسكب لي أنت.توقف الإمبراطور والكأس بين يديه، ثم ابتسم بسخرية خفيفة وضعه جانبًا واتكأ على كرسيّه قائلًا:—أظنّ أن والدك علّمك أشياء كثيرة يا إيلادور... لكنه لم يعلّمك الخوف.ظلّ إيلادور صامتًا تابع الإمبراطور:—وهذا طبيعي... لا يمكنه أن يعلّمك شيئًا هو شخصيًا لا يعترف به ، والدك كان محاربًا قويًا... وصديقًا جيدًا لي.»عقد إيلادور حاجبيه أكثر حتى بدا وجهه
جلست ريموندا على طرف السرير، حيث كان إيلادور يغطّ في نومٍ مضطرب، يتعرّق بغزارة ولأول مرة... تراه عن قربٍ إلى هذه الدرجة. كان شعره الأسود الفحمي يصل إلى نهاية عنقه وتلك الظلال الداكنة تحت عينيه الحادتين ، كانت تدل على الإجهاد الذي يعيشه وتلك التجاعيد بين حاجبيه ، تلك التي طُبعت على وجهه من كثرة ما كان يقطّبهما ، أثر شاربٍ خفيف بالكاد يُرى ،عظام فكه البارزة ووجهه... المليء بالخدوش ،قديمة... وجديدة آثار معارك لا تُحصى.وهناك ندبةٌ قديمة تبدأ من مدمع عينه اليسرى، تمتد مائلةً عبر وجهه حتى تصل إلى نهاية أنفه في الجهة اليمنى وضعت كفّها برفق على جبينه كان جسده يشتعل كالنار من شدّة الحمى.تمتمت بقلق: —يا إلهي... ماذا عليّ أن أفعل؟ نظرت إلى الباب... ثم إليه ، فخاطبت نفسها بخفوت: —لقد رفض قطعًا أن أخبر أحدًا...سكتت لحظة تفكّر بحيرة ثم قالت: —على الأقل... يجب أن أُخفّف هذه الحرارة ، وقفت لتستعد لتخرج لكنه تحرّك قليلًا فتوقّفت، راقبته مال برأسه قليلًا... لكنه ظل نائمًا تنفّست بعمق، ثم خرجت من الجناح بعد دقائق، عادت تحمل وعاءً ممتلئًا بالماء، ومعه قطع قماش.جلست قرب رأسه ،بلّلت القماش ، عصرته فو