تسجيل الدخولتراجعت كارينا خطوة صغيرة إلى الخلف، وكأن كلمة "وفاق" لم تكن بريئة كما بدت لها تسارعت أنفاسها أكثر، وعيناها ما زالتا معلّقتين به بحذر ، قالت بصوت منخفض متردد: —و... ما معنى هذا الوفاق؟
ابتسم بيرون ابتسامة خفيفة، وأدار رأسه قليلًا كأنه يختار كلماته بعناية:—معناه بسيط جدًا... اقترب خطوة واحدة فقط دون أن يلمسها، لكن المسافة بينهما صارت خانقة: —أن نتوقف عن لعب دور الأعداء. سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أخف، شبه ساخرة:—أنا لا أحب أن أكون عدوًا لأحد... خصوصًا لمن يحمل أسرارًا خطيرة كهذه. ارتجفت أصابعها قليلًا ،قالت بسرعة:—أنا لا أفهم ما تقصده ، اسرار ماذا؟ رفع حاجبه، ثم أشار بخفة إلى المكان الذي كان فيه الكاتب قبل قليل، اغمضت عينيها بحسرة على حالها ، خفض صوته:—دعيني أكون أوضح... اقترب نصف خطوة أخرى، فشدّت جسدها تلقائيًا :—أنا لم أركِ... ولم أرَ شيئًا لا الكاتب... ولا هذا المشهد المثير للاهتمام. ثم أضاف بسخرية خفيفة:—وأنتِ ..من الآن فصاعدًا... ابنة بارة بعمها حسناً؟؟ ثم...أليس العم أبًا؟ ارتجفت شفتاها: —ولِمَ تظن انني سوف أفعل ما تريد؟ ابتسم بيرون بهدوء غريب:—لأنكِ ذكية ، ثم أمال رأسه قليلًا: —والأذكياء لا يخسرون أنفسهم من أجل لحظة تهور. سكن المكان ، كان الهواء بينهما مشحونًا، كأن الحديقة تقلّصت فجأة ، قالت أخيرًا بصوت منخفض:—وما الذي تريده فعلًا مقابل صمتك؟ أجاب فورًا، وكأنه سئم من تكرار السؤال:—كما قلت... الوفاق. تنهدت قائلة :—قل ما تريده بوضوح ، بالتحديد ، ليس هذا اللغز الذي يحتاج تفكيك . رد بهدوء:—أريد أن أفهم فقط... ما الذي يحدث في هذه القلعة تجمدت في مكانها تابع بنبرة أخف، لكنها أخطر: —لأن شيئًا ما هنا بدأ يتحرك خارج سيطرتي. اقترب خطوة أخيرة، ثم توقف تمامًا:—وأنا لا أحب المفاجآت... خصوصًا تلك التي تأتي من العائلة ، صمت لحظه ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، باردة: —إذن... أنتِ خياران يا كارينا... إما أن تكوني بجانب نفسك..او تخسريها. ** كانت الغابة هادئة، لا يُسمع فيها إلا صوت العصافير، بينما تنعكس أشعة الشمس على النهر الذي يشق طريقه بين الصخور وتدفقات الشلالات. كان النهر محاطًا بالأشجار من الجانبين، وكأنه شريط فضي موضوع بعناية وسط لوحة طبيعية متقنة، هندسة ربانية لا خطأ فيها. هناك، في منتصف الغابة، جلس هو ، شبك بين قدميه، مغمض العينين، في وضعية تأمل ساكنة تمامًا ، الهواء حوله بدا ثابتًا رغم الحياة المحيطة، كأن الزمن نفسه قرر أن يخفض صوته احترامًا لهذا السكون. لكن خلف الأشجار... لم يكن كل شيء هادئًا ، جنود يتحركون على أطراف أصابعهم، بالكاد يصدرون صوتًا، يتقدمون بحذر شديد. كانوا يراقبونه من خلف الغطاء النباتي، ينتظرون الإشارة. اللواء كان بينهم، يشير بصمت، يوجههم لتطويق المكان من كل الجهات خطته كانت واضحة: إحاطة كاملة دون أي فرصة للهروب. وفجأة...فتح الرجل عينيه ببطء شعر بهم لكن ملامحه لم تتغير. لم يلتفت، لم يتحرك، فقط ترك انطباعًا باردًا يوحي بأنه لم يلاحظ شيئًا. ثم في لحظة خاطفة...شعر بثقل اللواء يقترب منه مباشرة. لكن قبل أن تصل قدما اللواء إلى نقطة المواجهة... اندفع الرجل إلى الأعلى بسرعة هائلة قلب جسده في الهواء، شقّ الفضاء بخفة غير طبيعية، ثم استقر على أحد أغصان الأشجار الكبيرة، كأنه كان هناك منذ البداية. رفع اللواء رأسه بسرعة، فوجد الرجل ينظر إليه من الأعلى. مال روبين قليلًا براسه وهو على الغصن، قائلاً بابتسامة ساخرة: "ويحك يا هذا... من تظنني؟" هنا صرخ اللواء: —هجوم! وفي لحظة واحدة، خرج الجنود من كل اتجاه، يحاصرون الأشجار والدائرة بالكامل. رفع اللواء كفه للأعلى، وتجمع شعاع كثيف في يده، تشكّل على هيئة سيف طاقي أمسكه بقوة وغرسه في الأرض فانتشر الضوء على شكل دائرة ضغطت على التربة وكأنها ختم قتال. رفع رأسه وقال بصرامة:—المكان محاصر يا ذا القبعة. زمّ روبين شفتيه ورد ببرود:—اسمي روبين، وليس ذا القبعة يا هذا. عقد كاستيل حاجبيه، بينما الجنود شدّوا على أسلحتهم ، بعضها أسلحة نارية، وبعضها سيوف مشحونة بالسحر جلس روبين على الغصن أكثر راحة، وقد تدلت قدماه في الهواء وقال بهدوء ساخر: —حسنًا... لماذا أنا محاصر الآن؟ ظل كاستيل يحدق فيه بحدة دون إجابة، بينما أضاف روبين:—أعتقد أنك فتحت نطاق طاقة الآن، أليس كذلك؟ ثم ابتسم بخفة: —حسنًا... أظنني سأنتظر هنا إلى ما شاء الله أعلم يقينًا أنكم لن تطلقوا عليّ... تحتاجونني حيًا وقبل أن يكمل جملته...انطلق صوت إطلاق نار. رصاصة شقت الهواء، أطلقها الضابط للأعلى أولًا، ثم وجّه سلاحه نحو روبين مباشرة وقال:—أنت مخطئ نحن مأمورون بإحضارك حيًا كنت أو ميتًا. سكت المكان للحظة تبدلت النظرات بين روبين وكاستيل والضابط، توتر كثيف كأنه يضغط على الهواء نفسه ، ثم رفع روبين يديه ببطء، وقال بهدوء: —أنا لا أفهم... نحن لسنا أعداء، حسنًا؟ ابتسم ابتسامة خفيفة وأضاف:—أنا أستسلم حسنًا؟ رغم أنني أجهل أصلًا جريمتي ، ثم أشار نحو الأرض:—أزيحوا، سأهبط. بقي الجنود في أماكنهم، مترددين، أسلحتهم ما تزال موجهة نحوه نظر كاستيل والضابط لبعضهما بحدة صامتة. أخيرًا، أشار اللواء بإيماءة خفيفة تراجع الجنود قليلًا، دون أن يخفضوا أسلحتهم تمامًا قفز روبين من الغصن ، نزل بخفة غير طبيعية، كأنه يطفو، ثم استقر على الأرض بثبات وقف ببطء، ينفض عن ثيابه، ثم قال بابتسامة خفيفة:—حسنًا... من يبدأ بشرح لماذا كل هذا الترحيب؟ تحرّكت أوراق الأشجار ببطء وانسيابية مع الرياح الخفيفة، بينما بقي التوتر معلقًا في الهواء كأن الغابة نفسها تنتظر نتيجة ما سيحدث ، الجنود كانوا في حالة تأهب قصوى، والضابط واللواء في وضع استعداد كامل. في لحظة واحدة فقط...اندفع روبين ذو القبعة فجأة نحو أحد الجنود لم يعطِ أي فرصة للرد ، ركل السيف من يده، ثم لف يده حول عنق الجندي وهو خلفه ، جاعلًا جسده درعًا بشريًا. ارتبك الصف فورًا " لا تطلقوا النار! " صرخ الضابط، لكن الأوان كان قد فات انطلقت رصاصة اصطدمت بجسد الجندي ، سقط بين يدي روبين ، بينما استغل روبين الفوضى، وطرح الجندي نحو آخر، فاختلط الصف بالكامل، وسقط سلاح أحدهم بين يديه. تراجع الجنود في ارتباك، بعضهم فقد توازنه، وآخرون ترددوا بين إطلاق النار أو التراجع ، الضابط صرخ: —لا تفقدوا هدوءكم! ابقوا في أماكنكم! إنه رجل واحد فقط ! و.. لكن في اللحظة التالية...شعر بشيء بارد خلف رأسه. صوت هادئ قرب أذنه:—ارمِ ما في يدك... أرضًا تجمد الضابط ، ضغط روبين ذو القبعة السلاح على رأسه بقوة أكبر: —هل تريد الموت؟ ارتجف الضابط، ثم ألقى سلاحه ورفع يديه ببطء ، قال روبين بهدوء:—جيد... والآن اطلب من جنودك أن يفعلوا الشيء نفسه. بصوت متوتر: —ألقوا أسلحتكم!ترددوا لحظة واحدة فقط... ثم بدأت الأسلحة تسقط واحدة تلو الأخرى على الأرض. لكن في غمضة عين، أطلق روبين النار سقط عدد من الجنود أرضًا دفعة واحدة، قبل أن يتمكن أحدهم من الرد ، في نفس اللحظة، استغل الضابط الارتباك ضرب روبين بمرفقه على وجهه حتى تراجع للخلف وفر هاربا ، رفع روبين سلاحه وأطلق. لكن الرصاصة لم تصبه ارتطمت بحاجز غير مرئي وسقطت أرضًا توقف روبين لحظة، عينيه تضيقان ، هناك من بعيدا كان اللواء كاستيل، رافعًا يده بهدوء، وقد تشكّل حول المنطقة حاجز طاقي واضح. تنهد واقترب بخطوات ثابتة، ثم قال: —يكفي يا... روبين ذو القبعة نظر روبين نحوه بحدة للحظة ثم رفع يديه ببطء، لا يزال ممسكًا بالسلاح:—حسنًا... أظنني أستسلم أنا أعلم يقينًا أنني لن أهزم تعاويذ نيڤاريم بسلاح ناري. صرخ الضابط:—اقتله يا لواء! لقد قتل جنودنا! لكن كاستيل لم يرد بقي ينظر إلى روبين بصمت ثقيل فقال روبين بسخرية:—لم تفهم بعد؟ ثم أشار برأسه نحو الجثث:—هؤلاء لم يكونوا هدفًا... بل اختبارًا. اتسعت عينا الضابط:—ماذا؟! تابع روبين:—كانوا مجرد أضحية لاختباري. ارتجف الضابط، ثم نظر نحو كاستيل:—سيدي اللواء... هل هذا صحيح؟! لكن كاستيل لم يرد ظل ينظر فقط إلى روبين اردف روبين، ساخرا: —أرجوك... ألم ترَ كيف أنقذ حياتك بينما تجاهل حياة البقية؟. تابع روبين بهدوء أكثر: —لكني ايضا كنت أختبر مدى سرعة رد فعلكم... ونطاق الحاجز... وطريقة تفاعلكم مع الخوف. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة:—والنتيجة... متوقعة جدًا. صرخ الضابط:—اخرس أيها الجاهل ذو القبعة! تنهد روبين:—اي يكن ، تقدّم كاستيل خطوة أخرى وقال بهدوء: —نحن لسنا هنا لقتلك يا سيد روبين. رفع روبين حاجبه:—حقًا؟ من طريقة الترحيب ظننت العكس اقترب كاستيل أكثر:—الملك يريد مقابلتك سكت المكان ، روبين نظر إليه طويلًا، ثم أرخى كتفيه قليلًا، وكأنه يفكر في عبء الخبر أكثر من الخطر نفسه. قال بصوت مرتفع ساخر:—يا روبين... لقد أصبحت مهمًا حتى الملوك يريدون لقائك ، ظل كاستيل ثابتًا. بينما الضابط، في الخلف، يضغط على قبضته بغضب مكتوم، غير قادر على استيعاب ما حدث للتو استدار كاستيل ومضى في طريقه، بينما تبعه روبين ذو القبعة بخطوات هادئة، وكأن ما حدث قبل لحظات لم يكن سوى مشهد عابر. مرّ كاستيل بجانب الضابط وقال ببرود:—تحرك أيها الضابط. ثم تابع سيره بلا اكتراث ، بقي الضابط واقفًا في مكانه، يحدّق في المشهد وهو يبتلع ريقه بصعوبة عينيه انتقلتا بين الأرض... حيث سقط الجنود... وبين الفراغ الذي كان يجب أن تكون فيه آثار واضحة لما حدث. لكن...لا شيء لا دماء، لا جثث، لا حتى بقايا اشتباك. اتسعت عيناه تدريجيًا تمتم بصوت منخفض مرتجف:—هل... كان تعويذة وهم؟ تلفّت حوله بارتباك، كأنه يحاول العثور على دليل واحد فقط يؤكد أن ما رآه كان حقيقيًا ، بينما كان كاستيل يواصل السير دون أن يلتفت، وروبين خلفه يثرثر بلا اكتراث، كانت أفكار الأخير تدور بهدوء داخلي مختلف. في داخله، قال روبين لنفسه:—أنا متأكد أن أولئك الناس كانوا مجرد وهم... نسخة ميدانية مصممة لقياس رد الفعل. لا أظن أنهم سوف يقومون بتضحية عشوائية بهذا الشكل نظر بخفة نحو ظهر كاستيل. أنت فقط أردت أن تختبرني... رد فعلي، حدّي، طريقتي في القتال. ابتسم ابتسامة خفيفة لنفسه :—لكن السؤال الحقيقي... لماذا لم تسأل نفسك؟ لماذا لم أفتح نطاق قوة منذ البداية؟ خفض نظره قليلًا وهو يسير:—مع انني كنت أملك الوقت الكافي لذلك ثم أضاف في داخله بهدوء ساخر:—على كل حال... أظن أننا كلانا نريد أن ينتهي هذا اللقاء بهذا الشكل رفع رأسه مجددًا، وكأن الأمر قد حُسم في ذهنه بالكامل، واستمر في السير خلف كاستيل دون استعجال. ** دخلت المرأة منزلها وهي تعرج من التعب والمرض، كان ابنها خارجًا بينما هي تدخل كادت تسقط حينها ركض إليها ابنها والتقطها ثم قال بارتباك شديد:—يالهي ما بكِ أمي؟ ساعدها ووضعها برفق على الأرض وركض وعاد بكوب ماء، مدّه إليها. أخذته منه بيد مرتجفة وشربت من الكأس ونظرت إلى القلق الذي يكسو عينيه، وضعت كفها برفق على خديه وقالت:—لا تقلق، والدتك بخير. تنهد وتلفت جانبًا ثم وقف وقال:—ما معنى بخير التي تنطقينها؟ أنتِ دائمًا متعبة ومريضة ومرهقة، إلى أي درجة أنتِ حقًا بخير؟ عموما لن تذهبي اليوم للعمل، سأذهب بدلًا عنك. استدار ليذهب، وقفت بسرعة وأمسكت ذراعه وهزت رأسها نفيًا:—لا لا تخرج. زفر ومال برأسه للخلف:—لكن إلى متى؟ قالت أمه وهي تمسك وجهه بكلتا يديها: —في الوقت المناسب يا بني، لما الاستعجال للعمل! أنت لا تزال صغيرًا. صرخ:—أنا لست صغيرًا يا أمي، استوعبي ذلك! أنا الآن في السابع عشر! وتابع قائلا بحدة: —اسمعي ، لقد سئمت من السجن داخل المنزل. ثم دخل مستاء تابعته بنظرها وخفضت رأسها بحزن ، طرق بابها. اتجهت إليه وقالت قبل أن تفتح:—من؟ قال من خلف الباب: —جارتك فريدة. زفرت براحة وفتحت لها جلست المرأتان تتبادلان أطراف الحديث، كل تشكي همومها من الفقر والمرض والتعب، لتقول المرأة:—ابني يصر على الخروج ولا يعرف ما ينتظره من عذاب. سكتت فريدة فيما امتلأت عين الأم بالدموع وقالت:—لم يبقَ لي سوى ثلاث سنوات فقط. اتسعت عين جارتها وأمسكت بكلتا يديها:—كيف؟ ثلاث سنوات؟ خفضت بصرها وقالت: —لقد كنت أعوّض عن حياة ابني وحياتي، كنت أقايض عامين كل مرة بدل عام ، لقد سمعت اليوم الجندي يقول إنه تبقى من حياتي ثلاث سنوات. غطت فريدة فمها بكفها أثر الصدمة ثم أمسكت يد جارتها بقوة وقالت:—هون عليكِ، كوني قوية ثم قالت:—لكن أليس الحصاد كل عام؟ لماذا قلتِ اليوم؟ رفعت الأم رأسها وقالت: —كيف لم تسمعي؟ اليوم قائد الجيش نفسه كاسبر هو من جاء لأجل الحصاد ، سمعت أنه هناك حرب أو شيء كهذا عموما هذا الحصاد مختلف وله امتياز... سيحصل ولدي على فرصة الانضمام لأفضل مراتب الجيش. امتلأت عينها بالدمع: —عندها ابني هو من سيُحصَد، وليس من يكون من المحصودين خفضت فريدة بصرها وشدت على يد الأم بقوة، بينما كان ابنها يسمعها وهو مختبئ خلف الجدار، اتسعت عيناه وهو يتكئ ببطء على الجدار ويهز رأسه نفيًا. ** كان بيرون يهتز في الكرسي الهزاز داخل جناحه ليلًا قرب النافذة الواسعة، بينما ضوء القمر يشق الغرفة ويترك على الأرض وعلى جسده ظلالًا قضبانً النافذة . ظل ينظر إلى البعيد بصمت، وعقله مشغول بكل ما يجري. انحنى قليلًا، وأسند مرفقه على ذراع الكرسي، بينما أصابعه تلامس شفتيه في عادة تفكير ثقيلة. تنهد ثم عاد يتكئ، والكرسي يواصل اهتزازه البطيء، وعيناه تتابعان الفراغ خلف الزجاج. مدّ يده إلى جيبه، وأخرج بلورة مشعة رفعها أمام عينيه، يحدق فيها طويلًا في ذاكرته ترددت كلمات قديمة: —متى ما شعرت أنك قادر على كبح غضبك... وأنك مستعد للانفجار... استخدمها ، لكن قبل ذلك لا تلمسها، لأنها ستسلبك توازنك. زفر بهدوء، وأعاد البلورة إلى جيبه لكن يده اصطدمت بشيء آخر. أخرجه كانت قلادة ريموندا ، تجمد للحظة ثم ارتخت ملامحه قليلًا. رفعها من سلسالها، فتدلت القلادة في الهواء تحت ضوء القمر، تتمايل ببطء. بقي ينظر إليها بصمت طويل، ثم قال بصوت منخفض، أقرب إلى نفسه:—هل... ستجمعنا الصدف مجددًا؟ ظل الكرسي يهتز بهدوء، بينما القلادة تتأرجح بين الضوء والظل، كأنها تحمل جوابًا لا يُقال. ** دخل إيلادور بهدوء وأغلق الباب خلفه ما إن رأته الخادمة حتى وقفت بسرعة وانحنت، ثم ابتعدت لتفسح له الطريق دون كلمة تقدّم نحو السرير وجلس بجانبه كانت أديلين نائمة، أو هكذا بدت... هدوء غير مألوف يلفها، بعيد عن ضجيج السيوف، وصوت المعارك، والدماء التي اعتاد أن تراها في الخارج. ظل يحدّق فيها بصمت ، ثم قال دون أن يرفع عينيه عنها:—هل أُطعمت؟ انحنت الخادمة بسرعة:—نعم جلالتك. سكت لحظة ثم تابع:—وهل نُظّفت؟ أجابت الخادمة:—نعم جلالتك. هز رأسه ببطء ، ظل واقفًا للحظة أخرى، ينظر إليها آخر نظرة طويلة، ثم استدار وخرج من الجناح بهدوء، وأغلق الباب خلفه. ** كانوا داخل خيمة عسكرية كبيرة، يناقشون استراتيجية الخطة الحربية التفّ الجميع حول الطاولة، حيث ارتفعت فوقها خريطة سحرية ثلاثية الأبعاد، تضاريس تتحرك، وطرق تتشكل، ووميض نقاط تمثل الجيوش ومواقعها. الجميع منصت، أعينهم معلقة بالخريطة ، كان الإمبراطور نيروفان يشرح الخطة بتفصيل دقيق، يشير بيده فتتحرك التضاريس، ويعيد توزيع النقاط المضيئة أمام القادة فجأة... اندفع بيرون الصغير إلى داخل الخيمة، يلوّح بسيفه الخشبي توقفت الأعين عليه لحظة... ثم عاد الجميع إلى تركيزهم وكأن شيئًا لم يحدث ، حاول نيروفان ان يكمل حديثه، لكن بيرون لم يتركه. "أبي! أبي! انظر إلى سيفي!" التفت إليه سريعًا، ابتسم وقال: —إنه رائع ثم عاد فورًا إلى الشرح ، لكن بيرون شدّه من ثوبه مجددًا. التفت نيروفان مرة أخرى، فقال بيرون بجدية:—لا، سيفي ليس رائعًا يا أبي. تنهد القائد دوريفال، ونظر جانبًا، ثم قال بنبرة حازمة: —يا سمو الأمير ، رفع بيرون رأسه ينظر إليه بعينيه الواسعتين، المليئتين ببراءة طفولية فقال دوريفال: —نحن مشغولون اخرج والعب خارجًا. زمّ بيرون شفتيه بغضب:—لا! لا أريد! ثم إنني لا ألعب... أنا أشتكي! تنهد دوريفال مجددًا، ولفّ وجهه جانبًا ، بطبيعته لم يكن يستلطف الأطفال، ولا يجدهم ظرفاء ابتسم نيروفان ابتسامة واسعة حتى ضاقت عيناه، وارتسمت عند أطرافهما تجاعيد لطيفة من شدة التضيّق ، انحنى وجلس على ركبته أمام ابنه وقال بلطف: —اشكُ يا أميري... أنا أسمعك. قال بيرون: —هل تعرف أن إيلادور حصل على سيف حقيقي!؟، بينما أنا حصلت على سيف خشبي؟ هذا ليس عادلًا! أنا أريد سيفًا حقيقيًا أيضًا! ضحك نيروفان ضحكة صافية حتى ظهرت أنيابه، تورّدت وجنتاه، وظهرت غمزتاه بوضوح ، بعثر شعر ابنه بلطف وقال: —ستحصل عليه... لا تقلق. ثم—انقطع المشهد فجأة. سمع صوتًا يقول:—أرى أنك تبتسم وأنت نائم... يبدو أنه حلم جميل، أيها الإمبراطور. فتح عينيه ببطء ، كانت الإمبراطورة واقفة قربه، ظهرها إليه رمش نيروفان قليلًا، ثم التفت برأسه جانبًا... قبل أن تتغير ملامحه تدريجيًا. عبس ما ان جاءته رائحة كريهة قطعت أثر الحلم تمامًا التفت فوجد الإمبراطورة قد استدارت نحوه، وعيناها تراقبان ملامحه ببرود. سحبت الكرسي للخلف قليلًا، ثم جلست قرب السرير وقالت بهدوء:—هل تزعجك الرائحة ؟! ظل ينظر إليها بصمت. ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم تابعت: —من كان يظن أن إمبراطور العالم، مهجد الممالك... الرجل الذي يخاف الناس من ذكر اسمه... يمكن أن يبدو ضعيفًا إلى هذا الحد؟ يصل إلى مرحلة يصبح فيها فراشه مرحاضه؟ أغمض عينيه كأن كلماتها لم تكن مجرد حديث، بل رصاصات تتساقط ببطء ، كانت نوباته يعرفها جيدًا... تأتيه بين فترة وأخرى، منذ آخر فترة، تزداد حين يضعف أكثر. ابتسمت الإمبراطورة، وتابعت بنبرة لا تخلو من سخرية خافتة:—نحن البشر كائنات رديئة... ومذلولة حقًا. ظل ينظر إليها بصمت ثم أضافت، وكأنها تتحدث مع نفسها: —رغم أن الموت أرحم... إلا أننا نختار الحياة، حتى لو كانت مهينة. ثم أعادت نظرها إليه مباشرة:—رائحة هذا المكان... أسوأ أم الموت أيها الإمبراطور؟ لم يجب ، قالت وهي تميل قليلًا للأمام:—لا أحد في الخارج يعرف مقدار الضعف الذي وصل إليه إمبراطور العالم... حتى أقرب الناس إليك ، أغمض عينيه بقوة ليس غضبًا بل عجزًا انحنت أكثر، وأسندت خدها إلى كفها وهي تتأمله:—هذه القوة تهينك كثيرًا. اعتدلت في جلستها، ثم اتكأت للخلف:—وستقتلك قريبًا. سكتت لحظة ثم قالت بوضوح:—توقف عن العاطفة ، واستخدم عقلك ، رفعت ساقًا فوق أخرى من جديد :—إن متّ الآن دون أن تضع خليفة واضحًا... فأنت تقرر بيدك أن ينهار كل ما بنيته. رفع عينيه إليها بصعوبة:—وماذا تقترحين؟ نظرت إليه، وارتسمت على وجهها ابتسامة جانبية خفيفة:—أنت تعرف جيدًا... أيها الإمبراطور.كأنّ التساؤلات انهالت عليه دفعةً واحدة: كيف يعرف هذا الوحش بشأن نطاق الطاقة؟ كيف يعرف المسافة المطلوبة؟ وإن كان لهذه الكائنات ملكٌ يقودها... فهي بطبيعتها بدائية، لا عقل بشريًا لها كي تتطور أو تنتظم ، لقد أُبيدت الأنواع المتقدمة منها سلفًا لوضع حدٍّ لها... لكن من يدري؟إن كانت هذه الكائنات قد تطورت إلى هذه الدرجة... فربما هذا أبسط ما لديها.شدّ كاسبر على أسنانه، ثم ركل الوحش في بطنه فتراجع للخلف. رفع كاسبر كفّه عاليًا، لكن الوحش — وبسرعة خاطفة — أمسك بمعصمه قبل أن يستوعب ما يحدث ، ابتسم له ابتسامة واسعة، ثم لوى معصمه وكسره.صرخ كاسبر متأوهًا: —يا إلهي... سحقًا!نظر إلى الوحش بغضب، ثم ركله بقوة ليندفع بعيدًا. أمسك بيده المصابة، عضّ على أسنانه، ولفّها بعنف حتى أعاد العظم إلى موضعه، يتنفس بسرعة من شدّة الألم. أغمض عينيه، وقف بثبات، أرجع إحدى قدميه للخلف، وأحكم قبضته على السيف... ثم اندفع.اصطدم السيفان، ودخلا في مبارزةٍ ساخنة؛ كلٌّ منهما يقاتل بكل ما لديه ، توقفا أخيرًا، يتنفسان بصعوبة، وصدر كاسبر يعلو ويهبط بعنف.علّق الوحش سيفه على كتفه، وابتسم بخبث قائلًا:—أتعرف أنني ألهو معك منذ ساعات
وقف كاسبر على صهوة حصانه في مقدمة الجيش ، إلى جانبه ألكسندر وأوغست، وفي الجهة الأخرى ليوبولد وخلفهم الجيش متراصٌّ في صفوف ممتدة.تقدّم كاسبر خطوة، ثم استدار بحصانه ليواجه الجنود، بينما بقي الثلاثة في ثباتهم قال بصوت جهوري، ممسكًا بلجام حصانه:—اسمعوا أيها الجيش...ساد الصمت.تابع :—تذكّروا جيدًا أننا ندخل أقوى وأرعب أرض... أرض تايتا. مقبرة البشرية.شدّ على اللجام :—لكن تذكّروا... لا شيء أقوى من كاليمور وجيشها ، رفع صوته أكثر:—اثبتوا! ترابطوا. ! وإياكم والتردد!ثم صرخ:—إما النصر... أو النصر!»ارتجّ الميدان بصوت الجنود:—تحيا كاليمور! يحيا الجيش الكاليموري! بينما كانت الهتافات تتصاعد، ظل أوغست يمسح الأفق بنظرة حادة، يقيّم الأرض والاتجاهات بصمترفع كاسبر يده عاليًا وأشار: —الوحدة الأولى إلى الشرق!تحرّك جيش ليوبولد ، الوحدة الثانية إلى الغرب...!اندفع جيش ألكسندر ، الوحدة الثالثة إلى الشمال! تحرّك جيش أوغست ثم قال اخيرا: —الوحدة الأخيرة... خلفي.استدار بحصانه وانطلق، فتبعته القوات، وغبار الرمال يرتفع تحت حوافر الخيل توقّف أوغست لحظة نظر إلى كاسبر وهو يبتعد مع جيشه...ثم استدار بصمت، وأكمل طر
تراجعت كارينا خطوة صغيرة إلى الخلف، وكأن كلمة "وفاق" لم تكن بريئة كما بدت لها تسارعت أنفاسها أكثر، وعيناها ما زالتا معلّقتين به بحذر ، قالت بصوت منخفض متردد: —و... ما معنى هذا الوفاق؟ابتسم بيرون ابتسامة خفيفة، وأدار رأسه قليلًا كأنه يختار كلماته بعناية:—معناه بسيط جدًا... اقترب خطوة واحدة فقط دون أن يلمسها، لكن المسافة بينهما صارت خانقة: —أن نتوقف عن لعب دور الأعداء.سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أخف، شبه ساخرة:—أنا لا أحب أن أكون عدوًا لأحد... خصوصًا لمن يحمل أسرارًا خطيرة كهذه.ارتجفت أصابعها قليلًا ،قالت بسرعة:—أنا لا أفهم ما تقصده ، اسرار ماذا؟رفع حاجبه، ثم أشار بخفة إلى المكان الذي كان فيه الكاتب قبل قليل، اغمضت عينيها بحسرة على حالها ، خفض صوته:—دعيني أكون أوضح...اقترب نصف خطوة أخرى، فشدّت جسدها تلقائيًا :—أنا لم أركِ... ولم أرَ شيئًا لا الكاتب... ولا هذا المشهد المثير للاهتمام.ثم أضاف بسخرية خفيفة:—وأنتِ ..من الآن فصاعدًا... ابنة بارة بعمها حسناً؟؟ ثم...أليس العم أبًا؟ارتجفت شفتاها: —ولِمَ تظن انني سوف أفعل ما تريد؟ابتسم بيرون بهدوء غريب:—لأنكِ ذكية ، ثم أمال رأسه قليلًا: —وا
اتكأ إيلادور على الكرسي :-أنا أسمع... تفضّلي يا آنسة... ....ريموندا؟ ، نظرت إليه بامتعاض، وتمتمت بصوت خافت:—هل يدّعي أنه لا يتذكر اسمي جيدًا؟؟؟قال إيلادور:—معذرة؟ ، رفعت ريموندا رأسها بسرعة، وقالت وهي تتدارك بابتسامة قصيرة:—لا، لم أقل شيئًا. عمومًا... لديّ مخزون أسئلة لدرجة أنني لا أعرف بأيّها أبدأ!سكت لحظات، ثم قال:—اسألي أي شيء. أنا أسمع.رفعت سبابتها قائلة :—وستجيب عليها كلها، أليس كذلك؟نظر إليها ورد بهدوء: —سأجيب على ما أعرف.ضيّقت عينيها قائلة : —أنت تعرفها كلها . ما أعنيه... أنك لن تتفادى الإجابة.فرد ببرود:—بل سأتفادى ما لا يناسبني. لذا اسألي... دون شروط ، تلفّتت بتذمر، فتنهد قائلا :—ألن تسألي؟التفتت إليه ثم قالت : آه... نعم. في الحقيقة... كيف تُضيئون الأماكن هنا؟ عقد حاجبيه تساؤلاً: كيف؟ لا أفهم قصدك.قالت على استحياء:—نحن نستخدم الشموع لإضاءة الحجرات و... هزّ رأسه وقد فهم: —آه... تسألين عن تلك القوة التي تُنير بلا فتيل!!؟؟سكت لحظة، ثم قال: —نسميها كهرباء ، وأشار إلى الجدار:—هي نورٌ يسري في أسلاك خفية، كما يسري الماء في القنوات لا زيت لها، ولا نار... ومع ذلك تملأ المكان
عمَّ الصمت والهدوء ، قال الإمبراطور دون أن يلتفت: "تفضّل"اقترب إيلادور رفع الإمبراطور كأس العصير وارتشف منه، بينما كان إيلادور يتأمّله بصمت تقدّم بخطوات ثقيلة تهزّ الأرض حتى وقف أمام الإمبراطور مباشرة، ينظر إليه بحدّةٍ اعتادها الجميع منه؛ وجهٌ متجهّم لا يعرف اللين.رفع الإمبراطور رأسه ، تبادلا النظرات وضع الإمبراطور كأسه على الطاولة وأشار بكفّه إلى إيلادور أن يجلس نظر إليه لحظة، ثم جلس على الكرسي المقابل، وظلّ ينظر بثبات دون أن ينبس بكلمة.ابتسم الإمبراطور ابتسامة خفيفة، وخفض رأسه قليلًا وقال:—اسكب لنفسك كأسًا... لعلّنا سنقول الكثير.نظر إيلادور إلى القنينة الزجاجية، ثم إلى الكأس الفارغ أمامه، ورفع رأسه متكئًا وقال:—ألستَ من استضافني؟ اسكب لي أنت.توقف الإمبراطور والكأس بين يديه، ثم ابتسم بسخرية خفيفة وضعه جانبًا واتكأ على كرسيّه قائلًا:—أظنّ أن والدك علّمك أشياء كثيرة يا إيلادور... لكنه لم يعلّمك الخوف.ظلّ إيلادور صامتًا تابع الإمبراطور:—وهذا طبيعي... لا يمكنه أن يعلّمك شيئًا هو شخصيًا لا يعترف به ، والدك كان محاربًا قويًا... وصديقًا جيدًا لي.»عقد إيلادور حاجبيه أكثر حتى بدا وجهه
جلست ريموندا على طرف السرير، حيث كان إيلادور يغطّ في نومٍ مضطرب، يتعرّق بغزارة ولأول مرة... تراه عن قربٍ إلى هذه الدرجة. كان شعره الأسود الفحمي يصل إلى نهاية عنقه وتلك الظلال الداكنة تحت عينيه الحادتين ، كانت تدل على الإجهاد الذي يعيشه وتلك التجاعيد بين حاجبيه ، تلك التي طُبعت على وجهه من كثرة ما كان يقطّبهما ، أثر شاربٍ خفيف بالكاد يُرى ،عظام فكه البارزة ووجهه... المليء بالخدوش ،قديمة... وجديدة آثار معارك لا تُحصى.وهناك ندبةٌ قديمة تبدأ من مدمع عينه اليسرى، تمتد مائلةً عبر وجهه حتى تصل إلى نهاية أنفه في الجهة اليمنى وضعت كفّها برفق على جبينه كان جسده يشتعل كالنار من شدّة الحمى.تمتمت بقلق: —يا إلهي... ماذا عليّ أن أفعل؟ نظرت إلى الباب... ثم إليه ، فخاطبت نفسها بخفوت: —لقد رفض قطعًا أن أخبر أحدًا...سكتت لحظة تفكّر بحيرة ثم قالت: —على الأقل... يجب أن أُخفّف هذه الحرارة ، وقفت لتستعد لتخرج لكنه تحرّك قليلًا فتوقّفت، راقبته مال برأسه قليلًا... لكنه ظل نائمًا تنفّست بعمق، ثم خرجت من الجناح بعد دقائق، عادت تحمل وعاءً ممتلئًا بالماء، ومعه قطع قماش.جلست قرب رأسه ،بلّلت القماش ، عصرته فو







