مشاركة

قلادة

مؤلف: FARAHA HALAwLAw
last update تاريخ النشر: 2026-08-22 04:20:17

كأنّ التساؤلات انهالت عليه دفعةً واحدة: كيف يعرف هذا الوحش بشأن نطاق الطاقة؟ كيف يعرف المسافة المطلوبة؟ وإن كان لهذه الكائنات ملكٌ يقودها... فهي بطبيعتها بدائية، لا عقل بشريًا لها كي تتطور أو تنتظم ، لقد أُبيدت الأنواع المتقدمة منها سلفًا لوضع حدٍّ لها... لكن من يدري؟

إن كانت هذه الكائنات قد تطورت إلى هذه الدرجة... فربما هذا أبسط ما لديها.

شدّ كاسبر على أسنانه، ثم ركل الوحش في بطنه فتراجع للخلف. رفع كاسبر كفّه عاليًا، لكن الوحش — وبسرعة خاطفة — أمسك بمعصمه قبل أن يستوعب ما يحدث ، ابتسم له ابتسامة واسعة، ثم لوى معصمه وكسره.

صرخ كاسبر متأوهًا: —يا إلهي... سحقًا!

نظر إلى الوحش بغضب، ثم ركله بقوة ليندفع بعيدًا. أمسك بيده المصابة، عضّ على أسنانه، ولفّها بعنف حتى أعاد العظم إلى موضعه، يتنفس بسرعة من شدّة الألم. أغمض عينيه، وقف بثبات، أرجع إحدى قدميه للخلف، وأحكم قبضته على السيف... ثم اندفع.

اصطدم السيفان، ودخلا في مبارزةٍ ساخنة؛ كلٌّ منهما يقاتل بكل ما لديه ، توقفا أخيرًا، يتنفسان بصعوبة، وصدر كاسبر يعلو ويهبط بعنف.

علّق الوحش سيفه على كتفه، وابتسم بخبث قائلًا:—أتعرف أنني ألهو معك منذ ساعات؟ اتسعت عينا كاسبر قليلًا تابع الوحش، وهو يلوّح بيده ممسكًا سيفه بالأخرى:—ما زلتُ لم أستخدم قواي الخارقة لأحرقك و—

انقطع صوته فجأة طار رأسه عاليًا بضربة سيفٍ واحدة من أوغست زفر كاسبر براحة، تراجع خطوات إلى الخلف، ثم جلس أرضًا، مسندًا ظهره إلى الحائط، مرتكزًا على سيفه، يلتقط أنفاسه.

نظر أوغست إلى الأرجاء الوحوش... والجنود... أصبحوا جميعًا جثثًا هامدة حوّل نظره إلى كاسبر قائلًا:—هل قضيت عليهم وحدك؟

نظر إليه كاسبر، رأسه مسند إلى الحائط، وابتسم ابتسامة نصفية مُنهكة:—ألم ترَ أن هناك رجالًا كانوا برفقتي؟»"

تأمل أوغست الجثث، ثم قال ببرود:—بل أرى جثثًا.

استدار، وهو يمسك سيفه الذي ما زال يتقطر دمًا:—لا أنصحك بالبقاء طويلًا هناك عدد هائل منهم قادم لقد خسرنا الكثير... ولا نريد مزيدًا من الخسائر.

ثم واصل سيره إلى الخارج وقف كاسبر بصعوبة ، اقترب من أحد الوحوش، انحنى جالسًا، وضع يده على عنقه يتحسس النبض... ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.: —أظنني حصلت على ما أريد... على أي حال.

**

عاد إيلادور إلى القصر كان يتبادل الحديث مع ريموندا وهما يسيران في الممر؛ يسمع أكثر مما يتحدث، ويتجنب الردّ بأن يطرح عليها سؤالًا بدل أن يجيب عن أسئلتها أو يخرج عن سياق حديثها.

ضيّق عينيه عندما لمح أحد حرّاسه يتجه نحوه توقف عن السير، فتوقفت ريموندا معه انحنى الحارس قائلًا:—جلالتكم، اللواء كاستيل ومعه زائر.

رفع إيلادور أحد حاجبيه، وهزّ رأسه موافقًا تنهد، ثم استدار نحو ريموندا قائلًا: —اذهبي واستريحي.

ابتسمت له، وتابعت طريقها تابعها بنظره لحظات، ثم مضى خلف الحارس ، واول ما دخل ، وقف الحرس جميعًا احترامًا... باستثناء روبين او ذو القبعة ، كان متكأ على الكرسي، عاقدًا يديه، وقبعته تغطي نصف وجهه... وصوت شخيره يملأ المكان.

نظر إليه إيلادور لحظات دون ان ينبس بكلمة  اقترب كاستيل بسرعة وقال: —لقد رافقنا بإرادته، جلالتك.

ظلّ إيلادور يتأمله من بعيد، ثم قال: —هو نائم؟

نظر اليه  كاستيل بطرف عينه، ثم قال بصوت عالٍ:—جلالته هنا يا ذا القبعة!

انتفض روبين فجأة، نظر حوله بارتباك:—ماذا؟ يا إلهي!

ثم استقر نظره على إيلادور الواقف أمامه ببرود ، ابتسم روبين، وقف، خلع قبعته وانحنى بها احترامًا:—تشرفنا، جلالتكم.

ثم اعتدل، وأعاد ارتداءها تأمله إيلادور رافع الرأس، وقال ببرود:—ذا... القبعة؟

ابتسم روبين:—نادِني روبين، جلالتك اسم "ذا القبعة" محرج.

تنهد إيلادور، واقترب وجلس على أحد الكراسي مستندًا إلى فخذه:—إذا كنت تراه محرجًا، لماذا أطلقته على نفسك؟

ابتسم روبين:—ومن قال إنني من أطلقه؟

قال إيلادور بهدوء: —لكنّك قبلته.

ردّ روبين مبتسمًا: —ومن قال إنني قبلته؟

رفع إيلادور كفّه مقاطعًا:—لم أجلبك إلى هنا لنناقش ذلك.

ابتسم روبين بتصنّع:—وأنا أيضًا أفترض ذلك

نظر إليه إيلادور مليًّا، ثم اتكأ على الكرسي وقال:—صديق أم عدو؟

تظاهر روبين بالارتباك: —معذرة؟ قال إيلادور ببرود:—هل تريدني أن أعتبرك حليفًا... أم أضعك في موضع العدو؟

ضحك روبين متظاهرا بالخوف :—يا إلهي، جلالتكم! من أنا لأكون عدوًا لكم؟ وهل يُعقل أن يُعرض عليّ شرف صحبتكم فأرفض؟

تنهد إيلادور، وعقد يديه أمام صدره وهو ينظر إليه بثبات:—أنا أكره المتلاعبين يا سيد روبين... وأُفضّل عليهم الأعداء ، أنا موقن أنك لست شخصًا عابرً ، لقد كنت تقاتل وحوش التايتانور يومها وكأنك تصطاد حيوانًا في الغابة ، مهاراتك القتالية عالية جدًا.

ضيّق عينيه:—أمعقول أن شخصًا بقوتك يفضّل أن يبقى نكرة بدل أن يتقدّم للجيش؟ وأنت تعلم أن ذلك سيرفع شأنك؟

ابتسم روبين بهدوء:—أقدّر كرمك أيها الملك، وأفهم تساؤلاتك ، أيّ شخص مكاني كان ليستغل هذه المواهب... الربانية.

تمتم إيلادور باستخفاف :—ربانية... ترهات.

تابع روبين:—لكن الحقيقة أنني أكره ساحات الحروب  لا تستهويني ، نظر إليه إيلادور بحدّة.

أكمل روبين:—لذا، إن تكرّمتم عليّ بتركِي أعود إلى حياتي الهادئة... سأكون ممتنًا.

تأمله إيلادور لحظات، ثم وقف قائلًا: —إليك التالي: سأمنحك ثلاثة أيام للتفكير في عرضي لأن أمامك خيارين فقط... لا ثالث لهما.

ثم استدار خارجًا ، قال روبين بسرعة:—جلالتكم، لو سمحتم، اسمعني— لكن إيلادور تجاهله ومضى تنهد روبين، واضعًا يديه على خصره، ثم التفت... ليجد اللواء كاستيل ينظر إليه ببرود ف ابتسم له روبين ، لكن الاخر  لم يبادله الابتسام ظلّ ينظر إليه دون أي تعبير.

**

انتفض الأمير لورين من نومه فجأة، وكأن كابوسًا مرعبًا ما يزال عالقًا في صدره جلس على السرير ثم اندفع خارجًا، يصرخ وهو يجول في الغرفة:—لا... لا تقتلوني! لا أريد أن أموت! دعوني وشأني!

ارتجفت جفون الخادمه النائمة على الأريكة جانبًا، فتحت عينيها على الفور، ثم التفتت حولها بارتباك ، وما إن استوعبت الموقف حتى اعتدلت بسرعة ونزلت من مكانها، ولحقت به وهو يضرب باب الغرفة محاولًا الخروج :—لا أريد... لا أريد أن يقتلوني!

نادته بخوف:—سمو الأمير! أرجوك اهدأ!

لكنّه لم يكن في حالة تسمح له بالاستماع كانت نوبته أقرب إلى الهستيريا؛ عيناه تائهتان، وصدره يعلو ويهبط بعنف، وكأنه يهرب من شيء لا يراه أحد غيره.

أمسكت به من كتفيه، تحاول تثبيته:—سمو الأمير... اسمعني، انظر إلي! توقف للحظة، لكنه كان ما يزال ينظر حوله بارتباك شديد، يهمس بصوت متقطع:—سوف أُقتل... لا أريد أن أموت... لا... لا...

رفعت يديها إلى وجهه وأمسكت خديه بلطف، وأجبرته أن ينظر إليها:—انظر إلي، سموك... أنا هنا ، لن يؤذيك شيء.

التقت عيناها بعينيه، المليئتين بالدموع والهلع ، هزت رأسها بثبات:

—أعدك... لن يحدث لك شيء.

ارتجف قليلًا، ثم خفت صوته شيئًا فشيئًا ، خفض رأسه وهو يبكي بصمت ، سحبته إليها بهدوء، وأحاطت رأسه بذراعيها، واحتضنته  راسه على كتفها، وهي تربت على ظهره بلطف:

—اهدأ... حسناً؟ لا أحد هنا. لن يقتلك أحد.

****

كانت  جالسة على الأريكة،  اصابعها تبعث بشعرها بشرود وهي تنظر إلى اختها  الجالسة أمام المرآة بينما الخادمة تمشط شعرها بهدوء ، تنهدت كارينا قائلة : —أنتِ قريبة من بيرون، أليس كذلك يا جوليان؟

عقدت جوليان حاجبيها دون أن تستدير، وقالت: —أي نوع من القرب تتحدثين عنه؟ زفرت كارينا وأدارت وجهها جانبًا، لترد عليها جوليان بهدوء:—إنه عمنا كلينا!!؟؟

أطلقت كارينا زفرة قصيرة، ورسمت ابتسامة مصطنعة:—هل هذه نكتة؟ ليست موفقة ، ثم تغيّر صوتها إلى نبرة أكثر حدة:—أنتِ تفهمين ما أعنيه.

زمت جوليان شفتيها، والتفتت نحو أختها:—هل تستطيعين أن توضحي ما تريدين بالضبط؟ نظرت كارينا إليها لثوانٍ، ثم امرت  للخادمة:—اتركينا وحدنا.

وضعت الخادمة المشط فورًا،  وخرجت من الجناح، اغلقت  الباب خلفها بهدوء  ، تابعتها جوليان بنظرة هادئة حتى انتهت الخطوات، ثم التفتت مجددًا: —حسنًا ، سكتت كارينا لحظات، ثم قالت:—اقتربي.

زفرت  بضجر، وتحركت من أمام التسريحة ، جلست  قرد  أختها في المجلس الجانبي داخل الجناح ، مالت كارينا بكوعها على الأريكة، وقالت وهي تستند على كفها المقبوضة :—إلى أي درجة أنتِ قريبة منه؟

فكرت جوليان قليلًا، ثم قالت بهدوء:—حسنًا... هو الوحيد من بين أعمامي السبعة الذي يكلّمني ويعاملني بلطف.

نظرت كارينا إليها بازدراء خفيف وقالت بسخرية:—يعاملك بلطف... زفرت وأدارت وجهها

سكتت جوليان قليلًا، ثم تابعت بنبرة أهدأ لكنها مشدودة:—نحن  لا نحتاج الى بذل جهد  ، رفعت كارينا نظرها إليها وقالت بهدوء:—معذرة ؟ صمت  جوليان برهه، ثم اعتدلت في جلستها وقالت بهدوء: —اسمعيني.

سكتت لحظات كأنها ترتب أفكارها، ثم تابعت:—نحن وُلدنا إناثًا، وهذا يعني أننا لا نشكّل خطرًا مباشرًا على حكم أحد ، لذلك... لا أحد يضعنا في موضع الأعداء، ومن الأفضل لنا أن نبقى خارج كل ذلك.

ظلت كارينا تتابعها بصمت ، ابتلعت جوليان ريقها، وأبعدت تلك الخصلات المتمردة خلف أذنها و أكملت: —أعني... أن أبي قد وُلد ملكًا، وسيموت ملكًا ، أنتِ انظري إلى نفسكِ: متزوجة من ولي العهد، أي أنكِ ملكة، وسيرث ابنكِ العرش من أبيه.

ثم أضافت وهي تعدّل جلستها: —وإذا جئنا إلى أريكا، فهي ستتزوج إيلفار، وفي النهاية سيرثون ليبوديا، وستموت هي ملكة.

رفعت حاجبيها قليلًا:—وكارولين زوجة وريث عرش عمي ماكسيميليان... ما أعنيه أننا في النهاية حاكمات بطريقة أو بأخرى ، لا يهم من يجلس على عرش الإمبراطورية العظمى، لأن النتائج لن تكون سلبية علينا.

قهقهت كارينا بسخرية:—من لقّنك هذا الكلام؟ بيرون؟

شمخت جوليان بعينيها ونظرت جانبًا، دون رد ، تابعت كارينا بنبرة أكثر حدة: —أنتِ تتحدثين وكأن تولّي العرش محصور بين أبي وعمك ماكسيميليان فقط ، لكن ماذا لو كان غيرهما؟

نظرت  جوليان نحوها بثبات فتابعت  كارينا بصوت منخفض وحاد: — ماذا لو كان الحاكم أوغست ؟؟ أو ألكسندر!!أو غاتس، نيكولاس ؟؟؟أو  حتى فيليكس... أو حتى بيرون نفسه... هل تظنين أن أيًّا منهم سيترك الآخر على قيد الحياة؟

سكتت جوليان، تصغي ، هزّت كارينا رأسها نفيًا:—ولا في الأحلام ، اقتربت قليلًا وأكملت:—و إذا افترضنا ان صعود والدنا، قد يكون في مصلحة ماكسيميليان..، بحكم ان بنات أبي زوجات لابناء عمي ماكسيميليان والعكس صحيح... لكن هذا مجرد افتراض ، لا أضمن أن والدنا لن يحاول اغتياله أو العكس.

ثم خفضت صوتها أكثر:—و  البقية؟ مالت نحو وجه جوليان اكثر : —أي واحد منهم سيقضي على الآخر وذريته اذا صعدت العرش ، نحن جزء من هذه المعادلة دم كاليمور لا يرحم أحدًا.

سكتت لحظة، ثم أضافت:—اخرجي من هذا الوهم،  ضماننا الوحيد هو أن يتولى والدنا العرش الإمبراطوري .

***

تنهد بيرون، وأخذ نفسًا عميقًا وهو يتعرق ، ألقى سيفه أرضًا ثم تمدد على العشب، ذراعاه ممدودتان، وصدره يعلو ويهبط اقترب فلوكاز، نظر إلى السيف الملقى ثم إلى الشمس التي كانت توشك على الغروب، وجلس قربه قائلًا:—ما سبب هذا الشغف؟

ظل بيرون ينظر إلى السماء وهو يتنفس بصعوبة، ثم زفر زفرة عميقة  قال فلوكاز مجددًا:—هل ستستمر في تجاهلي؟

لكن بيرون لم يرد ، زفر فلوكاز وتلفت جانبًا، عندها قال بيرون: —لنذهب إلى الجنة الخضراء

اتسعت عينا فلوكاز، واستدار بسرعة مصدومًا:—هل أنت جاد؟ مجددًا؟!  التفت بيرون إليه: —يجب أن أعود إلى تلك الآنسة... ريموندا ؟! نعم، ريموندا ، أمانة لها عندي.

زفر فلوكاز وتلفت: —سموك، أعتقد أنها لقيت حتفها.

نظر إليه بيرون بحدة، ثم اعتدل جالسًا :—هل أنت مجنون؟ لماذا؟

رفع كتفيه وزم شفتيه وقال:—لقد تركناها هناك، وقد حدث هجوم حسب ما قيل  في فلموريا. ما الذي يؤكد نجاتها؟

استند بيرون بمرفقيه على ركبتيه وهو جالس على العشب، منحنياً إلى الأمام، مشبكًا كفّيه بإحكام أمامه وهو يفكر، ثم زفر وقال وهو ينهض: —سوف نذهب لنتأكد إن كانت قد ماتت أم لا.

عقد فلوكاز حاجبيه قائلا : —لست جادًا ، لكن الاخر تجاهله، انحنى والتقط سيفه، ثم تابع سيره ، ركض فلوكاز خلفه وهو يقول:

—سموك، أنت لست جادًا! كيف سنؤكد ذلك أصلًا؟

**

طُرِق باب جناحها، وهي غارقة في شرودها، كأنها تفتّش في عقلها عن فكرة هاربة ، التفتت نحو الباب وهمست لنفسها" من الطارق؟"

ثم قالت بصوتٍ مسموع:—تفضل... رجاءً

انفتح الباب، دخل إيلادور ، وقفت تلقائيًا، وقد تسللت الدهشة إلى ملامحها: —آه... هذا أنت؟

ابتسم ابتسامة خافتة لا تكاد تُرى، وتقدّم نحوها ببطء محسوب:

—نعم... أنا ، هبط بصرها سريعًا، كأن عينيها تعثرتا في حضوره، وتمتمت وهي تلتفت جانبًا:—غريب... هل استأذن اليوم؟

قطّب حاجبيه قليلًا، وأمال رأسه:—معذرة؟ انتفضت، ورفعت رأسها نحوه بابتسامة مرتبكة: —لا... لا شيء.

رمشت، ثم خفضت عينيها قبل أن ترفعهما إليه مرة أخرى ، كانت عيناها الواسعتان، ورموشها الكثيفة، ترسمان حولهما كحلًا ربانيًا يزيدهما عمقًا.

تأملها في صمت، وشعر أن النظر طويلًا قد يكون خطرًا عليه، فقال بطريقته المعتادة:—ألم أقل لكِ ألا تنظري إليّ هكذا؟

ارتبكت أكثر، وقالت دون وعي:—م... ماذا أنا...

تعثرت الكلمات في حلقها، فخفضت رأسها وأخذت تعبث بطرف فستانها، تهرب ببصرها إلى الجدران والسقف وكل شيء... إلا عينيه.

قال بهدوء منخفض:—أين العقدة؟

رفعت رأسها بارتباك واضح:—ع... عقدة؟ أشار بعينيه إلى عنقها ، تحسست موضع القلادة، وقالت بخفوت:—آه... لقد نسيت ارتداءها.

عقد حاجبيه، وهز رأسه ببطء، كأن خيطًا خفيًا من الفهم بدأ يتكوّن في ذهنه:—هل تخفين عني شيئًا؟

رفعت رأسها فجأة، واتسعت عيناها: —ها؟

اقترب خطوة ، تراجعت خطوة ، قال وهو يقترب أكثر:—هل هناك ما تخفينه بشأن القلادة؟

ظلت ترمش بسرعة، وشفاهها ترتجف، وهي تنظر إليه وتتراجع، خطوةً إلى الخلف مقابل خطوةٍ منه إلى الأمام، حتى اصطدم ظهرها بالحائط خلفها توقفت ابتلعت ريقها اقترب أكثر...

انحنى قليلًا، حتى صار صوته قريبًا جدًا من أذنها، وهمس:

—هل... اتسعت عيناها، لا خوفًا مما قال... بل خوفًا مما سيقوله.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   قلادة

    كأنّ التساؤلات انهالت عليه دفعةً واحدة: كيف يعرف هذا الوحش بشأن نطاق الطاقة؟ كيف يعرف المسافة المطلوبة؟ وإن كان لهذه الكائنات ملكٌ يقودها... فهي بطبيعتها بدائية، لا عقل بشريًا لها كي تتطور أو تنتظم ، لقد أُبيدت الأنواع المتقدمة منها سلفًا لوضع حدٍّ لها... لكن من يدري؟إن كانت هذه الكائنات قد تطورت إلى هذه الدرجة... فربما هذا أبسط ما لديها.شدّ كاسبر على أسنانه، ثم ركل الوحش في بطنه فتراجع للخلف. رفع كاسبر كفّه عاليًا، لكن الوحش — وبسرعة خاطفة — أمسك بمعصمه قبل أن يستوعب ما يحدث ، ابتسم له ابتسامة واسعة، ثم لوى معصمه وكسره.صرخ كاسبر متأوهًا: —يا إلهي... سحقًا!نظر إلى الوحش بغضب، ثم ركله بقوة ليندفع بعيدًا. أمسك بيده المصابة، عضّ على أسنانه، ولفّها بعنف حتى أعاد العظم إلى موضعه، يتنفس بسرعة من شدّة الألم. أغمض عينيه، وقف بثبات، أرجع إحدى قدميه للخلف، وأحكم قبضته على السيف... ثم اندفع.اصطدم السيفان، ودخلا في مبارزةٍ ساخنة؛ كلٌّ منهما يقاتل بكل ما لديه ، توقفا أخيرًا، يتنفسان بصعوبة، وصدر كاسبر يعلو ويهبط بعنف.علّق الوحش سيفه على كتفه، وابتسم بخبث قائلًا:—أتعرف أنني ألهو معك منذ ساعات

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   من المتحكم

    وقف كاسبر على صهوة حصانه في مقدمة الجيش ، إلى جانبه ألكسندر وأوغست، وفي الجهة الأخرى ليوبولد وخلفهم الجيش متراصٌّ في صفوف ممتدة.تقدّم كاسبر خطوة، ثم استدار بحصانه ليواجه الجنود، بينما بقي الثلاثة في ثباتهم قال بصوت جهوري، ممسكًا بلجام حصانه:—اسمعوا أيها الجيش...ساد الصمت.تابع :—تذكّروا جيدًا أننا ندخل أقوى وأرعب أرض... أرض تايتا. مقبرة البشرية.شدّ على اللجام :—لكن تذكّروا... لا شيء أقوى من كاليمور وجيشها ، رفع صوته أكثر:—اثبتوا! ترابطوا. ! وإياكم والتردد!ثم صرخ:—إما النصر... أو النصر!»ارتجّ الميدان بصوت الجنود:—تحيا كاليمور! يحيا الجيش الكاليموري! بينما كانت الهتافات تتصاعد، ظل أوغست يمسح الأفق بنظرة حادة، يقيّم الأرض والاتجاهات بصمترفع كاسبر يده عاليًا وأشار: —الوحدة الأولى إلى الشرق!تحرّك جيش ليوبولد ، الوحدة الثانية إلى الغرب...!اندفع جيش ألكسندر ، الوحدة الثالثة إلى الشمال! تحرّك جيش أوغست ثم قال اخيرا: —الوحدة الأخيرة... خلفي.استدار بحصانه وانطلق، فتبعته القوات، وغبار الرمال يرتفع تحت حوافر الخيل توقّف أوغست لحظة نظر إلى كاسبر وهو يبتعد مع جيشه...ثم استدار بصمت، وأكمل طر

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   الموت او الاذلال

    تراجعت كارينا خطوة صغيرة إلى الخلف، وكأن كلمة "وفاق" لم تكن بريئة كما بدت لها تسارعت أنفاسها أكثر، وعيناها ما زالتا معلّقتين به بحذر ، قالت بصوت منخفض متردد: —و... ما معنى هذا الوفاق؟ابتسم بيرون ابتسامة خفيفة، وأدار رأسه قليلًا كأنه يختار كلماته بعناية:—معناه بسيط جدًا... اقترب خطوة واحدة فقط دون أن يلمسها، لكن المسافة بينهما صارت خانقة: —أن نتوقف عن لعب دور الأعداء.سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أخف، شبه ساخرة:—أنا لا أحب أن أكون عدوًا لأحد... خصوصًا لمن يحمل أسرارًا خطيرة كهذه.ارتجفت أصابعها قليلًا ،قالت بسرعة:—أنا لا أفهم ما تقصده ، اسرار ماذا؟رفع حاجبه، ثم أشار بخفة إلى المكان الذي كان فيه الكاتب قبل قليل، اغمضت عينيها بحسرة على حالها ، خفض صوته:—دعيني أكون أوضح...اقترب نصف خطوة أخرى، فشدّت جسدها تلقائيًا :—أنا لم أركِ... ولم أرَ شيئًا لا الكاتب... ولا هذا المشهد المثير للاهتمام.ثم أضاف بسخرية خفيفة:—وأنتِ ..من الآن فصاعدًا... ابنة بارة بعمها حسناً؟؟ ثم...أليس العم أبًا؟ارتجفت شفتاها: —ولِمَ تظن انني سوف أفعل ما تريد؟ابتسم بيرون بهدوء غريب:—لأنكِ ذكية ، ثم أمال رأسه قليلًا: —وا

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   ان نكون على وفاق

    اتكأ إيلادور على الكرسي :-أنا أسمع... تفضّلي يا آنسة... ....ريموندا؟ ، نظرت إليه بامتعاض، وتمتمت بصوت خافت:—هل يدّعي أنه لا يتذكر اسمي جيدًا؟؟؟قال إيلادور:—معذرة؟ ، رفعت ريموندا رأسها بسرعة، وقالت وهي تتدارك بابتسامة قصيرة:—لا، لم أقل شيئًا. عمومًا... لديّ مخزون أسئلة لدرجة أنني لا أعرف بأيّها أبدأ!سكت لحظات، ثم قال:—اسألي أي شيء. أنا أسمع.رفعت سبابتها قائلة :—وستجيب عليها كلها، أليس كذلك؟نظر إليها ورد بهدوء: —سأجيب على ما أعرف.ضيّقت عينيها قائلة : —أنت تعرفها كلها . ما أعنيه... أنك لن تتفادى الإجابة.فرد ببرود:—بل سأتفادى ما لا يناسبني. لذا اسألي... دون شروط ، تلفّتت بتذمر، فتنهد قائلا :—ألن تسألي؟التفتت إليه ثم قالت : آه... نعم. في الحقيقة... كيف تُضيئون الأماكن هنا؟ عقد حاجبيه تساؤلاً: كيف؟ لا أفهم قصدك.قالت على استحياء:—نحن نستخدم الشموع لإضاءة الحجرات و... هزّ رأسه وقد فهم: —آه... تسألين عن تلك القوة التي تُنير بلا فتيل!!؟؟سكت لحظة، ثم قال: —نسميها كهرباء ، وأشار إلى الجدار:—هي نورٌ يسري في أسلاك خفية، كما يسري الماء في القنوات لا زيت لها، ولا نار... ومع ذلك تملأ المكان

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   لا اعرف الخوف

    عمَّ الصمت والهدوء ، قال الإمبراطور دون أن يلتفت: "تفضّل"اقترب إيلادور رفع الإمبراطور كأس العصير وارتشف منه، بينما كان إيلادور يتأمّله بصمت تقدّم بخطوات ثقيلة تهزّ الأرض حتى وقف أمام الإمبراطور مباشرة، ينظر إليه بحدّةٍ اعتادها الجميع منه؛ وجهٌ متجهّم لا يعرف اللين.رفع الإمبراطور رأسه ، تبادلا النظرات وضع الإمبراطور كأسه على الطاولة وأشار بكفّه إلى إيلادور أن يجلس نظر إليه لحظة، ثم جلس على الكرسي المقابل، وظلّ ينظر بثبات دون أن ينبس بكلمة.ابتسم الإمبراطور ابتسامة خفيفة، وخفض رأسه قليلًا وقال:—اسكب لنفسك كأسًا... لعلّنا سنقول الكثير.نظر إيلادور إلى القنينة الزجاجية، ثم إلى الكأس الفارغ أمامه، ورفع رأسه متكئًا وقال:—ألستَ من استضافني؟ اسكب لي أنت.توقف الإمبراطور والكأس بين يديه، ثم ابتسم بسخرية خفيفة وضعه جانبًا واتكأ على كرسيّه قائلًا:—أظنّ أن والدك علّمك أشياء كثيرة يا إيلادور... لكنه لم يعلّمك الخوف.ظلّ إيلادور صامتًا تابع الإمبراطور:—وهذا طبيعي... لا يمكنه أن يعلّمك شيئًا هو شخصيًا لا يعترف به ، والدك كان محاربًا قويًا... وصديقًا جيدًا لي.»عقد إيلادور حاجبيه أكثر حتى بدا وجهه

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   مفاجآت

    جلست ريموندا على طرف السرير، حيث كان إيلادور يغطّ في نومٍ مضطرب، يتعرّق بغزارة ولأول مرة... تراه عن قربٍ إلى هذه الدرجة. كان شعره الأسود الفحمي يصل إلى نهاية عنقه وتلك الظلال الداكنة تحت عينيه الحادتين ، كانت تدل على الإجهاد الذي يعيشه وتلك التجاعيد بين حاجبيه ، تلك التي طُبعت على وجهه من كثرة ما كان يقطّبهما ، أثر شاربٍ خفيف بالكاد يُرى ،عظام فكه البارزة ووجهه... المليء بالخدوش ،قديمة... وجديدة آثار معارك لا تُحصى.وهناك ندبةٌ قديمة تبدأ من مدمع عينه اليسرى، تمتد مائلةً عبر وجهه حتى تصل إلى نهاية أنفه في الجهة اليمنى وضعت كفّها برفق على جبينه كان جسده يشتعل كالنار من شدّة الحمى.تمتمت بقلق: —يا إلهي... ماذا عليّ أن أفعل؟ نظرت إلى الباب... ثم إليه ، فخاطبت نفسها بخفوت: —لقد رفض قطعًا أن أخبر أحدًا...سكتت لحظة تفكّر بحيرة ثم قالت: —على الأقل... يجب أن أُخفّف هذه الحرارة ، وقفت لتستعد لتخرج لكنه تحرّك قليلًا فتوقّفت، راقبته مال برأسه قليلًا... لكنه ظل نائمًا تنفّست بعمق، ثم خرجت من الجناح بعد دقائق، عادت تحمل وعاءً ممتلئًا بالماء، ومعه قطع قماش.جلست قرب رأسه ،بلّلت القماش ، عصرته فو

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status