共有

مجهول

last update 公開日: 2026-08-22 04:10:09

كانت ريموندا تخطو بسرعة، تكاد قدماها لا تلامسان الأرض من شدة الحماس، حتى وصلت أمام بوابة مكتبة المدينة الكبيرة. لم تنتظر لحظة، دفعت الباب الخشبي العتيق ودخلت، بينما كان نيرو وبونو يركضان خلفها.

— "انتظري يا ريموندا!" نادى نيرو وهو يلهث، لكن صوته ضاع وسط الأرفف العالية.

توقفت ريموندا لوهلة، عيناها تتجولان بين صفوف الكتب الممتدة كأنها جدران من الورق والحبر، وأصابعها تلامس الأغلفة كما لو كانت تتحسس كنوزًا قديمة. تحركت بين الرفوف بخطوات مفعمة بالحماس، عيناها تلمعان كالطفلة التي دخلت عالمًا سحريًا.

— "أسرعي، كي نعود بسرعة." قال نيرو محاولًا اللحاق بها.

— "هششش!" جاء الصوت حادًا من عمق المكتبة، فالتفتوا جميعًا.

هناك، عند منضدة خشبية قديمة، جلس رجل عجوز قصير القامة، منحني الظهر، يضع نظارة طبية سميكة على أنفه، ووجهه خالٍ تمامًا من التعابير. كانت عيناه تراقبهم من فوق الإطار الزجاجي، بصمت يذكرك بأن هذه الأرض مقدسة... أرض الكتب.

همست ريموندا بخضوع: —حسنًا، سيدي.

ابتسم نيرو قليلًا وقال وهو يضع يده على خاصرته:

ـ اسمعي يا ريموندا، ابحثي عمّا تريدين من الكتب، بينما أذهب أنا وبونو والجنية لأتأكد من العربات العائدة إلى القصر. مفهوم؟

أومأت بسرعة:

ـ حسنًا... كن حذرًا.

لوّح بيده:

ـ هيا بنا، بونو.

وانطلقا معًا خارج المكتبة ، كان نيرو يركض مسرعًا، حتى اصطدم بأحد عند البوابة. قال نيرو بسرعة، دون أن يلتفت: —عذرًا سيدي.

ثم واصل جريه مع الجنية و بونو الذي قفز خلفه بخفة.

أما ريموندا، فبدأت تتجول بين الرفوف بعينين متلهفتين، تتنقل بين الكتب كمن يبحث عن كنز. وفجأة استوقفها كتاب في الرف الأعلى ، رفعت قدميها على أطراف أصابعها، مدّت يدها بكل ما أوتيت من طول... لكن لم تصل ، وفجأة، ناول الكتاب شخص أطول منها قامة .

التفتت رفعت بصرها بسرعة، لتتفاجأ بوجه مالوفا

تلعثمت قائلة:—م.. معذرة...

تجمدت في مكانها حين رأت وجهه ، كان بيرون، الرجل الذي أنقذها من السارق في السوق.

كان يقلب الكتاب بيده، يقرأ عنوانه ببرود، ثم رفع رأسه ونظر إليها دون اكتراث. :—آه... هذا ما أردتِه؟

ضيقت عينيها، وشبكت يديها أمام صدرها:

ـ إنه... أنت! ذلك الرجل نفسه!

رمش بيرون ببرود، وتظاهر بعدم معرفتها:—ماذا تعنين؟

تقدمت خطوة، تنهدت بغيظ:—لا تقل إنك لا تعرفني الآن!

رفع حاجبيه بخفة، وكأنها تقول أمرًا تافهًا، ثم أجاب بسخرية مصطنعة:—ماذا تعنين؟ هل من المفترض أن أعرفك؟

ضاقت عينا ريموندا، وعضّت شفتها السفلى بغيظ، قبل أن تردّ: —أتعني أنك لا تتذكرني الآن؟!

ابتسم بيرون ببرود، عاقدًا ذراعيه بينما لا يزال يمسك الكتاب :—ولماذا عليّ أن أتذكرك أصلًا؟ ألستِ من العامة؟

أطرقت ريموندا رأسها، محاولة كتم غيظها، ثم قالت وهي تتنهد: —لا يهم... لن أضيع وقتي. هلا أعطيتني الكتاب فقط؟

امال برأسه قليلًا، وانحنى ناحيتها وهو يمسك الكتاب ويديه على خصره، مشيرًا إليه بيده الأخرى:—الكتاب اي كتاب؟

ـ اجابته بنفاذ صبر ذلك الذي على يدك

اعتدل واقفًا فجأة، وألقى نظرة أخرى على العنوان.

ـ "تاريخ فلموريا"؟ ... هراء ممل ، ثم، بكل برود، رفع يده ووضع الكتاب في الرف الأعلى من جديد.

شهقت ريموندا، فتحت فمها بدهشة وهي تنظر للكتاب بعيد المنال:—ما الذي فعلته؟!

أدار وجهه عنها، واضعًا يده على خصره باستخفاف:

— إذا أردتِه... خذيه بنفسك.

ثم استدار وبدأ يسير مبتعدًا، صافِرًا بنغمة خفيفة وكأنه لم يكن هناك :—يا إلهي! أيها الرجل الفظ! هل الفظاظة جزء من تقاليدكم في هذا العالم؟!

توقف بيرون للحظة عند الباب، لكنه لم يلتفت ، رفع كفه في الهواء بلا مبالاة، كأنه يلوّح لها أو يسخر منها، ثم خرج من المكتبة بخطوات واثقة.

تركها واقفة في مكانها، قلبها يضج بالغضب، وعيناها مثبتتان على الكتاب العالق في الرف العالي... وعلى الرجل الذي بدا كأنه يستمتع باستفزازها.

اتجهت ريموندا بخطوات مترددة نحو العجوز المسؤول عن المكتبة، ثم قالت بخجل:—مَعذرة...

لكن العجوز لم يرفع عينيه، ظلّ غارقًا في قراءة كتاب قديم، غلافه مهترئ وصفحاته صفراء. كان يخفي نصف وجهه خلفه، وكأنّ العالم خارج الكتاب لا يعنيه.

تابعت ريموندا بخجل أكبر:—في الحقيقة... أحتاج كتابًا، لكنه في الرف الأعلى.

رفع العجوز رأسه أخيرًا، نظر إلى حيث تشير، دون أن ينبس بكلمة ، ثم خرج من خلف المكتب بخطوات قصيرة متثاقلة، وإذا به قصير القامة بشكل لافت، بالكاد يصل طوله إلى متر واحد. فتحت ريموندا فمها بدهشة، وهمست لنفسها مرتبكة:—حَسَنًا... اعتقدت أنك...

لكنه تجاهلها تمامًا. مدّ يده إلى عصا خشبية طويلة مركونة جانبا ، وبلحظة واحدة حركها بخفة، فأنزل الكتاب من الرف العالي بحركة بارعة، ثم ناوله لها دون أن ينطق بحرف، وعاد إلى مكانه.

أمسكت ريموندا الكتاب بدهشة، وقالت بعفوية:

—يا إلهي... شكرًا لك أيها السي...

لكن العجوز لم يلتفت، فقط أشار بيده بتململ نحو الطاولة المقابلة، حيث يوجد دفتر كبير وقلم غريب الشكل. اقتربت ريموندا، فوجدت على الدفتر كلمات مُدوّنة: استعارة – بيع – مدة الاستعارة – قيمة الدفع...

عقدت حاجبيها بحيرة، وأخذت تحدق بالكلمات مطولًا حتى ظهر نيرو فجأة بجانبها:—ما الأمر؟ هل تحتاجين إلى شيء؟

التفتت نحوه بسرعة، وكأنها وجدت طوق نجاة:—ن-نعم... في الحقيقة لا أفهم أسلوب التعامل هنا... كيف تتم الاستعارة والدفع؟

ثم احمرّ وجهها وهمست بخجل أكبر:—... ثم إنني... لا أملك مالًا.

ابتسم نيرو ابتسامة واسعة، مطمئنًا:—لا تقلقي، سأتولى الأمر. خذي ما تريدينه من الكتب، ثم لنعد.

رفعت ريموندا رأسها نحوه بعينين متسعتين، وشبكت يديها أمام صدرها بحماس طفولي:—حقًا؟!

أومأ نيرو بثقة:—حقًا ، الأمر بسيط.

ثم مدّ نيرو يده إلى الدفتر الموضوع على مكتب العجوز، لكن ارتفاع الطاولة لم يكن ملائمًا لقامته ، ارتفع قليلًا على أنامله ليصل إلى الكرّاس، فتناول القلم السحري بابتسامة صغيرة.

تلك اللحظة، لم يبدُ العجوز مهتمًا، فقد عاد لانغماسه في كتابه القديم، كأن شيئًا لا يحدث حوله رفع نيرو القلم وهو يشرح:

—انظري... هناك عدة أوامر مكتوبة. هذا القلم سحري، بمجرد أن تكتبين ما تريدين والمبلغ المطلوب، تُنشأ نسخة من الوثيقة. حين تصلين إلى المنزل، تضعين المبلغ في النسخة، وستنتقل مباشرة إلى المكتبة.

وضعت ريموندا إصبعها على ذقنها متأملة:— همم... لم أفهم كثيرًا...

ضحك نيرو وهو يغلق الدفتر:—لا يهم أن تفهمي التفاصيل، المهم أن تأخذي ما تحتاجينه.

هزّت رأسها بحماس، وهي تضم الكتب إلى صدرها:

— نعم! أخذت كل ما أحتاجه

اتجهوا مسرعين نحو العربات العائدة إلى القصر، حيث كان الطريق يعج بالحركة؛ عربات تذهب وأخرى تعود، محمّلة بالبضائع أو محاطة بالحرس. ارتفعت أصوات حوافر الخيول على الحجارة، ممزوجة بصرخات السائقين الذين ينادون بعضهم بعضًا.

ركبت ريموندا ونيرو العربة المخصصة لهم، وبونو يقفز خلفهما بخفته المعتادة، ثم انطلقت بهم وسط الزحام. شيئًا فشيئًا، بدأت ملامح القصر الشامخ تلوح من بعيد، جدرانه المذهّبة تعكس أشعة الشمس، وأعلام فلموريا ترفرف فوق الأبراج العالية، كأنها تذكّر الداخلين بعظمة هذا المكان وهيبته.

وما هي إلا لحظات... حتى اجتازت العربة البوابة الرئيسية، ودخلوا إلى رحاب القصر

ظلّ بيرون يسير بصمت، يتجاهل ثرثرة فلوكاز الذي لم يتوقف عن الشكوى:—ألا تدرك مدى الخطر؟! نحن في قلب وكر العدو! إن اكتشفونا انتهينا، انتهينا تمامًا!"

لكن ظل يتابع سيره يرتدي قميصًا رمليًا تحت سترة جلدية مشدودة بالأحزمة، وعلى كتفيه معطف داكن العتمة. تدلّت عند خصره حقائب صغيرة، وارتفعت أحذيته الجلدية العالية فوق بنطال متين، فيما قفازاه يكشفان عن يدٍ خبيرة بالتسلل والقتال السريع.

و فجأة، توقّف بيرون في منتصف الطريق. ارتطم فلوكاز به دون انتباه، فترنّح خطوة إلى الوراء وحدّق فيه بدهشة:—ما الأمر الآن؟ لماذا توقفت؟

استدار بيرون بهدوء، وضع يده على خاصرته، وقال بنبرة كأنه تذكّر شيئًا مزعجًا:—أظن أنني نسيت أمرًا مهمًا... اليوم هو اجتماع ملوك إمبراطورية كاليمور يجب أن أكون حاضرًا في الموعد.

شهق فلوكاز حتى جحظت عيناه، ثم أمسك رأسه بكلتا يديه يعرك شعره بعصبية:—ماذاااا؟! يا كارثتي! الإمبراطور سيقطع رأسي، سيجعلني عبرة! انتهينا، انتهينا بلا محالة!

راح يجري في مكانه ذهابًا وإيابًا، يصرخ وكأنه يحادث نفسه:—علينا؟ لا، لا! ليس علينا! بل عليَّ وحدي! أما أنت أيها الأمير... فسينجونك نسبك ويهلكني أنا!

تنهد بيرون وأغمض عينيه بضجر، ثم لوّح بكفه بلا مبالاة، وكأن الأمر لا يعنيه، واستدار ليكمل مسيره ، رفع رأسه نحو مبنى متوسط العلو أمامه، ابتسم لنفسه، ثم تراجع خطوتين، وانطلق بقفزة عالية هبط بعدها على السطح بخفة، إحدى ركبتيه مثنية والأخرى منتصبة، يده متكئة على الأرض والأخرى على فخذه. ما لبث أن نهض وبدأ يتنقل بين الأسطح بخفة قطّ مدرّب.

انتبه فلوكاز فجأة إلى غياب الأمير، التفت حوله بعينين مذعورتين، ثم صرخ من أسفل الطريق:—أيها الأمير! بيرووون! إلى أين ذهبت؟!

ولم يجد أمامه سوى أن يركض لاهثًا، محاولًا اللحاق به

وبعد وقت ليس بقصير...ابتسم بيرون وهو يضع يده على خاصرته، كمن فرغ لتوّه من معركة طويلة، بعدما قطع البحر المترامي تحت لهيب الشمس الحارقة حتى خرج من حدود فلموريا.

خلفه، كان فلوكاز يترنّح، يتصبب عرقًا، يلهث وكأن صدره سينفجر من شدة التعب.

رفع صوته المتقطع، وهو يجرّ قدميه بصعوبة:—يا... إلــهي... سوف... سوف أموت!

أدار بيرون رأسه قليلًا دون أن يستدير بجسده، وقال ببرود متهكم:—هيا أيها الضعيف، لن تموت. ثم إننا خرجنا الآن من نطاق الطاقة... يمكنني استخدام قوتي.

اقترب منه، وبحركة عفوية أمسكه من منتصف بطنه كما لو كان يرفع كيسًا من القش. ارتفع صراخ فلوكاز المذعور:

—انتظر! هــييه، ماذا تفعل؟!

لكن بيرون لم يعطه فرصة، وانطلق بسرعة الريح.

ارتجّت الأرض تحت قدميه، واندفع الغبار في أثره، بينما البحر من ورائهم يلمع كحدّ السيف تحت أشعة الشمس. شعر فلوكاز يتطاير في كل اتجاه، وجهه يكاد ينخلع من شدّة الاندفاع، وصوته يتقطع مع صرير الهواء:

"يااااا... إلـــهييي... أيها الإمبـ... ر... على مهلك!"

ومن بعيد، لو كان أحدهم يراقب المشهد، لرأى خطًّا غامقًا يخترق السهول الجافة، كالبرق يشق الأرض، تتطاير خلفه ذرات التراب، فيما ظلّاهما يتماوجان على الرمال اللامعة، كأنهما شبحان يفران من عالم لا يرحم.

أما بيرون، فقد ظلّ وجهه ثابتًا، عيناه تلمعان بالتركيز، لا يسمع شيئًا سوى صفير الريح الذي يدوّي في أذنيه، وكأن العالم كلّه تلاشى من حوله.

دخلت ريموندا غرفتها متسللة على أطراف أصابعها، تحاول ألا تُصدر أدنى صوت. وما إن أغلقت الباب خلفها حتى... صرّ الباب فجأة وهو يُفتح! ارتجف قلبها، وقفزت بسرعة فوق السرير، تسللت إلى كومة الوسائد التي رتّبتها مسبقًا، وتمدّدت تحت الغطاء على جانبها، مسندة رأسها إلى كفها بابتسامة متوترة حاولت أن تبدو طبيعية.

دخلت السيدة فيونا، أنيقة كالعادة، رأسها مرفوع بتعالٍ ويديها متشابكتان خلف ظهرها، وعيناها تفحصان الغرفة ببرود. توقفت عند الباب للحظة، رفعت أحد حاجبيها وهي تنظر مباشرة نحو ريموندا.

ارتبكت الأخيرة، وخرج صوتها مرتعشًا:—م... مرحبًا سيدتي فيونا.

خطت فيونا خطواتها الواثقة نحو الداخل، حذاؤها يطرق الأرضية بإيقاع بارد :—ما بي أشعر أنك...

صمتت لحظة، ثم أمالت رأسها قليلًا وكأنها تلتقط سرًّا خفيًا.

قاطعتها ريموندا سريعًا بابتسامة واسعة أكثر من اللازم:—أنني ماذا؟ لا شيء... بخير تمامًا!

لكن فيونا لم تقتنع. وضعت يديها على خاصرتها، وانحنت قليلًا بنظرة حادة:—لماذا تبدين... مرتفعة عن سطح السرير؟

شهقت ريموندا، وشعرت بقطرات العرق على جبينها.

"م... مرتفعة؟! أبـــدًا، أبـــدًا!"

اقتربت فيونا أكثر، تسير ببطء حول السرير، كما لو كانت نمراً يطوّق فريسته ، بينما ريموندا تتقلب في اللحظة نفسها، تنتقل إلى الجانب الآخر من السرير لتبقى مقابلة لها، مع ابتسامة مصطنعة لا تكاد تخفي توترها.

رفعت فيونا حاجبيها، توقفت، وضيقت عينيها بشك:

"هل هناك... أمر تخفينه عني؟.....

في الجهة الأخرى... هبط بيرون أمام أسوار القصر، وألقى بفلوكاز الذي كان لا يزال معلّقًا تحت إبطه ككيس مهمل. ارتطم فلوكاز بالأرض بقوة حتى انطلق صرخة ألم، وجلس بسرعة وهو يفرك ظهره بانزعاج:—يالهي! ما بالك يا أمير؟! لماذا ألقيتني هكذا؟! ألا ترحم ضعفي قليلًا؟!"

لكن بيرون لم يلتفت إليه. كان نظره يسرح في أرجاء الساحة الأمامية للقصر، حيث اصطفّت العربات الفاخرة والسيارات النادرة، وأحاطت الحراسة بالبوابات، مدججين بأسلحتهم. لمعة سخرية ارتسمت في عينيه، ثم ابتسم ابتسامة جانبية وهو يتمتم:—يبدو... أن ضيوفنا قد وصلوا.

ارتبك فلوكاز، التفت يمينًا ويسارًا ولم يفهم قصده:

"ماذا... ماذا تعني؟!"

لم يجبه بيرون، بل تنهد بخفة ورفع يده ليطرق بإصبعه، فغمره وهج أزرق باهت ، في لحظة تغيّرت هيئته؛ تحولت ملابسه البسيطة إلى بذلة ملكية رسمية، أنيقة، ذات نقوش ذهبية تتلألأ تحت ضوء المشاعل. وقف معتدلًا، بخطوات واثقة، ملامحه يعلوها الوقار وكأنه لم يكن قبل لحظات يقفز بين الأسطح مثل مراهق جامح.

تقدم بخطوات ثابتة نحو البوابة وهو يقول ببرود:—ملوك الممالك التابعة... إخوتي من أبي، كلٌّ منهم يلهث ليحكم عرشه الصغير، لكن جميعهم لا يزالون بيادق في يد الإمبراطورية.

وبكل كبرياء، عبر بوابات القصر بخطوات هادئة.

وقف فلوكاز للحظة، ثم انتفض صارخًا:—انتظرني، أيها الأمير!

وراح يعدو خلفه وهو يكاد يتعثر في ثيابه، يحاول اللحاق بظله قبل أن يبتلعه صخب القاعة الكبرى

حين فُتحت أبواب القاعة العظمى، دخل بيرون القصر بخطواته الواثقة، وأصداء نعليه تُدوّي في أرجاء الممر الطويل. الجدران مزدانة بلوحات أسلاف كاليمور ، وألسنة المشاعل تعكس أضواءها على الأرضية الرخامية السوداء كأنها أمواج ليل متحركة.

عند نهاية الممر، انفتحت الأبواب الثقيلة المزيّنة بنقوش ذهبية على القاعة الكبرى.

كان الجو مهيبًا، السقف عالٍ مزدان بثريات من الكريستال النقي، والهواء يعبق برائحة البخور الملكي.

وعلى طول المائدة الضخمة، جلسوا... الملوك الإخوة

انكشفت المائدة المستطيلة التي امتدّت كأنها بحر من الرخام الأسود يتلألأ فوقه الذهب.

وعلى جانبيها جلس الملوك السبعة، أبناء الإمبراطور نيروفان، كلٌّ منهم حاكمٌ لمملكة منضوية تحت راية كاليمور، وأمامهم زوجاتهم اللواتي لم يكنّ زينةً بقدر ما كنّ شريكات في السلطة والدسائس.

الملك ليوبولد: الأكبر، ذو وجه مهيب وخطوط الشيب تُزيّن صدغيه، جلس إلى جانبه الملكة كارين، بثوب أخضر زمردي يليق بصرامتها الباردة.

الملك ماكسيميليان: حادّ النظرات، يُمسك بكأس لم يرفعها بعد، إلى جواره مارغريت، سيّدة هادئة الملامح، لكن عينيها تحسبان كل كلمة تُقال.

الملك أوغست: الأكثر وقارًا، كتفاه العريضتان تنطقان بالهيبة، وزوجته كاثرين بدت كظلّ صامت، لكنّ نظراتها كانت كخيوط عنكبوت لا تفلت شيئًا.

الملك غاتس: بابتسامة متكلفة تخفي غطرسة، وقد جلست إلى جانبه أيميليا، امرأة طويلة القامة، عيناها زرقاوان باردتان كالجليد.

الملك نيكولاس: عيناه داكنتان غارقتان في التفكير، أصابعه لا تكفّ عن الطرق على الطاولة، فيما جلست بجانبه أناستازيا، أنيقة في فستان قرمزي يشعّ ثقةً وغموضًا.

الملك ألكسندر: الأشد صرامة بين إخوته، لم يلتفت حين دخل بيرون، كأنه لا يعترف بوجوده أصلًا، وبجواره هيلينا، صاحبة ابتسامة هادئة تخفي شيئًا لا يُقرأ.

الأمير فيليكس: أصغرهم، لم يزل في طور استلام مقاليد مملكته، جلس مضطربًا بين عمالقة العائلة، لكن عيناه أضاءتا حين لمح بيرون، ابتسامة طفولية تسلّلت إلى وجهه، كاشفةً عن تعلقه الواضح بأخيه.

وفي صدر القاعة، على العرش العاجي الموشّى بالذهب، جلس الإمبراطور نيروفان، رجل كالجبل، عيونه النيليّة الزجاجيّة ساطعة كأنها ترى ما وراء الأرواح. كان صمته وحده يكفي ليجعل القاعة بأكملها تنحني.

دخل بيرون بخطوات هادئة، وكل الأعين تتابعه، بعضُها بارز بالحقد، وبعضها بالتحفّظ، وعين واحدة بالفرح... عين فيليكس

واخيرا قال الامبرطور نيروفان بصوته الجهوري يملأ المكان دون أن يرفع نبرته:—أخيرًا وصلت يا بيرون.

رمق بيرون إخوته بنظرة جانبية وهو يتقدّم ببطء.

لم يركع كما فعل الآخرون، بل اكتفى بإيماءة بسيطة وهو يقول ببرود:—لم أشأ أن أتأخر عن اجتماع العائلة.

ضحك الملك غاتس باستخفاف، بينما شدّ الكسندر قبضته على الطاولة، وارتفع حاجب ماكسميليان في سخرية رفيعة ، أما نيكولاس فاكتفى بزفرةٍ ثقيلة، كأنّه يستعد لعاصفة يعرف أنها قادمة لا محالة....

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   قلادة

    كأنّ التساؤلات انهالت عليه دفعةً واحدة: كيف يعرف هذا الوحش بشأن نطاق الطاقة؟ كيف يعرف المسافة المطلوبة؟ وإن كان لهذه الكائنات ملكٌ يقودها... فهي بطبيعتها بدائية، لا عقل بشريًا لها كي تتطور أو تنتظم ، لقد أُبيدت الأنواع المتقدمة منها سلفًا لوضع حدٍّ لها... لكن من يدري؟إن كانت هذه الكائنات قد تطورت إلى هذه الدرجة... فربما هذا أبسط ما لديها.شدّ كاسبر على أسنانه، ثم ركل الوحش في بطنه فتراجع للخلف. رفع كاسبر كفّه عاليًا، لكن الوحش — وبسرعة خاطفة — أمسك بمعصمه قبل أن يستوعب ما يحدث ، ابتسم له ابتسامة واسعة، ثم لوى معصمه وكسره.صرخ كاسبر متأوهًا: —يا إلهي... سحقًا!نظر إلى الوحش بغضب، ثم ركله بقوة ليندفع بعيدًا. أمسك بيده المصابة، عضّ على أسنانه، ولفّها بعنف حتى أعاد العظم إلى موضعه، يتنفس بسرعة من شدّة الألم. أغمض عينيه، وقف بثبات، أرجع إحدى قدميه للخلف، وأحكم قبضته على السيف... ثم اندفع.اصطدم السيفان، ودخلا في مبارزةٍ ساخنة؛ كلٌّ منهما يقاتل بكل ما لديه ، توقفا أخيرًا، يتنفسان بصعوبة، وصدر كاسبر يعلو ويهبط بعنف.علّق الوحش سيفه على كتفه، وابتسم بخبث قائلًا:—أتعرف أنني ألهو معك منذ ساعات

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   من المتحكم

    وقف كاسبر على صهوة حصانه في مقدمة الجيش ، إلى جانبه ألكسندر وأوغست، وفي الجهة الأخرى ليوبولد وخلفهم الجيش متراصٌّ في صفوف ممتدة.تقدّم كاسبر خطوة، ثم استدار بحصانه ليواجه الجنود، بينما بقي الثلاثة في ثباتهم قال بصوت جهوري، ممسكًا بلجام حصانه:—اسمعوا أيها الجيش...ساد الصمت.تابع :—تذكّروا جيدًا أننا ندخل أقوى وأرعب أرض... أرض تايتا. مقبرة البشرية.شدّ على اللجام :—لكن تذكّروا... لا شيء أقوى من كاليمور وجيشها ، رفع صوته أكثر:—اثبتوا! ترابطوا. ! وإياكم والتردد!ثم صرخ:—إما النصر... أو النصر!»ارتجّ الميدان بصوت الجنود:—تحيا كاليمور! يحيا الجيش الكاليموري! بينما كانت الهتافات تتصاعد، ظل أوغست يمسح الأفق بنظرة حادة، يقيّم الأرض والاتجاهات بصمترفع كاسبر يده عاليًا وأشار: —الوحدة الأولى إلى الشرق!تحرّك جيش ليوبولد ، الوحدة الثانية إلى الغرب...!اندفع جيش ألكسندر ، الوحدة الثالثة إلى الشمال! تحرّك جيش أوغست ثم قال اخيرا: —الوحدة الأخيرة... خلفي.استدار بحصانه وانطلق، فتبعته القوات، وغبار الرمال يرتفع تحت حوافر الخيل توقّف أوغست لحظة نظر إلى كاسبر وهو يبتعد مع جيشه...ثم استدار بصمت، وأكمل طر

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   الموت او الاذلال

    تراجعت كارينا خطوة صغيرة إلى الخلف، وكأن كلمة "وفاق" لم تكن بريئة كما بدت لها تسارعت أنفاسها أكثر، وعيناها ما زالتا معلّقتين به بحذر ، قالت بصوت منخفض متردد: —و... ما معنى هذا الوفاق؟ابتسم بيرون ابتسامة خفيفة، وأدار رأسه قليلًا كأنه يختار كلماته بعناية:—معناه بسيط جدًا... اقترب خطوة واحدة فقط دون أن يلمسها، لكن المسافة بينهما صارت خانقة: —أن نتوقف عن لعب دور الأعداء.سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أخف، شبه ساخرة:—أنا لا أحب أن أكون عدوًا لأحد... خصوصًا لمن يحمل أسرارًا خطيرة كهذه.ارتجفت أصابعها قليلًا ،قالت بسرعة:—أنا لا أفهم ما تقصده ، اسرار ماذا؟رفع حاجبه، ثم أشار بخفة إلى المكان الذي كان فيه الكاتب قبل قليل، اغمضت عينيها بحسرة على حالها ، خفض صوته:—دعيني أكون أوضح...اقترب نصف خطوة أخرى، فشدّت جسدها تلقائيًا :—أنا لم أركِ... ولم أرَ شيئًا لا الكاتب... ولا هذا المشهد المثير للاهتمام.ثم أضاف بسخرية خفيفة:—وأنتِ ..من الآن فصاعدًا... ابنة بارة بعمها حسناً؟؟ ثم...أليس العم أبًا؟ارتجفت شفتاها: —ولِمَ تظن انني سوف أفعل ما تريد؟ابتسم بيرون بهدوء غريب:—لأنكِ ذكية ، ثم أمال رأسه قليلًا: —وا

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   ان نكون على وفاق

    اتكأ إيلادور على الكرسي :-أنا أسمع... تفضّلي يا آنسة... ....ريموندا؟ ، نظرت إليه بامتعاض، وتمتمت بصوت خافت:—هل يدّعي أنه لا يتذكر اسمي جيدًا؟؟؟قال إيلادور:—معذرة؟ ، رفعت ريموندا رأسها بسرعة، وقالت وهي تتدارك بابتسامة قصيرة:—لا، لم أقل شيئًا. عمومًا... لديّ مخزون أسئلة لدرجة أنني لا أعرف بأيّها أبدأ!سكت لحظات، ثم قال:—اسألي أي شيء. أنا أسمع.رفعت سبابتها قائلة :—وستجيب عليها كلها، أليس كذلك؟نظر إليها ورد بهدوء: —سأجيب على ما أعرف.ضيّقت عينيها قائلة : —أنت تعرفها كلها . ما أعنيه... أنك لن تتفادى الإجابة.فرد ببرود:—بل سأتفادى ما لا يناسبني. لذا اسألي... دون شروط ، تلفّتت بتذمر، فتنهد قائلا :—ألن تسألي؟التفتت إليه ثم قالت : آه... نعم. في الحقيقة... كيف تُضيئون الأماكن هنا؟ عقد حاجبيه تساؤلاً: كيف؟ لا أفهم قصدك.قالت على استحياء:—نحن نستخدم الشموع لإضاءة الحجرات و... هزّ رأسه وقد فهم: —آه... تسألين عن تلك القوة التي تُنير بلا فتيل!!؟؟سكت لحظة، ثم قال: —نسميها كهرباء ، وأشار إلى الجدار:—هي نورٌ يسري في أسلاك خفية، كما يسري الماء في القنوات لا زيت لها، ولا نار... ومع ذلك تملأ المكان

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   لا اعرف الخوف

    عمَّ الصمت والهدوء ، قال الإمبراطور دون أن يلتفت: "تفضّل"اقترب إيلادور رفع الإمبراطور كأس العصير وارتشف منه، بينما كان إيلادور يتأمّله بصمت تقدّم بخطوات ثقيلة تهزّ الأرض حتى وقف أمام الإمبراطور مباشرة، ينظر إليه بحدّةٍ اعتادها الجميع منه؛ وجهٌ متجهّم لا يعرف اللين.رفع الإمبراطور رأسه ، تبادلا النظرات وضع الإمبراطور كأسه على الطاولة وأشار بكفّه إلى إيلادور أن يجلس نظر إليه لحظة، ثم جلس على الكرسي المقابل، وظلّ ينظر بثبات دون أن ينبس بكلمة.ابتسم الإمبراطور ابتسامة خفيفة، وخفض رأسه قليلًا وقال:—اسكب لنفسك كأسًا... لعلّنا سنقول الكثير.نظر إيلادور إلى القنينة الزجاجية، ثم إلى الكأس الفارغ أمامه، ورفع رأسه متكئًا وقال:—ألستَ من استضافني؟ اسكب لي أنت.توقف الإمبراطور والكأس بين يديه، ثم ابتسم بسخرية خفيفة وضعه جانبًا واتكأ على كرسيّه قائلًا:—أظنّ أن والدك علّمك أشياء كثيرة يا إيلادور... لكنه لم يعلّمك الخوف.ظلّ إيلادور صامتًا تابع الإمبراطور:—وهذا طبيعي... لا يمكنه أن يعلّمك شيئًا هو شخصيًا لا يعترف به ، والدك كان محاربًا قويًا... وصديقًا جيدًا لي.»عقد إيلادور حاجبيه أكثر حتى بدا وجهه

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   مفاجآت

    جلست ريموندا على طرف السرير، حيث كان إيلادور يغطّ في نومٍ مضطرب، يتعرّق بغزارة ولأول مرة... تراه عن قربٍ إلى هذه الدرجة. كان شعره الأسود الفحمي يصل إلى نهاية عنقه وتلك الظلال الداكنة تحت عينيه الحادتين ، كانت تدل على الإجهاد الذي يعيشه وتلك التجاعيد بين حاجبيه ، تلك التي طُبعت على وجهه من كثرة ما كان يقطّبهما ، أثر شاربٍ خفيف بالكاد يُرى ،عظام فكه البارزة ووجهه... المليء بالخدوش ،قديمة... وجديدة آثار معارك لا تُحصى.وهناك ندبةٌ قديمة تبدأ من مدمع عينه اليسرى، تمتد مائلةً عبر وجهه حتى تصل إلى نهاية أنفه في الجهة اليمنى وضعت كفّها برفق على جبينه كان جسده يشتعل كالنار من شدّة الحمى.تمتمت بقلق: —يا إلهي... ماذا عليّ أن أفعل؟ نظرت إلى الباب... ثم إليه ، فخاطبت نفسها بخفوت: —لقد رفض قطعًا أن أخبر أحدًا...سكتت لحظة تفكّر بحيرة ثم قالت: —على الأقل... يجب أن أُخفّف هذه الحرارة ، وقفت لتستعد لتخرج لكنه تحرّك قليلًا فتوقّفت، راقبته مال برأسه قليلًا... لكنه ظل نائمًا تنفّست بعمق، ثم خرجت من الجناح بعد دقائق، عادت تحمل وعاءً ممتلئًا بالماء، ومعه قطع قماش.جلست قرب رأسه ،بلّلت القماش ، عصرته فو

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status