مشاركة

عدم تاقلم

مؤلف: FARAHA HALAwLAw
last update تاريخ النشر: 2026-08-22 04:09:12

في إحدى الأزقة الضيقة للسوق الشعبي، كان "بيرون" يسير بخطى سريعة، مرتديًا ملابس بسيطة تشبه ملابس العامة، يربط خنجرًا عند خاصرته، وشعره الرمادي منسدل حتى آخر رأسه، كأن ملامحه لا تنتمي لملوك أو أمراء.

كان السوق يعج بالحياة والفوضى: الباعة يرفعون أصواتهم لعرض بضائعهم من توابل وعطور وأقمشة ملونة، وأكشاك الخشب المهترئة تصدح بأصوات الطرق على المعادن والمساومات الحادة. رائحة الخبز الطازج والبهارات تتخلل الأجواء، والحيوانات الصغيرة تتجول بين الأرجل المتعجلة للمتسوقين، بينما ضوء الشمس يتسلل بخجل بين الأزقة الضيقة، ليعكس ألوانًا زاهية على الجدران المتهالكة

كان خلفه يركض "فلوكاز"، صديقه ومساعده، يحاول اللحاق بخطاه المتسارعة.

صاح فلوكاز وهو يلهث:— "أيها الأمير بيرون! لقد قلت أمام المجلس بأكمله إن إيلادور يتوهم... ثم تأتي الآن بنفسك إلى هنا؟!"

توقف بيرون فجأة عن السير، ثم استدار ببطء نحو فلوكاز، عينيه تلمعان بحدة : — "لأنكم ببساطة فشلتم في التجسس ،رُصدتم  بلا نتيجة."

ثم تابع سيره بخفة، دون أن ينتظر ردًا، بينما ظل فلوكاز يحاول مجاراته، وقال بقلق متصاعد:

— "لكن هذا خطير! نحن الآن داخل نطاق طاقتهم... هذا يعني أنك لا تستطيع استخدام طاقتك إطلاقًا!"

زمّ بيرون شفتيه بلا مبالاة، وأجاب ببرود:

— "وماذا في ذلك؟"

فلوكاز حدّق فيه كأنما لا يصدق:

— "ماذا في ذلك؟! إذا اكتشفوا أمرك، ستكون ميتًا في الحال!"

ضحك بيرون ضحكة قصيرة ساخرة، وأجاب بثقة:

— "لكنهم لا يعرفون وجهي الحقيقي. أنا دائمًا أتنقل بتعويذة التهيئة. حتى إيلادور نفسه لم يرَ هيئتي الحقيقية قط."

ثم ابتسم بخفة وواصل السير كأن الأمر لا يعنيه.

فلوكاز لم يستسلم ظل يلاحقه في السير وقال:

— "لكن... ماذا عن عينك؟! إنها واضحة! لا يمكن أن تُخفى..."

توقف بيرون مجددًا، تنهد، ثم استدار إليه بنظرة ثقيلة.

تراجع فلوكاز خطوة لا إرادية، قبل أن يسمع صوت بيرون الحاد:

— "حسنًا يا فلوكاز... لنفترض أن إيلادور قرر فجأة التجوّل في هذا السوق الشعبي، بلا سبب وجيه. ثم – بالصدفة – يلاحظني وسط كل هؤلاء البشر. ثم يحدّق في وجهي، متجاهلًا التهيئة، ويركّز بما يكفي ليكتشفني. حينها، نعم، قد يلاحظ لون عيني."

ثم  اضاف صارخا بنبرة حادة:

— "لكن هذا غير منطقي، أيها الأحمق!"

أغمض فلوكاز عينيه من حدة الصوت، وابتلع ريقه.

قال بعدها بهدوء:

— "لكن... لون عينيك وحده يكشف أنك من قادة كاليمور. لا أحد غيركم يملكها..."

زفر بيرون بضيق، ولوّح بيده باستياء:

— "سأتجاهلك، حسنًا؟"

ثم استدار وتابع طريقه بخطى ثابتة، وكأن كل شيء يسير وفق خطته وحده

                      *********

تثاءبت وهي تمدّ ذراعيها للأعلى، ثم مرّرت يديها في شعرها المبعثر بفعل النوم. كانت عينها نصف مغلقة، متثاقلة. وما إن همّت بالنهوض من السرير، حتى شهقت بألم مفاجئ في ساقيها. تأوهت، وعادت لتجلس وهي تمسح على موضع الألم برفق.

— "يالهي..." تمتمت وهي تتنهّد،

"يبدو أن تدريبات الرقص والمشي المُكثّفة بدأت تُظهر نتائجها على جسدي!"

نظرت إلى ساقيها بضيق، ثم تنهدت بعمق:

— "لا أصدق أنني كنت سجينة غرفتي طوال الخمسة أيام الماضية."

دخلت الخادمات كالمعتاد، وبدأن طقوس الاستعداد الصباحية: حمام دافئ، تنشيف، ثم تلبيس ورداء ملكي بسيط. بدأت إحدى الخادمات بتمشيط شعرها وتمضيته بعناية.

ضفرتا لها ضفيرتين أماميتين، ثم ربطتا إلى الخلف، تاركتين بقية شعرها المموّج منسدلاً بحرية على كتفيها.

قالت إحدى الخادمات بلطف وهي تنحني قليلًا:

— "جلالتك... لقد أُذِن لكِ اليوم بالتجوال في القصر."

رفعت ريموندا رأسها ببطء، وعيناها تتسعان بدهشة كمن سمع خبراً لا يُصدق. كان وجهها كوجه أسير بلّغه أحدهم بنبأ إطلاق سراحه.

شهقت، وشبكت يديها بسعادة:

— "حقًا؟!"

ابتسمت الخادمة بلطف، وأومأت:

— "نعم، جلالتك."

شعرت ريموندا بأن الهواء عاد يتنفس داخل رئتيها... أخيرًا

خرجت ريموندا من جناحها بخُطى خفيفة كلها حيوية ونشاط، تتجول أخيرًا بحرية في أرجاء القصر، تسبقها نظرات الفضول وتتبعها الخادمات بخطى هادئة.

كانت ترتدي فستانًا ملكيًّا طويلًا بلون عاجي، بأكمام قصيرة مرفوعة قليلاً، تتوسّطه قفازات حريرية تصل إلى منتصف الذراع، ومزينة بالمجوهرات الدقيقة التي تعكس ضوء القصر ببريق هادئ. لم تتمالك نفسها من الهمس:

— "يا إلهي... إنه جميل بشكل لا يُصدق."

نظرت من حولها بدهشة، كأنها تزور المكان لأول مرة.

— "يبدو أنني لم أرَ من القصر سوى المكتبة... وغرفتي."

عندما وصلت إلى الدرج الرئيسي، توقفت لحظة تنظر إلى روعته. كان يدور بهندسة أنيقة، لينقسم في نهايته إلى طريقين يؤديان إلى جناحين مختلفين. الزينة المعلقة على جانبيه من الأضواء البلورية جعلت الدرج يبدو كمنصة لحلم ملكي.

هيمنة اللون الأحمر القاني طغت على جدران القصر، مزدانة بنقوش ذهبية ملكية. حتى مقابض الأدراج والمزهريات كانت تلمع بلمعانٍ يخطف النظر.

— "هل هذا ذهب حقيقي؟ أم أن القصر بأكمله خُلق من الخيال؟" تمتمت بدهشة وهي ترفع طرف فستانها قليلًا كي تتمكن من الحركة بسلاسة أكثر.

شعرت كأنها في عالم موازٍ... عالم ليس لها، لكنه الآن ملكها، ولو مؤقتًا..

تجوّلت ريموندا في أرجاء القصر الملكي، غير مصدّقة أن لهذا المكان نهاية من شدّة اتساعه وتشعبه. وبينما كانت تتنقّل في الطوابق، لفت انتباهها في الطابق السفلي ثلاث فتيات من عامة الشعب، كنّ يتغامزن ويتبادلن الحديث بهمس، فضحكت في سرّها وابتسمت ابتسامة خفيفة.

حين وصلت إلى المطبخ، فوجئت باتساعه، وكان يعجّ بالحركة، تعجّ فيه الخادمات جيئةً وذهابًا. ومع دخولها، خفّضت بعض العاملات رؤوسهن فور رؤيتها، أما هي فبادرت بابتسامة دافئة، قالت برقة:

— لا بأس، لا حاجة لكل هذا الحرج.

ضحكت، ثم خطت إلى الداخل بخفّة، وضعت يدها على خاصرتها ونظرت حولها بفضول:

— وماذا تطبخن اليوم؟

تفاجأت الخادمات من بساطتها وتواضعها، لكنهن سرعان ما بدأن بالإجابة بحماس. ظلت تتنقّل بينهن، تراقب وتضحك، تشارك بعضهن تعليقاتها وكأنها واحدة منهن.

ثم قالت بحماسة:

— أظنني أودّ أن أجرب طهو هذا الطبق!

تبادلَت الخادمات النظرات بدهشة وارتباك، وقالت إحداهن بتردّد:

— لكن... فخامتك...

قاطعتها ريموندا بابتسامة مشجّعة:

— لا بأس، دَعْنِي أُحاول.

وبدأت تطلب المكونات واحدة تلو الأخرى، تُعدّ نفسها لخوض تجربة جديدة وممتعة... إلى أن وصلت إلى كلمة

اتسعت عيون الخادمات بدهشة حقيقية، تبادلن النظرات وهنّ يحدّقن في ريموندا باستغراب، قبل أن تنطق إحداهن بتوتر:

— جلالتك... ماذا طلبتِ الآن؟!

رفعت ريموندا حاجبها باستغراب طفولي، وقالت:

— الملح؟

بادرتها إحدى الخادمات باستغراب أشد:

— الملح؟! ولماذا الملح؟!

قالت ريموندا ببساطة وضحكة خفيفة وهي تشير إلى القدر أمامها:

— لأجل الطعام، بالطبع.

لكن الخادمة تقدّمت منها وقد بان القلق في نبرتها:

— جلالتك... لا يُطبخ باستخدام الملح عادةً. ماذا تقصدين بالضبط؟

وقبل أن ترد ريموندا، جاءها صوت من إحدى الزوايا حيث كانت خادمة تخاطب اخرى تنظّف الصحون، قالت بصوت عفوي:

— اغسلي الصحن الذهبي بماء الكركديه... سيعود يلمع كالمرّة الأولى!

ابتسمت ريموندا بشكل عفوي وهمست:

— لكن هذه الطريقة تنجح فقط مع الذهب الحقيقي...

رفعت الخادمة رأسها بدهشة، ثم ابتسمت وقالت بلطف:

— ماذا تعنين؟ هذا.......

قاطعتها ريموندا وهي تحدّق في الصحن:

— ذهب... حقيقي؟!

تبادلت الخادمات نظرات متفاجئة ثم أكّدن جميعًا:

— نعم، إنه ذهب.

ضحكت ريموندا قليلاً وهي تحاول أن تبدو واثقة:

— أعني... ولِمَ لا؟ بالطبع، يمكن صنع الصحون من الذهب. لا مشكلة...

ثم نظرت حولها وقالت:

— لكن... ما المشكلة في استعمال الملح إذًا؟

تقدّمت خادمة أخرى ووضعت يدها على صدرها بلطف وقالت:

— لا يمكننا استخدامه، جلالتك... ليس للطعام. لا يُستعمل بشكل عشوائي.

نظرت ريموندا إلى الخادمات باستغراب، قبل أن تتمتم:

— لحظة... هل تقُلن إن الملح غالٍ، بينما تُصنع الصحون من الذهب؟!

أومأن جميعًا بالإيجاب، كأن ذلك أمر بديهي.

وقفت ريموندا مذهولة، تهمس لنفسها:

— غريب... هذا عكس ما كان في عالمي... لأن...

لكنها توقّفت فجأة وقد أدركت ما فاهت به.

نظرت الخادمات إليها بفضول حاد، وقُلن بصوت واحد، كأنها تهمة:

— عالمك؟؟؟

ابتسمت ريموندا محاولة صرف انتباه الخادمات عن زلّتها وقالت بخفة:

— تجاهلن ذلك، حسنًا؟ أظن أن علي نزع هذه القفازات، ستُعيقني.

نزعتها برشاقة، ثم وضعتها برفق على الطاولة، غير منتبهة إلى أن الختم نيڤاريم على معصمها أصبح واضحًا تمامًا.

في هذه اللحظة، كانت فيونا تمرّ بحثًا عنها، تسير بخطى سريعة ونظرة قلقة. ما إن وقع بصرها على ريموندا حتى اتسعت عيناها، وتوقفت في مكانها مأخوذة بالمشهد.

الملكة ريموندا... وسط العاملات، تضحك، بيديها الطحين، وختمها مكشوف أمام الجميع!

شهقت فيونا وكأنها رأت كارثة تتجلى، ثم اندفعت نحوها بسرعة هاتفة:

— جلالتك!!

استدارت ريموندا بذعر، وقد انتفض جسدها من المفاجأة:

— نعم؟!

وفي تلك اللحظة، انحنت جميع الخادمات برعب، رؤوسهن إلى الأرض، وجوههن مصفرة من الخوف.

وصلت فيونا إليها، ملامحها مشدودة، وتوترها كاد يُسمع في الهواء، ثم قالت بصوت خافت مشدود:

— تعالي... جلالتك، الآن.

نظرت ريموندا إلى فيونا، ثم إلى الخادمات المنحنات، وعادت بنظرها إلى يديها. أدركت حينها أن الختم مكشوف... وأنها ارتكبت ما قد يُعد جريمة.

تبعت فيونا بخطى مترددة، وكل ما بداخلها يتحرك بين الندم والخوف... والمزيد من الأسئلة

ظلت تشبك أصابعها بتوتر، وعيناها لا تفارق الأرض بينما كانت فيونا تقودها بصمت إلى جناح الملك.

كان جالسا خلف مكتبه، يختم على مرسوم بتركيز ظاهر، دون أن يرفع رأسه. دخلت فيونا، وانحنت بخفة، ثم نقلت إليه ما حدث بكل تفصيل. لم يقاطعها. وعندما انتهت، قال ببرود:

— يمكنك الذهاب.

انحنت مجددًا، ثم التفتت نحو ريموندا بنظرة حادة، رفعت بأنفها بتعالٍ، ثم خرجت بهدوء... لكن بخطى تخفي التوتر.

ظل الصمت لثوانٍ. أغلق الملك الملف امامه ، ثم نهض من مقعده، وضع يديه خلف ظهره واقترب منها بخطوات بطيئة وثابتة.

هي تراجعت غريزيًا خطوتين إلى الخلف، رأسها ما يزال منخفضًا، يداها متشابكتان.

قال بصوت خافت، لكن نبرته تحمل غضبًا واضحًا:

— هل أنتِ مُصرّة على إثارة الضجيج كل يوم؟

ثم ارتفعت نبرته فجأة:

— ماذا كنتِ تظنين نفسكِ فاعلة في المطبخ؟! ها؟!

أغمضت عينيها من شدة الإحراج.

أضاف بحدة، مشيرًا بعينيه نحو معصمها:

— وفوق كل ذلك... الخَتم؟! كان مكشوفًا؟!

قالت بتردد، كمن تبحث عن مخرج وهمي:

— أنا... لم أكن أُدرك... لم أنتبه.

ضحك بسخرية قصيرة، ثم استدار في مكانه كمن لا يصدق ما يسمعه.

— ولماذا أصلاً تختلطين بالخدم؟ أهو شعور بالانتماء؟

رفعت عينيها إليه للحظة، لكنها لم تجد ردًا. حبست نفسها، ثم هزت رأسها بصوتٍ خافت:

— لن... أكرر الخطأ مجددًا.

رفعت أطراف فستانها، وانسحبت من الغرفة دون أن تنتظر إذنًا.

ظل مكانه للحظة، يراقب الباب المغلق. ثم زفر بضيق، وهزّ رأسه:

— يبدو أن هذا بالضبط ما كان ينقصني... تبا.

وعاد إلى مكتبه، ليكمل ما بدأه

عادت ريموندا إلى غرفتها، يلفّها الحزن كوشاح ثقيل، تتشابك حولها الكلمات التي لا تزال عالقة في قلبها الصغير... كلمات الملك، تلك التي دائمًا ما تضيق بها أنفاسها كلما تذكرتها.

لكن، ما لبث أن اقتحم الباب فجأة... ودخل الصغير نيرو، يتبعه بونو والجنية الصغيرة.

وما إن وقع بصرها عليه حتى أضاء وجهها بفرح حقيقي:

— "يالهي! نيرو! أيها الصغير... أين كنت؟!"

ابتسم نيرو ابتسامة عريضة، وركض نحوها كأن لا هم في الدنيا:

— "كيف حالكِ، أيتها الملكة؟"

وضعت ريموندا يدها على خاصرتها، وانحنت قليلًا بنبرة تمثيلية طفولية:

— "أنا بخير... لكن أين كنتَ، أيها المخادع الصغير؟ أليس من المفترض أنك ستأخذني في مغامرة؟!"

ضحك نيرو وقال بخفة:

— "في الحقيقة كنا في رحلة تعليمية."

تدخل بونو بنبرة صارمة كما اعتاد:

— "أنتما تخاطران. وهذا غير مسموح."

هزّت الجنية رأسها موافقة، وهي تحلّق بجانبه بجدية غريبة على كائن بهذا الحجم.

ضحكت ريموندا بخفة وقالت:

— "أتفق... لكن المغامرة جزء من الحياة!"

ثم التفتت إلى نيرو:

— "كيف كانت الرحلة؟"

ابتسم بخفة وأجاب:

— "عادية..."

خفض صوته وهمس:

— "فلنذهب غدًا."

وضعت ريموندا إصبعها على ذقنها، كمن تفكر بجدية وهمية:

— "هممم... ممكن، لكن سيتم ملاحظة اختفائي."

غمز لها نيرو بخفة وقال بذكاء طفولي:

— "فلتدّعي المرض! امنعي دخول أي أحد إلى غرفتك، وسنستغل ذلك!"

ضحكت ريموندا، ثم تظاهرت بالجدية:

— "هذا خاطئ يا نيرو! أنا أكبر من أن أكذب!"

ردّ نيرو بتنهيدة درامية:

— "لكن لا يوجد خيار آخر..."

سكتت ريموندا لحظة، ثم تمتمت بعد تفكير:

— "حسنا..."

ورفعت إصبعها أمامه كأنها توقع اتفاقًا رسميًا.

قفز نيرو بحماس:

— "رائع! أنت لستِ مملة على الإطلاق!"

عقد بونو ذراعيه وقال بصرامة:

— "أنا لا أوافق."

فردت الجنية جناحيها وعقدت ذراعيها أيضًا، موافقة على اعتراضه.

ابتسم نيرو بخبث وقال:

— "لا بأس! لا تأتيا معنا إذًا!"

استدار بونو بسرعة، مصدومًا:

— "ماذا؟! كيف أتركك وحدك؟!"

ثم زفر بحدة وأضاف وهو يضع يديه على خصره:

— "أووووه... حسنًا. لمرة واحدة فقط!"

ضحك نيرو وقفز مجددًا:

— "رائع!"

ابتسمت ريموندا بحنان وقالت:

— "إذن... المغامرة تبدأ غدًا....

أشرقت الشمس على قصر فلموريا بهدوء، لكن في غرفة الملكة، كان هناك مخطط مختلف تمامًا.

تكورت ريموندا تحت الغطاء، تتنفس بثقل، تدّعي المرض. وعندما دخلت فيونا لتطمئن، قابلتها بنبرة ضعيفة متعبة:

— "أحتاج للنوم فقط... أرجوكِ لا تدعي أحدًا يزعجني."

نظرت إليها فيونا بعينين ضيقتين، ثم قالت بنبرة حادة:

— "حسنًا... خذي اليوم استراحة."

وخرجت.

ما إن أُغلق الباب خلفها، حتى أخرجت ريموندا رأسها ببطء من تحت الغطاء، وعيناها تتألقان بحماسة مكتومة. جلست على السرير، ثم رفعت يدها بحركة سرية، فقبضت كفها ورفعت إبهامها نحو نيرو الذي كان يراقبها من زاوية الغرفة... وردّ لها التحية بالمثل، وابتسامة النصر تلوح على وجهه.

في سرعة، بدأت ريموندا تبدّل ثيابها. ناولها نيرو ثوبًا بسيطًا، يشبه ثياب العامة، فارتدته بسرعة. ثم غطت شعرها برداء خفيف، أخفى ملامحها، تاركة خلفها كل ما يدل على من تكون.

خرج الاثنان بهدوء، يخطوان في الممرات الخلفية بخفة، حتى وصلا إلى الباب الخلفي للحديقة... ومنه إلى حيث لا يعلم أحد.

لم يكونا يعلمان أن ما ينتظرهما خلف تلك الأسوار... قد يغير كل شيء...

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   قلادة

    كأنّ التساؤلات انهالت عليه دفعةً واحدة: كيف يعرف هذا الوحش بشأن نطاق الطاقة؟ كيف يعرف المسافة المطلوبة؟ وإن كان لهذه الكائنات ملكٌ يقودها... فهي بطبيعتها بدائية، لا عقل بشريًا لها كي تتطور أو تنتظم ، لقد أُبيدت الأنواع المتقدمة منها سلفًا لوضع حدٍّ لها... لكن من يدري؟إن كانت هذه الكائنات قد تطورت إلى هذه الدرجة... فربما هذا أبسط ما لديها.شدّ كاسبر على أسنانه، ثم ركل الوحش في بطنه فتراجع للخلف. رفع كاسبر كفّه عاليًا، لكن الوحش — وبسرعة خاطفة — أمسك بمعصمه قبل أن يستوعب ما يحدث ، ابتسم له ابتسامة واسعة، ثم لوى معصمه وكسره.صرخ كاسبر متأوهًا: —يا إلهي... سحقًا!نظر إلى الوحش بغضب، ثم ركله بقوة ليندفع بعيدًا. أمسك بيده المصابة، عضّ على أسنانه، ولفّها بعنف حتى أعاد العظم إلى موضعه، يتنفس بسرعة من شدّة الألم. أغمض عينيه، وقف بثبات، أرجع إحدى قدميه للخلف، وأحكم قبضته على السيف... ثم اندفع.اصطدم السيفان، ودخلا في مبارزةٍ ساخنة؛ كلٌّ منهما يقاتل بكل ما لديه ، توقفا أخيرًا، يتنفسان بصعوبة، وصدر كاسبر يعلو ويهبط بعنف.علّق الوحش سيفه على كتفه، وابتسم بخبث قائلًا:—أتعرف أنني ألهو معك منذ ساعات

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   من المتحكم

    وقف كاسبر على صهوة حصانه في مقدمة الجيش ، إلى جانبه ألكسندر وأوغست، وفي الجهة الأخرى ليوبولد وخلفهم الجيش متراصٌّ في صفوف ممتدة.تقدّم كاسبر خطوة، ثم استدار بحصانه ليواجه الجنود، بينما بقي الثلاثة في ثباتهم قال بصوت جهوري، ممسكًا بلجام حصانه:—اسمعوا أيها الجيش...ساد الصمت.تابع :—تذكّروا جيدًا أننا ندخل أقوى وأرعب أرض... أرض تايتا. مقبرة البشرية.شدّ على اللجام :—لكن تذكّروا... لا شيء أقوى من كاليمور وجيشها ، رفع صوته أكثر:—اثبتوا! ترابطوا. ! وإياكم والتردد!ثم صرخ:—إما النصر... أو النصر!»ارتجّ الميدان بصوت الجنود:—تحيا كاليمور! يحيا الجيش الكاليموري! بينما كانت الهتافات تتصاعد، ظل أوغست يمسح الأفق بنظرة حادة، يقيّم الأرض والاتجاهات بصمترفع كاسبر يده عاليًا وأشار: —الوحدة الأولى إلى الشرق!تحرّك جيش ليوبولد ، الوحدة الثانية إلى الغرب...!اندفع جيش ألكسندر ، الوحدة الثالثة إلى الشمال! تحرّك جيش أوغست ثم قال اخيرا: —الوحدة الأخيرة... خلفي.استدار بحصانه وانطلق، فتبعته القوات، وغبار الرمال يرتفع تحت حوافر الخيل توقّف أوغست لحظة نظر إلى كاسبر وهو يبتعد مع جيشه...ثم استدار بصمت، وأكمل طر

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   الموت او الاذلال

    تراجعت كارينا خطوة صغيرة إلى الخلف، وكأن كلمة "وفاق" لم تكن بريئة كما بدت لها تسارعت أنفاسها أكثر، وعيناها ما زالتا معلّقتين به بحذر ، قالت بصوت منخفض متردد: —و... ما معنى هذا الوفاق؟ابتسم بيرون ابتسامة خفيفة، وأدار رأسه قليلًا كأنه يختار كلماته بعناية:—معناه بسيط جدًا... اقترب خطوة واحدة فقط دون أن يلمسها، لكن المسافة بينهما صارت خانقة: —أن نتوقف عن لعب دور الأعداء.سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أخف، شبه ساخرة:—أنا لا أحب أن أكون عدوًا لأحد... خصوصًا لمن يحمل أسرارًا خطيرة كهذه.ارتجفت أصابعها قليلًا ،قالت بسرعة:—أنا لا أفهم ما تقصده ، اسرار ماذا؟رفع حاجبه، ثم أشار بخفة إلى المكان الذي كان فيه الكاتب قبل قليل، اغمضت عينيها بحسرة على حالها ، خفض صوته:—دعيني أكون أوضح...اقترب نصف خطوة أخرى، فشدّت جسدها تلقائيًا :—أنا لم أركِ... ولم أرَ شيئًا لا الكاتب... ولا هذا المشهد المثير للاهتمام.ثم أضاف بسخرية خفيفة:—وأنتِ ..من الآن فصاعدًا... ابنة بارة بعمها حسناً؟؟ ثم...أليس العم أبًا؟ارتجفت شفتاها: —ولِمَ تظن انني سوف أفعل ما تريد؟ابتسم بيرون بهدوء غريب:—لأنكِ ذكية ، ثم أمال رأسه قليلًا: —وا

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   ان نكون على وفاق

    اتكأ إيلادور على الكرسي :-أنا أسمع... تفضّلي يا آنسة... ....ريموندا؟ ، نظرت إليه بامتعاض، وتمتمت بصوت خافت:—هل يدّعي أنه لا يتذكر اسمي جيدًا؟؟؟قال إيلادور:—معذرة؟ ، رفعت ريموندا رأسها بسرعة، وقالت وهي تتدارك بابتسامة قصيرة:—لا، لم أقل شيئًا. عمومًا... لديّ مخزون أسئلة لدرجة أنني لا أعرف بأيّها أبدأ!سكت لحظات، ثم قال:—اسألي أي شيء. أنا أسمع.رفعت سبابتها قائلة :—وستجيب عليها كلها، أليس كذلك؟نظر إليها ورد بهدوء: —سأجيب على ما أعرف.ضيّقت عينيها قائلة : —أنت تعرفها كلها . ما أعنيه... أنك لن تتفادى الإجابة.فرد ببرود:—بل سأتفادى ما لا يناسبني. لذا اسألي... دون شروط ، تلفّتت بتذمر، فتنهد قائلا :—ألن تسألي؟التفتت إليه ثم قالت : آه... نعم. في الحقيقة... كيف تُضيئون الأماكن هنا؟ عقد حاجبيه تساؤلاً: كيف؟ لا أفهم قصدك.قالت على استحياء:—نحن نستخدم الشموع لإضاءة الحجرات و... هزّ رأسه وقد فهم: —آه... تسألين عن تلك القوة التي تُنير بلا فتيل!!؟؟سكت لحظة، ثم قال: —نسميها كهرباء ، وأشار إلى الجدار:—هي نورٌ يسري في أسلاك خفية، كما يسري الماء في القنوات لا زيت لها، ولا نار... ومع ذلك تملأ المكان

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   لا اعرف الخوف

    عمَّ الصمت والهدوء ، قال الإمبراطور دون أن يلتفت: "تفضّل"اقترب إيلادور رفع الإمبراطور كأس العصير وارتشف منه، بينما كان إيلادور يتأمّله بصمت تقدّم بخطوات ثقيلة تهزّ الأرض حتى وقف أمام الإمبراطور مباشرة، ينظر إليه بحدّةٍ اعتادها الجميع منه؛ وجهٌ متجهّم لا يعرف اللين.رفع الإمبراطور رأسه ، تبادلا النظرات وضع الإمبراطور كأسه على الطاولة وأشار بكفّه إلى إيلادور أن يجلس نظر إليه لحظة، ثم جلس على الكرسي المقابل، وظلّ ينظر بثبات دون أن ينبس بكلمة.ابتسم الإمبراطور ابتسامة خفيفة، وخفض رأسه قليلًا وقال:—اسكب لنفسك كأسًا... لعلّنا سنقول الكثير.نظر إيلادور إلى القنينة الزجاجية، ثم إلى الكأس الفارغ أمامه، ورفع رأسه متكئًا وقال:—ألستَ من استضافني؟ اسكب لي أنت.توقف الإمبراطور والكأس بين يديه، ثم ابتسم بسخرية خفيفة وضعه جانبًا واتكأ على كرسيّه قائلًا:—أظنّ أن والدك علّمك أشياء كثيرة يا إيلادور... لكنه لم يعلّمك الخوف.ظلّ إيلادور صامتًا تابع الإمبراطور:—وهذا طبيعي... لا يمكنه أن يعلّمك شيئًا هو شخصيًا لا يعترف به ، والدك كان محاربًا قويًا... وصديقًا جيدًا لي.»عقد إيلادور حاجبيه أكثر حتى بدا وجهه

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   مفاجآت

    جلست ريموندا على طرف السرير، حيث كان إيلادور يغطّ في نومٍ مضطرب، يتعرّق بغزارة ولأول مرة... تراه عن قربٍ إلى هذه الدرجة. كان شعره الأسود الفحمي يصل إلى نهاية عنقه وتلك الظلال الداكنة تحت عينيه الحادتين ، كانت تدل على الإجهاد الذي يعيشه وتلك التجاعيد بين حاجبيه ، تلك التي طُبعت على وجهه من كثرة ما كان يقطّبهما ، أثر شاربٍ خفيف بالكاد يُرى ،عظام فكه البارزة ووجهه... المليء بالخدوش ،قديمة... وجديدة آثار معارك لا تُحصى.وهناك ندبةٌ قديمة تبدأ من مدمع عينه اليسرى، تمتد مائلةً عبر وجهه حتى تصل إلى نهاية أنفه في الجهة اليمنى وضعت كفّها برفق على جبينه كان جسده يشتعل كالنار من شدّة الحمى.تمتمت بقلق: —يا إلهي... ماذا عليّ أن أفعل؟ نظرت إلى الباب... ثم إليه ، فخاطبت نفسها بخفوت: —لقد رفض قطعًا أن أخبر أحدًا...سكتت لحظة تفكّر بحيرة ثم قالت: —على الأقل... يجب أن أُخفّف هذه الحرارة ، وقفت لتستعد لتخرج لكنه تحرّك قليلًا فتوقّفت، راقبته مال برأسه قليلًا... لكنه ظل نائمًا تنفّست بعمق، ثم خرجت من الجناح بعد دقائق، عادت تحمل وعاءً ممتلئًا بالماء، ومعه قطع قماش.جلست قرب رأسه ،بلّلت القماش ، عصرته فو

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status