ログインأُغلق باب المنزل بهدوء بعد مغادرة ريو، وعاد الصمت ليملأ المكان من جديد. تنهد تايسون وهو ينظر إلى الكأس الموجود بين يديه قبل أن يسكب القليل من النبيذ ويجلس أمام النافذة الزجاجية المطلة على حديقة منزله.
كان الليل هادئًا على غير عادته، لكن عقله لم يكن كذلك. ابتسم ابتسامة صغيرة عندما تذكر تعابير وجه ريو قبل قليل. لم يكن يتخيل يومًا أن ذلك الفتى الذي علّمه كيف يطلق النار وكيف يخفي مشاعره عن العالم سيصبح أبًا يغار على ابنته ذات الأربع سنوات. رفع كأسه قليلًا وهو يتمتم بهدوء: - يبدو أنني أصبحت أتحدث كثيرًا عن الماضي مؤخرًا يا يوجين. لأول مرة منذ سنوات طويلة، سمح لذاكرته بأن تعود إلى ذلك اليوم الذي التقى بها فيه. قبل خمسة عشر عامًا، كان تايسون قد عاد لتوه من إحدى مهامه. كان يرتدي ملابس سوداء وقد بدت على وجهه آثار جرح صغير بالقرب من حاجبه. لم يكن من الأشخاص الذين يحبون الأماكن المزدحمة، لذلك اعتاد الجلوس وحيدًا في إحدى الحدائق العامة خلال ساعات الليل المتأخرة. وفي تلك الليلة بالتحديد، لمح فتاة تجلس على المقعد المقابل له وهي تحمل بين ذراعيها قطة صغيرة بيضاء. كانت ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا وشعرها البني الطويل يتطاير مع نسمات الهواء الخفيفة. لم تكن تضع أي مساحيق تجميل، لكن ابتسامتها كانت كفيلة بجعل الحديقة بأكملها تبدو أكثر دفئًا. اقتربت منه القطة الصغيرة فجأة، لتنحني الفتاة بسرعة وهي تعتذر له بخجل. - أنا آسفة! إنها تحب الاقتراب من الغرباء كثيرًا. رفع تايسون رأسه لينظر إليها بصمت، الأمر الذي جعلها تتجمد في مكانها قليلًا. فهي لم ترَ في حياتها رجلًا يبدو مخيفًا مثله. كان طويل القامة، يرتدي ملابس سوداء بالكامل، وعيناه الباردتان جعلتاها تتساءل إن كان مجرمًا هاربًا من الشرطة. ابتلعت ريقها بخوف قبل أن تقول: - لا تقلق! سأعيدها إليّ فورًا! حملت القطة بين ذراعيها وهمّت بالرحيل بسرعة، لكنها توقفت عندما سمعته يسألها بهدوء: - هل أخيفك إلى هذا الحد؟ ترددت قليلًا قبل أن تضحك بخجل. - بصراحة؟ نعم، قليلًا. كانت أول شخص يخبره بذلك دون أن يرتجف أو يحاول التملق له. جلس ينظر إليها بصمت للحظات قبل أن يسألها: - لماذا تجلسين وحدك هنا في هذا الوقت المتأخر؟ ابتسمت وهي تنظر إلى القطة الصغيرة بين ذراعيها. - لأنني أحب مراقبة النجوم، ولأنني أشعر أن الناس الحقيقيين يظهرون عندما ينام الجميع. نظر إليها باستغراب لأول مرة في حياته. - وهل تعتقدين أنني من الأشخاص الحقيقيين؟ ابتسمت ابتسامة مشرقة وقالت: - لا أعلم بعد، لكنني أشعر أنك شخص وحيد جدًا. في تلك اللحظة، شعر تايسون وكأنها استطاعت رؤية شيء لم يستطع أحد رؤيته طوال حياته. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت الحديقة مكان لقائهما المفضل. ابتسم تايسون بحزن وهو يتذكر كيف كانت دائمًا تخبره أن ملامحه المخيفة لا تناسب قلبه الحقيقي، وكيف كانت تضع زهرة صغيرة في جيبه كلما التقيا. أنهى كأس النبيذ الخاص به وهو ينظر إلى القمر من خلف النافذة قبل أن يهمس بصوت بالكاد سُمع: - لو كنتِ هنا الآن يا يوجين، لكنتِ أول من يضحك على ريو وهو يغار من طفل في الخامسة من عمره. أغمض عينيه للحظات، بينما ارتسمت ابتسامة حزينة على وجهه. ورغم مرور كل تلك السنوات، كان هناك جزء صغير من قلب تايسون لا يزال جالسًا على ذلك المقعد في الحديقة... ينتظر فتاة تحمل قطة بيضاء وتبتسم له دون خوف.في ظهيرة ذلك اليوم، وبعد أن انتهى ريو من بعض أعماله، توجه كعادته إلى مدرسة ريا ليصطحبها إلى المنزل. كان يبتسم قليلًا وهو يتذكر كيف أصبحت الصغيرة تنتظره كل يوم أمام باب المدرسة لتقفز بين ذراعيه. لكن ما إن أوقف سيارته أمام المدرسة حتى اختفت ابتسامته تمامًا. كان هناك شخص يقف في ساحة المدرسة يضحك مع ريا بينما يحمل حقيبتها الوردية الصغيرة بيده. فيليكس. أما ريا، فكانت تجلس فوق كتفيه وهي تضحك بسعادة وكأنها أميرة صغيرة حصلت على حصانها الخاص. تشنج فك ريو للحظة وهو يشعر أن غيرته بدأت تشتعل مجددًا، لكنه تذكر حديث ليون بالأمس، ليصبح غضبه هذه المرة مختلفًا تمامًا. "إذن اليد اليمنى لزعيم منظمة الظل الأسود يلعب مع الأطفال بهذه البراعة؟" تنهد محاولًا تهدئة نفسه قبل أن يترجل من سيارته ويتجه نحوهما بهدوء. - أبي!! صرخت ريا بسعادة وهي تقفز من فوق كتفي فيليكس وتركض لتعانقه. حملها ريو بين ذراعيه وقبل جبينها قبل أن ينظر إلى فيليكس الذي ابتسم له ابتسامة مهذبة. - يبدو أننا نلتقي كثيرًا هذه الأيام. ابتسم ريو ابتسامة باردة وهو يجيب: - هذا لأن الأشخاص الذين نهتم بهم متشابهون. لم يفهم
في ظهيرة ذلك اليوم، وبعد أن انتهى ريو من بعض أعماله، توجه كعادته إلى مدرسة ريا ليصطحبها إلى المنزل. كان يبتسم قليلًا وهو يتذكر كيف أصبحت الصغيرة تنتظره كل يوم أمام باب المدرسة لتقفز بين ذراعيه. لكن ما إن أوقف سيارته أمام المدرسة حتى اختفت ابتسامته تمامًا. كان هناك شخص يقف في ساحة المدرسة يضحك مع ريا بينما يحمل حقيبتها الوردية الصغيرة بيده. فيليكس. أما ريا، فكانت تجلس فوق كتفيه وهي تضحك بسعادة وكأنها أميرة صغيرة حصلت على حصانها الخاص. تشنج فك ريو للحظة وهو يشعر أن غيرته بدأت تشتعل مجددًا، لكنه تذكر حديث ليون بالأمس، ليصبح غضبه هذه المرة مختلفًا تمامًا. "إذن اليد اليمنى لزعيم منظمة الظل الأسود يلعب مع الأطفال بهذه البراعة؟" تنهد محاولًا تهدئة نفسه قبل أن يترجل من سيارته ويتجه نحوهما بهدوء. - أبي!! صرخت ريا بسعادة وهي تقفز من فوق كتفي فيليكس وتركض لتعانقه. حملها ريو بين ذراعيه وقبل جبينها قبل أن ينظر إلى فيليكس الذي ابتسم له ابتسامة مهذبة. - يبدو أننا نلتقي كثيرًا هذه الأيام. ابتسم ريو ابتسامة باردة وهو يجيب: - هذا لأن الأشخاص الذين نهتم بهم متشابهون. لم يفهم أحد غيرهما الم
بقي ريو جالسًا داخل سيارته بعد مغادرة هانا، بينما كانت كلماتها الأخيرة لا تزال تتردد داخل رأسه. كان شارد الذهن إلى درجة أنه لم ينتبه إلى أن هاتفه بدأ يرن. نظر إلى شاشة الهاتف ليجد اسم تايسون ظاهرًا عليها. - ماذا هناك؟ جاءه صوت تايسون الهادئ من الجهة الأخرى: - أريدك أن تذهب إلى بار "الغراب الأسود"، لدي صفقة مهمة هناك الليلة. عقد ريو حاجبيه قليلًا. - صفقة مع من؟ - زعيم إحدى العصابات الجديدة في سيول. يريد التعاون معنا في نقل بعض البضائع، وأريدك أن تكون الشخص الذي سيعقد الاتفاق معه. - فهمت. وقبل أن يغلق الخط، أضاف تايسون بنبرة جادة: - واحرص على مراقبة كل من في المكان، لدي شعور بأن الليلة لن تكون عادية. بعد حوالي ساعة، وصل ريو إلى البار. كان المكان فاخرًا على غير المتوقع بالنسبة لمقر اجتماعات رجال العصابات، تعلوه موسيقى هادئة وأضواء خافتة تضفي عليه مظهرًا غامضًا. وما إن دخل حتى انحنى رجلان يرتديان بذلات سوداء احترامًا له. - مرحبًا بك، السيد ريو. أومأ لهما برأسه قبل أن يتجه نحو الدرج المؤدي إلى الطابق الثاني حيث سيُعقد الاجتماع. لكن خطواته توقفت فجأة. تجمدت عيناه للحظة عندما
قبل أن تشرق الشمس بالكامل، كان ريو قد استيقظ على غير عادته دون أن يحتاج إلى منبه. لم يستطع النوم جيدًا طوال الليل، فصورة هانا وهي تعانق فيليكس، وكلماتها التي أخبرته بها خلال الأيام الماضية، كانت كفيلة بحرمانه من النوم. جلس على طرف سريره للحظات وهو يتذكر ما حدث بالأمس على مائدة الطعام. فيليكس يعرف ما تحب هانا وما تكره، يعرف قصص طفولتها، محبوب من ريا ومن جون، بل وحتى هانا تبدو مرتاحة للغاية عندما يكون بقربها. تنهد وهو يمرر يده بين خصلات شعره. حسنًا... إن كان هذا هو خصمي، فعليّ أن أصبح أفضل منه. نهض من مكانه واتجه إلى صالة التدريب الموجودة في منزله. بدأ بتمارين الضغط وكأنه يفرغ جميع أفكاره داخلها. عشرات التمارين المتتالية دون توقف، ثم وقف أمام كيس الملاكمة وبدأ يوجه إليه لكماته بقوة أكبر من المعتاد. كان يتمتم بين كل لكمة وأخرى: يعرف طفولتها؟ حسنًا. لكمة. ريا تحبه؟ لكمة أخرى. حتى جون يبدو مرتاحًا معه! لكمة أقوى من سابقاتها. دخل تايسون الذي جاء ليأخذ بعض الملفات من منزله ليتجمد مكانه وهو يشاهده. هل تستعد لاغتيال منظمة جديدة؟ أسوأ. من؟ فيليكس. "..." حدق به تايسون لثوانٍ طو
وقفت ريا أمام والدها وهي تنظر إلى باقة الورد الكبيرة بين يديه بحماس، لتسحبها منه قائلة بسعادة: - هذه لأمي، أليس كذلك؟ ابتسم ريو ابتسامة صغيرة وهو يومئ برأسه، لكن ابتسامته اختفت سريعًا عندما شهقت ريا فجأة وهي تنظر إلى يده. - أبي! يدك تنزف! التفت الجميع نحوه، لتتسع عينا هانا بصدمة عندما رأت الدم الذي كان يسيل من كفه بسبب أشواك الورود التي انغرست فيه دون أن يشعر. عقدت حاجبيها وهي تسحب يده دون تفكير قائلة بانزعاج: - كيف استطعت أن تؤذي نفسك بهذا الشكل؟ لم يجبها ريو، بل بقي يتأمل ملامحها وهي تجلسه على الأريكة لتبدأ بتنظيف الجرح بهدوء. وما إن لامست أصابعها يده حتى عادت به الذكريات إلى أربع سنوات مضت، عندما جرح كتفه في الجزيرة أثناء احتفالهما بعيد ميلادها. تذكر كيف كانت تجلس أمامه بخجل شديد وهي تحاول تضميد جرحه دون أن تنظر إليه كثيرًا، وكيف احمر وجهها بالكامل في ذلك اليوم. ابتسم دون أن يشعر وهو ينظر إليها الآن. لقد تغير الكثير منذ ذلك الوقت، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير أبدًا... هانا كانت دائمًا تقلق عليه عندما يصاب. أما هي، فكانت تحاول تجاهل الذكريات التي بدأت تتسلل إلى
مرت عدة أيام بهدوء نسبي داخل منزل عائلة كيم. وفي ذلك الصباح، كانت هانا قد انتهت من إعداد وجبة الغداء بينما كانت ريا تساعد جدها جون في ترتيب المائدة بحماس كعادتها. كان الجو دافئًا ومريحًا على غير العادة، خاصة بعد عودة جون من سفره وانشغاله بأعمال الشركة خلال الأيام الماضية. فجأة، دوى صوت جرس الباب في أنحاء المنزل. قفزت ريا من مكانها بحماس وهي تصيح: - سأفتح الباب! ربما أبي جاء! ضحك جون بخفة وهو يشاهد حفيدته تركض نحو الباب الصغير بخطواتها السريعة. فتحت ريا الباب بحماس، لكنها تجمدت لثوانٍ قليلة قبل أن تتسع عيناها الخضراوان بصدمة وسعادة غامرة. - العمو فيليييييكس!!! صرخت الصغيرة بصوت مرتفع وهي ترتمي بين ذراعي الشاب الواقف أمام الباب. كان فيليكس شابًا طويل القامة يتمتع بملامح وسيمة وشعر أسود مرتب وعينين بنيتين دافئتين. وبين يديه العديد من أكياس الهدايا والحلويات التي أحضرها لريا من اليابان. ضحك وهو يحملها بين ذراعيه ويقول مبتسمًا: - هل نسيتني أميرتي الصغيرة بهذه السرعة؟ هزت رأسها بسرعة وهي تعانقه بقوة. - مستحيل! لقد اشتقت إليك كثيرًا! في تلك اللحظة، خرجت هانا من ال







