Mag-log inطوال فترة غياب قاسم للدراسة في الخارج . أشغلت ماسة نفسها بدراستها بكل جوارحها، تعرفت على صديقات جدد، واتسعت دائرتها الاجتماعية كثيراً.
كانت محبوبة من الجميع؛ فلم تشكل إعاقتها الكلامية أي عائق أمامها لخوض غمار الحياة بقلب شجاع. تعلمت السباحة، وركوب الخيل، وقد حرصت حنان على تسجيلها في معهد لفنون الدفاع عن النفس؛ فبسبب عجزها عن الصراخ أو الاستغاثة، كانت حنان تخشى دائماً أن ينظر إليها ضعاف النفوس كصيد ثمين وفريسة سهلة . بعد مرور شهر على غياب قاسم ارسلت له ماسة بالبريد تستحثه فيها على الإسراع بالعودة، وتخبره كم تفتقده، وتحدثه بعفوية عن نشاطاتها وإنجازاتها. وحينما وصلها الرد الاول على رسالتها كانت في منتهى السعادة ... و واظبت على ارسال الرسائل له دوما ... وبعد ثلاثة أشهر من غيابه انقطع فجأة عن مراسلتها . كانت كل رسائله موجهة فقط لوالديه، يحدثهما فيها عن الجامعة، مغامراته، وسير دراسته، ويختمها دائماً بالعبارة ذاتها: - "بلغوا تحياتي إلى ماسة، ولا تدعوها تهمل دراستها. ابنكم المشتاق لكم كثيراً، قاسم." انتظرته بلهفة! ولكن على مدار خمس سنوات كاملة، ذبلت لهفتها الطفولية، وما عادت تسأل عنه، وتجنبت سماع أخباره، وتوقفت تماماً عن إرسال الرسائل. شعرت ببعده الشديد، وكم تغير في الغربة. كانت تحزن كثيراً كلما قرأت حنان رسائله وتتظاهر بالبرود والجمود أمام والدتها، لكنها ما إن تغلق باب غرفتها حتى تنفجر باكية وتنوح بعيداً عن العيون. أنهى قاسم دراسته بتفوق في إدارة الأعمال منذ عام كامل ورغم أنه تخرج، لم يفكر بالعودة! ... لم يشتاق اليها كما اشتاقته ولم يفكر بها ابداً . وما أكد لها ذلك هو رسالة أرسلها لوالديه يخبرهما فيها أنه لن يستطيع العودة الآن، مرفقاً معها صورة شخصية له. كان يتأبط فيها ذراع فتاة جميلة ، بعيون زرقاء وشعر ذهبي وابتسامة خلابة، وكتب أسفلها "أليست جميلة؟ إنها كنتك المستقبلية". حينها، استيقظت ماسة من أوهامها. أدركت أن ما تكنه لقاسم لم يكن إلا تعلقاً شديداً أعمى نمى معها منذ الطفولة. بكت طويلاً في غرفتها، ثم واجهت الحقيقة القاسية: الجميع يعتقد أنهما شقيقان حقاً، فلا أحد يعرف أنها متبناة سواه وسوى والديه. ربما أسائت فهمه و ترجمت تصرفاته وفق أمنياتها و آمنت انه يحبها كما احبته ... وربما هي لم تحبه حقاً ولكن لانها لم تقترب من رجلا غيره ظنت ان ما تشعر به نحوه حباً . حينها اتخذت قراراً صارماً: لن تذرف دمعة واحدة من أجل قاسم بعد اليوم، وهو من الآن فصاعداً ليس إلا شقيقها المحرم عليها . بعد شهرين، أرسل قاسم دعوة لوالديه لحضور حفل كتب كتابه. حاولت حنان إقناعها بالذهاب معهما . سألتها حنان بقلق: - حبيبتي، أواثقة أنكِ لا تريدين القدوم معنا؟! هزت ماسة رأسها مؤكدة بابتسامة دافئة تلامس شغاف القلب لتطمئنهما، وأشارت بيديها بسرعة: - "أنتم اذهبوا واستمتعوا بوقتكم، وبلغوا قاسم تهانيّ الحارة." كانت الامتحانات الثانوية على الأبواب، وأرادت التركيز لتحصل على منحة دراسية بمعدل ممتاز تفخر بها والدتها. اتفقت حنان مع شقيقتها هناء أن تأتي لتمضي الأسبوعين برفقة ماسة، و قبلت هناء على مضض . وفي احدى زيارات ماسة لصديقتها الوحيدة والمقربة ميرنا . سألتها صديقتهابحماس: - متى سيعود شقيقكِ الوسيم؟ .. بالتأكيد ازداد وسامة الآن، صحيح؟! أجابتها ماسة باستخفاف. آخذة وضعية من شلت أطرافه .. - من شدة وسامته أصابني شلل . ضحكت ميرنا لسخافتها، ثم أمسكت بيد ماسة وكتبت لها على ورقة بجدية: - دعينا نعقد اتفاقاً؛ سأزوجكِ شقيقي قصي، وتساعدينني بالزواج من شقيقكِ قاسم، ما رأيكِ؟!" رفعت ماسة نظرها لميرنا مشفقة عليها، لقد أصابتها لعنة قاسم منذ الطفولة هي الأخرى! وتنهدت ماسة في سرها قائلة: "الحمد لله أنني شفيت من هذه اللعنة". تنهدت ماسة متسائلة بسرها: "يا صديقتي الغبية.. هل ستقومين بالانتحار الآن وتريحينني من غبائكِ الحالم اذا علمتِ أن حب طفولتكِ صار لغيركِ؟" فجأة شعرت بانقباض في قلبها، نهضت فوراً لتغادر المنزل. صاحت ميرنا خلفها بدهشة: - إلى أين أنتِ ذاهبة؟! أشارت ماسة بضيق واختناق: - للمنزل ! راقبت ابتعادها بعبوس ... سارت ماسة في زقاق الشارع وهي تشعر ان شيئاً ما ينكسر بداخلها ويخنقها. لاحظت متأخرة ابتعادها وحلول الظلام، رفعت يدها نحو جبينها بغيظ وإحباط ... لقد نسيت أن تطلب من ميرنا مهاتفة لطيف ليعود ويأخذها! اهمست ساخرة من نفسها "يبدو أن لعنة قاسم لا تصيبني وحدي، بل تدمر كل ما حولي." كان الشارع شبه خالٍ من المارة، والليل قد بدأ يبتلع ما تبقى من ضوء المساء . فجأة ظهر شخص من العدم وقطع طريقها ابتسم ابتسامة مقززة أظهرت نواياه القذرة وهو يقول لرفيقه بصوت سمعه الآخر بوضوح: - انظر إلي هذه الدمية اليست جميلة ؟! ضحك الآخر بوقاحة وهو يقترب منها ببطىء . حاولت الالتفاف من جانبهما بذكاء وتجاوزهما دون أي احتكاك. إلا أن الأول مد ذراعه مانعاً طريقها بغلظة: - إلى أين بهذه السرعة يا جميلة؟ دعينا نأخذك في جولة ! زادت من سرعة خطواتها، فالشارع بدا فارغاً ومهجوراً إلا من وجودها وجحيمهم. وفجأة— انقض أحدهما عليها من الخلف! شهقت بصمت حين ارتفعت عن الأرض فجأة بين ذراعيه الضخمتين، بينما اندفع الآخر يفتح باب السيارة السوداء بسرعة لإدخالها. اتسعت عيناها بصدمة ورعب؛ لم يكن الأمر تحرشاً عابراً في شوارع المدينة… كانوا يحاولون اختطافها . تحرك جسدها الممشوق بغريزة دفاعية سريعة رفعت ركبتها وضربت بها معدته بكل قوة . افلتها الرجل متألماً وهو يترنح للخلف ليسقط على ركبتيه. هبطت ماسة على الأرض بخفة ، متخذة وضعية دفاعية قتالية ثابتة وعيناها تتحديانهم بصلابة. تبدلت ملامح الرجال من التسلية إلى الغيظ . كانوا ثلاثة؛ فالسائق خرج أخيراً مغلقا الباب ببطء مريب، ثم نظر إليها باستهزاء وتحدٍّ: - يبدو أن الصغيرة تملك أنياباً حادة. بدأوا يحيطون بها كذئاب مفترسة . بينما كانت عينا ماسة تتحركان بينهم بسرعة البرق تحسب المسافات والزوايا؛ واحد على اليمين… اثنان أمامها… والسيارة تقطع طريق الهرب من الخلف. هربها في هذه الحالة صعب جداً.. لكنه ليس مستحيلاً بالنسبة لفتاة قوية. رفعت قبضتيها بثبات وصمود، تستعد للهجوم الشرس قبل أن يقتربوا أكثر من محيط أمانها. تحرك أحدهم نحوها مندفعاً فوجهت لكمة قاسية ومحكمة إلى عنقه، ثم استدارت بمرونة فائقة لتضرب الثاني بكوعها في منتصف صدره. خرجت صرخة مكتومة منه وهو يتراجع للخلف لاهثاً. لكن في تلك اللحظة بالذات، باغتها الثالث وأمسك بذراعها بعنف وقسوة هائلة، شدها نحوه بقوة مفرطة حتى اصطدم جسدها النحيل بصدره الصلب . قاومته بكل ما تملك من قوة… وفجأة— توقف الرجل عن الحركة تماماً! اتسعت عيناه بصدمة ورعب مفاجئ، وقبل أن تستوعب ماسة ما يحدث، سُحب جسد الرجل وقبضته عنها فجأة بعنف وقوة هائلة لا تصدق! لم ترَ ماسة تفاصيل ما حدث بدقة لشدة سرعتها.. كل ما لمحته بعينيها الغائمتين كان ظلاً طويلاً، خرج من عتمة الأزقة بسرعة وثبات كاسح، ثم دوى صوت ارتطام قوي و سقط الرجل أرضاً غائباً عن الوعي . تراجع الآخران بفزع وارتجاف، وهتفا بصوت مرتجف: — من… من أنت؟! لم يصل الصوت لماسة، لكنها قرأت علامات الرعب والموت على وجوههم . أما ذلك الغريب… فلم يقل شيئاً، ولم يصدر منه حرف واحد .بعد نحو نصف ساعة، عاد قاسم إلى الغرفة. وجدها مستلقية كما تركها، أكثر هدوءًا هذه المرة، وإن ظل الشحوب عالقًا في وجهها. جلس إلى جانبها دون كلمة، ومد يده فأمسك يدها بين أصابعه. كانت يده دافئة وثابتة، كأن مجرد إمساكه بها وعدٌ صامت بأنه لن يتركها وحدها. تأمل وجهها لحظات، ثم سألها بهدوء: — كيف أنتِ الآن؟ خفضت عينيها إلى يدهما المتشابكتين. — بخير... حقًا. لم يكن هناك داعٍ للطبيب. أومأ دون جدال، ثم رفع يده الأخرى وأزاح خصلة شاردة عن جبينها. — جيد... ارتاحي قليلًا. همَّ بالنهوض، لكن أصابعها أطبقت فجأة حول ذراعه. توقف والتفت إليها. — إلى أين؟ تردد لحظة. — لدي بعض الأعمال. سأنجزها و... قاطعته بسرعة، وكأن السؤال أفلت منها قبل أن تتمكن من منعه: — هل ستتركني؟ سكنت ملامحه. ثم قال بتهكم خفيف يخفي وراءه شيئًا أثقل: — لماذا؟ هل تريدين مناقشة طلاقنا؟ عضت شفتها وسحبت يدها بحرج. — لكنني لم أطلب الطلاق... ظل ينظر إليها لحظات، ثم تنهد وعاد إلى مكانه. رفع ذقنها برفق حتى التقت عيناها بعينيه. — وكأنني سأوافق لو طلبتِ. ارتجفت شفتاها. اقترب منها وقال بصوت منخفض، حازم: — ماسة... أخبرتك
«انتهى الأمر أيتها اللقيطة... Game over.»شعرت بشيء ينقبض داخل صدرها.لم تفهم.ألم ينتهِ الأمر منذ وقت طويل؟شعرت بتأنيب ضمير قاسٍ يثقل قلبها.قاسم يراعي مشاعرها.يعرف أنها متعبة، لذلك يلتزم الصمت.لكن عليها أن تخبره بكل شيء.أن توضح له ما حدث بالضبط.هذا حقه عليها...حقه الذي أهملته وتجاهلته كثيرًا بسبب غبائها.لم تمضِ سوى دقائق قليلة على خروج قاسم من الغرفة، حتى سمعت ماسة وقع خطواته يقترب من جديد.رفعت رأسها بتردد.انفتح الباب، وظهر قاسم عند العتبة، وفي يده صينية صغيرة.توقفت أنفاسها للحظة.كان يحمل طبقًا صغيرًا من الطعام، وكوبًا من الحليب الساخن يتصاعد منه بخار خفيف.تأملته ماسة بصمت.عاد إليها.رغم كل شيء... عاد.اقترب قاسم ووضع الصينية على الطاولة بجوار السرير، ثم التفت إليها ... وانحدرت نظراته الى الهاتف في يدها ... بارتباك طفيف اقفلت هاتفها ووضعته تحت الوسادة متجنبة نظراته المستفسرة سألها بهدوء : — متى كانت آخر مرة تناولتِ فيها طعامك؟رفعت رأسها نحوه وعلقت عينيها في اللطف والاهتمام البادي في نظراته اليها، كان في عينيها نجوم صغيرة تلمع عشقاً و ولهاً .انتبهت متأخرة إلى أنه يح
هبط قاسم الدرجات مسرعًا، والهاتف ما يزال في يده، لكن شيئًا واحدًا ظل يتردد في رأسه منذ سمع صوتها.ذلك الانكسار.والسؤال الذي لم يفارقه«هل ما زلت غاضبًا مني؟»أطبق أصابعه على المقود حين جلس خلفه، ثم أغمض عينيه لثانية.لم يعد غاضبًا.كان يريدها فقط... سليمة، أمامه.وبأي ثمن.لم يحتج إلى وقت طويل حتى وجدها.كانت جالسة على مقعد حجري بمحاذاة البحر، تضم ذراعيها إلى جسدها، وكأنها تحاول الاحتماء من العالم كله.توقفت السيارة أمامها.ترجل قاسم بسرعة، لكنه ما إن وقعت عيناه عليها حتى تباطأت خطواته.لم تكن تلك ماسة التي يعرفها.وجهها شاحب، عيناها حمراوان، وشعرها مبعثر حول وجهها. كانت تحدق في البحر بشرود، وكأنها لا ترى شيئًا مما حولها.اقترب منها دون كلمة.رفعت رأسها، وما إن رأته حتى ارتجفت شفتاها.— قاسم...لم يجب.خلع معطفه ووضعه حول كتفيها، ثم انحنى أمامها.— هل تستطيعين الوقوف؟هزت رأسها بصمت.مد يده إليها.ترددت لحظة، ثم وضعت يدها في يده.كانت باردة.إلى حد جعل قلبه ينقبض في صدره.ساعدها على الوقوف، وأحاط كتفيها بذراعه، ثم قادها إلى السيارة.لم يسألها أين كانت.لم يسألها ماذا حدث.ولم يفتح با
لم يكن قاسم يتوقع أن ينتهي ذلك المساء بهذا القدر من الحقائق. لكن ما قاله رائد جعل قاسم يدرك أن الأمر تجاوز كل ما كان يتخيله. ظل صامتًا للحظات، يحدق في رائد وكأنه يحاول استيعاب الحقيقة التي ألقيت أمامه للتو. والآن، بعدما عرف أن ماسة ابنته... لم يستطع قاسم أن يتجاهل السؤال الذي ظل يضغط على صدره منذ اللحظة الأولى. ماذا سيفعل رائد بهذه الحقيقة؟ وهل جاء إلى هنا حقًا من أجل ماسة... أم أن وراء وجوده سببًا آخر؟ رفع قاسم عينيه إليه، وقال بضيق: — وهل عدت الآن لتعترف لها بأنك والدها؟ هز رائد رأسه سريعًا. — لا. لا يجب أن تعرف الآن. إنها تكرهني، وتعتقد أنني سبب عذابها طوال تلك السنوات. إذا أخبرتها أنني والدها الآن... لن تسامحني أبدًا. قال قاسم ببرود: — أنت فعلًا سبب عذابها، وإذا سامحتك يومًا، فاعتبر نفسك محظوظًا. لم يعترض رائد. سأله قاسم: — إذن سبب وجودك هنا هو... أكمل رائد بهدوء: — الاطمئنان عليها فقط. أخبرتني أنها تريد رؤية العميد والتحدث إليه ليغير قراره. حاولت منعها، لكنها غضبت مني وأغلقت الهاتف. أخرج هاتفه، وقد بدا القلق واضحًا على وجهه. — صديقتها سلمى أخبرتني أنها جاءت إل
انحنى رائد والتقط نظارته من الأرض. كانت إحدى عدستيها قد تشققت، لكنه ارتداها رغم ذلك، ثم أخرج من حقيبته ملفًا ومدّه إلى قاسم.— أعرف أن الأمر يبدو جنونًا... لكن هذه الأوراق تثبت كل شيء.ظل قاسم يحدق فيه لحظات، قبل أن ينتزع الملف من يده.فتح الصفحات.شهادة زواج.وثائق قديمة.أسماء وتواريخ.وثيقة طلاق.ثم مستندات أخرى تحمل اسم ماسة.توقفت عيناه طويلًا عند إحدى الوثائق.لم يعد هناك مجال للشك.رفع رأسه ببطء.— كيف؟قال رائد بصوت خافت:— دعني أشرح لك.ظل قاسم صامتًا لحظات، ثم أشار إلى المنزل.— ادخل.دخل رائد إلى الحمام ليغسل وجهه، بينما اتجه قاسم إلى المطبخ وأعد القهوة بصمت.كانت الحقائق تتدافع في رأسه أسرع مما يستطيع استيعابه.والد ماسة؟الرجل الذي أمضى الأيام الماضية يتحرى عنه...كان هو والدها؟عاد رائد وجلس أمامه. وضع قاسم فنجان القهوة أمامه، ثم جلس قبالته. أخذ الملف، قلب صفحاته مرة أخرى، ثم أغلقه ودفعه جانبًا.رفع عينيه إليه.كانت نظرته باردة إلى حد مخيف.— أنا أستمع.تنفس رائد بعمق.— كنت متزوجًا من مريم... والدة ماسة.تصلبت ملامح قاسم.تابع رائد:— أحببتها. تزوجنا رغم اعتراض عائلتي.
كان قاسم جالسًا خلف مكتبه، لكن عينيه لم تكونا على الأوراق المكدسة أمامه.منذ الصباح، لم يستطع التخلص مما حدث بالأمس.كان غاضبًا من ماسة.كلما استعاد السنوات التي جمعتهما، عادت إليه صورها وهي تصده وتبعده عنها، حتى حين اعترف بحبه لها وطلب منها الزواج، وحتى بعد أن عثر عليها عقب اختطافها، حين توسلت إليه أن يرحل ويتركها.لطالما أخافه احتمال أن يأتي يوم تختار فيه الابتعاد عنه.والآن، كانت تفعل ذلك بطريقة أخرى.تخفي عنه ما يؤرقها، وتواجه كل شيء وحدها، وكأن وجوده إلى جوارها لا يمنحها الأمان الذي كان يتمنى أن يمنحها إياه.كان يريدها أن تلجأ إليه، أن تخبره بما يؤلمها، أن تسمح له بأن يكون سندها حين تعجز عن حمل كل شيء وحدها.لكنها، مرة أخرى، اختارت الصمت.ومع ذلك، كان غضبه يخفي خلفه خوفًا أشد.هل سئمت منه؟هل ندمت على زواجهما وتبحث عن مخرج منه؟مرّ السؤال في ذهنه كطعنة قديمة.وهل أحبته حقًا؟ وإن كانت تحبه، فلماذا كانت تدفعه بعيدًا كلما اقترب منها؟زفر ببطء.ليته يستطيع فهم ما يدور داخلها.رن هاتفه.نظر إلى الشاشة وأجاب:— نعم؟جاءه صوت السائق:— أوصلت السيدة ماسة إلى الجامعة، يا سيدي.صمت لحظة قب
توقف الزمن في عقل قاسم عند كلمات عمه الأصغر القذرة. شعر ببركان ينفجر في عروقه، ولم يعِ بنفسه إلا وهو ينقض كالمجنون على ياقة عمه، كابساً على عنقه بيد، ورافعاً يده الأخرى بقبضة حديدية مهشمة، كاد يطيح بها برأسه لولا صرخة عمته الهستيرية التي هزت جدران صالة العزاء. اندفع عمه الأكبر بسرعة، وبصعوبة بالغة
أمعنت ماسة النظر أمامها بتوتر، لتتفاجأ بقصي يظهر من بين الظلال وهو يلهث بقوة، كأنه ركض خلفها لمسافة طويلة. اقترب منها بخطوات سريعة، وما إن وصل إليها حتى أمسك بذراعها قائلاً بغضب واضح: — هل جننتِ؟! لم يكن عليكِ المغادرة وحدكِ بهذا الوقت. اتسعت عينا ماسة بذهول. كيف يجرؤ على التحدث معها بهذه الطريق
كان وجود زوج ك سالم مصدر فخر لها بقوته وهيبته و حكمته وعدله، لم يخيب ظنها يوما لطالما ساندها ووقف الى جانبها في اسوأ الاوقات . تنهدت حنان وهي تشكر حظها للمرة الألف لحصولها على زوج مثله . عادت بنظراتها الى ماسة النائمة في حضنها و كأنها غنيمتها من احدى غزواتها التي قامت بها . كانت ماسة تتميز بجمال
كان يصعب على حنان ترك ماسة والرحيل الا انها اضطرت لذلك بعد ان وعدتها بأن تعود لتأخذها لاحقا الى المدرسة . انتزعت حنان نفسها من أفكارها على صوت باب غرفة يفتح، نهضت لتجد ماسة امام غرفتها تقف كالتائهة، رق قلب حنان لاجلها فبسبب اعاقتها لا تفهم حاجتها كي تلبيها لها . تقدمت منها برفق تسألها: - هل







