Share

الفصل الرابع

Author: Samra
last update publish date: 2026-05-18 19:41:10

كانت ماسة هديةً ثمينةً أرسلها القدر إلى حنان بعد أعوامٍ طويلة من الحرمان. طفلة هادئة بطبعها، لماحة، شديدة الذكاء، مرحة إلى حد الجنون، تمتلك تلك القدرة النادرة على التسلل إلى القلوب دون استئذان.

ومضت ثلاثة أعوام على وجودها بينهم...

ثلاثة أعوام بدّلت حياتهم كلها.

في تلك السنوات، تعافى قاسم تدريجيًا من الصدمة التي كادت تسلبه عقله. تقبل أخيرًا حقيقة رحيل شقيقته، وأيقن أنها لن تعود، ثم اعتاد وجود ماسة في حياته... لكنه ظل يرفض الاعتراف بها شقيقة.

كان كلما أراد استفزازها يقول بسخرية:

أنتِ لستِ أختي يا غبية... أنتِ مجرد دمية اشترتها أمي لتسليني.

فتنفجر ماسة ضاحكة، وتخرج له لسانها في تحدٍ طفولي، ثم تهرب قبل أن يطالها.

فيصيح محتجًا:

أمي! هل رأيتِ ما فعلته؟

فتكتفي حنان بهز كتفيها، بينما تخفي ابتسامة تعرف جيدًا معناها.

كانت تدرك أن ابنها تقبل وجود ماسة منذ زمن، لكنه كان أعند من أن يعترف بذلك.

كبرت الصغيرة وسط حبٍ أغدقته عليها حنان بلا حدود. اشترت لها الثياب التي حُرمت منها يومًا، والألعاب التي لم تعرفها طفولتها، حتى غدت كأميرة صغيرة بعينيها اللوزيتين العسليتين، وشعرها الكستنائي الناعم، وابتسامتها التي لا تعرف الحقد.

أما قاسم...

فكان يخفي اهتمامه بها خلف قناعٍ من القسوة.

يطردها من غرفته، ويصرخ في وجهها، ويغرقها بالألقاب المستفزة.

لكنها لم تكن تزيد على أن تبتسم، أو ترسل إليه قبلة في الهواء، فتضاعف غيظه.

ولم يكن يجد في النهاية إلا أن يضرب جبهته بيأس ويتمتم:

بليدة... ما باليد حيلة.

ومع مرور الأعوام، تعلمت ماسة القراءة والكتابة، وأتقنت لغة الإشارة وقراءة الشفاه بذكاءٍ أذهل معلميها، حتى أصبحت الأولى بين زميلاتها.

وكانت تعود كل يوم مسرعة إلى حنان، تخبرها بكل ما تعلمته، حتى أتقنت حنان لغة الإشارة هي الأخرى، لتكسر أي حاجز قد يقف بينهما.

أما قاسم...

فلم يسلم من محاولاتها اليومية.

كانت تشير إليه بحماس:

"أنت أخي... وأنا أحبك."

فيجيب متظاهرًا بالضيق:

لا تناديني بأخي... وإلا حطمت أصابعك الصغيرة.

فتبتسم بعناد، وتشير بسرعة:

"بل أنت أخي الأحمق."

ثم تركض هاربة، فيلاحقها وسط ضحكات حنان التي كانت تراقبهما بقلبٍ امتلأ دفئًا.

ورغم كل ذلك، لم يتخلَّ عن استفزازها.

كان يقف أمام والدته بعنجهية ويقول:

أمي... أخبري هذه الغبية أنها مجرد دمية اشتريتها لتسلية ابنك.

فتنهره حنان بقسوة، بينما تظل ماسة تضحك وكأن كلماته لا تمسها.

وهكذا...

امتلأ البيت بالحياة.

كبر قاسم، وواصل دراسته بتفوق، بينما كبرت ماسة معه عامًا بعد عام، تلاحقه كظله، وتقتحم عالمه بعنادها الطفولي الذي لم ينجح يومًا في مقاومته.

لكن ذلك الهدوء لم يدم.

ففي أحد الأيام، احتدمت مشادة بين قاسم وابن خالته. وحين تدخلت ماسة دفاعًا عن الأخير، فقد قاسم أعصابه ودفعها بعنف.

ارتطم جسدها الصغير بحافةٍ حادة.

وسال الدم.

وتركت تلك السقطة ندبةً قبيحة فوق كتفها الأيسر...

ندبة لم تؤلمها بقدر ما عذبت قاسم.

ومنذ ذلك اليوم...

لم تمتد يده إليها مرة أخرى.

كلما وقعت عيناه على تلك الندبة، عاد إليه مشهد الدم، فيشعر أن قلبه هو من تلقى تلك الضربة.

لم يعد يبتعد عنها لأنه يكرهها...

بل لأنه أصبح يخشى نفسه عليها.

لكن خوفه لم يبقَ خوفًا.

تحول مع مرور الوقت إلى هوس.

هوس امتلاك.

لم يكن يحتمل أن يراها تلعب مع أطفال الحي، أو تضحك مع أحد غيره، أو تقضي وقتًا بعيدًا عنه.

كان يمنعها من الخروج، ويتدخل في أدق تفاصيل حياتها، حتى بدأت حنان، عندما بلغت ماسة الحادية عشرة، تدرك أن ما يراه الجميع غيرة أخوية لم يعد كذلك.

كان شيئًا أكبر...

وأخطر.

أما ماسة...

فلم ترَ في كل ذلك سوى حبٍ خالص.

أحبت غيرته، وتعلقت بتملكه لها، حتى أصبحت تؤمن أن وجوده إلى جانبها حقيقة لا يمكن أن تتغير.

لذلك...

لم تكن مستعدة للقرار الذي اتُّخذ خلف الأبواب المغلقة.

بعد انتهائه من المرحلة الثانوية، قرر والداه إرساله إلى الخارج لإكمال دراسته الجامعية.

وقع الخبر على ماسة كالصاعقة.

كيف يمكنه أن يرحل...

ويتركها؟

وفي يوم السفر، اجتمع الجميع لتوديعه...

إلا هي.

حبست نفسها داخل غرفتها، وأعلنت رفضها رؤيته.

وقف قاسم طويلًا أمام الباب.

ثم فتحه بهدوء.

وجدها جالسة قرب النافذة، تحتضن دبدوب الباندا الذي أهداه لها في عيد ميلادها الأخير، بينما كانت الدموع تنساب بصمت فوق وجنتيها.

في تلك اللحظة...

راوده لأول مرة شعورٌ جارح بأن يركض إلى والديه، ويعلن رفضه السفر مهما كان الثمن.

كيف سيترك طفلته المجنونة وحدها؟

وكيف سيعيش بعيدًا عنها؟

لكن نظرة واحدة من والدته...

كانت كافية لدفن الفكرة قبل أن تولد.

انتبهت ماسة إلى وجوده، فاستدارت نحوه، وأخفت وجعها خلف إشارات غاضبة.

لماذا لم تشغّل الجرس الضوئي؟

ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.

هذا بيتي... أدخل متى شئت، ولا أحتاج إلى إذنك.

دفعت صدره بكل قوتها، وأشارت بعصبية:

"اخرج... اذهب مع طائرتك... ولا تعد أبدًا."

ضحك، ثم انحنى يلتقط الدبدوب بعدما سقط أرضًا.

وما ذنب هذا المسكين؟

انتزعته منه بعنف، ثم دفعته خارج الغرفة وأغلقت الباب في وجهه.

لكنها ما إن استدارت حتى وقعت عيناها على الدبدوب.

تذكرت يوم قدمه إليها وهو يقول ضاحكًا:

"اشتريت دمية... لدميتي."

اشتعل الغضب في صدرها.

كان قد وعدها ألا يتركها أبدًا...

وها هو يرحل.

انهالت على الدبدوب ضربًا، ثم مزقت أذنيه، واقتلعت إحدى عينيه، حتى غدا مشوهًا كوجعها.

ولم يهدأ قلبها.

اندفعت إلى الخارج، ولحقت به قبل مغادرته.

أوقفته على الدرج، ثم رمت الدبدوب نحوه.

التقطه قبل أن يسقط، بينما أشارت إليه بعينين أغرقتهما الدموع:

"خذ دميتك المشوهة...

فأنا أكرهها...

وأكرهك معها."

واستدارت راكضة.

لكنها لم تبتعد.

لحق بها، وجذبها بقوة إلى صدره.

قاومت...

وضربته...

وحاولت الإفلات...

حتى انهارت باكية بين ذراعيه.

ظل يربت على شعرها طويلًا، ثم رفع وجهها إليه.

لأول مرة...

خلت عيناه من السخرية.

وقال بصوتٍ اختلط فيه الحنان بالألم:

أنتِ لي...

يا ماستي الغالية.

تجمدت مكانها.

ثم همس بابتسامة شاحبة:

انتظريني...

سأعود من أجلك.

طبع قبلة خفيفة على جبينها، واستدار سريعًا قبل أن تفضحه عيناه.

ودع والديه، واستقل السيارة.

وقبل أن تتحرك...

رفع رأسه نحو نافذتها.

تحرك الستار قليلًا.

لم يرها...

لكنه كان يعلم أنها هناك.

ابتسم، ولوّح بيده للمرة الأخيرة.

ثم ابتلع الطريق سيارته.

أما ماسة...

فظلت واقفة خلف النافذة، تحتضن دبدوبها المشوه، تحدق في الفراغ الذي تركه خلفه.

ولم تكن تعلم...

أن السنوات المقبلة لن تعيد إليها ذلك الفتى الذي غادر المنزل مبتسمًا...

بل ستعيد إليها رجلًا يحمل في قلبه من الظلام ما يكفي ليغيّر حياتها إلى الأبد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • همسات محرمة    الفصل مئتان وسبعة واربعين

    استيقظت ماسة على فراغ بارد إلى جوارها.مدّت يدها دون وعي إلى المكان الذي اعتادت أن تجده فيه.لم تلمس سوى الملاءة.فتحت عينيها ببطء.كانت الغرفة هادئة على نحو غريب، والضوء الرمادي المتسلل من بين الستائر يخبرها أن الصباح لم يكتمل بعد.رفعت رأسها قليلًا.— قاسم؟لا إجابة.جلست في السرير، وأخذت تنظر إلى الباب للحظات.تذكرت أنه أخبرها في الليلة السابقة بأنه سيخرج لبعض الوقت لإنهاء أمر عاجل .غادر دون أن يزعجها .أنزلت قدميها إلى الأرض.وفي اللحظة التي وقفت فيها، شعرت بوخزة خفيفة في ذراعها.نظرت إلى الخدوش الممتدة على جلدها.مررت أصابعها فوقها بحذر.وعادت إليها صور الليلة الماضية...فحص الطبيب لها، وتلك النظرة التي ظل قاسم يراقبها بها بينما كان يسجل إصاباتها واحدة تلو الأخرى. تنهدت.كان كل ما تريده الآن أن تراه .أن تسمع صوته.مدّت يدها إلى الهاتف.وفي اللحظة نفسها...جاء طرق قوي على الباب.تجمدت.طرقة ثانية.ثم صوت رجولي واضح:— شرطة.تسارعت أنفاسها.نظرت نحو الباب، ثم إلى هاتفهااقتربت بحذر.— لحظة.جاء الصوت من خلف الباب:— السيدة ماسة؟ افتحي الباب من فضلك.ترددت.ثم فتحت.ما إن انفتح ا

  • همسات محرمة    الفصل مئتان وستة واربعون

    بعد نحو نصف ساعة، عاد قاسم إلى الغرفة. وجدها مستلقية كما تركها، أكثر هدوءًا هذه المرة، وإن ظل الشحوب عالقًا في وجهها. جلس إلى جانبها دون كلمة، ومد يده فأمسك يدها بين أصابعه. كانت يده دافئة وثابتة، كأن مجرد إمساكه بها وعدٌ صامت بأنه لن يتركها وحدها. تأمل وجهها لحظات، ثم سألها بهدوء: — كيف أنتِ الآن؟ خفضت عينيها إلى يدهما المتشابكتين. — بخير... حقًا. لم يكن هناك داعٍ للطبيب. أومأ دون جدال، ثم رفع يده الأخرى وأزاح خصلة شاردة عن جبينها. — جيد... ارتاحي قليلًا. همَّ بالنهوض، لكن أصابعها أطبقت فجأة حول ذراعه. توقف والتفت إليها. — إلى أين؟ تردد لحظة. — لدي بعض الأعمال. سأنجزها و... قاطعته بسرعة، وكأن السؤال أفلت منها قبل أن تتمكن من منعه: — هل ستتركني؟ سكنت ملامحه. ثم قال بتهكم خفيف يخفي وراءه شيئًا أثقل: — لماذا؟ هل تريدين مناقشة طلاقنا؟ عضت شفتها وسحبت يدها بحرج. — لكنني لم أطلب الطلاق... ظل ينظر إليها لحظات، ثم تنهد وعاد إلى مكانه. رفع ذقنها برفق حتى التقت عيناها بعينيه. — وكأنني سأوافق لو طلبتِ. ارتجفت شفتاها. اقترب منها وقال بصوت منخفض، حازم: — ماسة... أخبرتك

  • همسات محرمة    الفصل مئتان وخمسة واربعون

    «انتهى الأمر أيتها اللقيطة... Game over.»شعرت بشيء ينقبض داخل صدرها.لم تفهم.ألم ينتهِ الأمر منذ وقت طويل؟شعرت بتأنيب ضمير قاسٍ يثقل قلبها.قاسم يراعي مشاعرها.يعرف أنها متعبة، لذلك يلتزم الصمت.لكن عليها أن تخبره بكل شيء.أن توضح له ما حدث بالضبط.هذا حقه عليها...حقه الذي أهملته وتجاهلته كثيرًا بسبب غبائها.لم تمضِ سوى دقائق قليلة على خروج قاسم من الغرفة، حتى سمعت ماسة وقع خطواته يقترب من جديد.رفعت رأسها بتردد.انفتح الباب، وظهر قاسم عند العتبة، وفي يده صينية صغيرة.توقفت أنفاسها للحظة.كان يحمل طبقًا صغيرًا من الطعام، وكوبًا من الحليب الساخن يتصاعد منه بخار خفيف.تأملته ماسة بصمت.عاد إليها.رغم كل شيء... عاد.اقترب قاسم ووضع الصينية على الطاولة بجوار السرير، ثم التفت إليها ... وانحدرت نظراته الى الهاتف في يدها ... بارتباك طفيف اقفلت هاتفها ووضعته تحت الوسادة متجنبة نظراته المستفسرة سألها بهدوء : — متى كانت آخر مرة تناولتِ فيها طعامك؟رفعت رأسها نحوه وعلقت عينيها في اللطف والاهتمام البادي في نظراته اليها، كان في عينيها نجوم صغيرة تلمع عشقاً و ولهاً .انتبهت متأخرة إلى أنه يح

  • همسات محرمة    الفصل مئتان واربعة واربعون

    هبط قاسم الدرجات مسرعًا، والهاتف ما يزال في يده، لكن شيئًا واحدًا ظل يتردد في رأسه منذ سمع صوتها.ذلك الانكسار.والسؤال الذي لم يفارقه«هل ما زلت غاضبًا مني؟»أطبق أصابعه على المقود حين جلس خلفه، ثم أغمض عينيه لثانية.لم يعد غاضبًا.كان يريدها فقط... سليمة، أمامه.وبأي ثمن.لم يحتج إلى وقت طويل حتى وجدها.كانت جالسة على مقعد حجري بمحاذاة البحر، تضم ذراعيها إلى جسدها، وكأنها تحاول الاحتماء من العالم كله.توقفت السيارة أمامها.ترجل قاسم بسرعة، لكنه ما إن وقعت عيناه عليها حتى تباطأت خطواته.لم تكن تلك ماسة التي يعرفها.وجهها شاحب، عيناها حمراوان، وشعرها مبعثر حول وجهها. كانت تحدق في البحر بشرود، وكأنها لا ترى شيئًا مما حولها.اقترب منها دون كلمة.رفعت رأسها، وما إن رأته حتى ارتجفت شفتاها.— قاسم...لم يجب.خلع معطفه ووضعه حول كتفيها، ثم انحنى أمامها.— هل تستطيعين الوقوف؟هزت رأسها بصمت.مد يده إليها.ترددت لحظة، ثم وضعت يدها في يده.كانت باردة.إلى حد جعل قلبه ينقبض في صدره.ساعدها على الوقوف، وأحاط كتفيها بذراعه، ثم قادها إلى السيارة.لم يسألها أين كانت.لم يسألها ماذا حدث.ولم يفتح با

  • همسات محرمة    الفصل مئتان وثلاثة واربعون

    لم يكن قاسم يتوقع أن ينتهي ذلك المساء بهذا القدر من الحقائق. لكن ما قاله رائد جعل قاسم يدرك أن الأمر تجاوز كل ما كان يتخيله. ظل صامتًا للحظات، يحدق في رائد وكأنه يحاول استيعاب الحقيقة التي ألقيت أمامه للتو. والآن، بعدما عرف أن ماسة ابنته... لم يستطع قاسم أن يتجاهل السؤال الذي ظل يضغط على صدره منذ اللحظة الأولى. ماذا سيفعل رائد بهذه الحقيقة؟ وهل جاء إلى هنا حقًا من أجل ماسة... أم أن وراء وجوده سببًا آخر؟ رفع قاسم عينيه إليه، وقال بضيق: — وهل عدت الآن لتعترف لها بأنك والدها؟ هز رائد رأسه سريعًا. — لا. لا يجب أن تعرف الآن. إنها تكرهني، وتعتقد أنني سبب عذابها طوال تلك السنوات. إذا أخبرتها أنني والدها الآن... لن تسامحني أبدًا. قال قاسم ببرود: — أنت فعلًا سبب عذابها، وإذا سامحتك يومًا، فاعتبر نفسك محظوظًا. لم يعترض رائد. سأله قاسم: — إذن سبب وجودك هنا هو... أكمل رائد بهدوء: — الاطمئنان عليها فقط. أخبرتني أنها تريد رؤية العميد والتحدث إليه ليغير قراره. حاولت منعها، لكنها غضبت مني وأغلقت الهاتف. أخرج هاتفه، وقد بدا القلق واضحًا على وجهه. — صديقتها سلمى أخبرتني أنها جاءت إل

  • همسات محرمة    الفصل مئتان واثنان واربعون

    انحنى رائد والتقط نظارته من الأرض. كانت إحدى عدستيها قد تشققت، لكنه ارتداها رغم ذلك، ثم أخرج من حقيبته ملفًا ومدّه إلى قاسم.— أعرف أن الأمر يبدو جنونًا... لكن هذه الأوراق تثبت كل شيء.ظل قاسم يحدق فيه لحظات، قبل أن ينتزع الملف من يده.فتح الصفحات.شهادة زواج.وثائق قديمة.أسماء وتواريخ.وثيقة طلاق.ثم مستندات أخرى تحمل اسم ماسة.توقفت عيناه طويلًا عند إحدى الوثائق.لم يعد هناك مجال للشك.رفع رأسه ببطء.— كيف؟قال رائد بصوت خافت:— دعني أشرح لك.ظل قاسم صامتًا لحظات، ثم أشار إلى المنزل.— ادخل.دخل رائد إلى الحمام ليغسل وجهه، بينما اتجه قاسم إلى المطبخ وأعد القهوة بصمت.كانت الحقائق تتدافع في رأسه أسرع مما يستطيع استيعابه.والد ماسة؟الرجل الذي أمضى الأيام الماضية يتحرى عنه...كان هو والدها؟عاد رائد وجلس أمامه. وضع قاسم فنجان القهوة أمامه، ثم جلس قبالته. أخذ الملف، قلب صفحاته مرة أخرى، ثم أغلقه ودفعه جانبًا.رفع عينيه إليه.كانت نظرته باردة إلى حد مخيف.— أنا أستمع.تنفس رائد بعمق.— كنت متزوجًا من مريم... والدة ماسة.تصلبت ملامح قاسم.تابع رائد:— أحببتها. تزوجنا رغم اعتراض عائلتي.

  • همسات محرمة    الفصل الحادي عشر

    توقف الزمن في عقل قاسم عند كلمات عمه الأصغر القذرة. شعر ببركان ينفجر في عروقه، ولم يعِ بنفسه إلا وهو ينقض كالمجنون على ياقة عمه، كابساً على عنقه بيد، ورافعاً يده الأخرى بقبضة حديدية مهشمة، كاد يطيح بها برأسه لولا صرخة عمته الهستيرية التي هزت جدران صالة العزاء. اندفع عمه الأكبر بسرعة، وبصعوبة بالغة

  • همسات محرمة    الفصل السادس

    أمعنت ماسة النظر أمامها بتوتر، لتتفاجأ بقصي يظهر من بين الظلال وهو يلهث بقوة، كأنه ركض خلفها لمسافة طويلة. اقترب منها بخطوات سريعة، وما إن وصل إليها حتى أمسك بذراعها قائلاً بغضب واضح: — هل جننتِ؟! لم يكن عليكِ المغادرة وحدكِ بهذا الوقت. اتسعت عينا ماسة بذهول. كيف يجرؤ على التحدث معها بهذه الطريق

  • همسات محرمة    الفصل الخامس

    منذ سفر حنان وسالم لحضور خطوبة قاسم، تحوّل المنزل إلى ساحة حرب صامتة. كانت هناء تراقب ماسة وكأنها دخيلة على العائلة، لا ابنة تربّت بينهم منذ طفولتها. ومع ذلك… لم ترد ماسة يومًا. كل كلمة جارحة كانت تستقبلها بابتسامتها الهادئة نفسها، وكأنها ترفض النزول إلى مستوى خالتها مهما استفزتها. وفي مساء

  • همسات محرمة    الفصل الثالت

    كان يصعب على حنان ترك ماسة والرحيل الا انها اضطرت لذلك بعد ان وعدتها بأن تعود لتأخذها لاحقا الى المدرسة . انتزعت حنان نفسها من أفكارها على صوت باب غرفة يفتح، نهضت لتجد ماسة امام غرفتها تقف كالتائهة، رق قلب حنان لاجلها فبسبب اعاقتها لا تفهم حاجتها كي تلبيها لها . تقدمت منها برفق تسألها: - هل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status