تسجيل الدخولليست أصعب الحروب تلك التي تُخاض بالسلاح...بل تلك التي تُجبر فيها على الوقوف أمام من تحب، بينما تتظاهر بأنك لا تعرفه.أن ترى جحيمه بعينيك...ثم تبتلع صرختك، لأن صرخةً واحدة قد تقتله قبل أن تنقذه.فبعض الأقنعة...لا تحمي أصحابها فحسب.بل تحمي من يحبونهم أيضًا.★★★انعكس الضوء الأزرق الباهت على وجه قاسم، وفي اللحظة التالية اتسعت حدقتا عينيه، حتى خُيّل إليه أن الزمن توقف.كانت هي...ماسة.ظهرت على الشاشة داخل غرفة ضيقة يغمرها ضوء شاحب، جدرانها رمادية خشنة، وأرضيتها إسمنتية باردة. كانت تجلس في أحد الأركان، تضم ركبتيها إلى صدرها وتدفن رأسها بينهما، كأنها تحاول أن تحتمي من بردٍ لا يرحم، أو من عالمٍ لم يعد يرحم أكثر.بدا جسدها نحيلاً، أنهكه الجوع والإرهاق، لكن قاسم لم يحتج إلى ثانية واحدة ليتأكد.إنها هي.ولو وُضعت بين أربعين امرأة يشبهنها، لاختارها من النظرة الأولى.بل ربما قبل أن ينظر إليها...كان قلبه يعرفها أكثر مما تعرفها عيناه.احتبس نَفَسه.وفي اللحظة التي رفعت فيها رأسها ببطء، ارتجف شيء عميق في داخله.شعرها مبعثر، ووجهها شاحب، إلا أنه ظل بالنسبة إليه أجمل وجه عرفه في حياته.أما عيناه
حين يمنحك السجن فرصة للهرب... فإنه يكون قد اختار مسبقًا أين ستسقط.بعض الأقفاص لا تُغلق أبوابها لأنها واثقة أن الهارب لن يجد طريقًا إلى الخارج.وبعض السجون لا تحتاج إلى سجان يقف عند كل زاوية...فالجدران نفسها تعرف كيف تعيد فريستها إليها.---ما إن غادر البارون الجناح، حتى لم تُضع ماسة ثانية واحدة.وقفت خلف النافذة تراقب السيارة السوداء وهي تعبر الطريق الحجري الطويل قبل أن تختفي خلف الأشجار الكثيفة خارج القصر.انتظرت حتى توارت تمامًا عن الأنظار، ثم زفرت ببطء.الفرصة قد لا تتكرر.ورغم أن القصر يعج بالحراس والكاميرات والعيون التي لا تنام، إلا أن عقلها كان أكثر هدوءًا من قلبها الذي كان يخفق بعنف.إذا أرادت الهرب يومًا...فعليها أولًا أن تحفظ هذا المكان كما يحفظ السجين قضبان زنزانته.التفتت نحو ليان التي كانت تلعب في الحديقة الصغيرة الملحقة بالجناح.اقتربت منها وانحنت حتى أصبحت في مستواها، ثم همست بحركة شفتيها لتقرأها ليان:ــ ليان... ما رأيك أن تأخذيني في جولة داخل القصر؟ أنتِ تعرفينه أكثر مني.ابتسمت الصغيرة وأومأت بحماس.كانت قد تعلمت خلال الأيام الماضية أن ماسة هي الإنسان الوحيد الذي ي
ليست كل السجون جدرانًا من حجر...بعضها يُشيَّد من الحرير والرخام والحدائق المزهرة.وبعض الأقفاص تكون أبوابها مفتوحة على مصراعيها، ومع ذلك يعجز السجين عن الهرب.فحين يصبح مصيرك ملكًا لغيرك، لا يهم إن كان السوط في يده...أو كانت الوردة.كلاهما قادر على سلب حريتك بالطريقة ذاتها.⭐⭐⭐عادت ماسة بذاكرتها إلى أرض الواقع وهي تتأمل ليان، وشعرت بغصة من الفخر وهي تتأكد من صحة قرارها؛ فعلى الأقل استطاعت أن تنتشلها من ذلك الجحيم. لكن قلبها همس بمرارة:«ولكنكِ أدخلتها جحيمًا آخر».انقبض صدرها، وتمنت بكل ما تملك أن تكون مخطئة. وفي تلك اللحظة، فُتح باب الجناح؛ فدخل البارون بخطوات هادئة واثقة، تحيطه سلطة صارخة تُعلن أن المكان كله ينتمي إليه.رفعت ليان رأسها نحوه، وما إن وقع بصرها عليه حتى تراجعت خطوة إلى الخلف، وانعقد الخوف داخل عينيها الصغيرتين.قال بصوته العميق:صباح الخير."Good morning."انحنت ماسة نحو ليان وأشارت إليها بلطف:اذهبي إلى الحديقة، سألحق بكِ بعد قليل.لم تنتظر ليان أكثر من ذلك، بل قفزت من مكانها وانطلقت نحو الباب بفرح واضح. وظلت ماسة تراقبها حتى اختفت عن الأنظار، وعندها فقط التفتت إلى
أحيانًا يكون الجحيم مزخرفًا بالذهب والحرير... لكنه يظل جحيمًا.منذ أن خطت "ماسة" خطواتها الأولى داخل هذه الفيلا، وهي مبهورة بكل ما تراه. حتى هذه اللحظة، لم تستوعب أنها هنا لليوم الخامس على التوالي دون تعذيب، أو ترهيب، أو إذلال.كانت تعلم يقينًا بأن "البارون" ليس ذلك الرجل الطيب الذي يدعيه، وكانت تنتظر بفارغ الصبر أن يكشر عن أنيابه؛ لذا لم تثق به ثقة عمياء، ولم تأخذ راحتها ولو للحظة واحدة.كانت تأكل بتردد وحذر، بالكاد تتكلم مع أحد أو ترى أحدًا؛ فكل من كانت تراهم حولها ليسوا سوى خدمٍ من شتى الأجناس والأعراق، وهي بينهم كأميرة داخل قصر ممتلئ بالجواري.لم تكن تخرج من غرفتها، ولكنها كانت تحسب الأيام والليالي بانتظار اللحظة التي تتعافى فيها تمامًا وتسترد قوتها، وحينها ستعود لمقاومة جحيمها الجديد...ذلك الجحيم الذي لم يكن هدوؤه يبشر بخير إطلاقًا، بل كان أشبه بالسكون الذي يسبق الزوبعة.اندفعت "ليان" داخل غرفتها بابتسامة خلابة، ملابسها نظيفة فاخرة، وشعرها الأسود الحريري ينساب بنعومة على ظهرها.كانت ليان قد بدأت في التعافي والتأقلم مع المكان أكثر من ماسة، وكأن الروح قد رُدَّت إليها بعد رحلة طوي
بحلول نهاية الأسبوع الثاني، كان الرشيد قد أصبح أكثر انفتاحاً من أي وقت مضى. جلس ذات مساء في جناحه الفاخر بالفندق، مسترخياً فوق الأريكة الجلدية، وأمامه زجاجة ويسكي باهظة الثمن شارفت على الانتهاء. بدا تأثير الكحول واضحاً على ملامحه، فخفّت حذريته المعتادة وبدأ يتحدث بصراحة أكبر. قال وهو يدور الكأس بين أصابعه: — أنا أتعامل مع السيد مباشرة. هو الذي يستلم الفتيات بنفسه، وهو الذي يقرر مصير كل واحدة منهن. لديه شبكة واسعة جداً... بعض الفتيات يأتين من دول مجاورة، وبعضهن محليات يبحثن عن فرصة أو يهربن من ظروف قاسية. لكل واحدة استخدام مختلف... بعضهن للخدمة المنزلية، وبعضهن للمرافقة والترفيه... وبعضهن لأمور أكثر خصوصية. توقف قليلاً، ثم رفع عينيه نحو قاسم وحدق فيه بنظرة فاحصة. — تبدو رجلاً جاداً يا خالد. إن كان لديك طلب محدد، أستطيع ترتيب زيارة لك. لكن السيد لا يثق بالغرباء بسهولة. هو يثق بي ثقة عمياء لأنني أعرفه منذ سنوات طويلة. ارتسمت ابتسامة هادئة فوق شفتي قاسم بينما أخفى اضطرابه الداخلي ببراعة. قال بلامبالاة متعمدة: — إذا كان ما تقوله صحيحاً... فطلبي بسيط جداً. مال الرشيد نحوه
أما في الجهة الأخرى، فقد كانت خيوط اللعبة تتشابك بسرعة أكبر مما توقع الجميع. بينما كان الرشيد يظن أنه يقترب أخيراً من كشف حقيقة الرجل الغامض الذي ظهر في حياته باسم "خالد الزين"، كان شخص آخر يراقب المشهد بأكمله من خلف الستار. معتز. ذلك الشبح الإلكتروني الذي اعتاد التسلل إلى أكثر الأنظمة تحصيناً دون أن يترك أثراً. منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها الرشيد رحلة البحث عن هوية قاسم، كان معتز يتابع خطواته بصمت، يجمع المعلومات ويربط الخيوط المتناثرة. ولم يكتفِ بالمراقبة فقط، بل تمكن خلال الأيام الماضية من اختراق هاتف الرشيد والوصول إلى مكالماته ورسائله وتحركاته كافة. لذلك، عندما التقط قاسم هاتفه ودعا الرشيد إلى العشاء في الفندق، لم يكن ذلك الخبر قد وصل إلى الرشيد وحده. كان معتز قد سمع المكالمة كاملة. جلس أمام شاشاته المضيئة في غرفة العمليات السرية، وعيناه مثبتتان على البيانات المتدفقة أمامه، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة. لقد بدأت القطع تتحرك أخيراً نحو أماكنها الصحيحة. ارتدى قاسم بدلة أنيقة بلون رمادي داكن، واعتلت وجهه ابتسامة هادئة صُنعت بدقة لتخفي توتره الداخلي العاصف. في ا
دخلت ماسة المطبخ بحماسة وقد عادت شهيتها للطعام .لتجد ميرنا قد دعت قاسم ايضا لتناول العشاء برفقتهم ، وجدتهما معل يجلسان بانسجام ظهر قاسم نحوها بينما ميرنا مقابلها .وقعت عينا ميرنا على ماسة، فالتفتت إليها بسرعة وأشارت لها بعينيها خفية: *(اختفي الآن! ).*بناء على اتفاقهما سابقاً، انسحبت ماسة بسرعة
هبط قاسم الدرج بخطوات ثابتة، هادئة أكثر مما ينبغي، وكأن شيئًا لم يحدث، بينما الحقيقة أن داخله كان يحترق بالكامل."لقد انتهى الأمر..."شد فكه بقوة وهو يسمع أصوات الضيوف في الصالة.ضحكات... أحاديث... فناجين تتحرك..."كيف يستطيع العالم أن يبدو طبيعيًا بينما أنا دمرت كل شيء؟"غيّر اتجاهه فورًا مبتعدًا
انطلق قصي يجيبها بلغة الاشارة بينما ماسة تتابعه بنظرات ممتلئة بالاعجاب، ولم تكن تعلم بأن هناك نظرات اخرى ممتلئة بالغضب تلاحقها. عيناه أول ما وقعتا عليها، تجمد كل شيء حوله. كانت واقفة هناك، تضحك بخفة، مائلة برأسها قليلًا نحو ذلك الغريب . همس متسائلا بغضب : - من ذلك الغريب ؟! وما أثار غيظه حقا ا
أعادت ماسة الأطباق إلى الثلاجة على عجل، كانت يداها ترتجفان حاولت ألا تنظر إليه .وقف قاسم يراقبها بهدوء . أنفاسه الهادئة تبدد سكون المطبخ وتزيد من توترها. أغلقت الثلاجة والتفتت بسرعة تحاول اجتيازه .ما إن مرت بقربه، حتى امتدت يده القوية وأمسكت بذراعها بقسوة، يوقفها مكانها .لم تتردد؛ في الحال دف







