Masukفي الحارة... داخل شقة عائلة أحمد.
كانت هبة واقفة عند الشباك، تسترق النظر ناحية بيت الخالة صباح، وعيناها لا تفارقان الشارع. اتكلمت وهي ما زالت باصة لبرا: "يعني يا أمي... مقولتيش لخالتي صباح على موضوعي أنا ويحيى؟" تنهدت مديحة وهي بترتب السفرة. "يا بت، اسكتي بقى. أروح أقولها إيه؟ أقولها جوزي عايز يجوز يحيى لهبة؟" لفت هبة ناحيتها بضيق. "أومال هستنى لحد ما واحدة من برة تيجي تاخده مني؟" وقفت مديحة، وبصتلها بحنان ممزوج بالعجز. "أنا مستنية فرصة أكلم صباح، بس عارفة هي هتقول إيه." نزلت هبة بعينيها للأرض وهمست: "وأنا أعمل إيه... وأنا بحبه؟" سكتت مديحة، لأنها ببساطة... ما كانش عندها رد. ساد الصمت للحظات، ولم يكن يُسمع سوى أصوات الأطفال في الشارع. --- في الجراج... جلست أسيل داخل عربيتها، ولسه ابتسامتها موجودة وهي بتبص للرقم اللي سجلته. فجأة رن تليفونها. مامي. أخذت نفسًا وردت. "نعم يا مامي." جاءها صوت أمل غاضبًا: "إنتِ إزاي تقفلي السكة في وشي يا أستاذة؟" ابتلعت ريقها. "يا مامي... أصل حصل حادثة بسيطة." "بلا حادثة بلا كلام فاضي. ارجعي البيت حالًا. سامعة؟" قالتها بنبرة ما تحتملش نقاش. "حاضر." قفلت المكالمة، وبصت قدامها من خلال إزاز العربية. كانت عربية أحمد خرجت من الجراج واختفت. اختفت معاها ابتسامتها. أسندت رأسها على المقود، وأغمضت عينيها. همست لنفسها بصوت مخنوق: "ليه يا رب... كل ما أحاول أختار لنفسي، ألاقي حد بيختار بدالي؟" انزلقت دمعة على خدها. ثم دمعة تانية. وبدون ما تحس... كانت بتعيط في صمت. دق الباب عدة دقات هادئة ومنتظمة. فتحت الخالة سامية الباب وهي تتكلم بابتسامة: "أكيد نسيتي حاجة..." لكنها توقفت عن الكلام فور أن رأت يحيى يقف أمامها. ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: "صباح الخير يا خالة." ارتبكت قليلًا، ثم ابتسمت مجاملة. "صباح النور يا يحيى، عامل إيه يا ابني؟ اتفضل." دخل بهدوء، وجلس على الأريكة، ثم أشار لها أن تجلس. "اقعدي يا خالة." جلست وهي تراقبه بقلق، بينما قال هو بنبرة هادئة لكنها حاسمة: "أنتِ عارفة إني مش بحب المقدمات." صمت لحظة، ثم سأل مباشرة: "في حد جه زارك؟" تلعثمت سامية قليلًا. "أ... أيوه يا ابني، بنت أخويا. جت تزورني." هز رأسه ببطء. "آه... ومشيت؟" أجابت بسرعة وكأنها تحفظ الكلام: "لا... خرجت تدور على شغل. أصلها هتقعد معايا على طول." عقد يحيى حاجبيه. "وهتقعد معاك ليه؟" ابتلعت ريقها وقالت: "بعد ما محمود أخويا اتوفى من كام سنة، بقت لوحدها... وأنا كمان لوحدي، فقالت تيجي تعيش معايا." ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم سأل: "خريجة إيه؟" حاولت تتذكر. "حاجة كده... أعمال." ابتسم ابتسامة جانبية. "إدارة أعمال؟" تنفست الصعداء. "أيوه... هي دي." أومأ برأسه وهو ينهض. "خلاص... خليها تيجي من بكرة تشتغل في الشركة." شحب وجه سامية فجأة. أما يحيى، فابتسم ابتسامة غامضة وهو يفتح الباب. "هستناها بكرة." ثم خرج وهو يقول بينه وبين نفسه: "مسيرك تقولي الحقيقة بنفسك."--- داخل بيت يحيى... أغلق الباب خلفه، ثم أطلق زفرة طويلة ملأها التعب. كان البيت هادئًا بصورة مؤلمة... هدوء يذكره في كل لحظة أنه أصبح وحيدًا. خلع ساعته، ووضع مفاتيحه على الطاولة، ثم جلس على أول أريكة قابلته. رفع عينيه نحو صورة والده المعلقة على الحائط، وظل ينظر إليها طويلًا. وبدون أن يشعر، خرج صوته مبحوحًا: "مشيت وسيبتني ليه ؟" ابتسم ابتسامة باهتة سرعان ما اختفت. "عاجبك حالي؟ كل ما أدخل البيت أحس إن روحي بتتسحب مني." انزلقت دمعة على خده. "أنت عارف إني ماليش غيرك... حتى بعد ما مشيت." مرر يده على وجهه وهو يحاول يمسك دموعه. "عشان كده بهرب من هنا... يا أقعد في الشركة، يا عند حمزة، المهم ما أقعدش لوحدي." خفض رأسه وهو يضم صورة والده إلى صدره. "تعبت اووووي ي بابا... والله تعبت." --- في بيت حمزة... عاد حمزة من الشركة، لكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من التفكير في آسية. ابتسم دون قصد، وهو يتذكر طريقتها وهي تتكلم مع البحر. دخل البيت وهو ينادي: "يا أمي!" خرجت صباح من المطبخ وهي تمسح يديها. "نعم يا حبيبي." اقترب منها، وقبّل رأسها. "عاملة إيه؟" ابتسمت بحنان. "الحمد لله." نظر حوله. "فين آية؟" "في أوضتها." هز رأسه، ثم سأل: "هو يحيى جه هنا النهارده؟" رفعت حاجبيها باستغراب. "لأ.. ده حتى معداش عليا." شعر حمزة بالقلق، لكنه أخفاه بابتسامة. "خلاص... هغير هدومي وأروح أشوف الواد ده. أكيد مستخبي في حتة." ضحكت صباح. "روح يا ابني، وطمني عليه." دخل غرفته، وبدل ملابسه بسرعة، ثم خرج مرتديًا ترينجًا رياضيًا، واتجه مباشرة إلى بيت يحيى. --- وقف أمام الباب، وطرق عليه مرة... ثم الثانية... لكن لم يصله أي رد. أخرج المفتاح الذي يحتفظ به منذ سنوات، وفتح الباب. "يا يحيى... يا واد يا يحيى!" ساد الصمت. دخل الصالة، فلم يجد أحدًا. اتجه إلى غرفة النوم... فوجده نائمًا على السرير، يحتضن صورة والده، وعيناه محمرتان من أثر البكاء. اقترب منه بهدوء، وأخذ الصورة برفق، ثم هز كتفه. "يحيى... قوم يا صاحبي." فتح يحيى عينيه ببطء، وهو يفرك وجهه. "حمزة... الساعة كام؟" لم يرد حمزة. كل ما فعله أنه احتضنه بقوة. تفاجأ يحيى للحظة، ثم رد الحضن، وكأن الحمل الذي فوق قلبه خف قليلًا. خرج صوته مكسورًا: "وحشني أوي يا حمزة." ربت حمزة على ظهره. "ادعِيله... هو دلوقتي في مكان أحسن من الدنيا كلها." أومأ يحيى، ودموعه تنزل في صمت. "بدعيله... والله كل يوم." ابتعد عنه حمزة وهو يبتسم. "يلا بطل دلع... قوم اتوضى وصلي العصر قبل ما يفوتك." ابتسم يحيى لأول مرة. "حاضر يا زميل." وبالفعل قام، توضأ، وأدى الصلاة. وخلال ذلك، كان حمزة قد أخرج له ملابس نظيفة ووضعها على السرير. ولما خرج، قال حمزة وهو يرمي له التيشيرت: "البس بسرعة... أمي من بدري مجهزة الغدا، ولو اتأخرنا هتنفخنا." ضحك يحيى بخفة. "حاضر يا جن." --- في بيت الخالة سامية... فتحت غزل الباب ودخلت وهي تخلع حذاءها، ثم قالت بصوت مرتفع: "أنا جيت يا عمتو." لم تجد أي رد. تقدمت إلى الصالة، فوجدت الخالة سامية جالسة، تستند بكوعها على ذراع الأريكة، واضعة يدها على خدها، وكأنها تحمل هموم الدنيا فوق كتفيها. اقتربت منها بقلق. "في إيه يا عمتو؟ مالك؟" رفعت سامية رأسها، ثم قالت بتردد: "يحيى جه هنا، وسأل عليكي." عقدت غزل حاجبيها باستغراب. "وجيه يسأل عليا ليه أصلًا؟" رمقتها سامية بنظرة تحذير. "بطلي طول اللسان ده يا بت." جلست غزل بجوارها وهي تزفر بضيق. "طيب... قال إيه؟" تنهدت سامية. "قولتله إنك بنت أخويا، وإنك هتعيشي معايا، وإنك بتدوري على شغل." هزت غزل رأسها. "وبعدين؟" أجابت سامية وهي تتجنب النظر إليها: "قال من بكرة تروحي تشتغلي في الشركة." شهقت غزل. "إيه؟! شركة إيه؟ هو بيهزر؟" "لا... كان بيتكلم بجد." وقفت غزل فجأة. "وأنا أروح ليه؟" حاولت سامية تهدئتها. "لازم تروحي يا بنتي." "ليه لازم؟" "عشان ميشكش فينا." ظلت غزل صامتة للحظات، ثم قالت بضيق: "يا عمتو... أنا مينفعش أخرج بره الحارة." اقتربت منها سامية وربتت على يدها. "مش هيحصلك حاجة. من الشركة للبيت... وبس." تنهدت غزل باستسلام. "طيب... أما أشوف." وقبل أن تقوم، أمسكتها سامية من يدها. "استني." التفتت إليها. "أوعي يا غزل تطولي لسانك على يحيى." رفعت غزل حاجبها باستغراب. "ليه يعني؟" أجابت سامية بجدية: "يحيى غير حمزة." سكتت لحظة، ثم أكملت: "حمزة هادي وبيفكر قبل ما يتصرف... إنما يحيى عصبي، ومتهور، ولو استفزيتيه ممكن يعمل أي حاجة وهو متعصب." لفت غزل عينيها بلا مبالاة. "يعمل اللي يعمله." وضعت سامية يدها على رأسها وهي تتمتم: "يا ساتر يا رب... هو أنا ناقصة؟ حد يحط البنزين جنب النار؟" ضحكت غزل وهي تغير الموضوع فجأة. "صح... كنت عايزة أسألك." "إيه؟" "ليه بيت حمزة مفتوح على طول؟ حتى البلكونات مفتوحة... إنما بيت يحيى مقفول دايمًا؟" ارتسم الحزن على وجه سامية. "بيت حمزة مليان ناس." ابتسمت وهي تعد على أصابعها: "حمزة، وأمه صباح، وأخته آية، وعمه، ومرات عمه، وأحمد، وبنت عمه... البيت عمره ما بيفضى." ثم تنهدت. "أما بيت يحيى..." سكتت لحظة. "من بعد ما أبوه اتوفى، مبقاش فيه غيره." أطرقت برأسها وهي تكمل: "أبو حمزة هو اللي رباه، ومن ساعتها هتلاقي يحيى نص وقته عند صباح. عمره ما حسسه إنه لوحده." أخفضت غزل رأسها، وقالت بحسرة: "على الأقل هو لقى اللي يحتويه..." رفعت عينيها بصعوبة. "إنما أنا..." ابتسمت ابتسامة موجوعة. "أنا حتى ده ملقتوش." --- في المساء... داخل الحارة. توقف الأوبر أمام البيت، ونزل منه أحمد وهو يتنهد بحسرة. في نفس اللحظة، كان حمزة ويحيى خارجين من بيت يحيى. أول ما شافه يحيى، انفجر ضاحكًا. "يخربيتك يا أحمد! فين العربية؟" نفخ أحمد بضيق. "عند الصنايعي... في الورشة." عقد حمزة حاجبيه. "إيه؟! هي لحقت؟" حك أحمد مؤخرة رأسه وهو يبتسم بإحراج. "والله يا عم، المرة دي ماليش ذنب." ضحك يحيى. "أمال مين؟" رفع أحمد إيده باستسلام. "واحدة في النادي خبطت عربيتي بعربيتها." رفع حمزة حاجبه. "وبعدين؟" ابتسم أحمد وهو يتذكر الموقف. "فضلت تعتذر، وتقولي لازم أعوضك... وأنا كل شوية أقولها حصل خير." قهقه حمزة وهو يضربه على كتفه. "يا جدع! لو كنت قبلت التعويض، كنت نفختك." ضحك أحمد. "لا يا عم... دي تربيتكم." هز يحيى رأسه وهو يضحك. "واضح إنها لخبطتك جامد." رد أحمد بسرعة وهو بيحاول يغير الموضوع: "يا عم بطل رخامة." ضحك الثلاثة، واتجهوا ناحية البيت، وصوت هزارهم سبقهم على السلم. --- في مستشفى فارس... وقف فارس أمام مكتبه، بينما كانت رحمة تقف أمامه مترددة. تنهد وقال بهدوء: "يا رحمة... لو سمحتي." رفعت رأسها. "أنا مش حابب تدخلي مكتبي كل شوية بالشكل ده." خفضت عينيها. "بس أنا..." قاطعها بلطف. "مافيش بس." ثم أكمل بنبرة هادئة: "أنا مقدر مشاعرك، ومقدر احترامك ليا... لكن أنا بعتبرك زي أختي بالضبط." شعرت رحمة بوخزة في قلبها، لكنها ابتسمت ابتسامة باهتة. "تمام يا دكتور... عن إذنك." خرجت بسرعة قبل ما يشوف دموعها. وفي نفس اللحظة... طرقت أسيل الباب. ابتسم فارس أول ما شافها. "أهلًا أهلًا... المستشفى نورت." ضحكت وهي تدخل. "بنورك يا دكتور." تأملها للحظات. "مالك؟ شكلك عيطتي." هزت رأسها بسرعة. "لأ... بس كنت هربانة من البيت." ابتسم وهو يعقد ذراعيه. "مممم... خليني أخمن." رفعت حاجبها. "اتفضل." "أكيد في عريس جديد." زفرت بقلة حيلة. "صح... أوف." ضحك فارس. "أنا قولتلك قبل كده، أخلي بابا يكلم عمتو." هزت رأسها برفض. "لأ يا فارس... ماما هتزعل جدًا لو عرفت إننا قولنا لخالو." تنهد. "براحتك... بس أنا مش هفضل ساكت على الموضوع ده كتير." ابتسمت وهي تهز رأسها. "حاضر." صفق بإيده مرة واحدة. "يلا بقى... فرفشي." ابتسمت. "إزاي؟" ابتسم بمكر. "غمضي عينيكي." ضحكت. "أهو... غمضت." فتح درج مكتبه، وأخرج قالب شوكولاتة كبير، ثم وضعه أمامها. "افتحي." فتحت عينيها، وما إن رأت الشوكولاتة حتى اتسعت ابتسامتها. "واااو! ده نوعي المفضل." ضحك فارس. "أي خدمة يا ستي." حضنته بسرعة وهي تضحك. "أنت أحسن دكتور في الدنيا." ضحك وهو يشاور لها تقعد. "اقعدي بقى واحكيلي عملتي إيه النهارده." وبدأت تحكيله كل اللي حصل... من غير ما تقول إن الشاب اللي خبطت عربيته فضل شاغل تفكيرها من وقتها. --- في المساء... على شاطئ البحر. كالعادة... أوقف حمزة سيارته في نفس المكان. نزل منها، وأخذ نفسًا عميقًا من هواء البحر، ثم ابتسم تلقائيًا وهو يبحث بعينيه عنها. ولم ينتظر كثيرًا... فقد كانت تجلس في مكانها المعتاد، تواجه البحر، وكأنها جاءت قبله. اقترب بخطوات هادئة. "آسية." التفتت بسرعة، وما إن رأته حتى ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها. "حمزة!" ابتسم وهو يجلس بجوارها، تاركًا بينهما نفس المسافة التي اعتاداها. "إزيك؟" أجابت وهي تضحك بخفة: "الحمد لله... إنت عامل إيه؟" "بخير." ثم نظر إليها باستغراب. "أخبار الجامعة إيه؟" هزت كتفيها بلا مبالاة. "مرحتش النهارده." رفع حاجبه. "ليه؟" زفرت بهدوء وهي تنظر إلى البحر. "مش حابة... كنت عايزة أريح شوية." هز رأسه. "براحتك... بس متخليش الراحة تبقى هروب." نظرت إليه لحظة، ثم ابتسمت. "حاضر يا صديق البحر." ضحك بخفة. "بالمناسبة..." أخرج كيسًا من خلف ظهره. "جبتلك حاجة." اتسعت عيناها بحماس. "إيه هي؟" ابتسم وهو يخفي الكيس أكثر. "خمني." ضيقت عينيها، وأخذت تشم الهواء بطريقة مضحكة. "أنا شامّة ريحة حاجة من أول ما جيت." ضحك وهو يهز رأسه. "زي إيه؟" أجابت بثقة: "شاورما!" انفجر ضاحكًا. "إنتِ بتشمي من على بعد كيلو ولا إيه؟" ضحكت هي الأخرى. "يعني طلعت شاورما فعلًا؟" أخرج الكيس ومده إليها. "اتفضلي." نظرت إليه باستغراب. "وأنت؟" "أنا لسه واكل... دي جايبها ليكي." توقفت عن الحركة، وحدقت فيه لثوانٍ. "بجد؟" ابتسم وهو يرفع يده. "والله." ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم أخذت الكيس وكأنها طفلة أُهديت لعبتها المفضلة. فتحت الساندويتش، وأخذت أول لقمة، ثم أغمضت عينيها وهي تقول بسعادة: "الله..." ضحك وهو يراقب رد فعلها. "للدرجة دي؟" أومأت وهي ما زالت تمضغ. "إنت متعرفش الشاورما بالنسبالي إيه." ابتسم وهو يسند ظهره إلى المقعد. "واضح." وبدأت تحكي له عن يومها.. أما هو... فاكتفى بالاستماع. لم يقاطعها. لم يملّ من كثرة كلامها. بل كان يبتسم كلما انتقلت من موضوع لآخر في نفس الدقيقة. وفجأة... سكتت. نظرت إليه باستغراب. "هو إنت مبتزهقش من رغيي؟" ابتسم وهو ينظر إلى البحر. "لو زهقت... كنت مشيت." ساد الصمت بينهما للحظات. ابتسمت آسية بخجل، ثم همست: "تعرف..." التفت إليها. "إيه؟" "أول مرة أحس إن حد بيسمعني... مش مستني دوره علشان يتكلم." نظر إليها مطولًا. ثم قال بهدوء: "وأنا أول مرة أقابل واحدة تعرف تضحك وهي شايلة كل الوجع ده." لم ترد. اكتفت بابتسامة صغيرة... بينما كانت أمواج البحر تمحو آثار أقدام المارة، وتترك أثرًا آخر... داخل قلبيهما.حلَّ المساء على المدينة، وألقى الليل عباءته السوداء فوق كل شيء... وعلى أبطالنا أيضًا.وقفت غزل أمام البحر، تحدق في الأفق بشرود. لم تكن تملك أي رغبة في العودة إلى المنزل، كان وجهها محتقنًا من كثرة البكاء، والدموع المتحجرة داخل عينيها تخبر أي شخص يراها أنها ليست بخير.وعلى بُعد خطوات قليلة، كانت آسية تراقبها منذ دقائق، ترى انكسارها بوضوح، حتى غلب قلبها عقلها، فتقدمت نحوها بهدوء.وقفت بجانبها، فالتفتت غزل إليها، وكانت على وشك المغادرة، لكن آسية سبقتها بالكلام.آسية: ـ أمم... رايحة فين؟توقفت غزل مكانها، بينما الرياح تعبث بخصلات شعرهما.لم ترد، فأكملت آسية وهي تنظر إلى البحر:ـ على فكرة... من كام يوم بس كنت واقفة مكانك بالظبط.ابتسمت غزل بسخرية.ـ أكيد باباكي سحب منك مفتاح العربية؟ضحكت آسية ضحكة باهتة.ـ يا ريت كانت كده... والله يا ريت.اختفت السخرية من ملامح غزل.ـ آسفة... شكلي فكرتك بحاجة ضايقتك.ابتسمت آسية بحزن.ـ عادي... كل واحد فينا شايل وجع محدش يعرفه.سكتت لحظة ثم قالت:ـ تيجي نحكي لبعض؟ وكل واحدة تشوف مين فينا حكايته كانت أصعب.مسحت غزل دمعة هربت منها.ـ أنا اللي شفته لو جبل كان
خرج في نفس الوقت يحيى في اتجاه أحد الأقسام، وهو قسم المدير التنفيذي للشركة، حمزة.دخل يحيى المكتب وهو بيتكلم بصوت عالي:- يا حمزة!اتخض حمزة وقام من على المكتب بسرعة.- في إيه يا ابني؟! إيه، الشركة بتولع؟ضحك يحيى وقال ببرود:- ولا حاجة، أنا بس حبيت أطمن عليك.بصله حمزة بصدمة.- يخرب بيتك يا جدع!مسك البازة اللي على المكتب وحدفها عليه، لكن للأسف مجتش في يحيى.طلع يحيى لسانه وقال بمشاكسة:- ما جتش فيا.حمزة حط إيده على دماغه وهو بيزفر.- عايز إيه يا يحيى؟- خلاص يا عم.طلع الملف من تحت دراعه وشاور بيه.- كنت عايز أكلمك في شوية تفاصيل صغيرة بخصوص صفقة المحمدي الجديدة.اتعدل حمزة في وقفته أول ما سمع اسم الصفقة، لكن مخلاش أي رد فعل يبان على وشه.- وأنا مالي؟ ما تروح عند أحمد.- يا عم، أحمد مش في الشركة.- أومال راح فين؟ابتسم يحيى بخبث.- خرج مع القطة بتاعته.حمزة ضحك وقال:- قطة؟! يخرب بيت ألفاظك يا جدع... هات وريني الصفقة دي.فتح الملف، وبعد ما بص في الساعة قال:- بص يا حبيبي، الصفقة دي ملعبكة شوية، ومش هينفع نركز فيها دلوقتي. بالليل وإحنا قاعدين على السطح إن شاء الله نشوفلها حل.بصله ي
= بس هو أنا قولت كده؟فضلوا يضحكوا.= بس عمتك عصبية شوية.= شوية؟! قصدك كتير، صح؟ضحك وقال:= حاجة زي كده... بصراحة.بصت آسية في الساعة فجأة، واتخضت.= يا نهار أبيض! الساعة كام؟بص في موبايله.= استني أشوف... اممم، 12.حطت إيدها على وشها.= كده أنا مش داخلة البيت رسمي.ابتسم وقال:= طب واللي يدخلك؟= إزاي؟= مش قولتي إن أخوكي دكتور وبيتأخر في الشيفت؟= أيوه... وإيه دخل فارس؟= رني عليه دلوقتي، وقوليله إنك سرحتي شوية على البحر، ولما بصيتي في الساعة خفتي تروحي لوحدك.اتسعت ابتسامتها.= تصدق؟ فكرة بيرفكت.وقفت ولمّت حاجتها.= طب سلاموز أنا بقى.كانت لسه هتمشي، لكنه ناداها.= آسية.لفتله بابتسامة.= عيونها؟ابتسم بخفة.= في حاجة صغيرة كده... مخبيها عليكي.رجعت قعدت تاني، واستربعت.= احكي.= بصي... امبارح لما سألتي أنا من الطبقة المخملية ولا لأ...احمر وشها بإحراج.= كمّل.= الصراحة أنا مبحبش أخبي. وأنا فعلًا اتربيت في حارة، ومش من الناس اللي اتولدوا ومعاهم فلوس... لكن في حاجة مقولتهالكش.بصتله باستغراب.= إيه هي؟ابتسم وهو بيشاور على عربيته.= أنا صاحب شركة AHY.سكتت كام ثانية وهي باصة له
في الحارة... داخل شقة عائلة أحمد.كانت هبة واقفة عند الشباك، تسترق النظر ناحية بيت الخالة صباح، وعيناها لا تفارقان الشارع.اتكلمت وهي ما زالت باصة لبرا:"يعني يا أمي... مقولتيش لخالتي صباح على موضوعي أنا ويحيى؟"تنهدت مديحة وهي بترتب السفرة."يا بت، اسكتي بقى. أروح أقولها إيه؟ أقولها جوزي عايز يجوز يحيى لهبة؟"لفت هبة ناحيتها بضيق."أومال هستنى لحد ما واحدة من برة تيجي تاخده مني؟"وقفت مديحة، وبصتلها بحنان ممزوج بالعجز."أنا مستنية فرصة أكلم صباح، بس عارفة هي هتقول إيه."نزلت هبة بعينيها للأرض وهمست:"وأنا أعمل إيه... وأنا بحبه؟"سكتت مديحة، لأنها ببساطة... ما كانش عندها رد.ساد الصمت للحظات، ولم يكن يُسمع سوى أصوات الأطفال في الشارع.---في الجراج...جلست أسيل داخل عربيتها، ولسه ابتسامتها موجودة وهي بتبص للرقم اللي سجلته.فجأة رن تليفونها.مامي.أخذت نفسًا وردت."نعم يا مامي."جاءها صوت أمل غاضبًا:"إنتِ إزاي تقفلي السكة في وشي يا أستاذة؟"ابتلعت ريقها."يا مامي... أصل حصل حادثة بسيطة.""بلا حادثة بلا كلام فاضي. ارجعي البيت حالًا. سامعة؟"قالتها بنبرة ما تحتملش نقاش."حاضر."قفلت الم
في مساء ذلك اليوم، كان البحر هادئًا على غير عادته، وكأن أمواجه قررت أن تصغي لأوجاع البشر. وقف حمزة أمام سيارته، واضعًا يديه في جيبيه، وعيناه معلقتان بالأفق البعيد. كان الصمت يحيط به، لكن داخله كان يعج بصراع لا يسمعه أحد. وعلى بعد أمتار قليلة، كانت سيارة أخرى متوقفة. جلست فتاة على الرصيف المواج همست بصوت متقطع: "عارفة... أنا طول عمري كنت بحكيلك قد إيه أنا محظوظة، وقد إيه أهلي هم سبب فرحتي... لكن النهارده جاية لك وأنا مكسورة. عمري ما تخيلت إن ممكن أتحرم من نعمة زي دي." ارتفعت شهقاتها رغمًا عنها، ثم أكملت وهي تحاول التماسك: "والله ما عنديش اعتراض... دي إرادة ربنا، وأنا راضية... بس هقول لماما إزاي؟ هي مش هتستحمل الخبر ده." وصلت كلماتها إلى مسامع حمزة. التفت يبحث عن مصدر الصوت، فلم يجد أحدًا داخل السيارة، وظن أنه توهم، لكنه ما لبث أن سمع شهقة جديدة. استدار نحو الجهة الأخرى، وهناك رآها. فتاة ترتدي فستانًا أسود، وشعرها مرفوع في كعكة بسيطة، تجلس وحدها أمام البحر وكأنها تحاول أن تخفي وجع العالم كله. تردد للحظة. ثم اقترب بهدوء، وجلس على الرصيف بجوارها، تاركًا بينهما مسا
في منطقة شعبية في محافظة الإسكندرية تُعرف باسم "حارة الجن"، خاصة في الصباح الباكر.استيقظ الجميع على أصوات طلقات نارية، فهلع كلٌّ من فراشه برعب.هناك من أسرع بالنزول، وآخرون اصطفوا في شرفات شققهم، وآخرون تجنبوا الرؤية وأغلقوا نوافذهم، فمن غيره حمزة الجن القادر على فعل شيء كهذا؟نقطة واستوب.مين هو حمزة الجن؟حمزة محمد أحمد الجارحي، خريج كلية الهندسة، عنده 29 سنة، ويمتلك شركة من أكبر شركات المعمار في البلد.وشريكه في الشركة صديق عمره يحيى الجمال، وابن عمه أحمد الجارحي.طويل، طوله حوالي 185 سم، شعره أسود بني، وعيونه عسلية برموش كثيفة، ملامحه شرقية حادة، وبشرته قمحية، جسمه رياضي ومنتظم على الرياضة يوميًا.عودة للحارة.وقف في منتصف الحارة لابس بنطال جينز وعليه قميص أسود، عيونه حمراء وأنفاسه عالية جدًا، ماسك فرد في إيده اليمين، وإيده الشمال ماسك شابًا من ياقة قميصه.اتكلم بعدما اخرج صوت من حنجرته:"اسمعوا كلكم... أوعوا تفتكروا إن البدلة والكرافتة غيرت حمزة الجن. اللي يفتكر الحارة ملهاش كبير يبقى







