ログインبسم الله الرحمن الرحيم
حلَّ صباحٌ جديد، حمل السعادة للبعض، بينما حمل الحزن لآخرين... في الشركة... دوّى صوت يحيى في أرجاء الشركة وهو يراجع جدول مواعيده، حتى خُيّل للجميع أن الجدران ستسقط من شدة غضبه. أما غزل، فما إن ارتفع صوته، حتى أغمضت عينيها بقوة. ارتجفت يدها من جديد... الرعشة التي كانت تحاول جاهدًة إخفاءها عادت، ومعها انسابت دمعة صامتة على وجنتها. صرخ يحيى: ـ ملك! دخلت ملك مسرعة، وقد ارتسم الخوف على ملامحها. ـ أيوه يا مستر يحيى؟ نظر إليها بغضب وقال: ـ إزاي جدول النهارده مليان بالشكل ده؟! وأنا منبه عليكم من امبارح إن عندي معاد مهم بالليل! في تلك اللحظة... انسحبت غزل بهدوء من قاعة الاجتماعات، واتجهت إلى الحمام دون أن يلاحظها أحد. أغلقت الباب خلفها، وأسندت يديها على حافة الحوض، وهي تحاول السيطرة على أنفاسها. فتحت صنبور المياه، وغسلت وجهها مرة... ثم مرة أخرى... حتى هدأت الرعشة قليلًا. رفعت رأسها لتنظر إلى انعكاسها في المرآة. كان وجهها شاحبًا بصورة أخافتها. أغمضت عينيها، وأسندت ظهرها إلى الباب، وأخذت نفسًا عميقًا. وفي الداخل... قالت ملك بتوتر: ـ والله يا مستر يحيى... غزل هي اللي جهزت المواعيد. رمقها يحيى بنظرة حادة. ـ بتضحكي عليا؟! إنتِ بنفسك قلتي لغزل إن المعاد ده ممكن يتأجل للأسبوع الجاي... ومتكدبيش، لأن غزل قالتلي كل اللي حصل. خفضت ملك رأسها في خجل. ـ أنا آسفة يا مستر... والله نسيت، ومش هتتكرر تاني. أخذ يحيى نفسًا عميقًا، ثم قال بلهجة حاسمة: ـ الموضوع ده هنتكلم فيه بعدين... دلوقتي الغي كل المواعيد... سامعة؟ هزت رأسها بسرعة. ـ حاضر. أشار بيده نحو الباب. ـ روحي ناديلي غزل. خرجت ملك تبحث عنها في كل مكان، لكنها لم تجد لها أثرًا. عادت بعد دقائق وهي تقول بقلق: ـ مش لاقياها يا مستر. وقف يحيى فجأة حتى سقط الكرسي خلفه. ـ يعني إيه مش لاقياها؟! ـ والله دورت عليها في كل مكان. أخرج هاتفه بسرعة واتصل بأمن الشركة. ـ ألو يا عزت... قف عند باب الشركة، وإياك غزل تخرج بره... مفهوم؟ أغلق الهاتف، والتقط مفاتيحه وهاتفه، ثم اندفع نحو السلالم. ركض يهبط الدرج بسرعة، غير عابئ بنظرات الموظفين المندهشة. لم يهتم بكونه ينزل عشرة طوابق جريًا... كل ما كان يشغل عقله في تلك اللحظة هو سؤال واحد... أين ذهبت غزل؟ وفي أثناء بحثه... فتحت ملك باب حمام السيدات. وما إن وقعت عيناها على غزل، حتى شهقت بفزع. كانت ملقاة على الأرض، فاقدة للوعي. جرت نحوها وهي تهزها بخوف. ـ غزل... غزل! ردي عليا! لكن لم يصلها أي رد. خرجت من الحمام تركض، وأخرجت هاتفها بسرعة، واتصلت بيحيى. رد عليها في أول رنة. ـ لقيتيها؟ قالت بصوت مرتجف: ـ أيوه... بس غزل مغمي عليها في الحمام. تجمد يحيى مكانه للحظة... وشعر وكأن قلبه توقف عن النبض. ثم غير إتجاه صعوده بأقصى سرعة، حتى كاد يتعثر أكثر من مرة. وصل إلى الطابق، واتجه مباشرة إلى الحمام. وما إن رآها، حتى اتسعت عيناه بصدمة. كان وجهها شاحبًا بصورة أقلقته. انحنى سريعًا، وحملها بين ذراعيه، ثم خرج بها. وضعها برفق على الأريكة الموجودة في الاستراحة. وأخرج زجاجة عطره، ومررها أمام أنفها، وهو يدعو في سره أن تستيقظ. وبعد لحظات... تحركت جفونها ببطء. فتحت عينيها بصعوبة، وهي تحاول التأقلم مع الضوء. كان وجهها شاحبًا، وعيناها حمراوين، وخصلات شعرها مبعثرة حول وجهها. أما يحيى... فكان جالسًا على ركبتيه أمامها، ينظر إليها بقلق لم يستطع إخفاءه. ـ غزل... إنتِ كويسة؟ حاسة بإيه؟ ابتسمت ابتسامة خافتة. ـ الحمد لله... بس شوية دوخة. تنفس براحة، ثم نهض سريعًا واتجه إلى الثلاجة الصغيرة، وأحضر لها كوبًا من عصير المانجو. عاد إليها ومد يده بالكوب. ـ اتفضلي... اشربي ده الأول. أخذته منه بابتسامة بسيطة. ـ شكرًا يا يحيى. جلس أمامها، ثم قال وهو يحاول إخفاء قلقه بطريقته المعتادة: ـ على فكرة... أنا مجبتلكيش العصير عشان خاطرك، أنا بس محتاج منك خدمة. رفعت حاجبها وهي تنظر إليه. ـ هو حد قالك قبل كده إنك رخم؟ ابتسم بخبث. ـ لأ. ضحكت بخفة. ـ يبقى اسمحلي أخد الشرف... إنت رخم فعلًا. ضحك الاثنان، لتختفي أجواء التوتر قليلًا. وبعد أن انتهت من العصير، سألته: ـ ها... إيه هي الخدمة؟ ابتسم وهو يحك مؤخرة رأسه. ـ النهارده عيد ميلاد يويو... ولازم أجيب لها هدية، بس معنديش أي خبرة في الحاجات دي. فقولت آخد رأيك. تغيرت ملامح غزل للحظة. ـ ومين يويو؟ نظر إليها باستغراب. ـ مالِك؟ دي أخت حمزة. تنفست بهدوء وهي تومئ برأسها. ـ آه... تمام. وقف يحيى وهو يلتقط مفاتيحه. ـ يلا بينا. وقفت غزل، لكنها ترنحت خطوة صغيرة. مد يده بسرعة وأسندها. نظر إليها بجدية وقال: ـ على مهلك... لسه وشك شاحب. ابتعدت بخجل وهي تعدل خصلات شعرها. ـ أنا كويسة... متقلقش. هز رأسه بعدم اقتناع. ـ هنروح نجيب الهدية ونرجع على طول... ولو حسيتي بأي دوخة، هنسيب كل حاجة ونرجع فورًا... مفهوم؟ ابتسمت بخفة. ـ حاضر يا مستر يحيى. ابتسم رغمًا عنه، ثم فتح لها باب المكتب. ـ اتفضلي. خرج الاثنان معًا... لكن هذه المرة، لم يكن يحيى منشغلًا بالهدية... بل كان يختلس النظر إليها كل بضع خطوات، ليتأكد أنها ما زالت بخير. --- في الحارة... داخل غرفة آية كانت آية مستلقية على سريرها، تحتضن وسادتها بابتسامة لا تفارق شفتيها. كلما تذكرت ما حدث في الامس، اتسعت ابتسامتها أكثر. لكن سرعان ما اختفت، وهي تتذكر كم كانت عفوية ومتوترة في الوقت نفسه. تنهدت وهي تخفي وجهها داخل الوسادة. ـ يا نهار أبيض... يا رب يكون نسي اللي عملته. قطع شرودها صوت طرقات خفيفة على الباب. ـ ادخل. فتح حمزة الباب، وهو يبتسم ابتسامته المعتادة. ـ صباح الخير يا قلب أخوكي. اعتدلت آية في جلستها وهي تبتسم. ـ صباح النور يا حمزة. اقترب منها، وجلس بجوارها، ثم أمسك وجهها بين كفيه بحنان. ـ حبيبة قلبي... النهارده كملتي عشرين سنة. كل سنة وإنتِ بخير يا أغلى نعمة في حياتي. ابتسمت بعينين دامعتين. ـ وإنت بخير يا أحلى أخ في الدنيا. أخرج حمزة حقيبة كبيرة أنيقة. ـ شوفي كده... إيه رأيك؟ فتحتها بسرعة، وما إن رأت الفستان حتى شهقت بإعجاب. ـ واااو! بجد تحفة يا حمزة... جميل أوي. ضحك وهو يبعثر شعرها. ـ كنت عارف إنه هيعجبك. ثم نهض وهو يشير إليها بإصبعه. ـ يلا جهزي نفسك... بالليل عندك مفاجأة. قفزت من مكانها بحماس. ـ بجد؟! ضحك. ـ أيوه بجد... بس ممنوع الأسئلة. ضمت الفستان إلى صدرها. ـ والله إنت أحسن أخ في الدنيا. ابتسم لها بحنان، ثم خرج من الغرفة. --- في المطبخ... كان أحمد يجلس أمام الإفطار في هدوء، يتناول طعامه دون أن ينطق بكلمة. دخل حمزة، وسحب كرسيًا وجلس أمامه. نظر إليه للحظات، ثم قال ساخرًا: ـ نفسي في يوم أشوفك بتفطر في شقتكم. لم يرفع أحمد رأسه. ـ كل واحد حر يا عم. عقد حمزة حاجبيه. ـ مالك؟ وشك يقول إن في مصيبة. ظل أحمد صامتًا. اقترب حمزة وربت على كتفه. ـ خير يا صاحبي؟ ولا البومة أمك بدأت يومها بمحاضرة؟ ضحك أحمد رغمًا عنه. ـ على الأقل احترم إنها والدتي. رفع حمزة يديه باستسلام. ـ خلاص يا سيدي... والدتك. ارتحت؟ ابتسم أحمد ابتسامة خفيفة. ـ ارتحت. سأله حمزة من جديد: ـ طيب مالك بقى؟ تنهد أحمد. ـ مفيش... كنت نايم في شقتي أصلًا، وهي ملهاش علاقة بالموضوع. وقبل أن يكمل... خرجت صباح من غرفتها بعدما انتهت من صلاة الضحى. ابتسم حمزة، واقترب يقبل رأسها. ـ صباح الخير يا صبوحة. ربتت على خده بحنان. ـ صباح النور يا قلب أمك. اقترب أحمد هو الآخر، وقبل رأسها. ابتسمت لهما وهي تنظر إلى السفرة. ـ يارب تكونوا شبعتوا. قال حمزة وهو يأكل آخر لقمة. ـ تسلم إيدك... والله أحلى فطار. ابتسمت. ـ رايحين الشركة؟ أومأ حمزة. ـ أيوه... يحيى سبقنا من بدري. ثم وقف وهو يلتقط مفاتيحه. ـ جهزوا نفسكوا بالليل... هاجي أخدكم. ابتسمت صباح. ـ حاضر يا حبيبي... ربنا يحفظكم ويكتبلكم الخير. ـ آمين. --- خرج حمزة وأحمد من المنزل. وأثناء الطريق... قص أحمد على حمزة كل ما حدث. استمع إليه في هدوء، ثم قال: ـ خلاص... كلها يومين وهتعرف كل حاجة. بس لحد ما يحصل ده، حاول تكلمها من رقم غير رقمك، واطمن عليها. أومأ أحمد. ـ حاضر. نظر إليه حمزة مبتسمًا. ـ وبعدين يا عم... فك وشك شوية. النهارده عيد ميلاد. رد أحمد وهو ينظر للطريق: ـ ما أنا فاكه أهو. انفجر حمزة ضاحكًا. ـ لو دي ابتسامتك، أمال الزعل بيبقى عامل إزاي؟ ابتسم أحمد هذه المرة بصدق، فانطلقا إلى الشركة. أكيد، نكمل. --- في الفيلا... عاد فارس إلى المنزل بعد مناوبة طويلة في المستشفى. كان الإرهاق واضحًا على ملامحه، لكنه لم يتجه إلى غرفته مباشرة. أخذ حمامًا سريعًا، ثم وقف أمام باب غرفة أسيل. طرق الباب برفق. ـ أسيل... ينفع أدخل؟ جاءه صوتها هادئًا: ـ اتفضل. فتح الباب بهدوء. كانت الغرفة شبه مظلمة، ولم يكن يضيئها سوى ضوء خافت يتسلل من النافذة. جلست أسيل على طرف السرير، شاردة الذهن. اقترب فارس وجلس أمامها، ثم ابتسم ابتسامته الهادئة. ـ أخبار القمر بتاعي إيه؟ رفعت رأسها وابتسمت ابتسامة باهتة. ـ الحمد لله. نظر إليها للحظات، ثم قال بهدوء: ـ ينفع آخد من وقتك دقيقتين؟ شعرت أسيل أن لحظة المواجهة قد حانت. أغمضت عينيها، ثم أخذت نفسًا عميقًا. ـ أكيد. خرجا إلى الشرفة، وجلس كلٌ منهما في مواجهة الآخر. ساد الصمت للحظات... ثم تكلم فارس بهدوئه المعتاد. ـ أولًا... أنا عارف إنك مغلطيش، وإن مفيش حاجة حصلت تستدعي إنك تعتذري. توقف لحظة، ثم أكمل: ـ لكن كان لازم أعرف... أو على الأقل عمتو تعرف. مش علشان أراقبك، لكن علشان أحميكي. صح ولا لأ؟ خفضت أسيل رأسها، بينما تجمعت الدموع في عينيها. خرج صوتها مرتجفًا. ـ أنا آسفة... حقك عليا. ثم رفعت عينيها إليه بسرعة. ـ بس أرجوك يا فارس... بلاش تخلي بابا أو ماما يأذوه. والله ما هقدر أشوفه يحصل له حاجة بسببي. أوعدك... مش هشوفه تاني، بس بلاش حد يأذيه... أرجوك. قطب فارس حاجبيه باستغراب. اقترب منها، ومسح دموعها بإبهامه. ـ مين قال إن حد هيأذيه؟ إحنا مش في غابة يا أسيل. نظرت إليه، لكنها لم تستطع أن تشرح له مصدر خوفها. اكتفت بهزة رأس خفيفة. أما فارس... فخرج من الغرفة وهو ما زال لا يفهم سبب هذا الذعر الذي يسكنها. --- في الشركة... كان حمزة يتصفح هاتفه، قبل أن يرسل رسالة إلى آسيا. حمزة: > صباح الخير. بعد حوالي ربع ساعة، جاءه الرد. آسيا: > صباح النور. 🤍 معلش، كنت بفطر. ابتسم وهو يكتب: > بالهنا والشفا. ثم أرسل رسالة أخرى. > جهزي نفسك... هنروح مشوار. جاءه الرد بعد ثوانٍ. > فين؟ هتخطفني؟ 🤭 ضحك وهو يهز رأسه. > لا يا ستي... عازمك على عيد ميلاد أختي. أرسلت فورًا: > كل سنة وهي طيبة. 🥹🤍 كتب: > هعدي عليكي الساعة تسعة. > تمام... هستناك. انتهت المحادثة. أما آسيا... فأغلقت الهاتف وهي تبتسم دون أن تشعر. احتضنته إلى صدرها، وهمست لنفسها بخجل: ـ أول مرة يعزمني على مناسبة مع عيلته... ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة، قبل أن تتجه إلى خزانة ملابسها، وهي تفكر ماذا سترتدي في المساء. --- في المساء... وصل يحيى وغزل إلى الفيلا، بعدما انتهيا من شراء الهدية. ما إن دخلا، حتى استقبلتهما صباح بابتسامتها الدافئة. ـ أهلًا يا حبايب قلبي... نورتوا البيت. ابتسم يحيى وهو يقبل رأسها. ـ كل سنة وإنتِ طيبة يا صبوحة. ضحكت صباح وهي تربت على كتفه. ـ أنا ولا يويو؟ ـ الاتنين. ضحك الجميع. أما غزل، فكانت تقف بهدوء، تنظر إلى دفء العائلة حولها. اقتربت منها صباح واحتضنتها بحنان. ـ نورتِ يا بنتي. ابتسمت غزل بخجل. ـ ده نور حضرتك. ـ حضرتك إيه بس؟ اعتبريني زي مامتك. شعرت غزل بشيءٍ غريب داخلها... دفء افتقدته منذ سنوات. وقبل أن تتحدث... فُتح باب الفيلا. دخل حمزة، وإلى جواره آسيا. التفتت غزل فورًا، وما إن رأت آسيا حتى ابتسمت. ـ آسيا! ابتسمت آسيا هي الأخرى، واتجهت إليها واحتضنتها. ـ وحشتيني. ـ وإنتِ أكتر. راقب يحيى المشهد باستغراب، ثم التفت إلى حمزة. ـ هما يعرفوا بعض؟ ضحك حمزة. ـ من زمان... إنت آخر واحد يعرف. هز يحيى رأسه وهو يضحك. في تلك اللحظة، اقتربت صباح من آسيا. ـ أهلًا بيكي يا بنتي... نورتي البيت. ابتسمت آسيا بخجل. ـ ده نوركم يا طنط. أمسكت صباح يدها بحب. ـ اتفضلي... اعتبري المكان مكانك. --- بعد دقائق، اجتمع الجميع في الصالة. وقف يحيى فجأة وهو يصفق بيديه. ـ يا جماعة... دقيقة. التفت الجميع إليه. ابتسم، ثم وضع يده خلف ظهر غزل برفق وقال: ـ أحب أعرفكم رسميًا... دي غزل... خطيبتي. ساد الصمت للحظات. أما غزل... فاستدارت إليه بسرعة، تنظر إليه بصدمة حقيقية. همست وهي تضغط على أسنانها: ـ إنت بتقول إيه؟! ابتسم بهدوء، وهمس دون أن يلتفت إليها: ـ ثقي فيا... وهفهمك بعدين. أما صباح... فلم تتمالك نفسها، واحتضنت غزل بقوة. ـ ألف مبروك يا بنتي... ربنا يتمم لكم على خير. ثم جاءت آية بسرعة. ـ أخيرًا يا يحيى! والله كنت مستنية الخبر ده من زمان. ضحك يحيى. أما أحمد، فاكتفى بابتسامة هادئة. ـ ألف مبروك يا غزل. ابتسمت غزل بخجل. ـ الله يبارك فيك. أما حمزة... فاكتفى بالنظر إلى يحيى بابتسامة خفيفة، فقد فهم أن صديقه يخفي شيئًا، لكنه قرر ألا يسأله الآن. --- وفجأة... انطفأت الأنوار. وأضاءت الشموع فوق قالب الحلوى. تعالت أصوات الجميع وهم يغنون: "سنة حلوة يا جميل..." وقفت آية في المنتصف، وابتسامتها تملأ وجهها. اقترب منها حمزة أولًا. ابتسم وهو ينظر إليها بحنان. ـ يمكن مش بعرف أقولها كتير... بس وجودك في حياتي نعمة، وأي حاجة تحتاجيها هتلاقيني قبلك. مهما كبرتي... هتفضلي أختي الصغيرة. ثم أخرج علبة مخملية صغيرة. فتحتها آية بيدين مرتجفتين. لتجد قلادة من الذهب، مرصعة بأحجار ألماس رقيقة، منقوش عليها: "مهما كبرتي... هتفضلي أختي الصغيرة." امتلأت عيناها بالدموع. احتضنته بقوة. ـ بحبك أوي يا حمزة. ابتسم وهو يربت على رأسها. ـ وأنا كمان يا يويو. ابتعد عنها، ليتقدم يحيى. ابتسم بمشاكسته المعتادة. ـ يمكن برخم عليكي كل يوم... ويمكن أغيظك أكتر ما أضحكك... بس لو الدنيا كلها وقفت ضدك، هتلاقيني أول واحد واقف جنبك. ثم ناولها هديتها. فتحتها بسرعة. شهقت من الفرحة. ـ ياااه! الرواية الجديدة! ثم أخرجت الكتاب من العلبة. كان يحمل توقيع كاتبها المفضل، وإهداءً باسمها. احتضنت الكتاب بسعادة. ـ بجد جبت توقيعه؟! ابتسم يحيى. ـ تعبت شوية... بس تستاهلي. ثم أضاف وهو يضحك: ـ ومتفرحيش أوي... ده مش معناه إني هبطل أرخم عليكي. ضحكت وهي احتضنته. ثم تقدم أحمد. وضع أمامها صندوقًا كبيرًا. ـ افتحي. فتحته بفضول. لتجد بداخله كل الأشياء التي كانت تتمناها منذ شهور. نظرت إليه بدهشة. ـ إنت عرفت منين؟ ابتسم بخبث. ـ عندي مصادر خاصة. ضحكت وهي تعانقه. ـ شكرًا يا أحمد. ربت على رأسها. ـ كل سنة وإنتِ طيبة يا ي عمري. سادت الضحكات أرجاء المكان... أما غزل، فكانت تنظر إلى هذا الترابط العائلي بصمت. ولأول مرة منذ سنوات... شعرت أن هناك عائلة، لا يجمعها الدم فقط... بل يجمعها الحب. رفعت عينيها، فوجدت يحيى ينظر إليها. ابتسم لها ابتسامة هادئة... فبادلته ابتسامة صغيرة، دون أن تنطق بكلمة. انتهى الفصل. --- انتهى الفصل... 🤍 تفتكروا يحيى قال إن غزل خطيبته ليه؟ 🤔 وهل الليلة هتعدي على خير... ولا لسه القدر مخبي لهم مفاجآت؟ مستنية توقعاتكم وآراءكم في الكومنتات، ومتنسوش تدعموا الرواية بـ ❤️ وفولو للحساب علشان يوصلكم كل جديد. أشوفكم في الفصل الجاي... بإذن الله. 🌹بسم الله الرحمن الرحيمحلَّ صباحٌ جديد، حمل السعادة للبعض، بينما حمل الحزن لآخرين...في الشركة...دوّى صوت يحيى في أرجاء الشركة وهو يراجع جدول مواعيده، حتى خُيّل للجميع أن الجدران ستسقط من شدة غضبه.أما غزل، فما إن ارتفع صوته، حتى أغمضت عينيها بقوة.ارتجفت يدها من جديد...الرعشة التي كانت تحاول جاهدًة إخفاءها عادت، ومعها انسابت دمعة صامتة على وجنتها.صرخ يحيى:ـ ملك!دخلت ملك مسرعة، وقد ارتسم الخوف على ملامحها.ـ أيوه يا مستر يحيى؟نظر إليها بغضب وقال:ـ إزاي جدول النهارده مليان بالشكل ده؟! وأنا منبه عليكم من امبارح إن عندي معاد مهم بالليل!في تلك اللحظة...انسحبت غزل بهدوء من قاعة الاجتماعات، واتجهت إلى الحمام دون أن يلاحظها أحد.أغلقت الباب خلفها، وأسندت يديها على حافة الحوض، وهي تحاول السيطرة على أنفاسها.فتحت صنبور المياه، وغسلت وجهها مرة...ثم مرة أخرى...حتى هدأت الرعشة قليلًا.رفعت رأسها لتنظر إلى انعكاسها في المرآة.كان وجهها شاحبًا بصورة أخافتها.أغمضت عينيها، وأسندت ظهرها إلى الباب، وأخذت نفسًا عميقًا.وفي الداخل...قالت ملك بتوتر:ـ والله يا مستر يحيى... غزل هي اللي جهزت ال
يحيى حاول يتمالك أعصابه، ورد بقلقٍ خفي:"عمتك وصّتني عليكي، وإنتِ بالنسبة ليا أمانة، ولازم أحافظ عليها... وبرضه، كنتِ فين؟"ردت غزل بتأفف:"أوف... أولًا، أكتر حاجة بكرهها هي التحكمات.ثانيًا، أنا بعفيك من المسؤولية اللي عمتو حطتها عليك.ثالثًا، كنت قاعدة على البحر.ورابعًا..."ثم أكملت بخجلٍ خفيف:"شكرًا على قلقك."اتكلم يحيى وهو بيمرر إيده في شعره:"من بكرة هعدي عليكي."وبعدها خرج فورًا.دخلت غزل الشقة، فوجدت عمتها نائمة، فغطتها، ثم أخذت شاور، وبعدها أعدّت فنجان قهوة وجلست تفكر.كانت صور كثيرة تمر في عقلها... قبو، وصراخ، وحزام.أغمضت عينيها وهي تحاول السيطرة على حالة الارتعاش التي أصابتها، وشعرت بأن أنفاسها تضيق، وكأن الماضي عاد يخنقها من جديد.أما في الخارج، فخرج يحيى ليجد أحمد وحمزة أمامه.قال حمزة باستغراب:"إنت اتجننت يا يحيى ولا إيه؟"ابتسم يحيى ابتسامة مجنونة وقال:"أنا عايز أتجوز."تبادل أحمد وحمزة نظرات الصدمة، ولم يستطع أيٌّ منهما الرد.أما يحيى، فظل يدندن وهو يقول:"هتجوز... هتجوز..."ثم دخل بيت حمزة وهو ينادي:"يا صبوحة... عايز آكل، أنا جعان يا بلد."ــــــــــــــــــــــ
حلَّ المساء على المدينة، وألقى الليل عباءته السوداء فوق كل شيء... وعلى أبطالنا أيضًا.وقفت غزل أمام البحر، تحدق في الأفق بشرود. لم تكن تملك أي رغبة في العودة إلى المنزل، كان وجهها محتقنًا من كثرة البكاء، والدموع المتحجرة داخل عينيها تخبر أي شخص يراها أنها ليست بخير.وعلى بُعد خطوات قليلة، كانت آسية تراقبها منذ دقائق، ترى انكسارها بوضوح، حتى غلب قلبها عقلها، فتقدمت نحوها بهدوء.وقفت بجانبها، فالتفتت غزل إليها، وكانت على وشك المغادرة، لكن آسية سبقتها بالكلام.آسية: ـ أمم... رايحة فين؟توقفت غزل مكانها، بينما الرياح تعبث بخصلات شعرهما.لم ترد، فأكملت آسية وهي تنظر إلى البحر:ـ على فكرة... من كام يوم بس كنت واقفة مكانك بالظبط.ابتسمت غزل بسخرية.ـ أكيد باباكي سحب منك مفتاح العربية؟ضحكت آسية ضحكة باهتة.ـ يا ريت كانت كده... والله يا ريت.اختفت السخرية من ملامح غزل.ـ آسفة... شكلي فكرتك بحاجة ضايقتك.ابتسمت آسية بحزن.ـ عادي... كل واحد فينا شايل وجع محدش يعرفه.سكتت لحظة ثم قالت:ـ تيجي نحكي لبعض؟ وكل واحدة تشوف مين فينا حكايته كانت أصعب.مسحت غزل دمعة هربت منها.ـ أنا اللي شفته لو جبل كان
خرج في نفس الوقت يحيى في اتجاه أحد الأقسام، وهو قسم المدير التنفيذي للشركة، حمزة.دخل يحيى المكتب وهو بيتكلم بصوت عالي:- يا حمزة!اتخض حمزة وقام من على المكتب بسرعة.- في إيه يا ابني؟! إيه، الشركة بتولع؟ضحك يحيى وقال ببرود:- ولا حاجة، أنا بس حبيت أطمن عليك.بصله حمزة بصدمة.- يخرب بيتك يا جدع!مسك البازة اللي على المكتب وحدفها عليه، لكن للأسف مجتش في يحيى.طلع يحيى لسانه وقال بمشاكسة:- ما جتش فيا.حمزة حط إيده على دماغه وهو بيزفر.- عايز إيه يا يحيى؟- خلاص يا عم.طلع الملف من تحت دراعه وشاور بيه.- كنت عايز أكلمك في شوية تفاصيل صغيرة بخصوص صفقة المحمدي الجديدة.اتعدل حمزة في وقفته أول ما سمع اسم الصفقة، لكن مخلاش أي رد فعل يبان على وشه.- وأنا مالي؟ ما تروح عند أحمد.- يا عم، أحمد مش في الشركة.- أومال راح فين؟ابتسم يحيى بخبث.- خرج مع القطة بتاعته.حمزة ضحك وقال:- قطة؟! يخرب بيت ألفاظك يا جدع... هات وريني الصفقة دي.فتح الملف، وبعد ما بص في الساعة قال:- بص يا حبيبي، الصفقة دي ملعبكة شوية، ومش هينفع نركز فيها دلوقتي. بالليل وإحنا قاعدين على السطح إن شاء الله نشوفلها حل.بصله ي
= بس هو أنا قولت كده؟فضلوا يضحكوا.= بس عمتك عصبية شوية.= شوية؟! قصدك كتير، صح؟ضحك وقال:= حاجة زي كده... بصراحة.بصت آسية في الساعة فجأة، واتخضت.= يا نهار أبيض! الساعة كام؟بص في موبايله.= استني أشوف... اممم، 12.حطت إيدها على وشها.= كده أنا مش داخلة البيت رسمي.ابتسم وقال:= طب واللي يدخلك؟= إزاي؟= مش قولتي إن أخوكي دكتور وبيتأخر في الشيفت؟= أيوه... وإيه دخل فارس؟= رني عليه دلوقتي، وقوليله إنك سرحتي شوية على البحر، ولما بصيتي في الساعة خفتي تروحي لوحدك.اتسعت ابتسامتها.= تصدق؟ فكرة بيرفكت.وقفت ولمّت حاجتها.= طب سلاموز أنا بقى.كانت لسه هتمشي، لكنه ناداها.= آسية.لفتله بابتسامة.= عيونها؟ابتسم بخفة.= في حاجة صغيرة كده... مخبيها عليكي.رجعت قعدت تاني، واستربعت.= احكي.= بصي... امبارح لما سألتي أنا من الطبقة المخملية ولا لأ...احمر وشها بإحراج.= كمّل.= الصراحة أنا مبحبش أخبي. وأنا فعلًا اتربيت في حارة، ومش من الناس اللي اتولدوا ومعاهم فلوس... لكن في حاجة مقولتهالكش.بصتله باستغراب.= إيه هي؟ابتسم وهو بيشاور على عربيته.= أنا صاحب شركة AHY.سكتت كام ثانية وهي باصة له
في الحارة... داخل شقة عائلة أحمد.كانت هبة واقفة عند الشباك، تسترق النظر ناحية بيت الخالة صباح، وعيناها لا تفارقان الشارع.اتكلمت وهي ما زالت باصة لبرا:"يعني يا أمي... مقولتيش لخالتي صباح على موضوعي أنا ويحيى؟"تنهدت مديحة وهي بترتب السفرة."يا بت، اسكتي بقى. أروح أقولها إيه؟ أقولها جوزي عايز يجوز يحيى لهبة؟"لفت هبة ناحيتها بضيق."أومال هستنى لحد ما واحدة من برة تيجي تاخده مني؟"وقفت مديحة، وبصتلها بحنان ممزوج بالعجز."أنا مستنية فرصة أكلم صباح، بس عارفة هي هتقول إيه."نزلت هبة بعينيها للأرض وهمست:"وأنا أعمل إيه... وأنا بحبه؟"سكتت مديحة، لأنها ببساطة... ما كانش عندها رد.ساد الصمت للحظات، ولم يكن يُسمع سوى أصوات الأطفال في الشارع.---في الجراج...جلست أسيل داخل عربيتها، ولسه ابتسامتها موجودة وهي بتبص للرقم اللي سجلته.فجأة رن تليفونها.مامي.أخذت نفسًا وردت."نعم يا مامي."جاءها صوت أمل غاضبًا:"إنتِ إزاي تقفلي السكة في وشي يا أستاذة؟"ابتلعت ريقها."يا مامي... أصل حصل حادثة بسيطة.""بلا حادثة بلا كلام فاضي. ارجعي البيت حالًا. سامعة؟"قالتها بنبرة ما تحتملش نقاش."حاضر."قفلت الم







