Share

عرين السلطان

last update Tanggal publikasi: 2026-06-04 08:49:17

لم تكن طلقة المسدس الميري التي وضعها المقدم سليم الراوي على جبهة الأميرال سيرجيو السيوفي مجرد تهديد عسكري عابر؛ بل كانت إعلاناً صريحاً عن قيامة جيل جديد من الجبروت الذي لا يرحم، جيل يجمع بين هيبة القانون ودهاء الاستخبارات وبين حُميّا الدم الصعيدي الحار الذي يغلي في عروق التوائم.

تسمّرت الأقدام فوق رخام الباحة المحطمة، وانبثق من كشافات الليزر العسكرية ضوء أزرق باهت عكس ملامح الأخوين المشتركين في تفاصيل الوجه والجسد، لتبدو الساحة وكأنها مرآة انفلقت نصفين؛ نصف يحمل قاسم بعريه الجريح وبندقيته الآلية الشرسة وريحة جبل النجع، ونصف يحمل سليم ببدلته المدنية الفاخرة وسلاحه الحكومي البارد وهيبة قاهرة المعز.

### 🛑 سحق الإمبراطورية الدولية وفصل الخطاب

شحب وجه الأميرال سيرجيو، وتلاشت زرقة عينيه الباردة تحت وطأة الرعب الكامن في وثيقة الإعدام الميداني المشفرة. التفت حوله بذعر يبحث عن إشارة من ضباط الكوماندوز الأجانب، لكنه لم يلمح سوى فوهات بنادق حرس الحدود وقوات الصاعقة المصرية التي بدأت تترجل من خلف السواتر والمدرعات، محيطة بقرية النجع إحاطة السوار بالمعصم، لتجعل من جنود الأمم المتحدة مجرد أسرى محاصرين في شبر من التراب.

تكلّم سليم بصوت رخيم هادئ، لكنه كان يحمل حشرجة الموت الصامت وهو يضغط بماسورة المسدس على عظم جبهة سيرجيو:

ـ "أساطيلك في البحر الأحمر بقت تحت الحجر التحفظي للحال يا سيوفي، والخطوط الدولية اللي كنت بتلعب بيها اتقطعت بـ سكين الدولة. أنا ما رجعتش من الموت عشان أسيب جرو من عيلة السيوفي يعبث بـ عرض أخوي أو يهدد طوبة واحدة في نجع الراوي واصل!"

في تلك اللحظة، لم يستطع قاسم كتمان بركان الغضب والتملك الشرس الذي نهش ضلوعه؛ خطا خطوات رعدية ثقيلة، وجذب سيرجيو من ياقة حلته البيضاء الفاخرة بيده الحديدية ليرفعه عن الأرض بـ بنية عضلية طاغية لا تعترف بجراح أو نزيف، وزأر في وجهه بعيون صقرية حمراء كالجمر:

ـ "الدم اللي دسيته في الميه، والموت اللي جيبته لـ ناسي في نص الليل، تمنه ع يكون روحك اهنه وسط الساحة.. قانونك الدولي تدوسه رجلي واصل، والنهاردة ع أدير رقبتك بيدي عشان تكون عبرة لكل كونت وأميرال يظن إن عرين السلطان ملوش صاحب!"

صاح سيرجيو بنبرة متقطعة يملأها القهر والذل وهو يتأرجح بين قبضة قاسم وفوهة مسدس سليم:

ـ "لو قتلتوني.. الأوامر العسكرية الدولية ع تتنفذ تلقائي.. الملفات السرية لـ صفقات السلاح الكيميائي ع تطلع لـ العلن.."

لم يترك سليم له فرصة لإتمام وعيده الشيطاني؛ وبحركة خاطفة باردة، تحركت يده المدربة على التصفية السريعة. التقط المسدس الكاتم للصوت من حزام سيرجيو نفسه، وبـ ضربة واحدة قوية بـ مقبض السلاح حطم فكه، ثم وجه رصاصتين متتاليتين بدم بارد نحو قلب الأميرال مباشرة. دوى صوت مكتوم شق سكون الرماد، وسقط سيرجيو السيوفي جثة هامدة تتمرغ في بركة من دمائه العفنة وسط ساحة السرايا، لتطوى صفحة الوجود العسكري الأجنبي وتتبدد أحلام منظمة روما تحت أقدام هوارة الجبل.

التفت الجنود الأجانب مستسلمين بعد مقتل قائدهم، وصدرت الأوامر العسكرية الرسمية من المقدم سليم لتطويق النجع وتأمينه بالكامل، بينما تحركت عيون التوأمين لـ تلتقي في نظرة طويلة، عاصفة، تجمعت فيها دموع ثلاثين سنة من الفراق والمذابح، وضغائن الماضي المكتوب بالجمر.

### 👥 مواجهة العشق والدم ودموع العودة

اندفعت "ليلى" من وراء الأعمدة الخشبية، وكانت العباءة الكشميرية الفاخرة تتطاير خلفها كراية نصر سوداء، وشعرها الغسق ينحل في الهواء بـ جاذبية آسرة خطفت أنفاس كل من في الباحة. لم تنظر إلى جثة سيرجيو، بل تطلعت بـ عينيها الواسعتين الذكيتين نحو قاسم وسليم بـ ذهول مطلق هز كيانها الأنثوي الصامد.

انضم إليها الحاجة نبيلة التي كانت تتكأ على فرحة ونورهان، اللواتي أفاقتا تماماً من أثر السم بفضل الترياق الجبلي. صرخت الحاجة نبيلة بصوت مخنوق بالدموع، وسقطت على ركبتيها وهي تنظر إلى ملامح سليم:

ـ "ولدي!.. ولدي اللي قالوا إن جلال السيوفي دفنه في المغارة وهو لحم دم!.. ريحة أبوي منصور فيك يا ولدي.. يا جبل الصبر يا رب!"

تقدم سليم بـ خطوات ثقيلة، وتخلى عن جموده العسكري؛ جثا على ركبتيه أمام أمه، وقبّل يدها ورأسها بـ لوعة وحنان جارف غسل قسوة سنوات التدريب والاستخبارات، وهمس بصوت متهدج:

ـ "أنا عشت عمري كله باسم مستعار يا أمي، والدولة ربتني في وسط قاذفات اللهب عشان اليوم ده.. اليوم اللي أرجع فيه لـ ناسي وأطهر نجع الراوي من كل خاين وعميل."

في تلك الأثناء، كان قاسم يقف كالمارد الصامت، وعيناه تشتعلان بـ غيرة تملك جارفة وشرسة لم تهدأ بـ مقتل سيرجيو؛ فـ غريزته الصقرية لا تحتمل شريكاً حتى في الهيبة والملامح. التفت نحو ليلى، وبـ حركة مجنونة وقوية، جذبها من معصمها لـ يلتصق جسدها النحيل بـ صدره العاري الساخن، دافناً أصابعه في خصلات شعرها الأسود الطويل، وطبع قبلة حارة، عنيفة، وعميقة على شفتيها أمام شقيقه الحاضر ورجال النجع بـ أكمله، قبلة كانت بمثابة صك تملك أبدي يُعلم الجميع أن الوردة مِلك للسلطان وحده ولا سلطة فوقها لـ قانون أو لأخ.

همس قاسم في عنقها بأنفاس حارقة لافحة:

ـ "شوفتي يا ليلى؟!.. الجبل انشق وطلع منه أخوي، لكن الوردة دي مش ع تخرج بره حدود ضلوعي واصل.. مفيش قوة في الدنيا ع تشاركني في نظرة واحدة من عيونكِ، والملك الليلة انكتب بـ الدم والنار لـ قاسم الراوي وسلطانته!"

ابتسمت ليلى بـ رقة وعناد صعيدي يتحدى جبروته، ووضعت كفيها الصغيرين فوق نبض قلبه المتسارع، وهمست بعشق لاهب:

ـ "أنا سجينة عرينك يا سلطان قلبي، وظهور سليم مش ع يزيدنا إلا قوة عشان نحرق بقايا الخديعة.. دارك داري، وحضنك هو الحصن اللي ملوش نهاية واصل."

### 📦 المؤامرة الإقليمية الجديدة وظلال المعهد السري

مع بزوغ خيوط الفجر الأولى الصافية، وتطهير الباحة من جثة الأميرال ورجاله، انتقلت عائلة الراوي إلى داخل السرايا الكبيرة لـ إعادة ترتيب الأوراق. جلس قاسم على مقعده الخشبي الضخم، وبجانبه ليلى كالملكة المتوجة بـ ثوبها الأبيض المطرز، بينما كان المقدم سليم يفرش خرائط ومستندات رقمية جديدة فوق الطاولة النحاسية العتيقة، لتبدأ رائحة البخور الجاوي والمسك في الاختلاط بـ برودة المؤامرات الاستخباراتية التي لا تنتهي.

تكلّم سليم بنبرة جادة وهو يشير إلى رمز "شمس غامضة" مختوم باللون الأحمر على الأوراق:

ـ "موت سيرجيو وعوض السواح مش نهاية المطاف يا قاسم. المنظمة الدولية في روما مكنتش بتتحرك بـ دافع انتقام شخصي لـ جلال أو شاهين وبس.. الأوراق اللي صادرناها من غواصات البحر الأحمر بـ تكشف عن وجود 'معهد بيولوجي سري مشترك' مدفون في مغارات الجبل الغربي لـ نجع الراوي.. معهد تم بناؤه بـ تمويل إيطالي وخيانة داخلية من سنين طويلة، وهو المسؤول عن استخراج أعشاب الجبل القاتلة وتحويلها لـ غاز شلل الأعصاب العابر للقارات."

تصلبت ملامح قاسم الحادة، وارتجفت يد نورهان وهي تستمع للحديث، بينما تابعت ليلى بـ دهاء وعقل متيقظ:

ـ "المعهد ده معناه إن في حد جوة النجع كان بيسهل دخول الخبراء الأجانب من غير ما رجال الجبل يحسوا واصل.. عوض السواح كان مجرد دراع، والراس الكبيرة لسه بتتنفس بيننا!"

أومأ سليم برأسه مكملاً:

ـ "بالظبط يا ليلى.. والملفات بـ تشير لـ شخصية غامضة بـ ترمز لنفسها باسم 'الذئب العرجاء'، وهو شخص مسيطر على مناجم الذهب القديمة وخطوط التهريب الجبلية، وبـ يستعد لـ تفعيل شفرة تفجير ذاتي لـ المعهد عشان يمحو الأدلة البيولوجية، والتفجير ده لو حصل، ع ينشر الغاز الكيميائي في هوا الصعيد كله، وع يموت آلاف الأبرياء في ثوانٍ معدودة!"

امتزجت الأجواء بـ توتر مرعب يحبس الأنفاس، فالخطر البيولوجي لم ينتهِ، بل تحول إلى قنبلة موقوتة مدفونة في أحشاء الجبل الذي يحميهم. وقف قاسم بـ طوله الفارع، وعمّر سلاحه بـ صوت حديدي زلزل أركان الغرفة، ونظر لـ شقيقه بـ كبرياء طاغٍ:

ـ "الجبل جبلنا، ومفيش ذئب ع يعيش في عتبات دارنا واصل. الليلة ع نتحرك أنا ورجالي مع قواتك الخاصة لـ اقتحام المغارات وتطهير المنجم، والراس الكبيرة ع تنقطع تحت مداس الهوارة!"

### 🌹 طقوس العشق الشرس في الخيمة الملكية

قبل التحرك نحو الجبل الغربي، فرض قاسم حظر تجوال شامل حول السرايا، وأمر بنقل التوائم الثلاثة والحاجة نبيلة إلى الجناح الداخلي المحصن تحت حراسة مائة رجل من أشجع مقاتلي الجبل. لكن غيرة التملك الشرسة والجنون الأعمى لـ وردته ليلى جعلته يختلي بها في خيمته الملكية الخاصة لـ ثوانٍ معدودة قبل ليلة المعركة الحاسمة.

كانت الأجواء داخل الخيمة غارقة في دفءٍ رومانسي مخملي؛ سحب البخور الجاوي تتصاعد من المبخرة، وعطر "السلطان" النفاذ يملأ الأركان أماناً وحرارة. جلست ليلى على الفراش العريض، وتخلت عن جبروتها القتالي لـ يحل محله ضعف أنثوي ساحر أمام رجلها.

تقدم قاسم نحوها بـ خطوات بطيئة، وعيناه الصقريتان تلتهمان صفاء بشرتها وعناد عينيها الواسعتين. حاصر جسدها النحيل بين يديه الضخمتين، وضغط على كتفيها بـ رفق حاسم اعتصر أضلعها الصغيرين، ثم دفن وجهه الحاد في عنقها، يستنشق ريحة عطرها المخملي الممتزج بـ أنفاسها الدافئة، وهمس بصوته الرخيم العميق الذي لفح وجنتيها:

ـ "الليلة ع أطلع الجبل يا ليلى، وعقلي ع يفضل اهنه مربوط في خصلات شعركِ.. غيرة السلطان جوايا ع تقول إن الوردة دي لو لمحها خيال راجل تاني وهو بـ يطهر النجع، ع أحرق الدنيا بحالها بـ ناري.. إنتي مِلكي بعهد الدم والعشق والحق، ومفيش مخرج ليكي بره حدود ضلوعي ليوم الدين واصل!"

نظرت ليلى في عينيه بـ عشق جارف وهامت بـ ملامحه الحادة الجريحة؛ رفعت كفيها لتلمس لحيتها السوداء الكثيفة، وقربت شفتيها من شفتيه وهمست بـ حنان لاهب:

ـ "أنا ماليش حياة ولا نَفَس بره عرينك يا قاسم.. روحي ع تطلع معاك لـ قمم الجبل وع تحميك من غدر الذئب والمنظمة بحالها. ارجع لي منتصر يا سلطان قلبي، لإن ليلى من غير أحضانك ع تكون مجرد جثة من غير روح واصل."

أنزل قاسم شفتيه لـ يطبع قبلة حارة، طويلة، عميقة وعنيفة تخطت حدود الكون، قبلة غسلت أوجاع المذابح ومؤامرات السم الكيميائي، ونقلتهما لـ عالم من المتعة والحرارة الطاغية التي أنستهم وعيد الأفاعي الكامنة في الخفاء بالخارج، ليتعمد عشقهما بـ صك الأبدية وسط البارود والدم.

### 🌋 انصهار الجحيم والمفاجأة الخاطفة للأنفاس

مع انتصاف الليل الموحش والقارس، تحركت القوة المشتركة؛ قاسم الراوي بـ رجاله الأشداء الأشعثين، والمقدم سليم بـ مدرعات الصاعقة وقوات النخبة الاستخباراتية، متسللين عبر الممرات الصخرية الوعرة نحو الجبل الغربي، حيث تقع مناجم الذهب القديمة المهجورة.

كانت الريح الشتوية الباردة تعصف بـ الوجوه، ورائحة الكبريت والتراب تملأ الأنفاس بـ ترقب مرعب. بدأت القوات في اقتحام البوابات الحديدية الصدئة لـ المنجم السرّي، ودارت معركة صامتة وعنيفة بـ الأسلحة الكاتمة للصوت ضد حراس "الذئب العرجاء" المحترفين، وتناثرت الجثث فوق الصخور الصماء في مواجهة شرسة لـ تطهير المكان.

اندفع قاسم وسليم جنباً إلى جنب داخل الممر الرئيسي للمعهد البيولوجي، وكانت جدرانه مبطنة بـ الشاشات الرقمية والأنابيب الزجاجية الضخمة التي تحتوي على غاز الأعصاب الكيميائي الأخضر الفسفوري. فجأة، دوت صافرات إنذار حمراء صاخبة ومروعة زلزلت أركان المغارة بـ شكل صاعق، وتوقفت معها دقات القلوب بـ رعب وجنون!

وعلى الشاشة المركزية الكبرى وسط المختبر، ظهر عد تنازلي رقمي سريع لم يتبقَ فيه سوى **عشر ثوانٍ فقط** لتفعيل التفجير الذاتي الشامل ومحو المعهد ونشر الغاز في الصعيد بحاله!

وفي ذات الثواني الدقيقة والقاتلة، التفت قاسم بـ غريزته الصقرية نحو غرفة التحكم الزجاجية المغلقة بـ شفرة فولاذية، ولمح بـ داخلها شخصاً يرتدي عباءة صعيدية سوداء ويستند على عصا أبنوسية عتيقة، وبـ يده جهاز التحكم الرئيسي للتفجير. وعندما سقط ضوء الطوارئ الأحمر على وجه هذا الشخص بـ لمح البصر، اتسعت أعين قاسم وسليم بـ ذهول مطلق وصدمة صاعقة جمدت الدماء في العروق وتوقفت معها الأنفاس تماماً!

هذا الرجل الذي يدير منظمة روما، ويمتلك شفرة الدمار البيولوجي، ويتحكم في رقاب الصعيد باسم "الذئب العرجاء".. لم يكن غريباً واصل؛ بل كان الشقيق الأكبر لـ ليلى وفرحة ونورهان، الرجل الذي ظن الجميع أنه سافر لـ العلاج في الخارج ومات من سنوات طويلة.. إنه **"بدران الشناوي"**! شقيق سلطانة قلبه الذي

عاد لـ يحرق عرين السلطان بـ دمار شامل بدم بارد!

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • وردة في عرين السلطان   محكمة الصوان

    تجمعت خيوطُ الشمس الأولى فوق أسطح سرايا آل الراوي، لكنها لم تكن شمساً تملأ النفوس بالدفء، بل كان نوراً كاشفاً حاداً يشق غبار المؤامرة الذي خيّم على النجع طوال غياب سيده. في "الديوان الكبير"، حيث امتزجت رائحة القهوة المرة المغلية على الجمر بعبق التبغ الصعيدي الأصيل وبخور الجاوي، كان مجلس النجع قد اكتملت أركانه. جلس كبار العائلات وعمد القرى المجاورة على المقاعد الخشبية العتيقة المحفورة بختم الأجداد، وجوههم محفورة بتضاريس الشرف والصبر، وعيونهم تترقب ما ستؤول إليه هذه الليلة الطويلة.في صدر القاعة، وقف "قاسم الراوي" شامخاً كالجبل الشرقي، جسده الطاغي يفرض هيبته على كل من في المكان دون حاجة للحركة. كان يرتدي جلبابه الصعيدي الأسود الفاخر، وعباءته المقصبة بخيوط الذهب تنسدل على كتفيه العريضين كراية ملكية. عيناه الصقريتان لم تعودا كالسابق؛ بل كانتا تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، النبض السري الذي انطبع في حدقتيه بعد تحطيمه لصولجان الأبعاد، وكأنه كشاف كوني يقرأ خبايا النفوس ويجرد الخونة من أقنعتهم. بجانبه، كانت تقف "ليلى"، سلطانة قلبه وعرينه، بعباءتها السوداء الملوكية، كفها متشابكة بأصابع

  • وردة في عرين السلطان   فتح الثغرة

    في أعمق زوايا القبو القديم، حيث تتكاثف العتمة وتتلاشى أنفاس الأحياء ليحل محلها عبق الموت والزمن، وقف قاسم الراوي كأنه ماردٌ نُحت من صخور الجبل الشرقي. الغبار الكثيف المعلق في الهواء كان يتراقص في حزم الضوء الخافتة، ورائحة الرطوبة والعفن المنبعثة من الطوب اللبن الأسود كانت تزكم الأنوف، لكنها بالنسبة لقاسم كانت رائحة الأرض، رائحة الأجداد الذين شيدوا هذا العرين ليصمد في وجه العواصف. تقدم قاسم بخطوات بطيئة وئيدة نحو الجدار القبلي، حيث كان يستقر تمثال الأجداد؛ ذلك التمثال الحجري الضخم الضارب في القدم، والمصنوع من البازلت الأسود الصلد، والذي يمثل الفارس الأول لعائلة الراوي وهو يقبض على لجام جواده بعزة وكبرياء صعيدي لا يلين. كانت عينا قاسم تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، تلك الهالة السرية التي ورثها من البعد الآخر، وكأنها كشّافٌ كوني يكشف ما خفي عن عيون البشر. وقفت ليلى قريبة منه، تكاد تلتصق بظهره العريض، عباءتها السوداء المطرزة بخيوط القصب تتناغم مع حركاتها الرشيقة، وعيناها الواسعتان تفيضان بمزيج من الشغف الروماني والترقب المشوب بالحذر. خلفهما، عند بداية الدرج الحجري

  • وردة في عرين السلطان   الصندوق الأسود

    التفت قاسم نحو سليم، وجاء صوته عميقاً جهورياً، يحمل بحة الوعيد الصعيدي والصلابة التي لا تلين، وقال وعيناه مصوبتان نحو الشق الضوئي:ـ "يا سليم.. يا ولد عمي. البوابة دي ما عاد لهاش عازة في دنيانا واصل. دي ثغرة في جدار الجبل، ولو فضلت مفتوحة كديه، الكلاب اللي بـ ينهشوا في ضهرنا.. المنظمة، وجماعة جوليا والمحامي، ع يلاقوا طريق يوصلوا بيه لـ أسرار الأجداد. السحر والوهم اللي جوه ع يخليهم يتحكموا في رقاب الخلائق، وقاسم الراوي مش ع يسمح إن أرض الصعيد تكون ممر لـ غدرهم. البوابة دي لازم تتهد، وتتدفن تحت صخر الصوان لـ حد قيام الساعة."خطا سليم خطوة نحو الأمام، ممسكاً بسلاحه الآلي، وعلامات التقدير والدهاء العسكري ترتسم على وجهه الحاد، ورد بصوت منخفض قوي:ـ "معاك حق يا سلطان. إحنا ع نخوض حرب مع خونة الداخل، مع جابر والمحامي اللي بـ يبيعوا الأرض بـ المتر، والمنظمة واقفه على الأعتاب مستنية إشارة. لو حد فيهم عرف بطريق البوابة دي، مش ع يقدر عليهم واصل لا جيش ولا حكومة. بس كيف ع تهد حجر مسحور بـ القوة دي يا خوي؟ السلاح اللي معايا ده أقصاه يطير رقاب، لكنه ما ع يهدش بوابات أبعاد."ا

  • وردة في عرين السلطان   اللقاء العظيم

    كان الممر الصخري المؤدي إلى خارج الجبل يزداد اتساعاً كلما تقدموا، والرياح الباردة القادمة من أفق النجع بدأت تداعب الوجوه، حاملةً معها رائحة تراب الصعيد الرطب ونبت الحلفاء. مشى قاسم في المقدمة، واضعاً يده الضخمة في يد ليلى، مشبكاً أصابعه بأصابعها بقوةٍ كادت توجع عظامها، لكنها كانت الوجع المحبب الذي يطرد كوابيس الفراق. وخلفهما كان سليم يسير بخطى عسكرية متزنة، عيناه تجولان في الظلام يميناً ويساراً، وسلاحه الآلي في وضع الاستعداد، فرغم عودة السلطان، إلا أن غريزة المخابرات فيه كانت تذكره بأن "خونة الداخل" وجماعة جابر والمحامي لا يزالون يتربصون بالسرايا.في وسط هذا المسير الصامت، بدأت ليلى تلاحظ أموراً غريبة وغير مألوفة تسري في جسد زوجها. لم تكن الملاحظة بالعين المجردة فحسب، بل بحسها التخاطري الجديد الذي بات يقرأ الذبذبات الخفية في الهواء. عندما كانت تنظر إلى جانبه الأيمن، رأت عينيه الصقريتين لم تعودا كالسابق؛ كانتا تلمعان بين الحين والآخر بضوءٍ ذهبيٍ خافت، نبضاتٌ من النور السري تشع من بؤبؤ العين كلما ركز نظره على زاوية معتمة في الكهف، وكأن البُعد الآخر قد ترك وسمه الأبدي في بصيرته.

  • وردة في عرين السلطان   سحر من حجر الجبل

    انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال

  • وردة في عرين السلطان   اختبار الروح

    كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status