Masukالتفت قاسم نحو سليم، وجاء صوته عميقاً جهورياً، يحمل بحة الوعيد الصعيدي والصلابة التي لا تلين، وقال وعيناه مصوبتان نحو الشق الضوئي:
ـ "يا سليم.. يا ولد عمي. البوابة دي ما عاد لهاش عازة في دنيانا واصل. دي ثغرة في جدار الجبل، ولو فضلت مفتوحة كديه، الكلاب اللي بـ ينهشوا في ضهرنا.. المنظمة، وجماعة جوليا والمحامي، ع يلاقوا طريق يوصلوا بيه لـ أسرار الأجداد. السحر والوهم اللي جوه ع يخليهم يتحكموا في رقاب الخلائق، وقاسم الراوي مش ع يسمح إن أرض الصعيد تكون ممر لـ غدرهم. البوابة دي لازم تتهد، وتتدفن تحت صخر الصوان لـ حد قيام الساعة." خطا سليم خطوة نحو الأمام، ممسكاً بسلاحه الآلي، وعلامات التقدير والدهاء العسكري ترتسم على وجهه الحاد، ورد بصوت منخفض قوي: ـ "معاك حق يا سلطان. إحنا ع نخوض حرب مع خونة الداخل، مع جابر والمحامي اللي بـ يبيعوا الأرض بـ المتر، والمنظمة واقفه على الأعتاب مستنية إشارة. لو حد فيهم عرف بطريق البوابة دي، مش ع يقدر عليهم واصل لا جيش ولا حكومة. بس كيف ع تهد حجر مسحور بـ القوة دي يا خوي؟ السلاح اللي معايا ده أقصاه يطير رقاب، لكنه ما ع يهدش بوابات أبعاد." ابتسم قاسم ابتسامة باردة مليئة بالتحدي والجبروت، ونظر إلى ليلى التي كانت تراقبه بشغفٍ عاطفي طاغٍ. الرومانسية بينهما في هذه اللحظة لم تكن كلمات غزل، بل كانت اتحاد روحين في مواجهة نهاية العالم. ليلى، بحسها التخاطري الجديد وبصيرتها التي غسلتها مواجهة وادي المرايا، شعرت بالنبض الذي يغلي في عروق قاسم، وأدركت أنه لا يحتاج لبارود ولا لمعاول؛ فالقوة التي استمدها من تحطيم الصولجان جعلت من جسده نفسه سلاحاً قاطعاً. امتدت يد ليلى لتلامس ذراعه الصلبة، وقالت بنبرة تفيض بالحب الناضج واليقين الشامخ: ـ "إحنا وياك يا قاسم.. قلبي ع يقولي إن الجبل مستني كلمتك إنت لـ وحدك. القوة اللي صبوها الأجداد في عصبك مكنتش لـ الزينة، كانت لـ أجل اليوم ده. اهددها يا سلطان، ارجم الشياطين دي واقفل الباب في وش كل خاين بـ يفكر يستقوى بـ الغريب على أهله. أنا وسليم ضهرك، والعهد اللي بـ يربطني بيك ع يكون السند اللي ما ينكسرش." نظر إليها قاسم، وتلاقت عيناهما في لقطة خاطفة للأنفاس، مسح على خصلات شعرها الأسود الغجري التي تتطاير مع الهواء الساخن المنبعث من الثغرة، ثم تراجع خطوتين وتأهب بكامل قامته الطاغية. رفع كفيه العريضتين في الهواء، وبدأ يركز طاقته الداخلية، وفي تلك اللحظة، حدث ما جعل سليم يتراجع بذهول؛ بدأ الضوء الذهبي الخافت ينبثق ليس فقط من عيني قاسم، بل من مسامات جلده بالكامل، هالة دافئة ومرعبة أحاطت بجسده كأنه مارد ولد من صخور الجبل الشرقي. صرخ قاسم صرخة صعيدية دوت في أرجاء المغارة كقصف الرعد، صرخة حملت كل غضبه من الخيانة وكل عشقه لـ وردته وأرضه: ـ "بـ اسم العهد القديم.. وبـ اسم شرف الراوي ودم منصور وأجدادي.. اقفلي يا بوابة الزيف! م عاد ليكي مكان وسط الرجال!" هوى بقبضتيه الفولاذيتين معاً على الأرض الصخرية عند عتبة البوابة. في اللحظة التي تلامست فيها كفاه بالصخر، انطلقت موجة صدمة ذهبية مرئية، ضربت الشق الضوئي مباشرة. انشق صمت المكان عن دويّ انفجار هائل، تصدعت على أثره جدران الكهف بالكامل، وبدأت صخور الصوان الضخمة تتساقط من السقف كالمطر الأسود. تحول الضوء الأزرق للبوابة إلى شظايا متناثرة تبخرت في الهواء محدثة فحيحاً مرعباً كأنها أرواح شريرة تطرد من موطنها. اندفع سليم بسرعة وسحب ليلى خلف حافة صخرية ضخمة ليحميها من الردم المتساقط، بينما ظل قاسم واقفاً في مكانه وسط الغبار والانهيار، ثابتاً لا تزحزحه العاصفة، وكأن جسده صار امتداداً لصلابة الجبل نفسه. استمر الانهيار لثوانٍ بدت كأنها دهر، حتى سقطت صخرة عملاقة تزن أطناناً لـ تسد الشق بالكامل، وتدفن "بوابة البعد" تحت ركام لا يمكن لـ بشر أو آلة أن تنبشه مجدداً. خمدت العاصفة وتلاشى الغبار تدريجياً، ليعود الصمت الطبيعي للمغارة، صمت حقيقي هذه المرة، خالٍ من الذبذبات المريبة والسحر الزائف. تنفس سليم الصعداء، ونظر إلى مكان البوابة فلم يجد سوى جدار صخري مصمت ومغلق للأبد. التفت نحو قاسم الذي كان يقف والضوء يتراجع من جسده تدريجياً، ليعود سلطاناً من لحم ودم، لكن بـ هيبة وجبروت تضاعفا آلاف المرات. تقدمت ليلى نحو زوجها بخطوات لاهفة، وارتمت في أحضانه مجدداً، متشبثة بصدره العريض وهي تستنشق رائحته التي امتزجت بـ غبار الصوان المحترق. طوقها قاسم بذراعه، ونظر إلى سليم بـ نظرة دهاء صعيدي ممتزجة بـ الوعيد، وقال بصوت حاسم: ـ "خلاص يا خوي.. الباب اتقفل والسر اتدفن، ومحدش ع يقدر يوصل لـ هنا واصل. دلوك عاد مفيش غير معركتنا في السرايا. جابر والمحامي وفوزية ع يفتكروا إنهم ملكوا الزمام، والمنظمة بـ تجهز لـ الهجوم بره. إحنا ع نخرج من النفق السري ونظهر ليهم كـ الأشباح في عز النهار. بكرة الصبح ع يكون يوم الحساب لـ كل خاين، والدم ع يغسل أرض السرايا ولـ وحيدها." أومأ سليم برأسه بـ عزة نفس وولاء مطلق، وجهز سلاحه الآلي قائلاً بلهجة حاسمة: ـ "وراك يا سلطان.. النجع مستني رجوع صاحبه، والخونة ع يشوفوا ليلة ما شافوهاش في عمرهم كله." انطلق الثلاثة بخطى سريعة وواثقة نحو مخرج المغارة، وقاسم يقبض على يد ليلى بـ قوة وعشق لا تزلزله الأقدار، متبوعين بـ سليم الذي وضع روحه وخبرته العسكرية في خدمة هذه الملحمة... تسلل الليلُ الأسود الثقيل لـ يضربَ سياجهُ المحكم على أطراف نجع الراوي، وكان النجعُ يغرق في صمتٍ مريب وكأنه يتوجس خيفةً من العاصفة القادمة. انحجبت النجوم وراء سحبٍ ركامية كثيفة، وكأن السماء تواطأت مع العائدين لـ تمنحهم رداءً من الظلام الدامس يستر تحركاتهم. تحت هذا السكون الخانق، كانت العباءات السوداء لثلاثة أشباحٍ تخفق بـ خفة فوق رمال الدروب الوعرة، يتقدمهم "قاسم الراوي" بـ قامته الطاغية التي تشق العتمة، ممسكاً بـ يد "ليلى" بـ قوة وعشق يسري في عروقها دافعاً لكل خوف، وخلفهما يسير "سليم" بـ حذر الضابط وعين الصقر، لا يصدر حذاؤه العسكري أي صوت فوق الحصى. كانت خطتهم تمشي بـ دهاء استخباراتي محكم؛ فالنجع كله، بـ الخونة الذين ينخرون في عظام السرايا كـ جابر والمحامي، وبـ رجال المنظمة الذين يستترون عند سفح الجبل، يظنون أن ليلى تائهة ومحاصرة في الأعالي، وأن قاسم قد ابتلعه العدم. لم يكن أحدٌ يدرك أن الأسياد قد عادوا لـ يدخلوا السرايا الكبيرة من أحشائها، من ذلك "النفق السري" الذي لا يعرف سره مخلوق سوى ورثة العهد. وصلوا إلى الفتحة المخفية بين شجيرات الحلفاء الميتة عند جدار السرايا الخلفي. انحنى قاسم بـ مرونة، ورفع بـ كفه القوية بلاطة صخرية ضخمة كانت تبدو كـ جزء من أساسات السور، لينفتح أمامهم ممرٌ هابط يفوح منه عبق التراب الرطب، ورائحة الرطوبة والعتق التي تميز أقبية الراوي القديمة. ولجوا الممر واحداً تلو الآخر، وأعاد سليم غلق الفتحة بـ مهارة لـ يعود كل شيء كما كان. أهبطت بهم الدرجات الحجرية اللولبية إلى عمق "القبو القديم"، ذلك المكان الذي شهد قبل أسابيع العثور على "التمثال الفرعوني المحفور بـ ختم الأجداد"، والذي كان سبباً في إشعال نار المؤامرة. كان القبو واسعاً، جدرانه من الطوب اللبن الأسود السميك، وتتدلى من سقفه خيوط العنكبوت كـ ستائر من النسيج الميت. الغبار هنا كان كثيفاً، يغطي الأرضية بـ طبقة ناعمة تحفظ آثار الأقدام، لكن قاسم وليد هذا المكان، كان يتحرك بـ بصيرته وبـ ذلك "الضوء الذهبي الخافت" الذي بدأ يلمع في حدقتيه مجدداً، منيراً عتمة القبو بـ نبضات سريعة خفية لا يلمحها سوى من يملك حس التخاطر الروحي. توقفت ليلى في وسط القبو، وعيناها الواسعتان تجولان بين الصناديق الخشبية القديمة والجرار الفخارية المكسورة. شعرت بـ نبضات المكان تتداخل مع طاقتها الجديدة، فـ مواجهتها لـ وادي المرايا جعلت روحها مرآة تقرأ الأسرار. اقتربت من قاسم، والتصق جسدها بـ صدره العريض في لحظة رومانسية حميمة مشبعة بـ الترقب والخوف على الدار، ورفعت عينيها إليه، هامسة بـ صوت صعيدي منخفض يقطر عشقاً وعناداً: ـ "قاسم.. النبض اهنه بـ يغلي عاد. القبو ده مش مجرد مخزن لـ طوب قديم، ده مخزن لـ غدر المحامي وجابر. أنا حاسة بـ أنفاسهم الخبيثة كانت حائمة اهنه من واصل قريب. هما دوروا على التمثال وخدوه، بس غفلوا عن الأهم.. غفلوا عن الصندوق الأسود اللي جدي منصور قالي عليه قبل ما يموت، الصندوق اللي فيه حقيقة العقود القديمة اللي بـ تدور عليها جوليا والمنظمة." طوق قاسم خصرها النحيل بـ ذراعه الفولاذية، ودفن نظراته الصقرية في عينيها، ممرراً أصابعه الخشنة على خصلات شعرها الأسود الغجري لـ يبث في قلبها الطمأنينة، وتحدث بـ صوته الجهوري العميق الذي يحمل بحة الوعيد والصلابة: ـ "ما تخافيش يا وردة العرين، طول ما قاسم بـ يتنفس، مفيش كلب ع يقدر يمس ذرة تراب من ملكنا. المحامي وجابر فاكرين إنهم بـ ذكائهم ع يملكوا السرايا، وخابر إنهم باعتين فوزية بكرة بـ ورقها القديم عشان تلم العيلة وتعمل شوشرة، والمنظمة واقفه مستنية الإشارة. هما قلبوا القبو ده عشان يلاقوا الصندوق، بس الصندوق ملوش طريق بـ المعاول.. الصندوق بـ يفتح لـ دم الراوي لـ وحده. سليم.. جهز سلاحك واقف ع السلم، الحيطـان اهنه ليها ودان، وإحنا مش ع نخرج من القبو ده واصل إلا والحقيقة في يدنا." أومأ سليم برأسه بـ دهاء عسكري حاسم، وتراجع نحو الدرج الحجري، واضعاً سلاحه الآلي في وضع الاستعداد، وعيناه تراقبان الممر المؤدي للأعلى، وقال بـ نبرة منخفضة قوية تحمل غليان الدم والتار: ـ "وراك يا سلطان.. أنا حارس ضهركم، والخونة اللي فوق ع يفتكروا إن الليل ع يسترهم، بس هما ما يخابروش إن أشباح الراوي رجعت لـ العرين. دوروا بـ سرعة، الفجر ملوش أمان، والكلاب ع تبتدي تتحرك مع أول ضي." تقدم قاسم نحو الجدار القبلي للقبو، حيث كان يستقر تجويف صخري قديم كان يحمل التمثال المسترد. وضع كفه العريضة الدافئة فوق النقوش المحفورة على الحجر، وبدأ الضوء الذهبي ينبثق من مسامات جلده بـ شكل خفيف، متجاوباً مع طاقة الأرض الصعيدية الحرة التي رفضت الخضوع لـ الغرباء. نظر إلى ليلى وأشار إليها بـ عينه: ـ "تعالي يا ليلى.. هاتي يدك. العهد اللي بينا هو اللي ع يفتح القفل." مدت ليلى يدها المرتجفة قليلاً من أثر الحماس، وشبكت أصابعها بـ أصابعه، ووضعا كفيهما معاً على الشق الصخري في عمق التجويف. في اللحظة التي تلامست فيها دماؤهما بـ حجر الجدار، حدث ما خطف الأنفاس؛ أصدر الحجر صريراً حاداً، وتحركت بلاطة مخفية لـ ترتد إلى الداخل، منفتحة عن فجوة سرية سحيقة لم يطالها غبار ولم تدنسها يد خائن من قبل. في جوف الفجوة، كان يستقر "الصندوق الأسود"؛ صندوق صغير مصنوع من خشب الأبنوس الثقيل، مطعم بـ خيوط من الفضة الخالصة التي تشكل ختم عائلة الراوي القديم. لم يكن صندوقاً عادي الوجود، بل كان يفوح منه عبق البارود القديم والتبغ الصعيدي العتيق، كأنه رسالة حية تركتها الأجيال السابقة لـ لحظة الحسم هذه. التقط قاسم الصندوق بـ كفيه بـ وقار ملكي، ووضعه على طاولة خشبية مكسورة في وسط القبو. كانت ليلى تراقبه بـ أنفاس متلاحقة، وعقلها التخاطري يقرأ الطاقة المنبعثة من الخشب؛ كانت طاقة مليئة بـ المؤامرات القديمة، بـ العقود والعهود التي حيكت في إيطاليا ومصر منذ عقود، والتي حاول السيوفي ومن بعدهم المنظمة الدولية محوها لـ يستولوا على نجع الراوي بـ أكمله ويحولوه إلى ممر لـ تجاراتهم المشبوهة. ـ "هو ده يا قاسم.." همست ليلى، وعيناها تلمعان بـ دموع الانتصار والرومانسية الناضجة التي ولدت من رحم الصراع. "ده اللي ع يقطع رقبة المحامي وجابر، وده اللي ع يخلي فوزية تبلع ورقها القديم وتمشي بـ ذل من النجع. الصندوق ده فيه حقي وحقك وحق كل غلبان في الأرض دي." فتح قاسم قفل الصندوق بـ نصل خنجره الصعيدي المسترد، لـ ينفتح الخشب عن حزمة من الأوراق الصفراء العتيقة المختومة بـ شمع أحمر يحمل الختم الملكي القديم، وبـ جانبها مذكرات جده منصور التي تكشف بـ الأسماء والتواريخ كل من خان، وكل من قبض ثمن ولائه لـ المنظمة من رجال النجع الداخلين في المؤامرة. التمع الضوء الذهبي في عيني قاسم بـ قوة مرعبة، وتحولت ملامحه الحادة إلى جدار من الصوان لا يعرف الرحمة واصل. نظر إلى الأوراق، ثم التفت لـ ليلى وسليم، وقال بـ صوت يملؤه الهدوء المخيف الذي يسبق العواصف المدمرة: ـ "اللعبة خلصت عاد يا ولد عمي.. ويا سلطانة قلبي. الورق ده فيه صك إعدام جابر والمحامي بـ القانون وبـ شرع الصعيد. بكرة الصبح، لما فوزية تدخل السرايا وتفتكر إنها ملكت الزمام، وجابر يمد يده لـ ورق الملكية الزايف، ع نخرج ليهم من تحت الأرض كـ القضاء المستعجل. الدم ع يغسل السرايا بكرة، والنجع ع يرجع لـ أصحابه بـ شموخ. ياللا بينا نطلع لـ فوق بـ حذر، السرايا مستنية أسيادها، وقاسم الراوي عاد لـ يطهر عرينه ولـ وحيده." أغلق قاسم الصندوق وضمه إلى صدره، ومسك يد ليلى بـ عشق أبدي، وتحركوا نحو الدرج بـ خطى ثابتة، تاركين خلفهم عتمة القبو، ومتجهين نحو ديوان السرايا لـ يكتبوا بـ أيديهم الفصل الأخير من ملحمة التحدي والشرف، ملحمة أثبتت أن عهد الراوي نُقش بـ الدم، ولا يملك بشر في الكون أن يمحو سطوره..التفت قاسم نحو سليم، وجاء صوته عميقاً جهورياً، يحمل بحة الوعيد الصعيدي والصلابة التي لا تلين، وقال وعيناه مصوبتان نحو الشق الضوئي:ـ "يا سليم.. يا ولد عمي. البوابة دي ما عاد لهاش عازة في دنيانا واصل. دي ثغرة في جدار الجبل، ولو فضلت مفتوحة كديه، الكلاب اللي بـ ينهشوا في ضهرنا.. المنظمة، وجماعة جوليا والمحامي، ع يلاقوا طريق يوصلوا بيه لـ أسرار الأجداد. السحر والوهم اللي جوه ع يخليهم يتحكموا في رقاب الخلائق، وقاسم الراوي مش ع يسمح إن أرض الصعيد تكون ممر لـ غدرهم. البوابة دي لازم تتهد، وتتدفن تحت صخر الصوان لـ حد قيام الساعة."خطا سليم خطوة نحو الأمام، ممسكاً بسلاحه الآلي، وعلامات التقدير والدهاء العسكري ترتسم على وجهه الحاد، ورد بصوت منخفض قوي:ـ "معاك حق يا سلطان. إحنا ع نخوض حرب مع خونة الداخل، مع جابر والمحامي اللي بـ يبيعوا الأرض بـ المتر، والمنظمة واقفه على الأعتاب مستنية إشارة. لو حد فيهم عرف بطريق البوابة دي، مش ع يقدر عليهم واصل لا جيش ولا حكومة. بس كيف ع تهد حجر مسحور بـ القوة دي يا خوي؟ السلاح اللي معايا ده أقصاه يطير رقاب، لكنه ما ع يهدش بوابات أبعاد."ا
كان الممر الصخري المؤدي إلى خارج الجبل يزداد اتساعاً كلما تقدموا، والرياح الباردة القادمة من أفق النجع بدأت تداعب الوجوه، حاملةً معها رائحة تراب الصعيد الرطب ونبت الحلفاء. مشى قاسم في المقدمة، واضعاً يده الضخمة في يد ليلى، مشبكاً أصابعه بأصابعها بقوةٍ كادت توجع عظامها، لكنها كانت الوجع المحبب الذي يطرد كوابيس الفراق. وخلفهما كان سليم يسير بخطى عسكرية متزنة، عيناه تجولان في الظلام يميناً ويساراً، وسلاحه الآلي في وضع الاستعداد، فرغم عودة السلطان، إلا أن غريزة المخابرات فيه كانت تذكره بأن "خونة الداخل" وجماعة جابر والمحامي لا يزالون يتربصون بالسرايا.في وسط هذا المسير الصامت، بدأت ليلى تلاحظ أموراً غريبة وغير مألوفة تسري في جسد زوجها. لم تكن الملاحظة بالعين المجردة فحسب، بل بحسها التخاطري الجديد الذي بات يقرأ الذبذبات الخفية في الهواء. عندما كانت تنظر إلى جانبه الأيمن، رأت عينيه الصقريتين لم تعودا كالسابق؛ كانتا تلمعان بين الحين والآخر بضوءٍ ذهبيٍ خافت، نبضاتٌ من النور السري تشع من بؤبؤ العين كلما ركز نظره على زاوية معتمة في الكهف، وكأن البُعد الآخر قد ترك وسمه الأبدي في بصيرته.
انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال
كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، حين انسلت "الحاجة نبيلة" من الظلال لتستقر في وسط الديوان، حيث كان المحامي وجابر لا يزالان يتبادلان الهمسات الخبيثة فوق أوراقهما. لم تكن نبيلة مجرد امرأةٍ مسنة، بل كانت هيبةً تمشي على الأرض، بملامحها التي نحتت فيها السنون قوة لا تقهر، وعباءتها السوداء التي تفيض برائحة العتق والهيبة. وبمجرد ظهورها، تجمد المحامي في مكانه، وحاول جابر أن يخفي الأوراق تحت المقعد، لكن نظرة نبيلة كانت أسرع وأنفذ.اتسعت عينا المحامي بذهول، ثم حاول استجماع أطراف شجاعته المصطنعة، وقال بنبرةٍ شابها الاضطراب: "يا حاجة نبيلة.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ احنا كنا بنخلص شوية أوراق تخص ملكية السرايا..".لم تلتفت له نبيلة، بل سارت ببطءٍ مهيب نحو طاولة القهوة، ووضعت يدها على "الخريطة" التي كانت ملقاةً على الطاولة. قالت نبيلة بصوتٍ هادئ كهدوءِ ما قبل العاصفة: "أوراق إيه يا ابن الأصول؟ إحنا خابرين زين اللي بيحصل، وخابرين إن اللي يمد إيده على أمانة الراوي، إيده بتنقطع. أنا سمعتكم.. سمعت كل كلمة، وعارفة إنكم بتدوروا على ليلى عشان تخلصوا منها وتبيعوا اللي وراكم واللي قدامكم."
لم تكن القاعة مجرد حيزٍ مكاني، بل كانت تجسيداً لسطوةٍ أزلية، حيث استقر "الصولجان" في يد قاسم، ثقيلاً ببريقِ السلطة المطلقة التي تمنح صاحبها مفاتيح الكون. كان الصولجان مصنوعاً من معدنٍ لا تعرفه الطبيعة، ينبض بذبذباتٍ تجعل الجبال تهتز وتتوقف عقارب الزمان. وفي تلك اللحظة، كان الحكماء يحيطون به، عيونهم تترقبه، ينتظرون منه أن ينحني، أن يعلن خضوعه لهذا النفوذ الكوني الذي سيهبه ملكاً لا يزول، ولا يطاله غدرُ الغادرين ولا كيدُ الكائدين في نجع الراوي.نظر قاسم إلى الصولجان، كان يشعر بنبضِ القوة يسري في عروقه، يغويه بأن ينسى ليلى، وينسى النجع، وينسى دماء أجداده التي تطلب منه المواجهة، ليصبح كياناً متسامياً فوق البشر. لكن في تلك اللحظة، وبينما كان الحكماء يتهامسون بكلماتِ القبول، صعدت إلى أنفِ قاسم رائحةُ "التراب" بعد المطر، رائحةُ الأرض الصعيدية الحرة، وتذكر كيف كان يغرسُ قدميه في طينِ النجع، وكيف كان يذودُ عن كل حبة رملٍ بدمائهِ لا بسحرِ الغرباء.ـ "سلطة إيه اللي بتكلموني عنها؟" زأر قاسم بصوتٍ جعلَ الصوان الأسود يتصدع تحت أقدامه. "عاوزيني أشتري ملكي في الدنيا بـ طعمي لـ عهدي مع ليلى؟







