Mag-log inعادت الأضواء لتخفت تدريجياً في شوارع المدينة الحيوية، لكن في مكتب آريان الواقع في الطابق الخمسين، كان السكون سيد الموقف. كان يجلس خلف مكتبه الضخم المصنوع من خشب الأبنوس، وأمامه ملف جلدي لم يوضع فيه سوى بطاقة ذهبية واحدة تحمل اسماً مقتضباً: "إيلين فانس".
كان آريان يدور بكرسيه ناظراً إلى أفق المدينة المتلألئ، بينما كان صدى الأرقام التي قيلت في المزاد لا يزال يتردد في مخيلته. خمسمائة مليون دولار رقم ليس بالهين، حتى بالنسبة لرجل في مكانته. لم يكن يفكر في الخسارة المالية، بل كان يحلل تلك الشخصية التي ظهرت فجأة لتكسر قواعد اللعبة التي وضعها هو وعمه منصور لسنوات. كان يتساءل عن مصدر قوتها، وعن الثبات الذي أظهرته وهي تزايد على أرض يعلم الجميع أنها هدف استراتيجي لمجموعة الزايد. دخل مساعده الخاص، عمر، بخطوات هادئة تقطع هذا الصمت، واضعاً جهازاً لوحياً أمام آريان: — "سيدي، لقد قمنا بمسح شامل لكل قواعد البيانات المتاحة، سواء في سجلات الشركات الدولية أو في دوائر الهجرة. لا يوجد ذكر لاسم إيلين فانس في الأوساط الاستثمارية قبل ثلاث سنوات من الآن. إنها تظهر في السجلات كشخصية عصامية أدارت صناديق استثمارية مغلقة في لندن، وسجلها المالي نظيف تماماً ولا تشوبه شائبة قانونية واحدة." أومأ آريان برأسه دون أن يرفع عينيه عن الأفق: "هذا النوع من الغموض هو ما يثير اهتمامي يا عمر. لا أحد يصل إلى هذه المراتب دون أن يترك أثراً خلفه. استمر في البحث، أريد أن أعرف من هم شركاؤها الحقيقيون في الخارج." على الجانب الآخر من المدينة، وتحديداً في قصر عائلة الراوي، كانت الأجواء مشحونة بنوع مختلف من الطاقة. كانت نادين تسير في غرفتها الواسعة بخطوات سريعة، وقد تخلصت من حذائها العالي وبدأت تفرك صدغيها لإسكات الصداع الذي داهمها منذ انتهاء المزاد. — "رفيق، هل أنت متأكد من أننا لم نقابل هذه المرأة من قبل؟" سألت نادين وهي تنظر لزوجها الذي كان منشغلاً بمراجعة بعض الأوراق المالية وهو يرتشف قهوته ببرود. رد رفيق دون أن يرفع نظره: "نادين، لقد قلتِ ذلك مئة مرة منذ الصباح. إيلين فانس مجرد سيدة أعمال بارعة في فن الاستفزاز. لقد درست السوق قبل مجيئها، وعرفت أن آريان لن يتنازل عن تلك الأرض، فقررت أن تلعب على وتر كبريائه لترفع السعر وتجبره على دفع مبالغ طائلة. إنه أسلوب قديم في التجارة الدولية لإنهاك المنافس مالياً قبل البدء في المشاريع الكبرى." — "لكن الطريقة التي تنظر بها.. والكلمات التي تختارها.." تمتمت نادين وهي تنظر لنفسها في المرآة، "هناك شيء غير مريح في وجودها حولنا." هز رفيق كتفيه بلامبالاة: "ما يهمنا هو أن الأرض أصبحت لنا فعلياً تحت مظلة آريان. غداً سننهي إجراءات التسجيل الرسمية، وستصبح 'القطعة 402' جزءاً من الماضي الذي لن يجرؤ أحد على نبشه. إيلين فانس مجرد عقبة صغيرة سنتجاوزها بمجرد توقيع العقود النهائية." في وقت لاحق من ذلك المساء، غادر آريان مكتبه وقرر القيام بجولة وحيدة بسيارته. وجد نفسه، بدافع لا يدركه، يتوجه نحو ضواحي المدينة، حيث يقع المصنع القديم المحترق. ترجل من سيارته وسط السكون المطبق، ولم يكن هناك سوى ضوء القمر الذي ينعكس على بقايا الجدران المتفحمة. كانت رائحة الأرض المحترقة لا تزال عالقة في المكان رغم مرور خمس سنوات. وقف آريان يتأمل الركام، وبضوء ولاعته الصغير، لمح شيئاً يلمع تحت قطعة حديدية ملتوية بالقرب من المدخل القديم. انحنى والتقط ذلك الشيء الصغير؛ كان جزءاً من "بروش" معدني على شكل وردة، تآكلت أطرافه وغطاه السواد. مسحه بطرف كمه بعناية، وتذكر أنه رأى شبيهاً له في سنوات مضت، لكنه لم يكن متأكدا. وضعه في جيبه بهدوء، لكنها أثارت في نفسه تساؤلاً عابراً عن مصير من كانوا هنا. عاد إلى سيارته، وشعر أن الفضول المهني تجاه إيلين فانس قد وصل إلى ذروته. أخرج هاتفه وطلب رقمها الموجود على بطاقتها الذهبية. جاءه صوتها الرخيم بعد لحظات: "سيد آريان؟ لم أتوقع اتصالك في هذا الوقت." — "آنسة إيلين،" قال آريان بنبرة هادئة ورزينة، "لقد كان يوماً طويلاً ومثيراً للجدل في القاعة، وأعتقد أن الحديث في مكتب رسمي أو قاعة مزاد لا يعطي فرصة حقيقية لفهم وجهات النظر الاستثمارية لكل منا. هل تقبلين دعوتي للعشاء الليلة في مطعم فندق 'ليتوال'؟ أظن أننا بحاجة لمناقشة بعض الأمور بعيداً عن صخب المزايدات." ساد صمت قصير على الطرف الآخر، قبل أن ترد إيلين بنبرة تحمل قدراً من اللباقة: "فندق 'ليتوال' مكان ممتاز. سأكون هناك في تمام التاسعة." — "ممتاز، سأقوم بحجز الطاولة. نلتقي هناك." أغلق آريان الهاتف، وهو يفكر في أن لقاء الليلة هو الطريقة الوحيدة لفك شفرة هذه المرأة التي استطاعت في وقت قصير جداً أن تشغل حيزاً كبيراً من تفكيره كتاجر يسعى دائماً لمعرفة من يقف أمامه في الساحة.كان الصمت في قصر رفيق الراوي ثقيلاً للغاية، يشوبه توتر مكتوم يُطاق بصعوبة. في صالة الاستقبال الفسيحة ذات الأثاث الكلاسيكي الفاخر، كانت نادين تمشي جيئة وذهاباً بخطوات متسارعة، وتجر ذيل رداءها الحريري خلفها، بينما صوت كعبها العالي يتردد صداده بين الجدران الرخامية ليقطع سكون المكان. كانت تلتفت بين الحين والآخر نحو زوجها رفيق، الذي كان يجلس خلف مكتبه العريض، يمسك بهاتفه الخلوي بآلية، وعيناه المحمرتان تنظران إلى الشاشة بجمود، منتظراً أي خبر أو تقرير من رجاله المنتشرين في العاصمة. رفعت نادين يديها بعصبية ونظرت إلى رفيق بنبرة يملؤها الغيظ والذعر: — "رفيق! ألن تتكلم؟! منذ البارحة ورجالك يذرعون الشوارع دون فائدة! كيف يعقل أن تتبخر فتاة مثل نور في الهواء مباشرة بعد خروجها من البنك المركزي؟! أين ذهبت بتلك الوثائق والذاكرة الخارجية؟!" ألقى رفيق هاتفه على المكتب بغضب عارم، واهتزت الصينية الفضية الموضوعة أمامه، ثم قال بصوت حاد يقطر اختناقاً: — "اخفضي صوتكِ يا نادين! هل تعتقدين أنني ألهو هنا؟! لقد فتش رجالي كل الشقق القديمة، وراقبوا الأماكن التي كنا أظن أنها قد تلجأ إليها، بل وحتى الفنادق الكبر
مرت ليلة هادئة أخرى على البيت الريفي في أطراف العاصمة. تناثرت أضواء الفجر الأولى على الحقول المجاورة، مستحثة الحياة في المكان ببطء وسكينة. كانت نور قد استيقظت مبكراً وجلست في الشرفة الخارجية تحفها برودة الصباح الخفيفة، وتتأمل شروق الشمس بملامح يملؤها الشغف والترقب.خرج آريان يحمل بين يديه ملفاً ورقياً صغيراً أرسله المحامي فاروق العطار عبر بريد مشفر، ثم جلس إلى جوارها على الكرسي الخشبي.نظر آريان إليها وقال بنبرة دافئة وواثقة:— "الأستاذ فاروق أتم صياغة المذكرة الرسمية بالكامل يا نور. التقرير المالي الجنائي والتحويلات القديمة تم ربطها بجميع البنود القانونية بشكل محكم لا يترك لرفيق الراوي أي منفذ للدفاع أو الإنكار."التفتت نور نحوه وعيناها تلمعان ببريق الأمل، وقالت بصوت هادئ يحمل نبرة ارتياح عميقة:— "هذا يعني أن اللحظة التي انتظرناها لسنوات باتت على بعد أيام قليلة فقط.. لا تصدق يا آريان كم كان يحمل هذا السر من ثقل على قلبي حين كنت أتحرك باسم مستعار."أومأ آريان رأسه بتفهم وقال:— "كنتِ صامدة وقوية دائماً يا نور. واليوم، كل خطوة نخطوها تحمي حقوق والدكِ المظلوم وتضع الأمور في نصابها الص
بدأت أشعة الشمس الدافئة تخترق الستائر القطنية الخفيفة في الصالة الرئيسية للبيت الريفي الأنيق. كان المكان يلفه هدوء ناعم بعيد عن صخب العاصمة وعيون المراقبة، ولا يُسمع فيه سوى حفيف الأشجار التي تحيط بالحديقة وصوت احتكاك أوراق الأشجار بالزجاج الخارجي.كانت نور تجلس عند الطاولة الخشبية الصغيرة وفي يدها دفتر ملاحظات وقلم، تراجع بعض التفاصيل والتواريخ القديمة الخاصة بشركة والدها سليم الراوي، لتكون جاهزة لأي استفسار قد يطلبه المحامي فاروق العطار خلال صياغة المذكرة الرسمية.تقدم آريان بخطوات هادئة وهو يحمل كأساً من القهوة الدافئة ووضعه على الطاولة إلى جوارها، ثم جلس على المقعد المقابل ونظر إليها بنبرة يملؤها الاهتمام:— "نور.. أنتِ لم ترتاحي جيداً منذ البارحة. الملفات الآن في أيدٍ أمينة مع الأستاذ فاروق، وهو يمارس عمله بدقة وسرية تامة."رفعت نور رأسها ونظرت إليه بابتسامة هادئة يحفها التعب والرضا، وقالت بصوت رقيق:— "لا أستطيع النوم بسهولة يا آريان بينما أعلم أننا على بُعد خطوات قليلة من إظهار الحقيقة. السنوات التي قضيتها وأنا أحمل هذا الثقل بمفردي جعلتني أعتاد الصبر، لكن الاقتراب من النهاية
ساد القصر الكبير لعائلة الزايد جوٌ ثقيل يطفح بالترقب والريبة منذ ساعات الصباح الأولى. كانت الممرات العريضة ذات الأرضيات الرخامية تبدو أكثر سكوناً وبرودة من المعتاد، بينما تنقلت الخادمات بخطوات حذرة لتفادي الاحتكاك بسيدات القصر.في الصالة الرئيسية المفتوحة على الحديقة الداخلية، كانت نجلاء تجلس على الأريكة الفاخرة المنجدة بالخمل الأرجواني، وتحمل بين يديها فنجان الشاي الأخضر، بينما تجلس إلى جوارها ابنتها سارة وهي تقلب هاتفها الخلوي بنزق وضجر، وتلقي بنظرات متكررة نحو السلم المؤدي إلى أجنحة الطابق الثاني.أعادت نجلاء الفنجان إلى الصينية الفضية بصوت خفيف، ثم التفتت نحو سارة وقالت بنبرة خفيضة ملؤها التوجس:— "سارة.. الملاحظ أن ثريا لم تنزل لتناول الفطور اليوم، وحتى الجدة فاطمة بقيت في جناحها. هل حاولتِ الاتصال بآريان مرة أخرى؟"زفرت سارة بضيق وألقت الهاتف على الوسادة إلى جوارها، وقالت بصوت يقطر غيظاً وحرقة:— "اتصلتُ به عشرات المرات يا أمي! هاتفه مغلق تماماً أو خارج نطاق الخدمة. منذ البارحة وأنا أشعر بأن هناك شيئاً يخفيه عنّا. آريان يتجاهل اتصالاتي باستمرار، وكلما سألته عن تحركاته أو عن تلك
في الجناح العريض للقصر الفاخر الخاص برفيق الراوي، كانت نادين تنزل السلم الداخلي برداء حريري أنيق وتحمل هاتفها الخلوي. كانت أجواء المنزل تسودها برودة خانقة وصمت غير عادي.لاحظت نادين أن رفيق لم يذق طعم النوم طوال الليلة الماضية؛ كان يجلس في صالة المكتب العريضة أمام النافذة المطلة على الحديقة، يمسك بيده كأساً من الماء وتظهر على ملامحه أثار السهر والغضب المكتوم.اقتربت نادين منه بخطوات متأنية ووضعت يدها على كتفه، ثم سألته بنبرة يملؤها الاستفسار:— "رفيق.. ما بك؟ منذ البارحة وأنت تتصل بمدير حراستك طوال الليل وتتحرك في الصالة كالمجنون. هل حدث شيء جديد مع المستثمرة إيلين فانس؟"التفت رفيق نحوها ببطء، وكانت عيناه محمرتين وشاحبتين من شدة التوتر. نظر إليها لثوانٍ دون أن يتكلم، ثم ألقى بالتقرير الأمني المطبوع الخاص بالبنك المركزي على الطاولة الزجاجية أمامها.قال رفيق بصوت خفيض يقطر ذهولاً:— "الأمر لا يتعلق بإيلين فانس إطلاقاً يا نادين.. الكارثة أكبر بكثير مما تتخيلين!"استغربت نادين من نبرته الخائفة، فأخذت الورقة المطبوعة وبدأت تقرأ أسطرها بسرعة. كانت تعتقد أن الأمر يتصل بإحدى الصفقات العقارية
توقفت السيارة في زقاق هادئ يقع خلف المبنى القديم الذي يضم مكتب المحامي الشهير فاروق العطار. كان الشارع يمتد بسكون تام بعيداً عن ضجيج السيارات وزحام وسط العاصمة.نزلت نور وآريان بخطوات هادئة ومدروسة، يتبعهما زين وليلى، ثم صعدوا جميعاً عبر الدرج الرخامي العريض وصولاً إلى الطابق الثاني.استقبلهم الأستاذ فاروق العطار في مكتبه الدافئ المليء بصفوف الكتب القانونية القديمة ورائحة الخشب العتيق. كان فاروق رجلاً في نواحي العقد السادس من عمره، يملك ملامح وقورة وعينين تتجلى فيهما الخبرة والحكمة.رحب فاروق بنور بحرارة ملحوظة، ونظر إلى ملامحها لثوانٍ معدودة قبل أن يقول بصوت دافئ يملؤه التأثر:— "سبحان الله يا ابنتي.. في عينيكِ ذات البريق الذي كان يملأ عيني والدكِ المرحوم سليم الراوي. كان سليم رجلاً شريفاً، وما حدث له كان مظلمة كبيرة ألمت بقلبي طوال هذه السنوات." جلست نور أمامه على المقعد الجلدي، وأخرجت من حقيبتها المصفحة الملف الجلدي الأحمر والذاكرة الخارجية، ثم وضعتها على الطاولة الخشبية بثبات.قالت نور بنبرة هادئة ورزينة:— "أستاذ فاروق.. هذه هي الأوراق الأصلية والتقارير المالية والتحويلات التي
بينما كان آريان غارقاً في صراعه مع سارة في المكتب، كانت إيلين في جناحها المظلم، تجلس أمام مرآة الزينة الكبيرة، لكنها لم تكن ترى انعكاس وجهها الحالي. كانت أصابعها تتحسس بآلية تلك الندبة القديمة الملتوية فوق معصمها، وهي علامة لم تنجح أرقى عمليات التجميل في محوها تماماً، وكأن القدر أراد لها أن تبقى كب
كان الفجر يزحف ببطء كئيب فوق ناطحات السحاب في المدينة، مرسلاً خيوطاً رمادية باهتة تسللت عبر النوافذ الزجاجية العملاقة لمكتب آريان. لم يكن آريان قد غادر مقعده الجلدي منذ عودته من العشاء؛ فقد كانت كلمات إيلين تدور في عقله كإعصار هادئ. لم تترك له أوراقاً، لكنها تركت له ما هو أخطر: التساؤل. كان ينظر إل
كان مطعم "ليتوال" يتربع فوق أعلى قمة في المدينة، جدرانه الزجاجية الشاهقة تكشف عن أضواء الشوارع التي بدت من الأعلى كعروق من الذهب المتشابك وسط عتمة الليل. في الداخل، كان الجو مشحوناً بهدوء مريب، تفوح منه رائحة خشب الصندل والزهور النادرة. الموسيقى الكلاسيكية كانت تتدفق بنعومة مدروسة، كأنها خُصصت لتغط
في الجناح الملكي الهادئ، كانت إيلين تقف أمام المرآة، تراقب انعكاس صورتها بطقمها الأبيض الناصع. كان لوناً يوحي بالنقاء، لكنه في معركتها اليوم يمثل القناع المثالي لخطتها الماكرة. خلفها، كان زين يراجع الأوراق النهائية لخرائط "القطعة 402".— "آريان الزايد لن يترك الأرض بسهولة،" قال زين بصوت خفيض، "لقد







