Home / الرومانسية / وريثة الرماد / الفصل الثالث: نبش القبور

Share

الفصل الثالث: نبش القبور

Author: safia
last update publish date: 2026-04-28 22:10:09

عادت الأضواء لتخفت تدريجياً في شوارع المدينة الحيوية، لكن في مكتب آريان الواقع في الطابق الخمسين، كان السكون سيد الموقف. كان يجلس خلف مكتبه الضخم المصنوع من خشب الأبنوس، وأمامه ملف جلدي لم يوضع فيه سوى بطاقة ذهبية واحدة تحمل اسماً مقتضباً: "إيلين فانس".

كان آريان يدور بكرسيه ناظراً إلى أفق المدينة المتلألئ، بينما كان صدى الأرقام التي قيلت في المزاد لا يزال يتردد في مخيلته. خمسمائة مليون دولار رقم ليس بالهين، حتى بالنسبة لرجل في مكانته. لم يكن يفكر في الخسارة المالية، بل كان يحلل تلك الشخصية التي ظهرت فجأة لتكسر قواعد اللعبة التي وضعها هو وعمه منصور لسنوات. كان يتساءل عن مصدر قوتها، وعن الثبات الذي أظهرته وهي تزايد على أرض يعلم الجميع أنها هدف استراتيجي لمجموعة الزايد.

دخل مساعده الخاص، عمر، بخطوات هادئة تقطع هذا الصمت، واضعاً جهازاً لوحياً أمام آريان:

— "سيدي، لقد قمنا بمسح شامل لكل قواعد البيانات المتاحة، سواء في سجلات الشركات الدولية أو في دوائر الهجرة. لا يوجد ذكر لاسم إيلين فانس في الأوساط الاستثمارية قبل ثلاث سنوات من الآن. إنها تظهر في السجلات كشخصية عصامية أدارت صناديق استثمارية مغلقة في لندن، وسجلها المالي نظيف تماماً ولا تشوبه شائبة قانونية واحدة."

أومأ آريان برأسه دون أن يرفع عينيه عن الأفق: "هذا النوع من الغموض هو ما يثير اهتمامي يا عمر. لا أحد يصل إلى هذه المراتب دون أن يترك أثراً خلفه. استمر في البحث، أريد أن أعرف من هم شركاؤها الحقيقيون في الخارج."

على الجانب الآخر من المدينة، وتحديداً في قصر عائلة الراوي، كانت الأجواء مشحونة بنوع مختلف من الطاقة. كانت نادين تسير في غرفتها الواسعة بخطوات سريعة، وقد تخلصت من حذائها العالي وبدأت تفرك صدغيها لإسكات الصداع الذي داهمها منذ انتهاء المزاد.

— "رفيق، هل أنت متأكد من أننا لم نقابل هذه المرأة من قبل؟" سألت نادين وهي تنظر لزوجها الذي كان منشغلاً بمراجعة بعض الأوراق المالية وهو يرتشف قهوته ببرود.

رد رفيق دون أن يرفع نظره: "نادين، لقد قلتِ ذلك مئة مرة منذ الصباح. إيلين فانس مجرد سيدة أعمال بارعة في فن الاستفزاز. لقد درست السوق قبل مجيئها، وعرفت أن آريان لن يتنازل عن تلك الأرض، فقررت أن تلعب على وتر كبريائه لترفع السعر وتجبره على دفع مبالغ طائلة. إنه أسلوب قديم في التجارة الدولية لإنهاك المنافس مالياً قبل البدء في المشاريع الكبرى."

— "لكن الطريقة التي تنظر بها.. والكلمات التي تختارها.." تمتمت نادين وهي تنظر لنفسها في المرآة، "هناك شيء غير مريح في وجودها حولنا."

هز رفيق كتفيه بلامبالاة: "ما يهمنا هو أن الأرض أصبحت لنا فعلياً تحت مظلة آريان. غداً سننهي إجراءات التسجيل الرسمية، وستصبح 'القطعة 402' جزءاً من الماضي الذي لن يجرؤ أحد على نبشه. إيلين فانس مجرد عقبة صغيرة سنتجاوزها بمجرد توقيع العقود النهائية."

في وقت لاحق من ذلك المساء، غادر آريان مكتبه وقرر القيام بجولة وحيدة بسيارته. وجد نفسه، بدافع لا يدركه، يتوجه نحو ضواحي المدينة، حيث يقع المصنع القديم المحترق. ترجل من سيارته وسط السكون المطبق، ولم يكن هناك سوى ضوء القمر الذي ينعكس على بقايا الجدران المتفحمة. كانت رائحة الأرض المحترقة لا تزال عالقة في المكان رغم مرور خمس سنوات. وقف آريان يتأمل الركام، وبضوء ولاعته الصغير، لمح شيئاً يلمع تحت قطعة حديدية ملتوية بالقرب من المدخل القديم.

انحنى والتقط ذلك الشيء الصغير؛ كان جزءاً من "بروش" معدني على شكل وردة، تآكلت أطرافه وغطاه السواد. مسحه بطرف كمه بعناية، وتذكر أنه رأى شبيهاً له في سنوات مضت، لكنه لم يكن متأكدا. وضعه في جيبه بهدوء، لكنها أثارت في نفسه تساؤلاً عابراً عن مصير من كانوا هنا.

عاد إلى سيارته، وشعر أن الفضول المهني تجاه إيلين فانس قد وصل إلى ذروته. أخرج هاتفه وطلب رقمها الموجود على بطاقتها الذهبية. جاءه صوتها الرخيم بعد لحظات: "سيد آريان؟ لم أتوقع اتصالك في هذا الوقت."

— "آنسة إيلين،" قال آريان بنبرة هادئة ورزينة، "لقد كان يوماً طويلاً ومثيراً للجدل في القاعة، وأعتقد أن الحديث في مكتب رسمي أو قاعة مزاد لا يعطي فرصة حقيقية لفهم وجهات النظر الاستثمارية لكل منا. هل تقبلين دعوتي للعشاء الليلة في مطعم فندق 'ليتوال'؟ أظن أننا بحاجة لمناقشة بعض الأمور بعيداً عن صخب المزايدات."

ساد صمت قصير على الطرف الآخر، قبل أن ترد إيلين بنبرة تحمل قدراً من اللباقة: "فندق 'ليتوال' مكان ممتاز. سأكون هناك في تمام التاسعة."

— "ممتاز، سأقوم بحجز الطاولة. نلتقي هناك."

أغلق آريان الهاتف، وهو يفكر في أن لقاء الليلة هو الطريقة الوحيدة لفك شفرة هذه المرأة التي استطاعت في وقت قصير جداً أن تشغل حيزاً كبيراً من تفكيره كتاجر يسعى دائماً لمعرفة من يقف أمامه في الساحة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وريثة الرماد    الفصل الثالث والعشرون: سراديب الماضي

    مع أولى خيوط الفجر، كان الضباب يلف مبنى "بنك باريس الدولي" الأثري، محولاً أعمدته الحجرية الضخمة إلى ما يشبه الحراس الصامتين. نزلت إيلين من السيارة بخطوات ثابتة، يرافقها آريان الذي كانت نظراته تشتعل بالترقب، بينما اتخذ زين موقعه في المحيط الخارجي لتأمين المداخل.تقدمت إيلين نحو موظف الاستقبال، وأبرزت بطاقتها والمفتاح الذهبي، لكن الموظف تجمد بعد أن أدخل البيانات في حاسوبه، ونظر إليها بأسف:— "معذرة يا آنسة فانس، لقد تلقينا أمراً قانونياً عاجلاً قبل نصف ساعة فقط من وكيل رسمي يدعى السيد رفيق.. الحساب والصندوق رقم (05.10.1995) تحت التحفظ المؤقت لوجود نزاع قضائي."اتسعت عينا آريان بصدمة، وهمس بغضب: "لقد فعلها الجبان! استخدم علاقاته القديمة لعرقلتنا قانونياً."لم تبتسم إيلين ولم تتراجع، بل مالت نحو الموظف وقالت بنبرة حادة وصوت خفيض للغاية:— "اتصل بمدير الفرع فوراً، وأخبره أن المستثمرة 'إيلين فانس' تملك تفويضاً موقعاً من سليم الراوي نفسه قبل وفاته، وإذا لم يدخلني إلى غرفة الخزائن خلال دقيقتين، سأسحب كافة استثمارات مجموعتي من مصرفكم قبل نهاية اليوم."أثمرت لهجة الثقة القاتلة؛ وبعد دقيقة واحدة

  • وريثة الرماد    الفصل الثاني والعشرون: لمسات ما قبل العاصفة

    توقفت إيلين عن ترتيب أغراضها، ونظرت إلى المفتاح الذهبي القابع في علبة مخملية صغيرة. أمسكت به، وشعرت ببرودته تنتقل إلى أصابعها. — "أعلم يا آريان. رفيق سيحاول ضربي في باريس لأنه يعتقد أنني هناك سأكون مقطوعة الجذور. هو لا يفهم أنني في باريس أكون أقوى، لأن كل زاوية في تلك المدينة تذكرني لماذا بدأتُ هذه الحرب." اقترب آريان منها، وبصوت خفيض سألها: — "وماذا عن نادين؟ إنها خائفة، والخائف قد يرتكب حماقات غير متوقعة." ابتسمت إيلين ابتسامة غامضة وهي تضع جهاز تشويش صغيراً داخل بطانة حقيبتها: — "نادين هي الحلقة الأضعف، ورفيق يعلم ذلك، لذا سيبقيها بجانبه ليراقبها. خطتنا تعتمد على استدراجهم للظن بأنهم هم من يطاردوننا. سنعطيهم إشارات خاطئة، وسنجعلهم يظنون أننا نسير في فخهم، بينما نحن من يرسم حدود الساحة." أخرجت إيلين هاتفاً مشفراً كانت قد أعدته مسبقاً، ومررت لآريان جهازاً مشابهاً: — "منذ هذه اللحظة، اتصالاتنا ستكون عبر هذه الأجهزة فقط. زين لديه أوامر واضحة؛ إذا تعرضنا لأي خطر، فلن يتدخل إلا في اللحظة التي يحددها هو. تذكر يا آريان، في باريس، نحن لسنا سياحاً ولا مستثمرين.. نحن صائدو حقيقة." في

  • وريثة الرماد    الفصل الحادي والعشرون: كمين الأضواء

    ساد الصمت الغرفة، وكأن الهواء تجمد بين نظرات إيلين الحادة وارتجاف نادين المكتوم. رفيق، الذي كان يحاول لملمة شتات كبريائه الجريح، لم ينزل عينيه عن المفتاح الذهبي. كان يعلم أن هذا الجسم الصغير هو "القنبلة" التي ستدمر كل ما بناه فوق جثث آل الراوي. كسرت إيلين الصمت وهي تسحب العقود القديمة وتدفعها بعيداً عنها: — "لن أوقع على هذه الأوراق اليوم يا رفيق. الشروط تغيرت تماماً. سأمنحك مهلة ثمان وأربعين ساعة فقط لإعادة صياغة الشراكة؛ أريد نسبة 60% من الأرباح، وحق الإدارة الكاملة للمصنع الجديد، بالإضافة إلى كشف كامل بجميع الأصول التي كانت ملكاً لسليم الراوي قبل الحريق." انتفض رفيق من مقعده، وصاح بصوت مخنوق: — "هذا جنون! أنتِ تطلبين تجريدي من سلطتي! وما المقابل؟" ابتسمت إيلين ببرود وهي تضع المفتاح في حقيبتها: — "المقابل هو صمتي. سأذهب إلى باريس بمفردي لفتح الصندوق. إذا وجدتُ فيه ما يثبت براءتك من الاختلاس، سنوقع على العقود الجديدة وتستمر شراكتنا. أما إذا وجدتُ ما أخشاه.. فالمفتاح سيذهب مباشرة إلى النائب العام." نظر رفيق إليها، وكان عقله يعمل بسرعة البرق. أومأ برأسه ببطء، وفي عينيه لمعة غدر ل

  • وريثة الرماد    الفصل العشرون: ميزان الحساب

    لم تذق إيلين طعم النوم في تلك الليلة؛ قضت ساعاتها وهي تتأمل المفتاح الذهبي والورقة الصغيرة، وكأنها تستمد منهما القوة لمواجهة الشياطين التي تنتظرها خلف أبواب القصر. عندما أشرقت شمس الصباح، ارتدت إيلين بدلة رسمية سوداء حادة الزوايا، وجمعت شعرها بصرامة تعكس حزمها، ثم توجهت مع آريان وزين نحو القصر. في مكتب رفيق، كان الهواء ثقيلاً برائحة التبغ والتوتر. كان رفيق يجلس خلف مكتبه الضخم، وأمامه نادين التي كانت تحاول إخفاء ارتعاش يديها بتمثيل دور المنشغلة بترتيب الأوراق. على الطاولة، كانت العقود النهائية مجهزة، تنتظر توقيعاً واحداً لتعلن سيطرة رفيق المطلقة. — "أهلاً بكِ يا آنسة إيلين،" قال رفيق بنبرة واثقة وهو يشير إلى المقعد المقابل له، "أتمنى أن تكون رحلة باريس قد أقنعتكِ بأن الوقت قد حان لننظر للمستقبل بدلاً من مطاردة أوهام لا وجود لها." جلست إيلين بهدوء، ووضعت حقيبتها على الطاولة ببطء شديد. لم تنظر للعقود، بل كانت عيناها مثبتتين على رفيق ببرود جعل الابتسامة تتجمد على شفتيه. — "المستقبل يُبنى على أسس متينة يا سيد رفيق،" ردت إيلين بصوت هادئ، "وأنا لا أوقع على بياض قبل أن أتأكد من أن كل الث

  • وريثة الرماد    الفصل التاسع عشر: خيط النجاة

    تسمر آريان وإيلين في مكانهما، بينما كان ضوء كشاف الحارس يمسح زجاج النافذة المترب، مخلفاً ظلالاً مرعبة تتراقص على الجدران. كانت نغمات صندوق الموسيقى الصدئة تتلاشى ببطء، لكن صدى صوت الحارس كان لا يزال يتردد في الخارج بتهديد واضح. في تلك اللحظة، لم تفقد إيلين رباطة جأشها؛ أخرجت هاتفها بسرعة وحجبت ضوء الشاشة ببراعة خلف صندوق قديم، ثم كتبت رسالة عاجلة إلى زين الذي كان يراقب المحيط من الخارج: "نحن محاصرون داخل الملحق القديم. الحارس عند الباب. تصرف فوراً." خارج القصر، وعلى مسافة كافية تمنحه رؤية شاملة للمكان، استلم زين الرسالة. لم يتردد ثانية واحدة؛ تحرك بخفة ظل لا تراه الأعين، والتقط حجراً ضخماً من الأرض، وقذفه بقوة هائلة نحو الجانب الآخر من الحديقة، وتحديداً باتجاه مرآب السيارات التابع للقصر، حيث اصطدم الحجر بوعاء معدني كبير محدثاً جلبة مدوية. توقف الحارس أمام باب الملحق، واستدار بجسده بالكامل نحو مصدر الصوت. — "من هناك؟" صاح الحارس، وهو يوجه كشافه وسلاحه نحو المرآب، بعيداً عن الملحق تماماً. انتظر الحارس لثوانٍ، وعندما لم يتلقَّ ردًا، بدأ يبتعد بخطوات سريعة ليتفحص الأرجاء، ظنًا منه أ

  • وريثة الرماد    الفصل الثامن عشر: في عتمة الذكريات

    خيم سكون الموت على القصر العظيم، ولم يكن يقطعه سوى حفيف أوراق الأشجار تحت وطأة الرياح الليلية الباردة. في تمام الساعة الثانية صباحاً، توقفت سيارة سوداء مطفأة الأنوار عند المنعطف الخلفي للسور الحجري. ترجلت إيلين وهي ترتدي معطفاً داكناً يخفي ملامحها، لتجد آريان بانتظارها، يتوارى خلف ظل شجرة ضخمة.— "لقد ظننتُ أنكِ لن تأتي،" همس آريان وهو يقترب منها، وكان بإمكانه رؤية بريق التصميم في عينيها رغم الظلام.— "الفرص الأخيرة لا تُفوّت يا آريان،" ردت بصوت خفيض ومركز.تحركا بحذر نحو السور الجانبي، حيث كانت هناك ثغرة قديمة في نظام المراقبة يعرفها آريان من أيام طفولته. تسللا عبر الحديقة الخلفية، يتجنبان كشافات الحرس التي كانت تمسح الممرات الرئيسية بانتظام. كان قلب إيلين يخفق بشدة، ليس خوفاً من رفيق، بل لقربها من "المنطقة المحرمة" التي لم تطأها قدمها منذ تلك الليلة المشؤومة.وصلا إلى الأبواب الخشبية الثقيلة للملحق القديم، وهو بناء منفصل كان يُستخدم قديماً لسكن الخدم وتخزين الفائض. كان القفل صدئاً، لكن آريان استطاع فتحه بهدوء باستخدام أدوات بسيطة كان يحملها. انفتح الباب بصرير طفيف جعل أنفاسهما تتوقف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status