LOGIN
لم تكن إيلارا فين تعرف أن للرماد ذاكرة، ولم يخبرها أحد يومًا أن الأشياء التي تلتهمها النيران لا تختفي بالضرورة، فبعضها يظل عالقًا في الهواء، وبعضها يختبئ تحت الأرض، وبعضها الآخر يجد طريقه إلى دم شخص لم يكن يُفترض به أن يولد أصلًا، ولهذا عندما فتحت عينيها في تلك الليلة على رائحة احتراق ثقيلة تملأ غرفتها، لم يكن أول ما خطر لها أن تهرب، بل بقيت لثوانٍ طويلة تحدق في السقف المظلم محاولة أن تقنع نفسها بأنها ما تزال عالقة داخل أحد كوابيسها المتكررة.
لكن صوت فرقعة حادة جاء من النافذة، تبعته حرارة غريبة ضربت جانب وجهها، فانتفضت جالسة وسحبت الغطاء عن جسدها قبل أن تتسع عيناها وهي ترى الستارة تحترق أمامها. قفزت من السرير وهي تلهث، ومدت يدها نحو كوب الماء الموضوع على الطاولة الصغيرة، لكن أصابعها لم تصل إليه، فقد حدث شيء جعلها تتجمد في مكانها تمامًا. توقفت النار. لم تنطفئ، بل بقي اللهب معلقًا فوق الستارة كأنه صورة جامدة، أطرافه البرتقالية ثابتة في الهواء، بينما ظل الدخان ساكنًا فوقها كغيوم سوداء حُبست داخل الزمن. «ما الذي...؟» خرج صوتها ضعيفًا، وما إن نطقت حتى تحرك اللهب من جديد، لكن ليس نحو الأعلى. انحنى باتجاهها. تراجعت إيلارا خطوة فاصطدمت ساقها بحافة السرير، بينما امتدت النار ببطء في الهواء كأنها تبحث عنها، ولم تعرف لماذا لم تصرخ، أو لماذا لم تركض نحو الباب الموجود على بعد خطوات قليلة منها، فقد كان هناك شيء مرعب ومألوف في الوقت نفسه في تلك النيران، شيء جعلها تشعر بأنها رأتها من قبل، ليس في كوابيسها فحسب، بل في مكان أقدم بكثير من ذاكرتها نفسها، وحين رفعت يدها دون وعي حدث ما كان كفيلًا بأن يجعلها تشك في كل شيء عرفته عن نفسها طوال واحد وعشرين عامًا. تجمعت ألسنة اللهب حول أصابعها. شهقت وسحبت يدها بسرعة، لكنها لم تشعر بألم، فعادت تنظر إليها وهي تتوقع رؤية جلدها محترقًا، غير أن بشرتها كانت سليمة تمامًا، حتى إن الحرارة التي كانت تملأ الغرفة اختفت من حولها للحظات، وكأن النار حين لمستها فقدت قدرتها على الإيذاء. «لا... لا، هذا غير حقيقي.» تمتمت بها وهي تهز رأسها، ثم اندفعت أخيرًا نحو الباب، غير أن الضوء انطفأ في اللحظة التي أمسكت فيها المقبض، وغرقت الشقة الصغيرة في ظلام كامل، فشهقت والتصق ظهرها بالباب، بينما جاءها صوت ارتطام قوي من الطابق السفلي. ثم آخر. ثم صمت. كان عليها أن تتصل بالشرطة، هذا أول ما أخبرها به عقلها حين تمكنت من التفكير مجددًا، لذلك تحسست جيب ثوب نومها قبل أن تتذكر أنها تركت هاتفها بجانب السرير، فالتفتت بخوف واستدارت نحو الغرفة، لكنها توقفت عندما سمعت خطوات في الخارج. خطوة. ثم ثانية. كانت بطيئة وثقيلة، ولم تكن قادمة من داخل البناية، بل من الممر المؤدي إلى شقتها تحديدًا. وضعت كفها فوق فمها، وحاولت ألا تصدر صوتًا بينما أخذت الخطوات تقترب، إلى أن توقفت مباشرة أمام الباب. لم يتحرك المقبض. لم يطرق أحد. مرت عدة ثوانٍ جعلتها تتمنى لو أن الشخص الموجود خلف الباب يفعل أي شيء بدل ذلك الصمت الخانق، ثم جاءها صوت رجل منخفض من الجهة الأخرى: «ابتعدي عن الباب.» تجمد الدم في عروقها. لم تعرف الصوت. «من أنت؟» لم يجب. «سأطلب الشرطة.» جاءها رده ببرود غريب: «لن يصلوا.» ابتلعت ريقها، ثم مدت يدها ببطء نحو المزلاج الإضافي، لكن الرجل تحدث مرة أخرى: «قلت ابتعدي عن الباب.» وفي اللحظة التالية انفجر الخشب إلى الداخل. صرخت إيلارا وسقطت على الأرض، وتناثرت قطع الباب فوق الممر بينما اندفع شيء أسود عبر الفتحة بسرعة لم تستطع عيناها متابعتها، ولم ترَ سوى ظل ضخم اصطدم بالجدار المقابل ثم صوت هدير لا يشبه أي حيوان سمعته في حياتها، وبعدها دخل الرجل. كان طويلًا بصورة جعلت المدخل يبدو أصغر خلفه، يرتدي معطفًا أسود وصل إلى ركبتيه، وشعره الداكن مبتل بالمطر، أما عيناه فكانتا بلون رمادي بارد لم ترَ مثله من قبل، لكن أكثر ما أخافها لم يكن ظهوره المفاجئ ولا السكين الطويلة التي كانت في يده، بل الطريقة التي نظر بها إليها، إذ لم تكن نظرة رجل يرى امرأة للمرة الأولى، كانت نظرة شخص وجد أخيرًا شيئًا ظل يبحث عنه لسنوات. «أنتِ...» تراجعت إيلارا على الأرض وهي تنظر إليه بصدمة، ثم إلى الشيء الذي كان يتحرك في الظلام خلفه، قبل أن ترفع قطعة خشبية مكسورة وجدتها بجانبها وتهتف: «لا تقترب مني!» هبطت عيناه نحو الخشبة، ثم عادت إليها. «هذه لن تحميك.» «خطوة واحدة وسأعرف إن كانت ستحميني أم لا!» كان الخوف يجعل صوتها يرتجف رغم محاولتها إخفاءه، ومع ذلك لم يقترب، بل نظر إلى النار التي ما تزال تشتعل داخل غرفتها، ثم إلى يدها التي لامسها اللهب قبل دقائق، وتغير شيء في ملامحه، اختفت برودته للحظة وحل محلها شيء أقرب إلى عدم التصديق. «لم تحرقك.» نظرت إيلارا إلى يدها بسرعة ثم أخفتها خلف ظهرها. «اخرج من منزلي.»لم تنتظر لترى ما هو، فقد صرخت بالسائق أن يدخل أول شارع على اليمين، فانحرف بعنف حتى كادت السيارة تصطدم بالرصيف، ثم انطلق داخل منطقة تجارية مزدحمة، وهناك بدأت السيارات والمارة يشكلون حاجزًا بينهم وبين مطارديهم، فاستغل السائق الفرصة واندفع عبر مخرج جانبي قبل أن يوقف السيارة فجأة قرب صف من المتاجر ويطلب منها النزول، موضحًا أنه لن يواصل هذه المطاردة مهما دفعت له.لم تجادله.فتحت الباب وخرجت مسرعة، ثم دخلت بين الناس قبل أن تتمكن من التفكير في وجهتها، وكانت تتحرك بلا خطة سوى الابتعاد عن الشارع الرئيسي، تمر بين المارة وتلتفت خلفها كل عدة خطوات، حتى اختلطت عليها الوجوه ولم تعد تعرف إن كان الخطر خلفها أم أمامها، لكنها حين وصلت إلى ممر جانبي أقل ازدحامًا سمعت صوت باب سيارة يغلق في مكان قريب.توقفت.كان عليها العودة إلى الشارع المزدحم.استدارت، لكن رجلًا ظهر عند مدخل الممر.لم تره من قبل.كان طويلًا، يرتدي ملابس داكنة، ولم يكن في ملامحه شيء يلفت الانتباه لولا أنه لم يتحرك مثل شخص ضل طريقه، بل وقف بهدوء ونظر إليها مباشرة، وكأنه كان يعرف بالضبط من ينتظر.تراجعت خطوة.فتقدم خطوة.لم تسأله من يكون.ر
لم تستطع أن تحدد اللحظة التي تحول فيها ذلك الشعور الثقيل الذي لازمها منذ الصباح إلى يقين حقيقي بأن شيئًا ما يراقبها، فقد حاولت طوال الطريق أن تقنع نفسها بأن ما حدث خلال الأيام الماضية جعل أعصابها أكثر حساسية من المعتاد، وأن نظراتها المتكررة خلفها ليست سوى نتيجة طبيعية للخوف الذي لم يمنحها فرصة واحدة كي تستعيد هدوءها، إلا أن السيارة السوداء التي ظهرت للمرة الثالثة في المرآة الجانبية جعلت كل تلك المحاولات تنهار دفعة واحدة، لأنها لم تكن تسير خلفها مصادفة، ولم تكن المسافة الثابتة التي تفصل بينهما طبيعية، والأسوأ من ذلك كله أن زجاجها الداكن منعها من رؤية وجه السائق أو معرفة عدد الأشخاص الموجودين بداخلها.شدت أصابعها حول حقيبتها الموضوعة فوق ساقيها، وحاولت ألا تلتفت مرة أخرى حتى لا تكشف أنها انتبهت إليهم، بينما كان قلبها يزداد اضطرابًا كلما انعطفت السيارة التي تقلها إلى شارع جديد لتجد تلك السيارة تنعطف خلفها بعد ثوان، وعندما وصل السائق إلى تقاطع مزدحم وتوقف بسبب الإشارة الحمراء، رفعت عينيها ببطء نحو المرآة الصغيرة أمامه، فرأت السيارة السوداء تتوقف خلفهم على مسافة سيارتين فقط، وحينها شعرت بب
أو قريبًا منه إلى درجة يستحيل معها اعتبار الأمر مصادفة.شعرت إيلارا ببرودة تزحف إلى أطرافها، فأغلقت الهاتف ثم فتحته مجددًا كأنها تتوقع أن يتغير ما رأته، إلا أن العلامتين بقيتا أمامها متشابهتين: الدائرة غير المكتملة، الخط العمودي الذي يخترق منتصفها، والانحناءات الصغيرة حول أطرافها كأنها ألسنة نار تتجه إلى الداخل بدل الخارج.همست لنفسها:«من أنت يا كايل؟»لم تحصل على إجابة، لكن صوتًا خافتًا جاء من خارج غرفتها في اللحظة نفسها.خطوة.ثم أخرى.توقفت إيلارا عن الحركة تمامًا.كان المنزل هادئًا، والساعة تجاوزت منتصف الليل، ولم يكن من المفترض أن يكون أحد مستيقظًا، لذلك أعادت الأشياء إلى الصندوق بسرعة وأغلقته، ثم دفعته أسفل الوسادة قبل أن تتجه نحو الباب، ولم تفتحه مباشرة، بل وضعت أذنها عليه وانتظرت.لا شيء.مدت يدها إلى المقبض، وقبل أن تديره سمعت صوت احتكاك خفيف من الجهة الأخرى، كأن شخصًا كان واقفًا أمام غرفتها ثم تحرك مبتعدًا حين شعر باقترابها.فتحت الباب فجأة.كان الممر فارغًا.لكن النافذة الموجودة في نهايته كانت مفتوحة.تحرك الستار الأبيض مع الهواء البارد، وبالقرب منه لمع شيء صغير على الأرض،
لكنه وقف.«يكفي الليلة.»نهضت هي الأخرى بغضب.«لا، لا يكفي! أنت الذي جئت إلي، وأنت الذي أخذتني من منزلي، والآن تخبرني أن أشخاصًا لا أعرفهم يريدونني بسبب شيء لا أعرفه ثم تقول يكفي؟»استدار إليها.كانت المسافة بينهما قصيرة، أقصر مما انتبهت إليه في البداية، فتوقفت كلماتها للحظة حين وجدت نفسها مضطرة إلى رفع رأسها لتنظر إليه، بينما ظل كايل ساكنًا أمامها.«هناك أشياء إذا عرفتها الآن لن تستطيعي نسيانها.»قالت بعناد:«ربما لا أريد نسيانها.»ثبت نظره عليها طويلًا، وكأنه يقرر إن كان سيقول شيئًا أم لا، ثم اقترب قليلًا وهمس:«حين تعرفين الحقيقة، قد تتمنين لو بقيت جاهلة بها.»لم تعرف لماذا جعلتها كلماته تشعر بالخوف أكثر من كل ما حدث في الغابة.ابتعد عنها وأشار إلى الدرج.«الغرفة الثانية على اليمين لك، والباب يغلق من الداخل إذا كان وجودي يخيفك.»نظرت إليه للحظات ثم قالت:«لا أخاف منك.»ظهرت على شفتيه ابتسامة صغيرة بالكاد ولدت قبل أن تختفي.«يجب أن تفعلي.»ثم تركها وصعد الدرج.بقيت إيلارا في مكانها تحدق في ظهره حتى اختفى، وبعدها أنزلت عينيها إلى معصمها ببطء.كانت العلامة لا تزال هناك.لكن شيئًا تغير
هذه المرة لم تجادله. دخلت السيارة وأغلقت الباب، وظلت تراقب من خلف الزجاج بينما اختفى كايل للحظات داخل الظلام، وكانت أنفاسها تتسارع مع كل ثانية تمر، إلى أن ظهر مجددًا وفتح باب السائق وجلس خلف المقود، ولم يوقفها الدم الجديد الذي لطخ يده. انطلقت السيارة بسرعة. ابتعدت الأشجار خلفهما، وبقيت إيلارا صامتة وهي تضغط أصابعها بعضها ببعض، إلا أن الأسئلة داخل رأسها كانت أكثر ضجيجًا من أن تتحملها، وبعد دقائق التفتت إليه قائلة: «ما الذي كان هناك؟» «شيء لا تريدين معرفته.» «توقف عن فعل ذلك.» نظر إليها سريعًا. «فعل ماذا؟» «التصرف وكأنك تعرف كل شيء بينما يفترض بي أن أتبعك دون سؤال، أنت تعرف اسمي، تعرف العلامة الموجودة على جسدي، وهناك شيء كان يلاحقنا منذ قليل، ومع ذلك تتوقع مني أن أجلس هنا بصمت؟» عاد ببصره إلى الطريق. «نعم.» حدقت فيه بغيظ. «أنت مستفز.» «قيل لي ذلك من قبل.» كان من المفترض أن تزيدها إجابته غضبًا، لكنها وجدت نفسها تصمت للحظة، ثم انتبهت إلى الدم الذي بدأ يتسرب من أسفل كم قميصه، فأشارت إليه قائلة: «أنت مصاب.» «خدش.» «الخدوش لا تنزف بهذه الطريقة.» «وهل أصبحت طبيبة الآن؟» «ل
لم تكن إيلارا من النوع الذي يثق بالغرباء، وبالتأكيد لم تكن من النوع الذي يترك المكان الذي اعتادت الاحتماء به في منتصف الليل برفقة رجل يحمل سكينًا ملطخة بالدماء ويعرف اسمها دون أن تكون قد أخبرته به، لكن المشكلة أن حياتها منذ تلك الليلة لم تعد تسير وفق الأشياء التي تؤمن بها أو القواعد التي وضعتها لنفسها، فكل ما حدث منذ اللحظة التي ظهرت فيها تلك العلامة الغريبة على جلدها، وحتى اللحظة التي وجدت فيها هذا الرجل واقفًا أمامها بنظرات باردة وكأنه يعرف عنها أكثر مما تعرفه هي عن نفسها، كان يدفعها إلى حقيقة واحدة لم تكن مستعدة للاعتراف بها: أن العالم الذي عاشت فيه طوال سنوات لم يكن العالم الحقيقي كله.تراجعت إيلارا خطوة وهي تراقبه بحذر، ولم تفارق عيناها السكين التي استقرت بين أصابعه بثبات غريب، بينما كان هو واقفًا أمامها دون أن يبدو عليه أي توتر، وكأن وجوده في هذا المكان المظلم وفي هذه الساعة المتأخرة أمر طبيعي تمامًا، ثم رفع عينيه إليها وقال بصوت منخفض:«إذا أردت البقاء حية، عليك أن تأتي معي.»حدقت فيه لثوان طويلة قبل أن تسأله بحدة حاولت من خلالها إخفاء ارتجاف صوتها:«ومن قال إني أثق بك؟»لم يجب







